أنت هنا:ألفاظ ومفاهيم في الميزان»تنبيه الأحبة عـلـى عـبـارات خـاطـئـــة

تنبيه الأحبة عـلـى عـبـارات خـاطـئـــة

  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 3494 مرة

 

هذه مجموعة أخرى من العبارات الشائعة بين الناس أقدمها لقراء مجلة «الإصلاح» الغراء، مبينا ما تضمنته من أخطاء، موضحا ما احتوته من معان عوجاء، والله الموفق والمعين.

 

تَنْسَاك الْمُوت

تقال هذه العبارة تخفيفا على الناسي وتسلية للساهي، فإذا نسي أحدهما شيئا ـ أو غفل عنه ـ، وقد طُلب منه إحضارُه أو شراؤُه فقال: نسيته، أُونِس بقول: تَنْسَاك الْمُوت.

وكذا إذا كان يتحدث شخص عن شيء، فيتتعتع في بعض حديثه ويقول: نسيت كذا وكذا، يقال له: تنساك الموت، يعني تنساك كما نسيت ذلك الشيء، وكأنهم يريدون نفي اللوم والتثريب عن الناسي.

ويلاحظ أن العبارة خاطئة؛ لأن النسيان هنا ـ كما هو واضح ـ خلاف الذكر والحفظ، ومحال أن يخطئ الموت أحدا وينساه ولا يذكره.

قال الله تعالى: {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير}[فاطر:11]، وقال: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ}[المنافقون:10]، وقال: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ}[الواقعة:60].

والأجل محدد لا يخطئ أحدا ولا ينساه، وكل إنسان يموت عند أجله الذي علمه وقدره مولاه، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً}[آل عمران:145]، وقال النبي ﷺ: «لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ»(1).

ثم كيف ينسى الإنسان ولا يذكر في مثل هذا الأمر الذي وكل به ملك الموت ـ وهو الأمين الحفيظ ـ قال تعالى: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون}[السجدة:11].

وقد يقال إن هذه العبارة هي من باب الدعاء، فالجواب أن هذا اعتداء، قال الله تعالى: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين}[الأعراف:55]، وقال النبي ﷺ ناصحا ومحذرا: «يَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاءِ وَالطَّهُورِ(2).

 

فُلان مَلايكَتُه ثْقَال

إذا كان الشخص ثقيل الظل لا يتحمل، غليظ الطبع لا يؤلف، شرس الخلق لا يعاشر قيل عنه: فلان ملايكته ثقال.

ولا شك أن هذه العبارة فيها سوء أدب مع الملائكة الذين خلقهم الله من نور ووفقهم للطاعة والخير، وعصمهم من المعصية والشر، فهم لا يَفْتُرون عن عبادة ربهم، ولا يسأمون من ذكر خالقهم، قال تعالى: {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُون}[الأنبياء:20]، وقال: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُون * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون}[الأنبياء:27]، وقال: {لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}[التحريم:6].

والعبد قد وكل به قرينه من الملائكة وقرينه من الجن كما قال النبي ﷺ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَمَعَهُ قَرِينُهُ مِنَ الملاَئِكَةِ وَقَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ»، قالوا: وأنت يا رسول الله! قال: «وَأَنَا إِلاَّ أَنَّ اللهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلاَ يَأْمُرُنِي إِلاَّ بِخَيْرٍ»(3).

فالواجب على العبد أن يحترمهم ويُجِلُّهم ويستحيي منهم، ويحذر من وصفهم بعبارات فيها سوء أدب وقلة احترام، ولو من غير قصد، وهذا مما يؤذي الملائكة، قال ﷺ: «..فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ»(4).

 

فلان رَبِّي يْسَهَّلْ عَلِيه

تستعمل هذه العبارة دعاء في تسهيل الأمور وتيسيرها، وهذا مشروع، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «اللَّهُمَّ لا سَهْلَ إِلاَّ مَا جَعَلْتَهُ سَهْلاً وَأَنْتَ تَجْعَلُ الحَزْنَ إِذَا شِئْتَ سَهْلاً»(5)، لكننا نسمع بعض الناس يستعملونها عند الغضب والمخاصمة، فمنهم من يقول: «فلان لا يهمني أمرُه، ذلك شغلُه ربِّي يسهل عليه، المهم يتركني، ويبتعد عني»، وقد يكون في حالة معصية ومخالفة، وقد يقال لأحدهم: انصح فلانا فإنه ظالم معتد، فيقول: يا أخي! دعني منه إنه شخص صعب، الله يسهل عليه، لا دخل لي فيه.

وقد يدخل بعضهم على عامل أو مسؤول في إدارة معروف بالظلم وأخذ الرشوة فلا تُقضى حاجته فيقال له: إن ذلك المسؤول يأخذ الرشوة فيقول: يا أخي لا دخل لي فيه ولا يهمني أمره الله يسهل عليه، أريد حاجتي فقط.

يقول هذه العبارة تخلصا منه واجتنابا له، وكان المفروض أن يقال: هداه الله ما دام في معصية مولاه والله تعالى يقول: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان}[المائدة:2].

والمسلم يدعو ربه أن يسهل أموره وأمور إخوانه ما دامت خيرا وصلاحا، أما أمور الشر والفساد فيستغفر ربه ويتوب إليه منها ويدعو لمن وقع فيها بالهداية.

فإن قيل: إنهم يريدون تلك العبارة: ربي يسهل عليه التوبة، فالجواب: هذا احتمال، لكنه بعيد جدا، ولعله لم يَدُر في خَلَدهم ولم يخطر ببالهم.

 

ربِّي شَافْ لَلْبَصْلَهْ ودَارْ راسْها في الأَرض

يريدون بـ «شاف»: نظر، وهذا له وجه في اللغة(6).

وهذه العبارة تقال في حق شخص شرير مؤذ، يسعى لمال فلا يناله، أو يطلب منصبا ولا يصل إليه، ولو ناله ووصل إليه لازداد به شرًّا وإيذاء وظلما وعدوانا.

فيقال عنه: «ربي شاف للبصلة ودارْ راسها في الأرض، فالبصلة في نظر هؤلاء، لمَّا كانت خبيثة الرائحة، غرست في التراب حتى لا تؤذي الناس برائحتها، فكذلك هذا الشخص الشرير المؤذي، لم ينل مطلوبه، ولم يصل إلى مراده، حتى لا يؤذي ولا يظلم، وهذا المعنى صحيح، إلا أن في العبارة تقوُّلاً على الله بغير علم؛ لأن فيها نسبة شيء إلى الله ليس له بغير علم ولا بينة، فأين الدليل على أن البصلة غرست في التراب لكونها خبيثة الرائحة، وهذه الكمأة، والبطاطا والجزر، نباتات طيبة وليست لها رائحة خبيثة ومع ذلك غرست في التراب وهذا الشوك ونحوه مؤذ، وهو ظاهر فوق الأرض!؟

وعلى كل لا يجوز للعبد أن ينسب شيئا إلى الله ليس له فيه علم وبينة، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون}[الأعراف:33]، وقال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا}[الإسراء:36].

 



(1) رواه مسلم (2663)، حله يعني حينه.

(2) رواه أحمد (16919) وغيره، وإسناده صحيح، انظر: «إرواء الغليل» (1 /171).

(3) رواه أحمد (3778) ومسلم (2814).

(4) رواه مسلم (564).

(5) أخرجه ابن حبان (974) وابن السني (352)، وصححه الألباني «الصحيحة» (2886).

(6) انظر: «المعجم الوسيط» (1 /500).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 09»