أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»رحلة جزء حديثيّ من أصبهان إلى نجد

رحلة جزء حديثيّ من أصبهان إلى نجد

  • د. جمال عزون
تم قراءة المقال 2200 مرة

 

(مجلة «الإصلاح» العدد 11)

 

كم هو جميلٌ أن يقع بين يديك مخطوط قديمٌ يحمل معه عبق التَّاريخ، وتعلو محيَّاه ملامح سفر طويل، كابد فيه الصِّعاب، وعانى خلاله المشقَّات، وانتقل بعد وفاة صاحبه ومؤلِّفه من بلد إلى بلد، وضمَّته خلال الرِّحلة مكتبة تلو مكتبة، وجِيء به إلى مجالس الدَّرس والسَّماع، وأُخِذَ إلى مكاتب الانتساخ لتولَّد عنه فروع تأخذ هي الأخرى رحلتها بعد مفارقة النُّسخة الأمِّ في وداع يحصل فيه أحيانا الاجتماع في أحد الأمصار، أو إحدى دور الكتب، أو بعض مجالس السَّماع، ويندر ذلك في أحايين كثيرة حيث تقبع الأمُّ في مكان بعيدة عن فروعها المنتسخة منها قديمًا، وحين يدور في مخيِّلتك هذا العناء يتفطَّر قلبك على حال هذه النُّسخة، ويزداد عجبك من قوَّة تحمُّلها الصِّعاب، وتجاوزها الأخطار، وتتساءل عن سرِّ ورقها الأسمر المصنوع من عجينة النَّبات، كيف صمد قرونًا كثيرة؟! وحِبْرها المحبوك من صوف الحيوانات أنَّى بقي لامعًا أحقابا عديدة؟! وتتنفَّس إثر ذلك الصّعداء، وكلُّك ابتهاج وسرور، وغبطة وحبور، على التقائك بهذا الأثر الضَّارب في أعماق التَّاريخ أطنابًا، وتضمُّه إليك بحرارة شوق الأحبَّة، تشعره من خلالها بالأمن والأمان، والرَّاحة والاطمئنان، وتبقيه على ضيافة عربيَّة أصيلة توفِّر له فيها كلَّ وسائل الرَّاحة، بعد أن يأخذ «حمَّامًا» ساخنًا في صندوق التَّعقيم، تُزال عن ظهره أوساخ الجراثيم، وعن باطنه فضلات الأَرَضَة، وعن جوانبه آثار الرّطوبات، وتدثّره بعد هذه العمليَّة بجلد دافىء يقيه سموم الرِّياح، ويحفظه ـ بإذن الله ـ من طوارق الدَّهر، وكثيرًا ما تصلك مثل هذه الآثار مجهولة الهويَّة، أو مبتورة في طرفيها بترًا ذهب معه عنوان الكتاب واسم المؤلِّف، وتضطرُّ حينها أن تحدِّق النَّظر في النُّصوص لعلَّك تظفر بإشارة تهديك إلى العنوان، أو كلمة تعرِّفك بالمؤلِّف، فإذا ما وفِّقت إلى كشف المجهول اعترتك فرحةٌ عارمة وغمرك سرور عجيب، لا يشعر به إلاَّ من كابد عناء الكشف عن مجاهيل المخطوطات العتيقة، ودخل في سراديب نصوصها القديمة.

بين يديّ جزء حديثيّ نادر من مقتنيات «مركز سعود البابطين الخيري للتُّراث والثَّقافة»، صاحبه إمام من أئمَّة الحديث عاش في القرن الثَّالث الهجري وأدرك سنوات من القرن الرَّابع؛ وهو أبو العبَّاس محمَّد بن إسحاق ابن إبراهيم الثَّقفي السَّرَّاج الثَّقفي النَّيسابوري (216 ـ 313هـ = 831 ـ 925م)، صاحب المسند الشَّهير الَّذي تداوله الحفَّاظ والمحدِّثون في مجالسهم، وتناقلوا روايته في رحلاتهم، وقد عاش في بغداد دهرًا ثمَّ رجع إلى موطنه الأصلي نيسابور، واستقرَّ بها إلى حين وفاته، أثنى عليه عدد من الأعلام يكفينا في الثَّناء عليه وتقديره من كلماتهم قول أبي سهل الصّعلوكي: «الأوحد في فنِّه، والأكمل في وزنه ـ قال ـ: وكنَّا نقول: السَّرَّاج كالسِّرَاج». ومن نوادر كتب السَّرَّاج المفقودة كتابه «التَّاريخ» الَّذي نقل عنه كثيرًا أصحاب التَّراجم والوفيات والتَّواريخ، واهتمَّ به الأقدمون حتَّى إنَّ إمام المحدِّثين محمَّد بن إسماعيل البخاري (194 ـ 256هـ = 810 ـ 870م) صاحب «الصَّحيح» استفاد منه، واغتبط بذلك السَّرَّاج، وقال: «نظر محمَّد بن إسماعيل البخاري في كتاب التَّاريخ تصنيفي وكتب منه بخطِّه أطباقًا وقرأتها عليه». ومن لطائف تصانيفه أيضًا: كتاب أدبي سمّاه: «الأشعار المختارة والصَّحيحة منها والمعارة».

