أنت هنا:سير الأعلام»الشيخ المكي بن عزوز و اهتداؤه إلى السلفيـة

الشيخ المكي بن عزوز و اهتداؤه إلى السلفيـة

  • سمير سمراد
تم قراءة المقال 1721 مرة

 

* نشأته ونسبه:

هو محمَّد المكِّي بن مصطفى بن محمَّد ابن عزُّوز... [البُرْجِيُّ أصلاً]؛ أصلهم من قرية تسمَّى «البرج» من صحراء بسكرة، [النَّفطي مولدًا ومنشأً]؛ حيثُ كانت ولادته بنفطة في 15 رمضان 1270 هجرية، حوالي 1850م.

جدُّه هو: الشَّيخ محمَّد بن عزُّوز الشَّريف الحَسَنِي الإدريسي (وُلد بالبرج من صحراء بسكرة في حدود سنة 1170، وتوفِّي سنة 1233...، رحل لزيارة الشَّيخ الأكبر سيدي محمَّد بن عبد الرَّحمن الأزهري [دفين الجزائر]، وأخذ عنه الطَّريقة [الرَّحمانيَّة، وهو الَّذي نشرها في الصَّحراء... وقد أنشأ زاويةً لنشر الطَّريقة في قريته «البرج»، وترك تلاميذ أنشؤوا زوايَا، منهم الشَّيخ علي بن عمر صاحب زاوية طولقة الشَّهيرة...]...» اهـ(1).

والِدُه هو: الشَّيخ مصطفى بن محمَّد ابن عزُّوز، هاجر من الجزائر ـ أثناء الاحتلال الفرنسي ـ إلى جنوب تونس؛ فاستقرَّ في «نفطة» بالجريد، وقد أنشأ  بها زاويةً، وصار ينشر العلم والطَّريقة الرَّحمانيَّة، فَوُلِدَ له في «نفطة» ابنه «المكي ابن عزوز»(2).

«وتولَّى والدُه تربيتَه وتعليمَه وتوجيهه، وكانت «نفطة» و«توزر» يومئذ آهلتين بالعلم، زاخرتين بالأدب، ناشطتي حركة التَّدريس والحوار والتَّأليف حتَّى اشتهرتا باسم: «الكوفة» و«البصرة».

* علمه ومعارفه:

فكان مُتَرْجمُنا بما أُوتي من المواهب وما اكتسبه من جميل النَّشأة وطيب التَّوجيه، مقرًّا لتلقِّي نتائج العلم الَّتي استقرَّت عند المشار إليهم من علماء الجريد، أمثال عمِّه الشَّيخ محمَّد المدني بن عزُّوز والشَّيخ النُّوري بن بلقاسم النّفطي، والشَّيخ إبراهيم البختري التَّوزري.

ثم ارتحل إلى تونس مكتمل التَّحصيل كما يرتحل الطُّلاَّب إلى العواصم الجامعيَّة الكبرى، فأخذ بجامع الزَّيتونة الأعظم عن أعيان أعلامه شيخ الإسلام محمَّد الشَّاذلي ابن صالح، وشيخ الإسلام أحمد بن الخوجة، وشيخ الإسلام سالم بوحاجب، والعلماء الكبار: عمر ابن الشَّيخ [المفتي المالكي]، ومحمَّد النَّجَّار [المفتي المالكي]، ومصطفى رضوان، وشيخ الإقراء محمَّد البشير التُّواتي.

فتأصَّل علمه وعَلَتْ منزلته واشتهر بامتيازه بالتَّفوُّق في الفنون الأدبيَّة والبراعة في العلوم الرِّياضيَّة»(3).

قال «أرنولد. قرين» في كتابه «العلماء التُّونسيُّون» (ص234): «كان من نوابغ طلبة جامع الزَّيتونة، وقد ألَّف ونشر كتابين، وهو لا يزال طالبًا [وأحال على: العددين (60) و(68) من مجلَّة «إِبْلاَ»]» اهـ.

* اتِّصاله بمؤسِّس «زاوية الهامل»:

يقول الفاضل بن عاشور: «ودعاه إلى القطر الجزائري نازعُ العِرْقِ ورحم الخؤولة وصلة العرين؛ فسافر متردِّدًا عليه، واتَّصل هنالك بالأستاذ المربِّي الأشهر الشَّيخ محمَّد بن أبي القاسم [الخلوتي الرَّحماني طريقةً] صاحب زاوية بوسعادة بين سلسلة جبال الزَّاب والسَّبخة المعروفة بـ«زاوية الهامل»، فاتَّخذه شيخَ سُلُوكٍ وتربية وتوجيه [وقال الكتَّاني: «هو شيخ سلوكه وإليه ينتسب»، وقد ألَّف فيه: «برق المباسم في ترجمة الشَّيخ سيدي محمَّد بن أبي القاسم»، كما ألَّف «الرِّحلة الهاملية»، كما ذكرت جريدة «الرَّشاد» ـ الطُّرقيَّة! ـ [العدد (6) (سنة 1938م)] أنَّ للشَّيخ المكِّي قصائدَ «خصّ بها أستاذه... الشَّيخ محمَّد بن أبي القاسم الهاملي، ووعدت بنشرها؛..»].

واتَّصل بعلماء الجزائر وأخذ عنهم، ثمَّ رجع إلى تونس مكتمل الصِّبغة الصُّوفية السُّنِّيَّة الأدبيَّة[؟]»اهـ(4).

ويقول محمَّد دبوز: «كان الشَّيخ المكِّي ابن عزُّوز يزور الجزائر في كلِّ عام من مقرِّه في تونس فيقضي فيها شهورًا يروي الحديث وسنده من علمائها، ويلقي دروسًا في المعهد الهاملي، ويعظ النَّاس ويرشدهم...»(5).

* تَوْلِيَتُهُ المناصب:

يقول الأستاذ الجيلالي(6): «وفي سنة (1297) [وعمره عامَئِذٍ سبعٌ وعشرون سنة] وُلِيَ بلا طلبٍ منه خطَّة الفتيا ببلد سكناه «نفطة»... ثمَّ في عام (1305) وَلَّوه القضاء بها بالإلزام مع الإلحاح، فوقف لنصر المحقِّين وقهر المبطلين وإقامة الحدود الشَّرعيَّة بقدر الإمكان، [ويذكر «أرنولد» (ص234) أنَّه «عمل في خطَّة مفتي «نفطة» من (1880) إلى (1888)، وفي السَّنة الأخيرة وحسب ما تورده الوثائق الرَّسميَّة وقع فصلُه من منصبه بسبب خصومة بينه وبين حاكم «الجريد»»اهـ].

ثمَّ في عام (1306) استعفى من القضاء والقوم متأسِّفون، وفي سنة (1307) خرج قاصدًا بلد الجزائر، فلحق بالشَّيخ الإمام المعمِّر المحدِّث سيدي علي بن الحفَّاف مفتي المالكيَّة بعاصمة الجزائر؛ فأخذ عنه... «صحيح الإمام البخاري» ورواه عنه بالسَّند العالي المشهور» اهـ، وقد ألَّف الشَّيخ المكِّي: «الرِّحلة الجزائريَّة».

