أنت هنا:ألفاظ ومفاهيم في الميزان»نصرة النبي ﷺ

نصرة النبي ﷺ

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 693 مرة

 

لقد عصفت بالأمَّة الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة موجة عارمة تأجَّجت فيها مشاعر الانتصار للنَّبيِّ المختار ﷺ بسبب اعتداء حثالة من زبَالة البشر وحطب جهنَّم في بلاد الدَّانمارك على سيِّد ولد آدم وخير الخلق أجمعين ﷺ وذلك بإعادة نشر الرُّسومات الكاريكاتوريَّة المسيئة لجنابه ﷺ على صفحات بعض صحفهم السَّيَّارة.

فهبَّت الأمَّةُ أفرادًا وجماعاتٍ ومنظَّماتٍ حكوميَّة وغير حكوميَّة للتَّنديد والشَّجب والاستنكار لهذه التَّصرُّفات المشينة والأفعال الشَّنيعة وإدانتها.

فلا غرو أن يَغار المسلمون على حرمة نبيِّهم ﷺ ويذودوا عن عِرضه ولا يقبلوا أن تمتدَّ إليه يد السُّوء والإهانة، وإنَّ ذلك من لوازم الإيمان؛ قال تعالى: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}[الفتح:9] أي تعظِّموه وتجلُّوه، وتقوموا بحقوقه، ومنها حبُّه ونصرتُه قال ﷺ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [البخاري (15)، ومسلم (44)] قال القاضي عياض رحمه الله: «ومن محبَّته ﷺ نصرة سنَّته، والذَّبِّ عن شريعته، وتمنِّي حضور حياتِه؛ فيبذل ماله ونفسه دونه، قال: وإذا تبيَّن ما ذكرناه تبيَّن أنَّ حقيقة الإيمان لا يتمُّ إلاَّ بذلك، ولا يصحُّ الإيمان إلاَّ بتحقيق إعلاء قدر النَّبي ﷺ ومنزلته على كلِّ والدٍ وولدٍ ومحسِنٍ ومفضلٍ؛ ومن لم يعتقد هذا، واعتقد سواه، فليس بمؤمن» [$شرح النووي على مسلم# (2/16)]، وهذه المحبَّة لا تتمُّ إلاَّ بطاعته، قال تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم}[آل عمران:31].

والَّذي نحبُّ أن يفهمَه كلُّ مسلم أنَّ نصرةَ النَّبي ﷺ ليست موسميَّةً، ولا مؤقَّتة بزمن دون زمن، ولا ردَّة فعل تُمليها الأحداث، بل نصرتُه تكون مدى الحياة من يوم أن يَعقِل المسلمُ معنى $لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدٌ رسول الله#، فيحيا حياتَه كلَّها منتصرًا لنبيِّه ﷺ وذلك بحبِّه واتِّباعه وتعلُّم سيرته وسنَّته ونشرها بين الخلائق، فالنَّبيُّ ﷺ لا يُنصر بالأراجيف والأكاذيب وأحلام اليقظة، ولا بالحماسات والعواطف الجيَّاشة، ولا بالأساليب العشوائيَّة الَّتي لا تمتُّ إلى الإسلام والسُّنَّة بصلة، فقد أوذي ﷺ في حياته بشتَّى أنواع الإذاية كالسُّخريَّة والافتراء والاستهزاء به إلاَّ أنَّه لم يقابل ذلك إلاَّ بالصِّدق وقول الحقِّ واتِّباع أمره الله عز وجل.

فكيف ينصرُ النَّبيَّ ﷺ من ترك سنَّتَه وخالفَ أمرَه وفارقَ هديَه ولم يقتدِ به!!

ولأنَّ النُّصرة مطلب شرعيٌّ وجب أن تكون وفق الشَّريعة وطبق السُّنَّة، فالنَّبي ﷺ لا ينصر بالبدع والطَّرائق ومحدثات الأمور.

وبإزاء ذلك يقال لكلِّ طاعن متطاول على مقام النُّبوَّة: إنَّما مثلك مثل الَّذي يحاول أن يبصق الشَّمس فلا يعود بصاقه إلاَّ على وجهه، فنبيُّنا ﷺ أجل ممَّا تتصوَّرون، وأرفع ممَّا تظنُّون، وأنبل ممَّا تحسبون، فهو البحر الَّذي لا يساجل، والشَّمس الَّتي لا تماثل؛ والبدر الَّذي لا يحاسن؛ والطَّود الَّذي لا يزاحم؛ والسَّحاب الَّذي لا يبارى، والسَّيل الَّذي لا يجارى؛ وأنَّى تبلغ الفلكَ هامةُ المتطاول، وأين الثُّريَّا من يد المتناول!!

فهو صاحب الوسيلة، والمنزلة الرَّفيعة الَّتي تقاصرت العقول والألسنة عن معرفتها ونعتها.

وإنَّنا نبشِّر كلَّ مسلم غيور أنَّ من سنَّة الله تعالى الكونيَّة أنَّ من تعرَّض لنبيِّه ﷺ بالشتم أو السبٍّ أو الأذى فسيناله عقابه وعذابه، ففي البخاري (3421) ومسلم (2781) عن أنس رضي الله عنه قال: كَانَرَجُلٌ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَكَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبي ، فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلاَّ مَا كَتَبْتُ لَهُ؛ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا فَأَلْقُوهُ فَحَفَرُوا لَهُ فَأَعْمَقُوا، فَأَصْبَحَ وَقَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ؛ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ نَبَشُوا عَنْ صَاحِبِنَا لَمَّا هَرَبَ مِنْهُمْ فَأَلْقَوْهُ فَحَفَرُوا لَهُ وَأَعْمَقُوا لَهُ في الأَرْضِ مَا اسْتَطَاعُوا، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَلِمُوا أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ فَأَلْقَوْهُ» أي فعلموا أنَّه ليس من فعل النَّاس وعملهم فتركوه منبوذًا ولم يدفنوه.

يصدِّق ذلك قوله تعالى: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين}[الحِجر:95]، قال السَّعدي رحمه الله: «وهذا وعد من الله لرسوله، أن لا يضرَّه المستهزئون، وأن يكفيه الله إيَّاهم بما شاء من أنواع العقوبة، وقد فعل تعالى، فإنَّه ما تظاهر أحد بالاستهزاء برسول الله ﷺ وبما جاء به إلاَّ أهلكَه الله، وقتلَه شرَّ قتلة».

ولعلَّ هذا أوان هلاك وزوال ملك من طعن في حبيبنا محمَّدٍ ﷺ أو مسَّ شيئًا من كرامته أو أراد الحطَّ من قدره، وشارك في هذه الحملة المسعورة.

فاللَّهمَّ انصر دينك وكتابك وسنَّة نبيِّك ﷺ.