يهمُّنا في جزء السَّرَّاج هذا سماعات نادرة في آخره تحكي لنا قصَّة رحلة زمنيَّة خاضها الجزء ابتدأت سنة (556هـ = 1161م) ـ أي قبل 9 قرون إلاَّ 28 عامًا ـ حيث اجتمع بمدينة أصبهان في شهر شعبان من هذه السَّنة جماعةٌ من العلماء لسماع هذا الجزء على شيخهم المسند الرُّحْلَة أبي الفرج مسعود بن الحسن ابن القاسم بن الفضل الثَّقفي الأصبهاني المعمِّر (462 ـ 562هـ = 1070 ـ 1167م)، وهو صاحب الجزء الحديثيّ المشهور بـ «عروس الأجزاء»(1)، يذكر مترجموه أنَّه كان مسند وقته ورحلة الدُّنيا؛ كناية عن كثرة رحلاته في الأمصار وتجواله في الأقطار من أجل سماع الحديث(2).

والَّذي تولَّى قراءة الجزء على الشَّيخ أبي الفرج الأصبهاني عَلَمٌ اسمه تقيُّ الدِّين محمَّد بن محمود بن عبديل(3)، ولا تسعفنا كتب التَّراجم بخبر عنه، غير أنَّه وسم في السَّماع بـ: «الإمام» وهي إشارة تلمح إلى علم وفضل.

وكان مع هذا القارئ في المجلس المحدِّث أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان بن إبراهيم ابن عبد الوهَّاب بن منده العبدي الأصبهاني (ت 584هـ) ـ من أسرة آل منده الشَّهيرة بأصبهان ـ وكان موصوفًا بالصِّدق والأمانة وحسن الطَّريقة والدِّيانة(4)، وكان قد أحضر معه ولديه سفيان ومحمودًا [6 سنوات]، وهي عادة حميدة درج عليها المحدِّثون قديمًا إذ يصحبون إلى مجالس التَّحديث أبناءهم وأحفادهم وفي أحايين كثيرة زوجاتهم، وقد صار هذان الولدان فيما بعد محدِّثين قصدهما النَّاس بالرِّحلة، فمحمود وهو أَشْهَر، كنيتُه أبو الوفاء كان مسند مدينة أصبهان (550 ـ 632هـ)(5)، وسفيان اسمه متداول في بعض أسانيد الكتب(6)، كما كان مع ابن منده وولديه عَلَمٌ انتقلت إليه ملكيَّةُ الجزء، وهو الحافظُ المشهور أبو يعقوب يوسف بن أحمد ابن إبراهيم الشِّيرازي ثمَّ البغدادي (529 ـ 585هـ)، وآخرون لم يذكروا، ويوسف هذا من أعلام بغداد، وقد رحل في طلب الحديث إلى بلاد فارس والبصرة والكوفة وواسط والشَّام والحجاز والجبال، وجمع «أربعين حديثًا» عن البلدان، وكان ظريفًا حلو المحاضرة، وذهب رسولاً عن الخليفة العبَّاسي إلى ملك الرُّوم(7).

والحاصل أنَّ الجزء كان موجودًا في مدينة أصبهان في شهر شعبان من عام (556هـ = 1161م)، واهتمَّ بسماعه أعلام حفَّاظ اشتهروا بكثرة الرِّحلة والتّجوال لسماع الحديث وكتبه، وكان يمتلكه الحافظ المشهور أبو يعقوب يوسف بن أحمد بن إبراهيم الشِّيرازي البغدادي.