وقال فيه الكتَّاني: «الإمام العلاَّمة المحدِّث المقري الفلكي الفرضي الصُّوفي المسند الشَّهير الشَّيخ أبو عبد الله سيدي محمَّد المكِّي...، هذا الرَّجل كان مسند إفريقيَّة ونادرتها، لم نَرَ ولم نسمع فيها بأكثر اعتناءً منه بالرِّواية والإسناد والإتقان والمعرفة ومزيدِ تبحُّر في بقيَّة العلوم والاطلاع على الخبايا والغرائب من الفنون والكتب والرِّحلة الواسعة وكثرة الشُّيوخ، إلى طيبِ منبتٍ وكريمِ أَرُومة...» اهـ(7).

* ارتحاله إلى تونس العاصمة:

«وفي سنة (1309) ارتحل هو وآلُهُ من «نفطة»؛ فسكن تونس واشتغل بإلقاء الدُّروس بجامعها الأعظم، فابتهجت به صدور المحبِّين لنشر العلوم والمعارف... واشتهر في غالب الأقطار بالعلم الواسع، والفضل الجامع، حتَّى إنَّه تأتيه الأسئلة والاستفتاءات بكثرة من الأمصار القريبة والبعيدة فيجيب عنها بما يشفي ويكفي»(8)اهـ.

قال الفاضل: «...وكانت إقامته بتونس سامحةً له بتوسيع خزانة كتبه الَّتي ضمَّت النَّفائس الَّتي آلت إليه من كتب جدِّه ووالده، ثمَّ اقتنى هو من الفرائد الَّتي كانت تصل إلى يده بالجزائر أو بالجنوب التُّونسي» اهـ(9).

*تلاميذُهُ المتخرِّجون به، وعلاقته بعلماء عصره:

يقول الجيلالي: «تخرَّج عليه جمٌّ غفير من سائر الأقطار الإسلاميَّة في العلوم العقليَّة والنَّقليَّة بتونس والجزائر، وطرابلس الغرب، وبن غازي، والآستانة، وانتشرت تلامذته في الحواضر والبوادي، حتَّى صار علماء المدن الَّتي دخلها كالجزائر وقسنطينة ونجباؤها وكبراؤها تلاميذ له، وبعضهم يقنع بالانتساب إليه ولو بالإجازة.

وامتدحه كثيرٌ من أدباء العصر بقصائد لو جُمعت لكانت من الدَّواوين المعتبرة، وأجازه نحو الخمسين من أشياخه والمعاصرين له بتونس والجزائر والحرمين الشَّريفين ومصر وغيرها كالمغربين، فاجتمعت عنده في جميع الكتب والفنون المتداولة والغريبة إجازات ساميَة وأسانيد عاليَة، قلَّ أن تُوجد عند غيره...»(10).

* عداوته للاستعمار الفرنسي:

يقول «أرنولد» (ص234) وهو يتحدَّث عن الشَّيخ المكِّي؛ «مقدِّم الزَّاوية الرَّحمانية»:

«ثمَّ تفرَّغ [من سنة (1888م) (حوالي سنة 1307هـ)] حتَّى (1896م) [حوالي سنة 1315هـ] لجمع الزِّيارات وهي الهبات أو الموارد نقدًا وعينًا من زوايا الطَّريقة الرَّحمانيَّة بالجريد وشرق الجزائر، وقد كان أخوه الأكبر شيخها الأوَّل في البلاد التُّونسية.

ورغم أنَّه تردَّد على تونس العاصمة المرَّات العديدة وأقام فيها لبضعة أشهر خلال التِّسعينات قبل الهجرة إلى اسطنبول... فإنَّ الأدلَّة المتوفِّرة جميعها تشير إلى أنَّه كان على الأرجح معاديًا للفرنسيِّين، ولكنَّه كان أيضًا معارضًا للسَّلفيَّة، وهذا يعني أنَّه كان مؤيِّدًا للطُّرقيَّة ومناهضًا للإصلاحات... [عن وثائق رسميَّة أحال عليها]...».

كان «المكِّي بن عزُّوز» في أثناء زياراته إلى الجزائر: «يدعو النَّاس إلى النُّهوض والأخذ بأسباب القُوَّة للتَّحرُّر من الاستعمار، وكان شخصيَّة علميَّة فذَّة، واعظًا مؤثِّرًا بدروسه، فأقلق الفرنسيِّين، فطاردوه في أنحاء الجزائر ليعتقلوه فأنجاه الله،...كان الشَّيخ المكِّي يزور الجزائر في كلِّ عام فتتوجَّس فرانسا منه خيفة، وتراقبه في رحلاته، فأفتى مرَّة بتحريم كلِّ المواد الدَّسمة الَّتي تَرِدُ مِنْ فرانسا؛ كالصَّابون والشَّمع، والشَّحم، وكان يقصد أيضًا محاربة فرانسا اقتصاديًّا... فسعت للقبض عليه ذات زيارة، وأرسلت إلى القائد زرُّوق في «ازْرِيبَة الواد» في جنوب آوراس وكان نازلاً فيها ليقبض عليه، فأنذره القائد الوطني؛ فارتحل إلى «نفطة»، ثمَّ إلى تونس، ووجد الاستعمار يطارده، فضاق ذرعًا بالمغرب الَّذي يخيم عليه الاستعمار، فرحل إلى الآستانة...» اهـ(11).

* هجرته إلى المشرق:

ارتحل إلى «الآستانة» في سنة (1316)، فتولَّى تدريس الحديث والفقه في «دار الفنون» و«مدرسة الواعظين».

يقول الأستاذ الهادي السَّنوسي الزَّاهري: «...حالت أحوالٌ واعترضت دون مكثه بالجزائر عوارض؛ فاضطرَّ إلى مغادرتها «وهو الشَّغوف بها»، غادرها إلى الآستانة حيث رُعِيَ جانبه وحفَّت به السَّعادة... ووجد فسحًا من الحريَّة لبثِّ ما نيط به من أمانة العلم»(12)، وقال قبل ذلك: «عاملٌ في الجامعة الإسلاميَّة».

وذكر «أرنولد» (ص298) أنَّه «انتقل إلى المدينة في (1912) للتَّدريس[؟] في الجامعة الإسلاميَّة بها، وفي الحجاز أسَّس جمعيَّة الشُّرفاء الَّتي يُروى عنها أنَّها قامت بحملة دعائيَّة مناهضة للفرنسيِّين بتونس والجزائر(13)، وقد اشتبه في الشَّيخ ابن عزوز نفسه بأنَّه يقوم بزيارات سرِّيَّة إلى صهره الشَّيخ مصطفى بوخريص في تونس وإلى ابنه كامل بن عزُّوز الشَّيخ الأكبر للطَّريقة الرَّحمانيَّة في «سوق اهراس» بالجزائر [أحال على تقارير من القنصل الفرنسي في القاهرة إلى وزير الخارجيَّة بريان]» اهـ.

