أنت هنا:ألفاظ ومفاهيم في الميزان»تحذير أهل الإيمان من دعوة وحدة الأديان

تحذير أهل الإيمان من دعوة وحدة الأديان

  • عباس ولد عمر
تم قراءة المقال 3843 مرة

 

إنَّ من عقائد الإيمان المهمَّة الَّتي يجب على المسلم أن لا يحيد عنها، ولا يتردَّد في صحَّتها، اعتقاده أنَّ الله لا يقبل من النَّاس دينًا غير الدِّين الَّذي جاء به خاتم رسله وأنبيائه محمَّد بن عبد الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، وأنَّ شريعته قد نسخت كلَّ شريعة ورسالة كانت قبل بعثته، قال الشَّيخ أحمد بن مشرف الأحسائي المالكي في نظمه لمقدِّمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني:

ودينه نسخ الأديان أجمعها وليس ينسخ ما دام الصفا وحِرا
مــحـمدٍ خـــير كلِّ العالمين به ختم النَّبيِّين والرُّسل الكرام جرى
وليس من بعده يوحى إلى أح ومن أجاز فحلَّ قتله هدرا

 

والَّذي دفعني إلى كتابة هذه الكلمات خبر عجيب مفاده أن (138) داعية إسلاميًّا وجَّهوا خطابًا إلى كبار زعماء وقساوسة الدِّيانة النَّصرانيَّة على رأسهم بابا الفاتيكان من أجل رأب الصَّدع المتزايد بين المسلمين والنَّصارى في العالم!!!وهذا الأمر في الحقيقة ممَّا عُلِمَ بالضَّرورة من دين الإسلام، فكان في الأصل لا يحتاج إلى كثيرِ بيان، لكنَّنا وجدنا في زمان كثر فيه المتزيون بزيِّ أهل العلم، المنتسبون إلى أهل الفقه، ممن يجادل في القطعيَّات، ويشكِّك في قواعد الدِّين الكليَّات، حتَّى صارت بعض أصول الإيمان ميدانًا للأخذ والرَّدِّ، ومحلَّ مراء وسعي إلى النَّقض.

وهذا أمر في غاية الخطورة، وأصبح لأجله لزامًا الصَّدع بواجب البيان، بتوضيح ما تقرَّر من عقائد الإيمان، حتَّى لا يروج على أبناء المسلمين مثل هذا الباطل والبهتان، ولا عاصم لهم منه إلاَّ بالرُّجوع إلى السُّنَّة والقرآن، ففيهما عصمةٌ من كلِّ ضلالة وأمان.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، قال العلاَّمة ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ﴿وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ﴾ إخبار من الله تعالى بأنَّه لا دِين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتِّباع الرُّسل فيما بعثهم الله به في كلِّ حين، حتَّى ختموا بمحمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، الَّذي سدَّ جميع الطُّرق إليه إلاَّ من جهة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، فمن لقي الله بعد بعثة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبَّل»(1).

وقال الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، فأخبر سبحانه أنَّ الَّذي يطلب دينًا غير دين الإسلام الَّذي جاء به محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فلن يقبل منه ويكون مردودًا عليه، ولو زعم أنَّه يتقرَّب به إلى الله، فإنَّ ذلك لا ينفعه ولا يشفع له، ويكون يوم القيامة من الخاسرين جزاءً على تكذيبه بخير رسل الله وخاتمهم، وإعراضه عن القرآن الَّذي هو أفضل كتب الله وبه نسخت، وإذا كان في الآخرة من الخاسرين فإنَّ الجنَّة عليه حرام، وهو في نار جهنَّم خالدًا مخلَّدًا فيها، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيِّنة: 6]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [البقرة: 161 ـ 162] وقال ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: 91]، وقال كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [محمد: 34]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: 40].

ومعنى الآية: أنَّ الكفَّار من أهل الكتاب والمشركين لا يحلُّ لهم دخول الجنَّة إلاَّ إذا تمكَّن الجمل من الدُّخول في سمِّ الخياط وهو ثقب الإبرة، وهذا كما يقول العلماء معلَّق على شرط مستحيل، والمعلَّق على مستحيلٍ مستحيلٌ.