وبعد هذا التَّاريخ بإحدى وعشرين عامًا نرى الجزء في مدينة القاهرة بعد أن انتقل إلى ملكيَّة ابن الباجي الآتي ذِكْرُه ـ وذلك في أيَّام الملك صلاح الدِّين الأيُّوبي الَّذي حكم مصر في الفترة (567 ـ 589هـ = 1171 ـ 1193م) ـ ولا ندري كيف انتقل من أصبهان إلى القاهرة، ولعلَّ مالكه الشِّيرازي استصحبه معه في رحلته المشار إليها آنفًا، أو جلبه من هناك أحد الرَّحَّالين إلى مدينة أصبهان في تلك الفترة.

والحاصل أنَّه اجتمع في الثَّالث عشر من شهر جمادى الآخرة من عام (556هـ = 1161م) أربعة أعلام؛ اثنان من (صقلِّيَّة = Sicilia ـ جزيرة بإيطاليا) وآخران من مصر؛ وهم: 1 ـ الشَّيخ الإمام النَّحوي اللُّغوي أبو محمَّد عبد الخالق بن صالح بن عليّ بن ريدان المِسْكِيِّ المصري الشَّافعي (614هـ = 1217م)، وهو أحد الأعلام الَّذين برعوا في اللُّغة ولزم ابن برِّي اللُّغوي (582هـ = 1187م) صاحب كتاب «غلط الضُّعفاء من الفقهاء»، واستفاد منه جدًّا علماءُ القاهرة(8)، وابن ريدان هذا هو الَّذي ناب عن رفقائه وتولَّى قراءة الجزء على شيخهم تاج الدِّين المسعودي الآتي ذِكْرُه.

2 ـ الشَّيخ الفقيه أبو عليٍّ الحسن بن عبد الباقي بن أبي القاسم الصِّقلِّي العطَّار، المعروف قديمًا بـ «ابن الباجي» (598 هـ = 1202م)، وهو محدِّث مجتهد كثير العناية والتَّحصيل، كَتَبَ بخطِّه الكثير، وسمع على عدد من الأعلام بمدينة الإسكندريّة(9)، وهو صاحب هذه النُّسخة كما جاء ذلك آخر الجزء عند أوَّل سماع.

3 ـ أبو الحسين يحيى بن محمَّد بن أبي الفتوح الصِّقلِّي: ولا تسعف مصادر التَّراجم بخبر عنه.

4 ـ أبو محمَّد عبد الله بن عبد الجبَّار ابن عبد الله العثماني الشَّاطبي الأصل، الإسكندري التَّاجر (614هـ = 1217م)، كان له أنس بالحديث، وحدَّث بمصر وقوص واليمن، وأَدْرَكَهُ أَجَلُهُ بمكَّة المكرَّمة أثناء رحلته إليها(10)، وهو الَّذي تولَّى كتابة أسماء رفقائه وشيخهم المسمّع وتاريخ السَّماع على هذا الجزء.

اجتمع هؤلاء الأربعة في القاهرة وقصدوا الشَّيخ الفقيه الإمام العالم تاج الدِّين أبا سعيد محمَّد بن عبد الرَّحمن بن محمَّد المسعودي الخراساني المروزِي البنجديهي الشَّافعي (584هـ = 1188م)، ليسمعوا عليه هذا الجزء، فاستقبلهم ورحَّب بهم وأتاح لهم سماع الجزء وتولَّى القراءة صاحبهم ابن ريدان المسكي المتقدِّم، وقد توفِّي الشَّيخ بعد هذا المجلس بسبع سنوات أثناء رحلته إلى مدينة دمشق.

وتَذْكُر كتب التَّراجم أنَّه كان أحد أعلام المشاهير في الأدب واللُّغة، وهو الَّذي أدَّب الملك الأفضل ابن الملك صلاح الدِّين الأيُّوبي، وأملى بمصر مجالس عدَّة، وارتحل، وكانت له صلة قويَّة بصلاح الدِّين وصنَّف له شرحًا على «مقامات الحريري» سمَّاه: «مغاني المقامات في معاني المقامات»(11)، واقتنى كتبًا نفيسة بجاه صلاح الدِّين ومتانة العلاقة الَّتي كانت تربطه به، وبالغ في الأمر حتَّى إنَّه لَمَّا دخل السُّلطان صلاح الدِّين مدينة حلب عام (579هـ) وكان في رفقته المسعودي هذا، دخل خزانة كتب الوقف، واختار منها جملةً أخذها وحشَّاها في عدل ـ أي كيس ـ ولم يمنعه من ذلك مانع كما يقول الصَّفدي في «وافيه»(12)، غير أنَّه أوقف تلك الكتب في خزانة أخرى في المدرسة المسمَّاة بـ «السُّمَيْساطيّة» المشهورة بمصر.