أمَّا الأستاذ أبو القاسم سعد الله؛ فقد ذكر أنَّه «تردَّد على الجزائر قبلَ وبعدَ رحيله إلى المشرق(14)، وكانت للشَّيخ المكِّي مصاهرة مع أهل الدِّيس (قرب «بوسعادة») [تزوَّج من نواحي «بوسعادة»، وأنجب ولده الكامل في الجزائر]، وقد اتَّخذ هذه المصاهرة وسيلةً لتكثير الزِّيارات ونشر أفكاره الَّتي كان يأتي بها من المشرق[؟].

وترك الشَّيخ أبناءً، منهم الشَّيخ الكامل الَّذي أكثر هو أيضًا من الزِّيارات والتَّنقُّل بين الجزائر والمشرق إلى أن استقرَّ ناحية العين البيضاء ثمَّ سوق اهراس، وكان الفرنسيُّون يتتبَّعون حركات الشَّيخ المكِّي وابنه الكامل(15)...»(16).

*مرضه ووفاته:

«واستمرَّ الشَّيخ في دروسه على طريقته الحسنة إلى أن أصابه في سنة (1333) مرض أعيَا الأطبَّاء علاجه... ولازمه مدَّة أربعة أشهر من شوَّال إلى صفر، فوافاه الأجل المحتوم عند غروب الشَّمس من يوم الخميس ثاني صفر من سنة (1334)... وكان فقده عظيمًا في قلوب سائر النَّاس وخصوصًا أصحاب العقول السَّليمة والأرواح النَّقيَّة؛ فقاموا لرثائه [و ذكر محاسنه] بنظم القصائد الطِّوال... وقد بلغنا من هذه قصيدة الأستاذ المؤيَّد بالتَّوفيق الشَّيخ الطَّيِّب العقبي؛ فإنَّها من أبلغ الرِّثاء» انتهى كلام الأستاذ الجيلالي(17).

وقد قال في الهامش إثر ذلك: [راجعها في كتاب: «شعراء الجزائر» (1 /138)، ولولا ضيق المقام لأدرجناها] اهـ، ونحن نقتطف منها هذه الأبيات، من الكتاب المذكور:

*مرثيَّة «الشَّيخ الطَّيِّب العقبي» لـ«الشَّيخ المكِّي»:

يقول الشَّيخ الطَّيِّب العقبي: «و هذه قصيدةٌ قلتها وأنا بالمدينة المنوَّرة أرثي بها الأستاذ العلاَّمة الشَّيخ المكِّي بن عزُّوز دفين دار السَّعادة لَمَّا بلغني خبرُ وفاته، وكان ممَّن يعزُّ عليَّ كثيرًا لِمَا بيني وبينه من المؤانسة وعظيم الوداد ولم أَرْثِ أحدًا قبله فهي أوَّل مرثيَّة لي»، ومن أبياتها:

أمات «ابن عزُّوز» وأودت علومه أم الركن ركن الدين أمسى يهدم؟؟

وقال:

«محمَّد» يا «الـمكي» مــالـك راحـل    أزهــدًا بنــا أم فـي سـبـيـلـك مغنم؟؟؟!
إلـى الله أشـكـو مــــا لفقدك مسني    مـــن البـؤس والضَّـراء والقلب يكـلم
فقد كنت لي ركنا شديدًا فخانني    زمـــاني وأمــر الله فـي الخـلـق مــبــرم
فلو نـظـرت عـيـنـــاك مــا بـي رحمـتني    كمــا كـنـت لي عـهـد الـمودة ترحم
ندمت على الـتـفـريــط فــيـمـــا نــويـتـه    وكــل فــتــى مــثــلــي غــدا يــتـنـدم(18)

*«الشَّيخ المكِّي»؛ بين «ابن باديس» السَّلَفِي وجماعة الطُّرقيِّين:

نشر الشَّيخ ابن باديس تِلْكُمُ التَّرجمة الوافية الَّتي أعدَّهَا الأستاذ عبد الرَّحمن الجيلالي، في مجلَّته «الشِّهاب» [سنة (1930) و(1931)]، وكان الصِّراع بين السَّلفيِّين والطُّرقيِّين قد بلغ ذروته، ثمَّ هدأت نوعًا ما تلكُمُ الحملاتُ الشَّديدة الَّتي شَنَّهَا المصلحون على ضلالات الطُّرقيِّين؛ والَّتي تصايحوا لها وانزعجوا أيَّمَا انزعاج...

ومن ذلك جريدة «النَّجاح»، الَّتي أعلنت أنَّها تدافع عن أولياء الله الصَّالحين، وتردُّ تهجُّمات المصلحين عليهم! ومن عجيب استدلالات كُتَّاب الطُّرقيِّين؛ أنَّهم يعمدون إلى تسمية جَمْعٍ من الأعلام الَّذين أقرُّوا ما هم عليه! أو شاركوهم في أعمالهم، وانتسبوا إلى طرائقهم! فكتب أحدُهُمْ، وهو يَرُدُّ على المصلحين في إنكارهم ـ في حَدِّ زعمه! ـ للزِّيارة! يقول: «فَدُونَكَ أسماء العلماء الَّذين تُشدُّ لهم الرِّحال للتَّعليم والفتوى وجاؤوا لزيارة أولياء الله بالصَّحراء، منهم الشَّيخ المكِّي بن عزُّوز والشَّيخ... والشَّيخ عبد الحميد ابن باديس... قد زار المذكورون أولياء الله بنيَّة التَّبرُّك، والتَّوسُّل إلى الله بجاههم، ومن المواطن الَّتي قصدوها للتَّبرُّك سيدي عقبة وسيدي عبد الرَّحمن الأخضري وسيدي محمَّد بن عزُّوز وسيدي علي بن عمر... إلخ.. إلخ، ولبعض الزَّائرين المذكورين قصائدُ وتقريرات منها أنَّ الشَّيخ المكِّي جعل درسًا بزاوية طولقة موضوعه سورة «والضُّحى»، وبعد الدَّرس أنشأ قصيدته الَّتي مدح بها سيدي علي بن عثمان ومطلعها:

حمدا لبـــاسـط الأنــام فـي الورى ما دامت الأشراف في الدُّنيا ترى
لا سيما من حاز مع ذاك الشَّرف ولايــة كــبــرى وبالــعــلــم اتَّـصف

إلى أن قال متوسِّلاً فيها:

فكم له في النَّاس من إغاثه ممَّن دعـــاه عــــاجــلاً أغــــاثه
وفـي التـوسـل بـه إلــى الإلـــــه يبلغ من توســـل بـه مُنَـاه(19)

أهؤلاء الزُّوَّار غير علماء عاملين أو على الحقيقة غير مطَّلعين، كلاَّ...؟ ولو تحقَّقوا بأنَّ الزِّيارة والتَّوسُّل والتَّبرُّك عَبَثٌ ما فعلوه(20)؛ لأنَّ أفعال العقلاء تُصان عن العبث ولا عُذر لهم مع وجود العلم إن أنكروا ذلك، بل إنَّهم جاؤوا بنيَّة خالصة للتَّبرُّك والتَّوسُّل جازمين بقبول الأعمال المقرونة بالنيَّة، نعم.. فإن كان... المكِّي و... ومن معهم ضالِّين وأنكرتم عليهم ما فعلوه وظهر لكم أنَّهم على غير هُدى، فنحن نقول لكم حشرنا الله في زمرتهم، آمين» اهـ(21).