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48] وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116]، فكلُّ ذنب عسى الله أن يعفوَ عنه ويتجاوز إلاَّ ذنبًا واحدًا هو الكفر والشِّرك به سبحانه.

ولعلَّ قائلاً يقول: إنَّما نصَّت الآية على استثناء الشِّرك فكيف أدخلتم فيه الكفر؟ وهذا الاعتراض إن وجد فلا يكون إلاَّ من جاهل بأصول الدِّين وكليَّاته، وإنَّما أوردته لأنَّنا عهدنا من القوم أنَّهم يتمسَّكون بأدنى شبهة يجدونها، وسيأتي قريبًا مثالٌ من أمثلة ذلك ـ والجواب عليه: أنَّ الكفر والشِّرك ملَّة واحدة وإن تعدَّدت طرائقها أو اختلفت مسالكها، وهما سواء في عدم الاغتفار كما دلَّت على ذلك آية سورة محمَّد المتقدِّمة.

ومن النُّصوص الَّتي تدلُّ أيضًا على هلاك وخسران من تعبَّد لله بغير شريعة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ ما رواه مسلم في «صحيحه» عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنَّ النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»(2) قال سعيد بن جبير: كنت لا أسمع بحديث عن رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ على وجهه إلاَّ وجدت تصديقه في القرآن، وتصديق هذا الحديث في قول الله تعالى:﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: 17](3)، قال الإمام النَّووي عند شرحه لهذا الحديث: «وأمَّا الحديث الثَّاني: ففيه نسخُ المِلَلِ كلِّها برسالة نبيِّنا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، وفي مفهومه دلالة على أنَّ من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهذا جارٍ على ما تقدَّم في الأصول أنَّه لا حكم قبل ورود الشَّرع على الصَّحيح ـ والله أعلم ـ، وقوله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ: «لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّة»: أي من هو موجود في زمني وبعدي إلى يوم القيامة، فكلُّهم يجب عليهم الدُّخول في طاعته، وإنَّما ذكر اليهوديَّ والنَّصرانيَّ تنبيهًا على مَنْ سواهما، وذلك لأنَّ اليهود والنَّصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أنَّ لهم كتابًا فغيرهم ممَّن لا كتاب له أولى، والله أعلم»(4).

هذا هو الحقُّ، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلَالُ﴾ [يونس: 32].

فإذا تقرَّر هذا فليعلم أنَّ الدَّعوة الَّتي يروِّج لها بعض النَّاس تحت شعار «الدَّعوة إلى وحدة الأديان» دعوةٌ باطلة مناقضة لأصل الإيمان، لا ينبغي لمسلم أن يشكَّ في زَيْفِها وبطلانها البتَّة، كيف لا وهي دعوةٌ إلى التَّسوية بين الحقِّ والباطل، ودعوة إلى الجمع بين الإيمان والكفر، دعوة إلى عدل الأبرار بالفجَّار، وربُّنا يقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: 35 ـ 36]، والنَّبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يقول: ﴿«كَمَا لاَ يُجْتَنَى مِنَ الشَّوْكِ العِنَبُ، كَذَلِكَ لاَ يُنَزَّلُ الأَبْرَارُ مَنَازِلَ الفُجَّارِ، فَاسْلُكُوا أَيَّ طَرِيقٍ شِئْتُمْ، فَأَيُّ طَرِيقٍ سَلَكْتُمْ وَرَدتمْ عَلَى أَهْلِهِ»(5)؛ حتَّى إنَّنا سمعنا منهم من يقول: «إخواننا النَّصارى»!، والحقُّ أنَّهم ليسوا إخوانًا لنا؛ لأنَّ الشَّرع لم يعتبر رابطة أخويَّة إلاَّ رابطة الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، ولكنَّنا نقول لهم كما قال إمام الحنفاء والموحِّدين فيما ذكر الله عنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: 4]، ثمَّ إنَّ القول عنهم إنَّهم إخوانٌ لنا يفضي إلى محبَّتهم وموالاتهم، وقد قال الحقُّ جلَّ في علاه: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: 22]، وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51]، ولم يقف القائل آنفًا ـ وهو ممَّن يشار إليه بالبنان ـ عند هذا الحدِّ من الغَيِّ، بل زاد عليه موبقة أخرى لما أراد أن يستدلَّ لصحَّة مقولته: «إخواننا النَّصارى» فقال: «يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] وهم مؤمنون من وجه آخر»؟!، وليس لي إلاَّ أن أترك هذا الكلام من غير تعليق!!