والحاصل أنَّ نسختنا هذه كانت في القاهرة بتاريخ 13 جمادى الثَّانية عام 577هـ، وامتلكها أبو عليٍّ الصِّقلِّي واستمرَّت غالبًا تحت يده إلى أن وافته منيَّتُه عام (598هـ = 1202م) بعد (21 عاما) من ذلك المجلس مع رفقائه.

وبعد هذا التَّاريخ بتسعة عشر عامًا، وتحديدًا في يوم الأحد 8 ذي القعدة عام 617هـ نرى هذه النُّسخة في جامع دمشق المشهور بـ «المسجد الأمويّ»، وهي تُقرأ مرَّة أخرى في مجلس حافل جدًّا بمشاهير المحدِّثين في الشَّام، وكان اجتماعهم بجوار «مقصورة الخطابة = منبر الجمعة»، وقد أحضر النُّسخة إلى المجلس عَلَمٌ امتلكها هو أبو بكر محمَّد بن إسماعيل ابن عبد الله ابن الأنماطي.

لقد ضمَّ هذا المجلس عددًا من مشاهير العلماء والمحدِّثين وهم:

1 ـ أبو محمَّد سراج الدِّين عبد الرَّحمن ابن عمر بن بركات بن شُحَانَةَ الحرَّاني الحنبلي (643هـ = 1245م) المحدِّث العالم الرَّحَّالة المكثر المعتني بعلم الحديث وسماع كتبه، وتذكر له كتب التَّراجم رحلةً من بلده حرَّان إلى إربل ودمشق وحلب ومصر وبغداد والموصل وغيرها، وسكن آخر عمره مدينة ميّافارقين وبها أدركته منيَّتُه(13). ويقول ابن الصَّابوني: «ثقة حسن المذاكرة»(14)، وكانت له ابنة عمياء تحفظ كثيرًا إذا سُئلت عن باب من أبواب كتب الحديث السِّتَّة ذكرتْ أكثره وكانت أعجوبة في ذلك(15)، وقد عمل تاريخًا لبلده حرَّان يقع في أربعين مجلَّدًا(16)، وهو الَّذي تولَّى القراءة على الشَّيخ المسموع عليه الجزء والآتي ذِكْرُه.

2 ـ أبو عمرو فخر الدِّين عثمان بن محمَّد ابن الحاجب منصور الأميني الدِّمشقي نزيل القاهرة(17) (673هـ = 1274م)، وقد رافق أخاه أبا الفتح الآتي بعده وسمعَا سويَّة في رحلاتهما على جماعة من المشايخ ببغداد ودمشق وغيرهما، ونلاحظ في هذا الجزء وجودهما في دمشق لسماع جزئنا هذا.

3 ـ أبو الفتح عزُّ الدِّين عمر بن محمَّد ابن الحاجب منصور الأميني الدِّمشقي (630هـ = 1233م) أحد علماء الحديث والبلدان، ورحل في طلبه رحلة واسعة، وعمل «معجم البقاع والبلدان التي سمع بها»، و«معجم شيوخه» ذكر فيه (1180) شيخًا، وعاش فقط 37 عامًا(18)، وكان عمره حين سماع جُزْئِنَا هذا 24 عامًا فقط.

4 ـ أبو طاهر إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن ابن الأنماطي الأنصاري المصري الشَّافعي (619هـ = 1222م) العالم الحافظ المجوِّد البارع مفيد الشَّام، ارتحل من مصر إلى دمشق فسكنها، كما ارتحل إلى العراق، وكتب العالي والنَّازل بخطِّه الأنيق الرَّشيق كما يقول الذَّهبي(19). وهو الَّذي تولَّى نيابة عن رفقائه كتابة طبقة السَّماع في هذا التَّاريخ (617هـ)، وتوفِّي ـ رحمه الله ـ بعده بِسَنَتَيْنِ.