أمَّا الجواب على كلام هذا الطُّرقيِّ الأخير؛ وهو بعبارة أخرى: هل كان «الشَّيخ المكِّي» ضالاًّ؟! وغيرَ عالم وغيرَ مُطَّلِع؟!!

فالأوَّل منه أجاب عنه الشَّيخ ابن باديس، بعد سنين مِنْ نشرِه في مجلَّته ترجمةً للشَّيخ المكِّي، فقد كتب [في «الشِّهاب»، (ج1،م13، محرم 1356هـ/ 14 مارس 1937م/(ص26 ـ 27)] ما يلي:

«من آثار علمائنا المصلحين في هذا العصر الحديث: العلاَّمة الأستاذ الشَّيخ المكِّي ابن عزوز رحمه الله.

كان هذا العالم الجليل ـ قبل رحلته إلى الشَّرق ـ من أساطين الطُّرقيَّة، فلمَّا رحل للشَّرق وطالع كتب السُّنَّة أصبح سلفيًّا مصلحًا من أكابر السَّلفيِّين المصلحين، وقد كنَّا نشرنا عنه كتابةً حافلةً في أحد الأجزاء الماضيَّة وتضمَّنت تلك الكتابة ما يفيد ما ذكرنا من سلفيَّته وإصلاحه، وقد اطَّلعنا هذه الأيام عند أخينا الشَّيخ حمزة بوكوشة على كتابين من الشَّيخ المكِّي إلى السَّيِّد البشير أبي الشَّيخ حمزة رحمه الله، فنقلنا منهما الكلمتين الآتيتين تخليدًا لآثار الأستاذ وتذكيرًا لإخواننا الطُّرقيِّين بكلام من كان ضالاًّ مثلهم ثمَّ هداه الله، لعلَّ أن يهديهم كما هداه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم:

ـ التَّوحيد في التَّوجُّه إلى الله.

«ومن أراد أن يستجاب له سريعًا فليجعل التَّوجُّه إلى الله وحده، ولا يُدْخِل فيه وليًّا ولا ملَكًا؛ لأنَّه هو التَّوحيد الخالص»، تاريخ الكتاب: يوم المولد النَّبوي سنة (1312).

ـ الاحتجاج على المخطئين من جميع النَّاس.

«والشَّريعة المحمَّديَّة محفوظة من التَّبديل والتَّغيير، وهي مبنيَّة على الأدلَّة والحجج، فإذا أخطأ فيها أحد من علمائها وصلحائها أقام الله من شاء من خلقه وعلمه وألهمه الحجَّة الَّتي يتميَّز بها خطأ من أخطأ، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا الله يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُم[محمد:7] وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ[الحج:40]، ومنذ بدء الإسلام لم تنهزم راية محقٍّ في المناظرة قطُّ تصديقًا لوعد الله المصرَّح به في الآية، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون[الصافات:173]»، تاريخ الكتاب: في 8 شعبان سنة 1328) اهـ.

* اهتداءٌ بعدَ ضلال!

فهنا صرَّح ابن باديس بأنَّ «الشَّيخ المكِّي» كان ضالاًّ ثمَّ هداه الله، حيث صار سلفيًّا مُوَحِّدًا؛ ـ يُقَرِّرُ أنَّ التَّوحيد الخالص إنَّما يكون بدعاء الله وحدهُ ـ، بعد أن كان طرقيًّا؛ ـ يدعو إلى الاستغاثة بالأولياء ويُرَغِّبُ في دعائهم! ـ، كما شهد ابن باديس على نفسه؛ بأنَّه كان ضالاًّ، يقول الشَّيخ حمزة بوكوشة في مقالته «الشَّيخ ابن باديس والطُّرقيَّة»: «ولقد ظنَّ بعض أنصار الطُّرق والزَّوايا من الفقهاء أنَّه يستطيع إفحام عبد الحميد، فقال له: أنت تنتقد علينا اليوم ما كنت تُقِرُّهُ بالأمس ولا تُنْكِرُهُ، فما هذا الانقلاب؟ فما كان من عبد الحميد رحمه الله إلاَّ أن قال له: كنت ضالاًّ فهداني الله؛ ونسأل الله لك الهداية» اهـ(22).

كما كتب الشَّيخ الطَّيِّب العُقبي عن «الشَّيخ المكِّي»، أثناء تولِّيه إدارة جريدة «البصائر» [العدد (159)، 9 صفر 1358هـ/ 31 مارس 1939م، (ص2)] تحت عنوان «الإصلاح الدِّيني وأبناء الزَّوايا الجزائريَّة في المشرق»:

«قليلٌ من يجهل الشَّيخ المكِّي بن عزُّوز وكونَهُ عالِمًا عظيمًا وابنَ زاويةٍ جزائريَّة كبيرة، وقليلٌ مِمَّنْ يعرفُ علمَهُ ونَسَبَهُ مَنْ يجهلُ طُرُقِيَّتَهُ وهو في وطنه وتوبَتَهُ منها في المشرق...» اهـ.

وقد حذا الشَّيخ العقبي؛ محرِّر «البصائر»، حَذْوَ الشَّيخ ابن باديس في مجلَّته «الشِّهاب»، فأثبت رسالةً للشَّيخ المكِّي إلى الشَّيخ البشير أبي الشَّيخ حمزة بوكوشة؛ [«البصائر»، العدد (68)، 10 ربيع الأنور 1356هـ/ 21 ماي 1937م/ (ص1)] تحت عنوان: «من آثار المصلحين: كتاب من الشَّيخ المكِّي بن عزُّوز رحمه الله إلى بعض أحبابه في «بسّكرة» يتضَّمن الجواب عن مسائل يكثر الأخذ والرَّد فيها حتَّى اليوم:

«اطَّلعنا على هذا الكتاب فأحببنا نشره لِمَا تضمَّنه من رأي الأستاذ الصَّريح في مسائل الخلاف بين المصلحين والطُّرقيِّين عسى أن يتضَّح به سبيل الهدى لمن أراد الله به الخير، ولكي نُلْقِمَ به حجرًا مَنْ قال: إنَّ العلماء قبل اليوم لم ينهوا عن مثل ما نهى عنه المصلحون» «البصائر»».

