أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»من الأجزاء المخطوطة النادرة كتابٌ فيه: (ما جاء من الحديث في النظر إلى الله تبارك وتعالى) تأليف محمّد بن وضّاح القرطبيّ (199 هـ - 287 هـ)

من الأجزاء المخطوطة النادرة كتابٌ فيه: (ما جاء من الحديث في النظر إلى الله تبارك وتعالى) تأليف محمّد بن وضّاح القرطبيّ (199 هـ - 287 هـ)

  • د. جمال عزون
تم قراءة المقال 2457 مرة

يعدُّ محمّد بن وضّاح القرطبيّ من كبار الحفّاظ الذين نشروا الحديث في ربوع الأندلس، وكان له ولصاحبه بقيّ بن مخلد أثرٌ كبيرٌ في اهتمام رجال الأندلس بالرّواية، وقد قام ابنُ وضّاح برحلتين مبكّرتين إلى المشرق لقي فيهما كبار الأئمّة أمثال: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي عبيد القاسم بن سلاّم وغيرهم، وتحمّل عنهم علماً جمّاً بثّه في الأندلس بعد عودته من رحلته.

ويعد ابنُ وضّاح من نوابغ المحدّثين الذين تيسّر لهم الجمع بين العلم والزّهد، فكان عالماً زاهداً خيّراً ورعاً.

كما كان له مشاركة في التّأليف، حيث كتب مصنّفات منها: الزّهد والرّقائق، والقطعان في الحديث، والإملاء فيه، ومكنون السّرّ ومستخرج العلم في فقه المالكيّة، وهي على قلّتها في عداد ما فُقد من تراث هذا العلم، ولم يتبقّ من تراثه سوى كتابين،

أحدهما: البدع والنّهي عنها.

والآخر - موضوع هذا المقال - جزءٌ نادرٌ للغاية جمع فيه ابنُ وضّاح الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة والأقوال المأثورة الواردة في نظر المؤمنين إلى ربّهم عزّ وجلّ يوم القيامة.

وصل إلينا الكتابُ في نسخة عتيقة جدّا كتبها المؤرّخ المغربي أبو العرب محمّد بن أحمد بن تميم التّميميّ (251 هـ - 333 هـ)، وهو يروي الكتاب عن ابن وضّاح من طريق سعيد بن سفيان الخولانيّ[1] كما قيّد ذلك بخطّه في أوّل النّسخة.

والكتابُ كان في حوزة الشّيخ حسن حسني عبد الوهّاب الصّمادحي التّونسيّ رحمه الله، وأوّل من لفت الأنظار - فيما أعلم - إلى هذا الكتاب هو الزّركليّ في كتابه (الأعلام)، وقد وقف عليه في رحلته إلى تونس وعرض في كتابه المذكور[2] صفحته الأولى الذي جاء فيها ما يلي: "كتاب فيه ما جاء من الحديث في النّظر إلى الله تبارك وتعالى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه والتّابعين بإحسان من تأليف أبي عبد الله محمّد بن وضّاح حدّثني بجميعه سعيد بن سفيان بن قرة الخولانيّ". وأفاد الزّركليُّ في موطن آخر[3] أنّ الشّيخ حسن حسني عبد الوهّاب علّق على المخطوطة المحفوظة في خزانته من كتاب (النّظر إلى الله تعالى) بكلمة عن ابن وضّاح جاء فيها أنّ عدد شيوخه الذين سمع منهم 175 شيخ، وأنّه روى القراءات عن عبد الصّمد بن القاسم عن ورش، ومن وقته اعتمد أهلُ الأندلس رواية ورش، وبابن وضّاح وببقيّ بن مخلد صارت الأندلس دارَ حديثٍ.

وبعد، فنحن أمام جزء نادر لابن وضّاح القرطبيّ كانت تحتفظ به خزانة الشّيخ حسن حسني عبد الوهّاب، ورآه الزّركليّ واحتفظ لنا بصورة عن صفحته الأولى، والغريبُ حقّاً أنّ هذا الأثر على ندرته العلميّة لا يُرى له الآن أثر، ولا يُسمع عنه خبر، ولا ندري إلى أين آل أمرُه!

وقد سألتُ عنه - قبل بضع سنوات - القائمين على شؤون المكتبة الوطنيّة بتونس التي آلت إليها مكتبةُ الشّيخ حسن حسني عبد الوهّاب، ولم يظفروا بالكتاب أو يسمعوا له رِكْزاً. وكم تمنّيتُ حينئذ أن يكون الزّركليُّ احتفظ لنا بصورة عن كتاب ابن وضّاح، فراجعتُ فهرس مكتبته الخاصّة التي آلت إلى جامعة الملك سعود بالرّياض، فلم أرجع منها إلا بخفّي حنين؛ ولا نملك بعد هذا إلاّ أن نناشد -من خلال موقع الألوكة- القائمين على المكتبة الوطنيّة بتونس البحث بحثاً جاداً دؤوباً عن هذا الجزء في المجاميع أو (الدّشت) أو غير ذلك، كما نرجو ممّن علم خبراً عن هذا الجزء الإفادة عنه، حتّى يتمكّن عشّاق التّراث من دراسة محتواه، وإدراك مدى الإضافة العلميّة التي يحتاج إليها الدّارسون لتراث أعلام الأندلس والله وليُّ التّوفيق.

 

الصفحة الأولى من مخطوطة : (ما جاء من الحديث في النظر إلى الله تبارك وتعالى)
لمحمد بن وضاح القرطبي، بخط: محمد بن أحمد بن تميم أبو العرب.


 [1] يبدو أنّه المترجم عند الخشني في أخبار الفقهاء والمحدّثين ص 325، وابن الفرضي في تاريخه 1/199 وذكرا وفاته سنة 329هـ. 

 [2] الأعلام 5/309 - ط التّاسعة، ترجمة أبي العرب التّميميّ. 

 [3] الأعلام 7/133 - ترجمة ابن وضّاح.