5 ـ أبو بكر محمَّد بن إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن ابن الأنماطي الأنصاري المصري الشَّافعي، ولد الإمام أبي طاهر السَّالف الذِّكْرِ (609 ـ 684هـ = 1212 ـ 1285م) وهو الَّذي آلت إليه هذه النُّسخة ودخلت في ملكه، كما ذكر ذلك أبوه في طبقة السَّماع الَّتي بخطِّه حيث قال: «وولدُه صاحب الجزء أبو بكر محمَّد»، وقد توجَّه المؤرِّخ الذَّهبي(20) بسؤال إلى شيخه الحافظ أبي الحجَّاج المزِّي عن أبي بكر هذا؛ فأفاده أنَّه شيخ حسن من أولاد المحدِّثين، سمَّعه أبوه أشياء كثيرة على عدد وفير من الشُّيوخ المسندين، وحدَّث بكثير من مرويَّاته، وكان سهلاً سمحًا في الرِّواية، وسمعنا منه في مدينة القاهرة (عام 683هـ) ـ أي قبل وفاته بسنة ـ، ويذكر المزِّيُّ ـ أيضًا ـ أنَّ والده أبا طاهر سمَّعه «تاريخ دمشق» للحافظ ابن عساكر بطريقة التَّلفيق القائمة على دمج نسخ متباينة الأسانيد، وأبدى المزِّيُّ لأبي بكر رغبته في سماع التَّاريخ عليه، ففرح الشَّيخ جدًّا بهذه الرَّغبة من حافظ مشهور مثل أبي الحجَّاج المزِّي، وأبدى له استعدادًا كاملاً للتَّفرُّغ له لولا عزوف المزِّي عن ذلك بسبب طول الكتاب.

اجتمع هؤلاء الشُّيوخ ومعهم أبو بكر هذا وعمره في تاريخ السَّماع (8 سنوات) يتأبَّط نسختنا هذه برفقة أبيه العالم وابن شحانة الحنبلي والأخوين المحدِّثين ابني الحاجب وابن أختهما محمَّد بن لؤلؤ، وعدد آخر من الشُّيوخ ليسوا في مقام المحدِّثين المهتمِّين بالرِّواية، وعبَّر عن ذلك كاتب الأسماء الحافظ ابن الأنماطي قائلا: «وجماعة مشايخ لا ترجى لهم الرِّواية»، اجتمع هؤلاء كلُّهم عند شيخ جليل ومحدِّث نبيل قصدوه لسماع هذا الجزء عليه وهو أبو الحسن عليّ بن عبد الوهَّاب بن عليّ بن الخضر ابن عبد الله القرشي الأسدي الزّبيري الدِّمشقي (552 ـ 618هـ = 1157 ـ 1221م) صاحب «التُّربة الأسديَّة» المعروفة به والكائنة في سفح جبل قاسيون بدمشق الشَّام(21)، وقد أخذ عن عدد من مشاهير الأعلام، وأجاز له يوسف ابن خليل الدِّمشقي صاحب «المشيخة»، والشِّهاب القوصي صاحب «المعجم»، والضِّياء المقدسي صاحب «المختارة» وغيرهم من الحفَّاظ المسندين، والشُّيوخ المجيزين، وإنَّما قصد هؤلاء الأعلام شيخَهم أبا الحسن لحصوله على إجازة برواية هذا الجزء من حديث السّرّاج عن شيخه مسعود بن الحسن بن القاسم بن الفضل الثَّقفي بسنده إلى مؤلِّفه أبي العبَّاس السّرّاج.

ثمَّ لبثت النُّسخة في مدينة دمشق، وغالبًا ما تكون استمرَّت تحت يد مالكها أبي بكر محمَّد بن إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن ابن الأنماطي الأنصاري المصري الدِّمشقي الشَّافعي (609 ـ 684هـ = 1212 ـ 1285م)، وليس مستبعدا أن تكون لبثت معه إلى تاريخ وفاته عام 684هـ. وقد قدَّر الله تعالى لها أن تظهر مرَّة أخرى في مدينة دمشق بعد اختفاءٍ دام مائة عام وزيادة، حيث أفاد أحد السَّماعات المثبتة على الجزء أنَّه اجتمع عددٌ من أعلام المحدِّثين يوم الأحد 11 صفر سنة 717هـ = 1319م وقصدوا شيخهم المعمِّر الإمام العالم الفاضل الطَّبيب الصَّدر الكبير ومسند الشَّام الشَّهير بقيَّة الشُّيوخ المسندين بهاء الدِّين أبا محمَّد القاسم بن المظفّر بن محمود بن أحمد ابن محمَّد بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله ابن الحسين بن عساكر الشَّافعي الدِّمشقي (629 ـ 723هـ)(22)، قصدوه بمنزله الكائن بدرب التّوتة بدمشق، واشتهر هذا الشَّيخ بمعالجة المرضى مجَّانًا، وكان أحد الأعلام الَّذين أثنوا على شيخ الإسلام ابن تيميَّة حيث يقول في بيتين من الشِّعر(23):