افتتح الشَّيخ المكِّي كتابه بقوله: «الحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد وآله وصحبه، كتب يوم الخميس 15 في رجب عام 1331 من الآستانة العليَّة إلى أخينا الفاضل سيدي البشير بن سعد، بشَّره الله برضاه يوم لقاه، آمين؛ ...سألتموني عن مسائل تحيَّرتم فيها حيث إنَّ بعض الطَّلبة أتوكم من مصر وأنكرتم ذلك، فأنا أخبركم ـ إن شاء الله ـ  بالحقيقة الَّتي لا تسألون عنها أحدًا بعدي... وكذلك عند علماء بلادنا المغربيَّة والتُّونسيَّة والجزائريَّة أمور كثيرة مخالفة للسُّنَّة مصادمةٌ للدِّين ولا يشعرون بها، قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَاب[الزُّمَر:9]؟ ولنتكلَّم الآن في المسائل الَّتي سألتم عنها...

ـ مَنْعُ الزِّيارة الشِّركيَّة:

أمَّا زيارة قبور الأولياء... فالآفة الكبرى الَّتي يعملها العامَّة وهو قولهم لصاحب القبر: يا سيدي اشفني واغفر لي وأغنني وأعطني الذُّرِّيَّة وأعطني القرآن والعلم ونحو ذلك؟!!.. هذه المطالب دعاء لا يجوز طلبها إلاَّ من الله؛ فتنبَّهوا لذلك... اهـ المراد منه، والسَّلام من أخيكم محمَّد المكِّي بن عزُّوز بتاريخ أعلاه».

بهذه الطَّريقة يكون الشَّيخ ابن باديس والشَّيخ العقبي وجماعة المصلحين، قد ردُّوا على احتجاج الطُّرقيِّين، بأمثال الشَّيخ المكِّي؛ ممَّن عاشوا دهرًا في الطُّرقيَّة، ثمَّ صاروا يكتبون في الرَّدِّ على ضلالاتها! وبِمِثْلِ هذه الطَّريقة أرادوا دعوَتَهُمْ وردَّهُمْ إلى الحقِّ، الَّذي رجع إليه أولئك، أو أرادوا إفحامهم، وقطع متعلَّقَاتهم، فما على ذلك الطُّرقيِّ! الَّذي ذكر أنَّه يقتدي بأمثال «الشَّيخ المكِّي» ـ زمانَ طرقيَّته ـ، إلاَّ أن يتوب منها كما تاب «الشَّيخ المكِّي»!

أمَّا جواب الشُّبهة الأخرى؛ وهي: هل أولئك الشُّيوخ لم يكونوا علماء ومُطَّلِعِين؟! حتَّى أَقَرُّوا بتلكم الأوضاع، وقاموا بتلكم الأفعال الَّتي ينكرها المصلحون الآن؟!

يجيبُ عنها «الشَّيخ المكِّي»؛ وهو يذكر توبته، في كتابٍ بعث به إلى أحد العلماء السَّلفيِّين في دمشق الشَّام؛ وهو الشَّيخ عبد الرَّزَّاق البَيْطَار، وفي كتاب آخر، إلى الشَّيخ عبد العزيز الرَّشيد؛ صاحب مجلَّة «الكويت».

وقد بيَّن في كلِّ ذلك: حقيقة المذهب السَّلَفِيّ، الَّذي هداهُ اللهُ إليه، ومعالِمَهُ الَّتي جهلها الخاصَّةُ، بَلْهَ العامَّة، فعادَوْهَا!

ـ غربةُ الدِّين والعلم:

يقول في الأوَّل: «وما أشرتم إليه في مكتوبكم من السَّير على منهاج الكتاب والسُّنَّة وعقيدة السَّلف، فأَنْفُثُ نَفْثَةَ مَصْدُور مُغْتَمِّ القلب بما يرى ويسمع من قلب حقائق الأمور، أنتم منَّ اللهُ عليكم بجلساء موافقين لمشربكم في التماس الحقائق، والتزام أقوم الطَّرائق، ذوقٌ وإنصاف، واتِّصافٌ بأجمل الأوصاف، كرفقائكم الَّذين شرفوا منزلنا معكم، وأكرمونا بتلك الأخلاق الكريمة، وكالأستاذ الجمال القاسمي وغيرهم... وأمَّا الحقير هنا ـ أي في الآستانة ـ فكما قال القائل:

ما أكثر النَّاس لا بل ما أقلهم الله يعـلـم أنِّـي لـم أقـــل فــــنـــدا
إنِّي لأفتح عيني حين أفتـحــهـــا على كثير ولكن لا أرى أحدا

فلا أجد من أطارحه مسائل العلم الصَّحيح؛ لأنَّ النَّاس بالنَّظر إلى هذا المقام على قسمين:

جاهلٌ لم يزاول العلم أصلاً، فهو لا يفقه ما نقول، وحسبه إن سأل أن أجيبه بزبدة الحكم، وهو أحبُّ إليَّ مِمَّن عرف بعض العلم إن لم يفتنه فاتن؛ لأنَّه وإن لم أستفد منه مذاكرة تُفَكِّهُ عقلي، وتُنَقِّحُ نقلي، فقد أفادني من الله أجرًا، وقد يكون لغيره سلسبيل تلك الإفادة أجرى.

والقسم الثَّاني: طالب علم زاولَ العلم فشمَّ رائحته، وجمد على ما عهد من شيخ مثله، فهذا أحسن أخلاقه أن لا يسمع لقولك ولا يتحدَّث بما يؤذي، وإنَّما قلت أحسن؛ لأنَّ غيره من أهل العناد الحمقى يضلِّلون من خالف ما اعتادوه.

ـ [لا يُسْتَغَاثُ إلاَّ بالله:]

سُئلت مرَّة في مجلس: هل تجوز الاستغاثة بأولياء الله؟ فقلت: لا يستغاثُ إلاَّ بالله، وفي المجلس شيخ كبيرٌ ممَّن يُعاني تدريس العلم عارضني بأنَّه يجوز، فقلت له: ما دليلك؟ فقام مغضبًا قائلاً وهو ذاهب: دليلي قول اللقاني:

وأثبــتـن للأولـيا الكــرامه   ومن نفاها فانبذنْ كلامهْ

فانظروا الدَّليل وتنزيله على الاعتراض، هؤلاء لا يفرِّقون بين معنى الاستغاثة، ومعنى الكرامة، وهو من الضَّروريَّات.

وممَّا أتعجَّب منه وأتأسَّف، ما رأيته في نتائج مخالطاتي لأهل العلم ومناظراتي ومذاكراتي: أنِّي أجد الشُّبَّان والطَّلبة الصِّغار أقرب قبولاً للحقِّ، وذوقًا للصَّواب، وسرورًا بالدَّليل من الشُّيوخ، وأكثر الشُّيوخ جامدون على ما ألِفُوه، ومن أحبارهم ورهبانهم عرفوه، ولا أدري: هل ذلك لطول قعودهم في أرض التَّقليد صاروا كمن وقت له أوتاد الْتَحَمَت تلك الأوتاد بالأرض، فلا يستطيعون النُّهوض منها؟! أم لأنَّ غالب الشُّيوخ أكبر منِّي سنًّا؟ فهم يأنفون من أن يستفيدوا ممَّن هو أصغر منهم؟!...