فالعجب ممَّن نشأ في بلاد الإسلام وقرأ القرآن كيف تروج عليه هذه الدَّعوة، فضلاً عن أن يكون من طلبة العلم الشَّرعيِّ، فضلاً عن أن يكون من أهل المناصب الدِّينيَّة العُلْيَا، ولكنَّه الرُّكون إلى الَّذين كفروا والمسارعة إلى مودَّتهم؛ وهذه الدَّعوة الآثمة لا يمكن أن يكون لها وقع في قلوب المؤمنين مع ما تقدَّم من النُّصوص الجليَّة الصَّريحة، ولكن أهلها يلبِّسون ويموِّهون، ويلوون أعناق النُّصوص لتتوافق مع ما يهوون، خاصَّة مع بعد أكثر المسلمين عن التَّفقُّه في دين ربِّهم، وطلب الهداية من كتابه وسنَّة نبيِّهم.

لهذا كان لا بدَّ من تعرية هذه الدَّعوة وفضحها ببيان حقيقتها، وكشف زيفها ونقض شبهاتها.

وخلاصة ما يورده أصحاب هذه الدَّعوة قولهم: «نحن ـ يعني المسلمين واليهود والنَّصارى ـ أهل ديانات سماويَّة، وكلٌّ منَّا يعبد ربًّا واحدا»، وهذا من أعظم البهتان، ذلك أنَّ اليهود والنَّصارى اليوم ليسوا أهل ديانة سماويَّة، بل هم أهل ديانة أرضيَّة محرَّفة؛ لأنَّنا لا نشكُّ أنَّ التَّوراة والإنجيل الَّتي بأيديهم كتابان محرَّفان لا تجوز نسبتهما لرُسُل الله، وكيف ينسبان إلى رسولين من أولي العزم من الرُّسل وفيهما أعظم الكفران وأكبر البهتان، من نسبة الولد لله ووصفه بالنَّقائص واعتقاد ألوهيَّة عيسى ـ عليه السلام ـ وغير ذلك من الطَّوامِّ، ثمَّ لو فرضنا جدلاً أنَّ عند بعضهم كتابًا غير محرَّف ـ وهذا لا يكون ـ فإنَّه بعد بعثة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لا ينفع التَّقرُّب إلى الله بكتابٍ سابق؛ لأنَّ القرآن نسخ كلَّ كتاب إلى أن يَرِثَ الله الأرض ومن عليها، والخلائق كلُّهم ملزمون بالدُّخول في شريعة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ، رَوَى الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ: أنَّ عمر بن الخطَّاب أتى النَّبيَّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه النَّبيُّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فغضب فقال: «أَمُتَهَوِّكُونَ(6) فِيهَا يَا ابْنَ الخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا نَقِيَّةً، لاَ تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتَّبِعَنِي»(7)، فهذا موسى كليم الله لَوْ وُجِدَ في زمن بعثة نبيِّنا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لم يكن يَسَعُهُ إلاَّ أن يدخل في شريعته، فكيف بمن دونه، وتصديق هذا الحديث في كتاب الله ـ عزَّ وجلَّ ـ، قال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 81].

وقد نُقل في تأويل هذه الآية عن السَّلف تفسيران، الأوَّل: أنَّ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ أوجب على أنبيائه بهذا الميثاق أن يصدِّق بعضهم بعضًا، ويؤمن السَّابق باللاَّحق وينصره؛ والثَّاني: أنَّ المقصود بالرَّسول هنا هو نبيُّنا محمَّد ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ، فأخذ الله على أنبيائه أنَّهم لو أدركوا محمَّدًا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لكان واجبًا عليهم أن يؤمنوا به وينصروه ويصدِّقوه.