تقـيُّ الدِّين أضحى بحر عــــــلم *** يــــــجيب السَّائلين بلا قــــــنوط

أحاط بكلِّ علم فيه نفعٌ *** فقل ما شئتَ في البحر المحيط

والذين سمعوا الجزء على القاسم بن المظفّر هم الحافظ الكبير محدِّث الدِّيار الشَّامية في عصره أبو الحجَّاج يوسف بن عبد الرَّحمن المزِّي (654 ـ 742هـ = 1256 ـ 1341م) صاحب «تهذيب الكمال» و«تحفة الأشراف» وغيرهما، وأحضر معه حفيديه عمر وخديجة ابني ولده عبد الرَّحمن، وكان معهم فرج التّكروري خادم الشَّيخ المسمّع وفتاه، وكان المحدِّثون كثيرا ما يحضرون الخدم إلى مجالس الحديث حرصا على تعليمهم وإفادتهم.

وبعد سماع الحافظ المزِّي يرى الملاحظ سماعًا آخر على القاسم بن المظفّر نفسه حيث قصده جماعة من المحدِّثين يوم الأحد 11 صفر سنة 719هـ = 1319م ليسمعوا عليه الجزء، وكان في مقدِّمتهم الحافظ العالم محبُّ الدِّين أبو محمَّد عبد الله بن أحمد المقدسي (682 ـ 739هـ = 1283 ـ 1336م) أحد مشاهير المحدِّثين في دمشق، كان يسكن في سفح جبل قاسيون في منطقة الصَّالحيَّة العامرة بأهل الحديث، وكان طيِّب الصَّوت بالقرآن يؤمُّ النَّاس في مسجد له بالسَّفح، وكان شيخ الإسلام ابن تيميَّة يحرص على الصَّلاة خلفه إذا صعد من دمشق إلى جبل قاسيون، ولَمَّا توفِّي في قلعة دمشق كان محبُّ الدِّين أحد من تولَّى تغسيله مع الحافظ أبي الحجَّاج المزِّي وجماعة من كبار خواصِّ ابن تيميَّة(24). وقد تولَّى محبُّ الدِّين هذا قراءة الجزء على الشَّيخ، وأحضر معه ولده أبا بكر محمَّد (712 ـ 789هـ = 1312 ـ 1387م) الَّذي اشتهر فيما بعد بالصَّامت وصار أحد مشاهير المحدِّثين في دمشق.

كما حضر أعلام آخرون، منهم كاتب طبقة السَّماع بخطِّه المحدِّث المفيد ناصر الدِّين أبو المعالي محمَّد بن طغريل بن عبد الله الخوارزمي المعروف بابن الصَّيْرَفي (693 ـ 737هـ = 1294 ـ 1336م).