ـ [طَرْحُ التَّقليد:]

وإنِّي أحمد الله تعالى على أن أنقذني من أسر التَّقليد، وصِرْتُ إذا رأيت تَعَنُّتَهُمْ واتِّخاذَهُمْ أحبارَهم ورهبانَهم أربابًا من دون الله أتلو قوله تعالى مُذَكِّرًا لنفسي آلاءَ الله: ﴿كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ الله عَلَيْكُمْ[النساء:94]، لأنِّي كنت أرى قول فقيه: المعتمد كذا، أو استظهر شيخنا كذا، كأنَّه بين دفَّتَي المصحف، والله بل آكد «أستغفر الله»؛ لأنِّي أقول: الآية لا أفهمها مثلَهُ، ونظنُّ كلَّ كلمة قالها مالكيٌّ فهي من مقولات مالك أو حنفيٌّ فأبو حنيفة أو شافعي... إلخ، والخروج عن الأربعة كالكفر ولو أيَّده ألف حديث، والحمد لله الَّذي عافانا مع بقاء احترامهم ومحبَّتهم في قلوبنا.

[«الشَّيخ المكِّي» يُبْصِرُ الحقيقة (سنة 1316هـ):]

وأخبركم أنِّي لَمَّا بدأت في الاستضاءة بنور الحديث ووزن خلافات الأئمَّة والفقهاء بالأدلَّة، وصرت أصلِّي بالقبض والرَّفع... إلخ، وذلك سنَة ستّ عشرة وثلاثمائة وألف، ألقي لي في المنام قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ...[البقرة:142]، وقمت بها من المنام على لساني... في ذي الحجَّة سنة 1327...» اهـ.

* اهتداءُ «الشَّيخ المكِّي»؛ نَصْرٌ للسَّلَفِيِّين:

أطلع الجمال القاسمي هذا الكتاب صديقَهُ الآلوسي (سنة 1327هـ)، يبشِّره بانضمام الشَّيخ المكِّي إلى السَّلفيِّين؛ يقول: «حضرة العالم النّحرير، سليل العلماء الأفاضل السَّيِّد محمَّد المكِّي بن عزُّوز التُّونسي، نزيل الآستانة، كان من أشدَّاء المتعصِّبين للجهميِّين والقُبوريِّين، ثمَّ بصَّرهُ الله تعالى الحقَّ فاعتنقه، وأصبح يدافع عنه، وهذا الفاضل لشهرة بيته ونباهة أمره يُعَدُّ بِأُلُوف...»، وذكر القاسمي أنَّه أرسل  بكتاب ابن عزُّوز: «لنُكَثِّرَ به جيش العلماء العصريِّين في مغالبة الجهميَّة(23)...»، والتمس من الآلوسي أن يكاتب ابْنَ عزُّوز؛ قال: «عساه يزدادُ بصيرةً ونورًا، فالحمد للهعلى توفيق هذا السَّيِّد وهدايته لِما هُدِيَ لهُ...».

* بين الشَّيخ محمود شكري الآلوسي والشَّيخ المكِّي:

كشف الشَّيخ الآلُوسي عن علاقته القديمة بالشَّيخ  المكِّي، عن طريق المكاتبة، كما أشار إلى بعض الأسباب الَّتي تجعل الكثير من الفضلاء يَقْبَعُونَ في أَوْدِيَةِ الضَّلال! حيث قال: «...هذا الرَّجل أعرفه منذ عدَّة سنين، فإنَّ كتابه «السَّيف الرَّبَّاني» [في عنق المعترض على الجيلاني]» لَمَّا طبع في حضرة تونس [سنة 1310هـ]  أرسل منه لنقيب بغداد عددًا كثيرًا من نسخه، فأعطاني النَّقيب يومئذ نسخة منه، فطالعتها فرأيت الرَّجل من الأفاضل.

ـ [مِنْ موانع الاِهْتِداء!:]

غير أنَّه لم يقف على الحقائق، فلذلك استحكمت الخرافات في ذهنه، فتكلَّم على السَّلَفِيِّين، وصحَّح بعض الأكاذيب الَّتي يتعلَّق بها مبتدعة الصُّوفيَّة وغير ذلك من تجويز الاستغاثة، والتَّوسُّل بغير الله، وإثبات التَّصرُّف لمن يعتقد فيهم الولاية، والاستدلال بهذيان ابن دحلان(24) ونحوه...

[من جهود العلماءِ السَّلفيِّين في تَبْصِيرِ المُخَالِفِين:]

فأرسلت له كتاب «منهاج التَّأسيس[ في الرَّدِّ على ابن جرجيس]»(25) مع التَّتمَّة المسمَّاة بـ«فتح الرَّحمن»(26)، وذلك سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف، وكان إذ ذاك في تونس لم يهاجر بعد، ولم أعلمه بالمرسل، ويخطر لي أنِّي كتبت له كتابًا أيضًا التمست منه أن يُطالع الكتاب كلَّه مع التَّمسُّك بالإنصاف، ولم أذكر اسمي ولا ختمته بختمي، وأرسلت كلَّ ذلك إليه مع البريد الإنكليزي، وبعد ذلك بمدَّة هاجر إلى القسطنطينيَّة، وكان يجتمع كثيرًا مع ابن العمِّ علي أفندي(27) ويسأله عن كتب الشَّيخين ويتشوَّق إليها، وقد اجتمع به ابن العمِّ في هذا السَّفر الأخير وأخبرني عنه أنَّه الآن تمذهب بمذهب السَّلف قولاً وفعلاً وأصبح يجادل أعداءه ويُخاصم عنه... 5 محرم الحرام 1328هـ».

وفي كتابه إلى الشَّيخ «عبد العزيز الرَّشيد»؛ قال: «دخل عليَّ من السُّرور ما الله به عليم في التَّعرُّف بكم وظَفَرِي بصاحب مثلكم وذلك أنَّ قلبي موجعٌ من غربة العلم والدِّين وأهله وقلَّة أنصاره، وإيضاح هذا أنِّي لست أعني بالدِّين الدِّينَ الَّذي قنع به أكثر طلبة العصر والمنتسبين إلى العلم في الشَّرق والغرب...

[ما هُوَ العلمُ، على الحقيقة ؟:]

ولكنِّي أعني بالعلم والدِّين علمَ السُّنَّة، وما الدِّين إلاَّ اتِّباعها وإيثارها على عصارات الآراء وهجومة المتفقِّهة.

[ما هو التَّوحيد؟:]

وما التَّوحيد إلاَّ توحيد السَّلَف الصَّالح، وأمَّا غيره فما أشبه بالضَّلالات وزلقات الهفوات...