قال العلاَّمة محمَّد الأمين الشّنقيطي: «وهذه الآية الكريمة على القول بأنَّ المراد بالرَّسول فيها نبيُّنا ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ كما قاله ابن العبَّاس وغيره فالأمر واضح، وعلى أنَّها عامَّة فهو ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ يدخل في عمومها دخولاً أوَّليًّا»(8)؛ فعلى هذا يكون تكذيب اليهود والنَّصارى بنبوَّة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ في الحقيقة تكذيبًا بنبوَّة موسى وعيسى ـ عليهما السلام ـ؛ لأنَّه قد أخذ عليهما الميثاق أن يؤمنوا به وينصروه، وقد جاءت البشارة بمجيئه في كتابيهما، قال جلَّ ثناؤه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]؛ ثمَّ إنَّه قد تقرَّر في الشَّريعة أنَّ الَّذي يكذِّب بنبيٍّ واحد فهو كمن كذَّب بجميع الرُّسُل والأنبياء، قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105] وقال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 123]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 141]، وقال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 160]، وقال: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 176]، وقوم نوح إنَّما جاءهم نوح وحده وهو أوَّل رسول إلى أهل الأرض(9) فمع ذلك حكم الله عليهم بتكذيب جميع المرسلين، وكذلك الأمم الأخرى عاد وثمود وقوم لوط وقوم شعيب إنَّما جاءهم رسول واحد وقد حكم الله عليهم بنفس الحكم، والمقصود بذلك كما قال ابن كثير: «نزَّل الله تعالى تكذيبهم له ـ يعني: نوحا ـ منزلةَ تكذيبهم جميع الرُّسل»(10)، ويؤيِّد هذا قولُ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 150 ـ 151].

وأمَّا قولهم: «نحن نعبد ربًّا واحدًا» فهذا أيضًا من أبطل الباطل، قال الله تعالى لنبيِّه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 1 ـ 6]، فهم لا يعبدون الإله الَّذي يعبده المسلمون الموحِّدون؛ لأنَّ عبادتهم ـ وإن كانوا يزعمون أنَّها لله ـ ما هي في الحقيقة إلاَّ عبادة للشَّيطان، وهذه حال كلِّ من دان بغير دين الإسلام بعد بعثة محمَّد ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ إنَّما هو عابد للشَّيطان، والدَّليل على هذا قول ربِّنا جَّل في علاه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: 60]، وقول إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: 44] مع أنَّه لا يكاد يعرف في الغالب من أحوال النَّاس من يقصد الشَّيطان بالقربة والعبادة، ولكن لمَّا كان كفرهم وشركهم استجابةً لأمر الشَّيطان كانوا في الحقيقة عابدين له.

ومن الخطأ الشَّنيع أيضًا ما يقع فيه بعض المسلمين من التَّرحُّم والاستغفار للكفَّار من النَّصارى أو من غيرهم، وهذا ممَّا لا يجوز قطعًا بنصَ القرآن، قال الله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 113 ـ 114]، فهذا نبيُّ الله وخليله تبرَّأ من أقرب النَّاس إليه وكفَّ عن الاستغفار له لمَّا تبيَّن له أنَّه عدوٌّ لله؛ لأنَّ حبَّهم وبغضهم كان لله؛ فمن كان جاهلاً بهذا الحكم فليتعلَّم، وأمَّا من كان عالِما وأصرَّ فليس لنا إلاَّ أن نقول له: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109]؛ ثمَّ أين هؤلاء من حديث النَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ الَّذي رواه الطَّبراني عن سعد بن أبي وقَّاص ـ رضي الله عنه ـ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ فقال: إنَّ أبي كان يصل الرَّحم وكان وكان فأين هو؟ قال: «فِي النَّارِ»، فكأنَّ الأعرابيَّ وجد من ذلك فقال: يا رسول الله! فأين أبوك؟ قال:«حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ»، قال: فأسلم الأعرابيُّ بعد، فقال: لقد كلَّفني رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ تعبًا: ما مررت بقبر كافر إلاَّ بشَّرته بالنَّار(11).