والحاصل أنَّ النُّسخة ظهرت من جديد يوم الأحد 11 صفر سنة 717هـ = 1319م ووقعت تحت يد المزِّي، وبعدها بسنتين تحت يد المحدِّث ابن طغريل الصَّيرفي، وينقطع خبرها قرابة مائتي عام ثاويةً غالبًا في دمشق في إحدى الخزائن إلى أن تقع تحت يد المحدِّث الشَّهير جمال الدِّين يوسف ابن حسن بن أحمد بن عبد الهادي الصَّالحي الدِّمشقي المعروف بالمِبْرَد (840 ـ 909هـ = 1436 ـ 1503م) وهو من المكثرين جدًّا في سماع الأجزاء الحديثيَّة ولا يكاد يخلو جزء منها إلاَّ وأنت واجدٌ خطَّه بسماع الجزء وروايته كما فعل هنا حيث كتب تحت خطِّ أبي الحجَّاج المزِّي: «أخبرنا جماعة من شيوخنا، أخبرنا ابن المحبِّ، أخبرنا والدي والمزِّي، وكتب: يوسف بن عبد الهادي»(25). وبعد ابن المبرد ينقطع خبرها تمامًا قرابة خمسة قرون وبضع سنين إلى أن حظي بها الشَّيخ عبد اللَّطيف بن سعود البابطين ـ وفَّقه الله ـ وأودعها مكتبته العامرة بنوادر المخطوطات بمركز سعود البابطين الخيري للتُّراث والثَّقافة، وها هي الآن بين ناظريَّ أقلِّب صفحاتها مستمتعًا بالنَّظر إلى خطِّ مشاهير المحدِّثين عبد الله بن عبد الجبَّار بن عبد الله العثماني، وإسماعيل بن عبد الله الأنماطي، والمحبّ عبد الله ابن أحمد الصَّالحي ويوسف بن عبد الرَّحمن المزِّي، ومحمَّد بن طغريل الصَّيرفي، وابن المبرد الدِّمشقي، وأستشعر المعاناة التي تجشَّمتها هذه النُّسخة خلال هذه الرِّحلة الزَّمنيَّة التي ابتدأتها من أصبهان مرورًا بالقاهرة ودمشق، واستقرَّت أخيرًا في مدينة نجد حيث رياض العلم ودوحة الكرم.


(1) مطبوع بتحقيق محمَّد صباح منصور في دار البشائر الإسلاميَّة، اعتمادًا على نسخة نادرة في المكتبة الظَّاهريَّة، وعليها إحالات على مصادر حديثيَّة نادرة بقلم المحدِّث الشّهير ابن المحبِّ الصَّامت 789هـ أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميَّة.

(2) عن مسعود الأصبهاني، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 562هـ» (ص142).

(3) مُهْمَل في الأصل، أثبتناه هكذا احتمالاً، وهذا الاسم: «عبديل» متداول في كتب التَّراجم.

(4) عن أبي إسحاق ابن منده، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 584هـ» (ص169).

(5) عن محمود، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 632هـ»، (ص125).

(6) انظر مثلا: «ذيل تاريخ بغداد» لابن النَّجَّار (16/ 262، 17/ 188، 18/ 17).

(7) عن أبي يعقوب الشِّيرازي، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 585هـ»، (ص232)، و«أعلام الزِّركلي» (8/ 214).

(8) عن ابن ريدان المسكي، ينظر: «تكملة الإكمال» (3/ 55).

(9) عن ابن الباجي، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 598هـ» (ص345).

(10) عن العثماني، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 614هـ»، (ص199).

(11) منه نسخة مخطوطة في مكتبة شستربيتي بإيرلندا تحت رقم: (3002/ 1) جديرة بالنَّشر.

(12) عن المسعودي، ينظر: «الوافي بالوفيات» (1/ 391)، و «معجم المؤلِّفين» لكحَّالة 10/ 155.

(13) انظر: «توضيح المشتبه» (5/ 65)، و «شذرات الذَّهب» (5/ 220).

(14) «تكملة الإكمال» (3/ 149).

(15) «المقصد الأرشد» (2/ 102) لابن مفلح.

(16) «تاريخ إربل» (1/ 334).

(17) عن أبي عمرو الأميني، ينظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 673هـ» (ص133)، و«تذكرة الحفَّاظ» (4/ 1468)، و«صلة الحسيني» (490).

(18) عن أبي الفتح الأميني، ينظر: «تذكرة الحفَّاظ» (4/ 1455).

(19) ينظر عن ابن الأنماطي: «سير أعلام النّبلاء» (22/ 173)، وخطُّه مثبت في هذا الجزء، وقد عرضنا نموذجًا منه في هذا المقال.

(20) «تاريخ الإسلام ـ وفيات 684هـ» (ص195).

(21) انظر: «تاريخ الإسلام ـ وفيات 618هـ» (ص412)، و «الدَّارس في تاريخ المدارس» (2/ 172).

(22) عن القاسم بن المظفّر، ينظر: «برنامج الوادي آشي» (81)، و«الدُّرر الكامنة» (3/ 239)، و«أعلام الزِّركلي» (5/ 186).

(23) انظر: «الرَّدّ الوافر» (110).

(24) انظر: «البداية والنِّهاية» (14/ 138).

(25) انظر عن ابن المبرد: «شذرات الذَّهب» (8/ 43)، و «أعلام الزِّركلي» (8/ 226).