[من آثار التَّقليد  الأعمى، والعصبيَّة المذهبيَّة:]

إنَّنا نجد فقيهًا تقيًّا محبًّا للسُّنَّة ومبغضًا للبدعة.. حسن النِّيَّة؛ لكنَّه جاهل بعبادات النَّبيِّ (ﷺ) وما كان عليه في شؤونه كلِّها، وقد يكون عارفًا بها أو ببعضها ويترك المتابعة النَّبويَّة عمدًا؛ لأنَّها خالفت قول فقهائه، ولو تخبره بإصلاح عبادة أو تحرير حكم شرعيٍّ بنصٍّ نبويٍِّ ينفر منك نفرته من العدوِّ ورآك مخادعًا له، ولربَّما اتَّخذك عدوًّا مبينًا بعد المحبَّة والصُّحبة ويحكم بضلالك، كلُّ ذلك لغلوِّه في التَّقليد ولا يخفى أنَّ أولئك لا يُقال لهم علماء إلاَّ مجازًا لا خلاف في ذلك، كما قاله ابن عبد البَرِّ وغيره... [وبعد أن ذكر قسم الإفراط، تكلَّم عن:]

[السَّلفيُّون وفِقْهُ الأئمَّة:]

القسم الثَّالث: وهم الأوسطون الَّذين تفقَّهوا بفقه الأئمَّة ـ رضوان الله عليهم ـ واعتنوا بالحديث الشَّريف مع تفنُّنٍ في الأصول والعلوم العربيَّة ودقَّقوا مسائلهم الدِّينيَّة فما كان من الفقه سالِمًا من مصادمة سنَّة بقوا عليه وما صادمها نبذوه وعذروا قائله بعدم بلوغ الخبر له، هذا فيما يتعلَّق بالعلم العملي.

[الطَّريقةُ السَّلفيَّةُ في أخذ العقائد:]

وأمَّا الاعتقادي فهو معذور في الابتداء في كتب المتكلِّمين(28) ثمَّ يترقَّى بطريقة السَّلَف ولا تؤخذ حقيقتهما إلاَّ من كتب شيخ الإسلام ابن تيميَّة وصاحبه... الشَّمس ابن القيِّم، فيعتقد ما هناك بأدلة متينة وإيمان راسخ؛ فيصبح من الفرقة النَّاجية الَّتي عرَّفها النَّبيُّ (ﷺ) بأنَّهم على ما كان عليه المصطفى (ﷺ) وأصحابه، وهذا القسم الثَّالث الَّذي هو على الصِّراط المستقيم... قليل الوجود مع الأسف... أحبابنا غرُّوكم بالعاجز، فكما أنَّه لا يقبل قدح العدوِّ في عدوِّه فكذلك لا يقبل إطراء الحبيب لحبيبه، والَّذي نفسي بيده إنِّي لخالٍ ممَّا تظنُّ ويظنُّون، فلا عِلْمَ ولا عمل ولا صلاح ولا خلاص، ووالله ما هو من هضم الأفاضل أنفسهم تواضعًا، بل الإنسان على نفسه بصيرة وأحمق النَّاس من ترك يقين نفسه لظنِّ النَّاس، وأنا أحكي لكم مقدار بضاعتي تحقيقًا كأنَّكم ترونني رأي العين، والله على ما نقول وكيل.

[نشأةٌ خَلَفِيَّة!:]

...فأنا قد رُبّيت في مهد العلم من صغري، وقد وسَّع الله علينا من رزقه ما سهَّل به القراءة زمان التَّعلُّم والإقراء على شيوخ عديدة على اختلاف مشاربهم وتفاوت درجاتهم تفنُّنًا وأخلاقًا وارتحلت إلى بلدان عديدة؛ فجمعت بعض ما كان متفرِّقًا من العلوم، والحمد لله، ولكن لهو الشَّباب حال بيني وبين الاستكمال في العلم والتَّهذيب.

[عداوةُ الخلف لمذهب السَّلف، مع الجهلِ بِهِ!:]

وأيضًا لا نعرف في بلادنا المغربيَّة إلاَّ التَّقليد الأعمى، فقد كنَّا نعدُّ الفتوى بحديث البخاري ومسلم ضلالاً وكما شدَّد علينا شيوخنا في ذلك شدَّدنا على تلامذتنا هناك، فالتَّاجر كما اشترى يبيع ويزيد المكسب، فمن ذلك أنِّي عند سفري إلى المشرق استعار منِّي ابن أختي الخضر بن الحسين.. «نيل الأوطار» للشَّوكاني، فما تركته حتَّى أقسم لي بالله أنَّه لا يتَّبعه فيما يقول، ومن ذلك أنِّي وجدت في عام (1300) كتاب «الرَّوضة النَّديَّة» للسَّيِّد صدِّيق حسن خان يباع عند كتبيٍّ في مكسرة اسمه الشَّيخ الأخضر السَّنوسي العقبي، فنهرته وزجرته، وقلت له: حرام عليك تبيع «الرَّوضة النَّديَّة»، فصار يعتذر بمسكنة، كأنَّه فعل خيانة، أمَّا تصانيف ابن تيميَّة وابن القيِّم، فَوَاللهِ ما نظرت فيها سطرًا لنفرة قلوبنا منها، ومن جهل شيئًا عاداه.

[الاهتداءُ إلى السَّلفيَّة:]

ولكن في العاجز رائحة استعداد وشوق للدَّليل، فلمَّا ارتحلت إلى المشرق سنة (1316) واطَّلعت على كتب أهل هذا الشَّأن باستغراق الوقت، لا واشي ولا رقيب، وأمعنت النَّظر بدون تعصُّب؛ فتح الله على القلب بقبول الحقيقة وعرفت سوء الغشاوة الَّتي كانت على بصري وتدرجت في هذا الأمر حتَّى صارت كتب الشَّوكاني وصدِّيق خان وشروح «بلوغ المرام» وما والاها أراها من أعزِّ ما يُطالع، أمَّا كتب الشَّيخين ابن تيميَّة وابن القيِّم فمن لم يشبع  ولم يرو بها فهو لا يعرف العلم، ويلحق بها كتب السَّفاريني، و«جلاء العينين» للسَّيِّد نعمان(29) وآثار إبراهيم الوزير ونحوهم، ومنذ عرفت الحقائق استرذلت الحكم بلا دليل والحمد لله، «وإنَّا لنرجو فوق ذلك مظهرا»، ومن اللَّطائف أنَّ في الشَّهر الأوَّل والثَّاني من انفتاح البصيرة ألقي إليَّ في مبشرة مناميَّة قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ...[البقرة:142]...» اهـ.

 



(1) «فهرس الفهارس» لعبد الحي الكتَّاني (2 /482 ـ 486)، و«نهضة الجزائر الحديثة» لمحمَّد علي دبوز (1 /145).

(2) محمَّد علي دبُّوز: «نهضة الجزائر الحديثة» (1 /145).

(3) «تراجم الأعلام» لمحمَّد الفاضل بن عاشور (ص189 ـ 191).

