أنت هنا:ألفاظ ومفاهيم في الميزان»عبارات عقدية فاسدة (2)

عبارات عقدية فاسدة (2)

  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 2211 مرة

 

5 - «رَبي تْفَكْرُو»:

تقال في حق الفقير إذا رزقه الله أو المبتلى إذا عافاه أو المريض إذا شفاه، ويفهم من هذه العبارة أن الله نسيه، والنسيان هنا خلاف الذكر والحفظ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال الله عز وجل: ﴿لاَ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنْسَى﴾ [طه:52]، وهو عز وجل سميع بصير عليم خبير يعلم ما كان وما يكون قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران:5]، ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:12]، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه:98]، وهو حي قيوم لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:255]، وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إِنَّ اللهَ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ يَخْفِضُ القِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَل اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَل النَّهَاِر قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ»(1).

ويأتي النسيان في اللغة بمعنى الترك، ومنه قوله تعالى عن المنافقين: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [الحشر:67] يعني تركهم، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه:126] أي تترك في العذاب(2).

على أنه قد يكون مقصود بعضهم أن الله رحمه وأحسن إليه، فهذا المعنى صحيح لكن عبارة «ربي تفكرو» باطلة.

 

6 - «اللِّي خْلَقْهُمْ حَارْ فِيهُم»:

وهذه العبارة الشنيعة القبيحة فيها محظوران:

الأوَّل: وصفه - عزَّ وجلَّ - بالحيرة وهي الاضطراب.

الثَّاني: وصفه بالعجز والضعف وأنه غير قادر عليهم، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرًا.

فالله - جلَّ وعلا - هو القوي المتين العلي العظيم العزيز الجبار، يمهل ولا يهمل ليس لعظمته حد ولا يعجزه أحد، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:44].

وإذا كان الله - عزَّ وجلَّ - قد حفظ السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما أي لا يثقله - وهذا لكمال قدرته وعظمته وقوته وعزته، فكيف يعجزه عبده الضعيف الفقير العاجز الحقير، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:82]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:15-17].

 

7 ـ «لُو كَانْ اعْطَى رَبي مَانِيشْ هْنَا أو مَانِيشْ هَكْذَا»:

وهذه العبارة فيها عدة محظورات:

الأوَّل: أن قائلها مظلوم مسلوب الحق لا تليق به الحالة التي هو فيها من فقر أو حاجة أو مرض أو نحو ذلك، وفي هذا اعتراض على قضاء الله وقدره.

الثَّاني: تزكية نفسِه وأنه أهل للخير.

الثَّالث: سوء الظن بالله - عزَّ وجلَّ - واتهامه بأنه غير عادل وغير كريم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:64]، ومهما أعطى سبحانه وأنفق وأحسن ورزق فإن ما عنده لا ينفد ولا ينقص، قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -:«يَمِينُ اللهِ مَلأى لاَ يغِيضُهَا نَفَقَةٌ سحَّاءُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أنْفقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ ينْقصْ مَا فِي يَمِينِهِ»(3).

لكنه - عزَّ وجلَّ - يعطي ويمنع وفق علمه وحكمته ومشيئته، ورحمته وفضله، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:2].

 

8 ـ «رَبِّي مَايْحَبش الخَسَارة»:

تقال هذه الكلمة إذا نجَّى الله - عزَّ وجلَّ - عبده من هلاك مؤكد كالصبي مثلا: يهجم على النار أو الماء الحار فتلحق به أمه فتنقذه بإذن الله العزيز الغفار، أو يقوم الإنسان قبل سقوط الجدار الذي كان متكئا عليه، فيقولون: «رَبِّي مَا يحَبشْ الخَسَارَة».

ومفهوم الكلام أنه لو وقع مكروه لأحب الله الخسارة وهذا يتضمن اتهامه - عزَّ وجلَّ - بالظلم سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:49]، وفي الحديث القدسي قال الله - عزَّ وجلَّ -: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالمُوا»(4)، فالمصائب كلها بكسب الإنسان وإذن الملك الديان فالمرض والهلاك والموت بإذنه ومشيئته.

إن الله - جلَّ وعلا - خالق الخير والشر، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [الزمر:62]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:2]، وله عز وجل في كل ذلك الحجة الدامغة والحكمة البالغة، بيد أن الشر لا يضاف إليه لأنه يكون في بعض مخلوقاته لا في فعله وخلقه ولهذا كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول في دعاء الاستفتاح: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ كُلُّه في يَدَيْكَ والشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»(5).

إن خلقه وفعله فيه الخير والرحمة والعدل والحكمة، وقد تقع أمورٌ لا يحبُّها لكنَّه خلَقها وأرادها قَدَرًا لحِكَمٍ عظيمةٍ وفوائد جليلةٍ.


===================================

(1)  رواه مسلم (179).

(2)  «الصحاح» للجوهري (6/2508)، «تيسير الكريم الرحمن» للسعدي (357، 552)، و «أضواء البيان» للشنقيطي (4/ 550).

(3)   البخاري (7419) ومسلم (993).

(4)  مسلم (2577).

(5)  مسلم (771).

 

* منقول من (مجلة «الإصلاح» العدد 2)