قال الشَّيخ الألباني: «وفي هذا الحديث فائدة هامَّة أغفلتها عامَّة كتب الفقه، ألا وهي مشروعية تبشير الكافر بالنَّار إذا مرَّ بقبره، ولا يخفى ما في هذا التَّشريع من إيقاظ المؤمن وتذكيره بخطورة جرم هذا الكافر، حيث ارتكب ذنبًا عظيمًا تهون ذنوب الدُّنيا كلُّها تجاهه ولو اجتمعت، وهو الكفر بالله ـ عزَّ وجلَّ ـ والإشراك به الَّذي أبان الله تعالى عن شدَّة مقته إيَّاه حين استثناه من المغفرة فقال: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، ولهذا قال ـ صلَّى الله عليه وسلَّم ـ لمَّا سُئل أيّ الذَّنب أكبر؟:«أَنْ تَجْعَلَ للهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» متَّفق عليه.

وإنَّ الجهل بهذه الفائدة ممَّا أدَّى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد الشَّارع الحكيم منهم، فإنَّنا نعلم أنَّ كثيرًا من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء بعض المصالح الخاصَّة أو العامَّة، فلا يكتفون بذلك حتَّى يقصدوا زيارة بعض قبور من يسمُّونهم بعظماء الرِّجال من الكَّفار! ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل ويقفون أمامها خاشعين محزونين، ممَّا يُشعر برضاهم عنهم وعدم مقتهم إيَّاهم، مع أنَّ الأسوة الحسنة بالأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ تقضي خلاف ذلك كمَّا في هذا الحديث الصَّحيح، واسمع قول الله ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ [الممتحنة: 4] الآية، هذا موقفهم منهم وهم أحياء فكيف وهم أموات؟!» اهـ(12).

وفي الأخير أُذكِّر كلَّ مسلم ـ غرَّته هذه الدَّعوة أو تردَّد في شأنها ـ بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 100 ـ 101]، وقول الله سبحانه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]، فوالله إنَّهم لا يحبُّوننا ولن يرضوا عنَّا كما أخبر تعالى وإن زخرفوا لنا القول وزيَّنوا لنا الخلق والفعل، ومن رأى في الواقع خلاف ما جاء في هذه الآية وظنَّ أنَّهم محسنون معاملته، فليعلم أنَّ ذلك ما كان إلاَّ لأنَّه متَّبع لأهوائهم، راكب لسَنَنِهِمْ، هذا نقوله لإخواننا المسلمين، أمَّا اليهود والنَّصارى فنقول لهم ما أمرنا به ربُّنا ـ عزَّ وجلَّ ـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64]، والله من وراء القصد وهو يهدي السَّبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.


(1) «تفسير ابن كثير» (1/549).

(2) رواه مسلم (153).

(3) انظر: «تفسير ابن كثير» (2/ 1461).

(4) «شرح النَّووي على مسلم» (ص237 ـ ط. ابن حزم).

(5) رواه أبو نعيم في «الحلية» (10/31) عن يزيد بن مرثد وهو مرسل ضعيف إلاَّ أنَّ له شاهدًا يرتقي به إلى درجة الحسن؛ انظر: «سلسة الأحاديث الصَّحيحة» (2046).

(6) أي: أمتحيِّرون في دينكم حتَّى تأخذوا العلم من غير كتابكم.

(7) «المسند» (3/ 387) وهو حسن كما في «إرواء الغليل» (1589).

(8) «أضواء البيان» (7/ 129).

(9) كما جاء في حديث الشَّفاعة الطَّويل.

(10) «تفسير ابن كثير» (3/ 2113) .

(11) رواه الطَّبراني في «المعجم الكبير» (1/19/1) وهو صحيح، وهو عند ابن ماجه (1573) إلاَّ أنَّ بعض رواته جعله عن سالم عن أبيه ـ يعني ابن عمر ـ، والصَّواب ما في رواية الطَّبراني: عن عامر بن سعد عن أبيه؛ انظر: «سلسلة الأحاديث الصَّحيحة» (18).

(12) «سلسة الأحاديث الصَّحيحة» (1/57).