(4) «تراجم الأعلام» لمحمَّد الفاضل بن عاشور (ص191).

(5) محمَّد علي دبُّوز: «نهضة الجزائر الحديثة» (1 /144).

(6) عبد الرَّحمن الجيلالي: «ترجمة العلاَّمة الأستاذ الشَّيخ المكي...»، مجلَّة «الشِّهاب»، (م11، ج6، ص665).

(7) «فهرس الفهارس» (2 /856).

(8) عبد الرَّحمن الجيلالي: «ترجمة العلاَّمة الأستاذ الشَّيخ المكِّي...»، مجلَّة «الشِّهاب»، (م11، ج6، ص665).

(9) «تراجم الأعلام» (ص192 ـ 193).

(10) عبد الرَّحمن الجيلالي: «ترجمة العلاَّمة الأستاذ الشَّيخ المكِّي...»، مجلَّة «الشِّهاب»، (م11، ج6، ص664).

(11) محمَّد علي دبوز: «نهضة الجزائر الحديثة» (1 /144 و146).

(12) «شعراء الجزائر في العصر الحاضر» (1 /138).

(13) وذكر مثلَ ذلك الدُّكتور أبو القاسم سعد الله في «تاريخ الجزائر الثَّقافي» (5 /603).

(14) لم يُشِرْ إلى كون هذه الزِّيارات سرِّيَّةً أو علنيَّة؟!

(15) توفِّي الشَّيخ الكامل (سنة 1347هـ/1929م)، إثر اصطدام القطار بسيَّارته. انظر: «الشِّهاب» (جزء ذي القعدة 1347هـ/أبريل1929م).

(16) «تاريخ الجزائر الثَّقافي» (5 /574 ـ 575).

(17) عبد الرَّحمن الجيلالي: «ترجمة العلاَّمة الأستاذ الشَّيخ المكِّي...»، مجلَّة «الشِّهاب»، (م12، ج6، ص725).

(18) علَّق الأستاذ الشَّاعر الهادي السَّنوسي الزَّاهري؛ جامعُ كتاب «شعراء الجزائر في العصر الحاضر» بقوله: «كان شاعرنا نوى الارتحال إلى القسطنطينيَّة ليرى الأستاذ، فتراخى ومات ولم يره؛ فندم على هذا التَّراخي ندامةَ الكُسَعِي، ولات مندم» اهـ.

(19) هذا الَّذي يسمِّيه الطُّرقيُّون إغاثةً وتوسُّلاً هو الشِّركُ المحضُ بعينهِ! فلا أحد يقدر على إغاثة النَّاس فيما هو خارجٌ عن الأسباب العاديَّة، إلاَّ الله تعالى! كما أنَّه لا يُدعى إلاَّ الله ، ولا يُرْتَجَى أحدٌ سواهُ، وهذا هو التَّوحيد الخالص الَّذي يدعو إليه السَّلفيُّون، ومنهم ابن باديس وإخوانهُ.

(20) بل هو بمفاهيم الطُّرقيِّين: شركٌ!

(21) «النَّجاح»:  العدد (272)، 29 رجب 1344هـ/ 12 فيفري 1926/ ص1و2/ «الضَّالَّة المنشودة...».

(22) جريدة «الشَّعب»، العدد (2280): الخميس 10 صفر 1390هـ/ 16 أبريل 1970م/(ص7).

(23) هم أهلُ التَّعطيل لصفات الله تعالى، يقول ابن باديس في «العقائد الإسلاميَّة» (ص73): «المعطِّلون: هم الَّذين ينفون الصِّفات الإلهيَّة... والتَّعطيل تعطيل اللَّفظ عن دلالة معناه الحقيقي أو الخروج به إلى معنى آخر...» اهـ.

(24) قال الشَّيخ محمَّد بن العابد الجلاَّلي ـ تلميذ الشَّيخ ابن باديس ـ وهو يقرِّظ كتاب السَّهسواني؛ الَّذي ردَّ به على إفك دحْلان، قال: «ودَحْلان هذا هو أحد رؤوس الضَّلال الَّذين أعادوا  لوثنيَّة القبور ماضي شبابها بما ألَّفوه وكتبوه من الوساوس والضَّلالات... وقد كان هذا المخلوق «دحْلان» مفتيًا بمكَّة في أوائل القرن الحالي الهجري... وبواسطة علماء السُّوء أمثال دحْلان والنَّبهاني انتشر كثيرٌ من الفتن الَّتي ما زالت الأمَّة الإسلاميَّة تُعاني ويْلاتها» إلخ [«الشهاب»، جزء  شوال 1352، ص85 ـ 86].

(25) في الرَّدِّ على شبهات المجوِّزين للاستغاثة بغير الله! ألَّفه الشَّيخ عبد اللَّطيف بن عبد الرَّحمن آل الشَّيخ في الرَّدِّ على داود بن جرجيس النَّقشبندي، فمات ولم يتمَّهُ؛ فأتمَّه العلاَّمة الآلوسي بكتاب عنوانه: «فتح المنَّان تتمَّة منهاج التَّأسيس: رد صلح الإخوان»، فرغ منه في 1306هـ، وطبع في الهند سنة 1309هـ.

(26) لعلَّها: «فتح المنَّان».

(27) هو الشَّيخ علي بن العلاَّمة نعمان الآلوسي، عالم، مشارك، توفي سنة (1340هـ).

(28) بل يوجدُ ما يُغني عنها ـ والحمدُ لله ـ من الكتب السَّلفيَّة، ممَّا يصلُحُ الابتداءُ بها، وقد بدأ الشَّيخ ابن باديس في أوَّل أمره يُدرِّس لطلاَّبه العقائد والتَّوحيد في كتاب «الجوهرة»! ـ كعادة علماء بلاده وأساتذته ـ! ثمَّ ما لبث أن وضع لهم مذكِّرةً من إملائه في العقائد السَّلَفِيَّة، البعيدةِ عن مسالك المتكلِّمين، حيثُ قرَّر فيها مسائل العقيدة على طريقة السَّلَف؛ في الإثبات والتَّنزيه، والبُعْدِ عن التَّعطيل، يقول الشَّيخ أحمد حمَّاني في «شهداء معهد ابن باديس... الشَّيخ الصَّادق حمَّاني...» (ص15): «درَّسَنَا «جوهرة التَّوحيد»، ولم يقتنع الشَّيخ بما في «الجوهرة» بل أملى علينا من عنده إملاءات دعَّمها بالأحاديث الصَّحيحة والآيات..» اهـ، انظر: «العقائد الإسلاميَّة...» إملاء الشَّيخ ابن باديس، بعناية تلميذه: الشَّيخ محمَّد الصَّالح رمضان.

(29) هو الإمام نعمان أفندي الآلوسي؛ مفتي بغداد [ت: 1317هـ]، وصاحب كتاب «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين»، وهما أحمد ابن تيميَّة، وأحمد ابن حجر الهيتمي.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 12»