أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»"أولاد المحدثين" لابن مردويه، لا "أدباء المحدثين"

"أولاد المحدثين" لابن مردويه، لا "أدباء المحدثين"

  • د. جمال عزون
تم قراءة المقال 3062 مرة

 

(مجلة «الإصلاح» العدد 21)

 

يعتبر أبو بكر أحمد بن موسى الأصبهانيُّ الشَّهير بابن مَرْدُويَهْ (323هـ - 410هـ) أحدَ حفَّاظ الحديث المتقِنين، حتَّى قال فيه حفيدُه أحمد بن محمَّد:

«رأيتُ من أحوال جدِّي من الدِّيانة في الرِّواية ما قضيتُ منه العجبَ من تثبُّته وإتقانه»[1].

وقد اشتغل بالتَّصنيف، ومن أشهر مؤلَّفاته: «التَّفسير الكبير» و«التَّاريخ» و«الأمالي» الَّتي أملاها في ثلاثمائة مجلس.

وممَّا لم يشتهر من تصانيفه كتابٌ لطيفٌ سمَّاه: «أولاد المحدِّثين»، يعتبر الآن في عداد ما فُقد من تراث ابن مردويه، ولم يبق منه سوى نقولٍ معدودة احتفظت لنا بها بعضُ كتب التَّراجم.

ويمكن من خلال ما تبقَّى من هذه النُّصوص تكوين ملامح يسيرة عن مضمون الكتاب ومنهج مؤلِّفه فيه.

وحاصلُ ذلك أنَّ ابن مردويه جمع فيه أسماء الرُّواة الَّذين اهتمُّوا برواية الحديث هم وآباؤهم، واهتمَّ في صياغة التَّرجمة بذكر اسم المترجم ونسبه وكنيته، ويسمِّي راويًا أو راويين من شيوخ المترجم وتلاميذه، ويكون والدُه في جملة من روى عنهم من شيوخه، ويذكر أحيانًا أخ المترجم فيقول: «وهو أخو فلانٍ»، وربَّما ذكر توثيقه، وصرَّح بتأليف له، ويختم ذلك بذكر وفاته، ويحدِّد أحيانًا عمره لَمَّا مات، ولا يُخْلي ابنُ مردُويه التَّرجمة برواية حديث بإسناده إليه.

وقد ذكر هذا الكتاب بعض الحفَّاظ والمحدِّثين؛ كابن ماكولا، وابن نقطة، والصَّابوني، وابن النَّجَّار، ومغلطاي، وابن حجر، وابن ناصر الدِّين، وكلُّ نقولاتهم تثبت بما لا مجال للشَّكِّ فيه صحَّةَ نسبة كتاب «أولاد المحدِّثين» للحافظ ابن مردويه.

قال ابنُ ماكولا - في ترجمة محمَّد بن محمَّد بن ماسن -: «روى عنه أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ الأصبهاني في كتاب أولاد المحدِّثين»[2].

وقال ابن نقطة: «حُبشيُّ بن عمرو بن الرَّبيع بن طارق مصري يروي عن أبيه، حدَّث عنه محمَّد بن أحمد بن راشد، نقلتُه من خطِّ مؤتمن[3] من كتاب «أولاد المحدِّثين» لابن مردويه»[4].

وقال ابن النَّجَّار: «عليّ بن أحمد بن الرّوّاد حدَّث عن أبي العبَّاس إسحاق بن محمَّد بن مروان الغزَّال الكوفيّ، روى عنه أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهانيّ في كتاب أولاد المحدّثين»، أنبأنا[5] أبو القاسم الأزجين عن أبي محمَّد بن السَّمرقندي، أبنا القاضي أبو منصور بن سكرويه، أبنا أبو بكر بن مردويه، ثنا عليّ بن أحمد بن الرّدّاد البغدادي، ثنا إسحاق بن محمَّد بن مروان، ثنا أبي، ثنا إبراهيم بن بكر، عن مقاتل، عن نافع، عن ابن عمر أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لُحِدَ له ولأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -»[6].

وقال مغلطاي: «محمَّد بن عروة بن الزُّبير ابن العوَّام الأسديّ المدنيّ ذكره ابنُ مردويه في أولاد المحدِّثين»[7].

وقال ابن حجر - في ترجمة أبي بكر ابن النَّضر البغدادي -: «... وذكره ابن حبَّان في «الثِّقات»، وقال أبو بكر بن مردويه في كتاب أولاد المحدِّثين: بغداديٌّ ثقةٌ»[8].

إذا ثبت هذا فيجدر التَّنبيهُ إلى أنَّ اسم الكتاب تصحَّف على أحد شيوخنا الأفاضل إلى: «أدباء المحدِّثين» ففي مقدِّمة تحقيق كتاب «ثلاثة مجالس من أمالي ابن مردويه» أثناء سرد المحقِّق مؤلَّفات ابن مردويه ما يلي: «أدباء المحدِّثين: ذُكر اسم هذا الكتاب في هامش كتاب «الدُّعاء» للطّبراني، انظر رقم (2115) من كتاب «الدُّعاء» للطّبراني، ولم أجد من ذكر هذا الكتاب ونسبه إلى أبي بكر ابن مردويه»[9].

وفيه أمران:

الأوَّل: لستُ أشكُّ إطلاقًا في أنَّ «أدباء المحدّثين» تصحيف صوابه: «أولاد المحدّثين» بدليل التَّسمية المذكورة عند من سبق ذكرُهم من أعلام، ولقد وددتُ أن أنظر في النُّسخة الخطيَّة من كتاب «الدُّعاء» للطَّبراني للتَّحقُّق من سلامة قراءة المحقِّق الفاضل للكلمة، غير أنَّ ذلك لم يتيسَّر لي الآن[10].

الثَّاني: أنَّ الكتاب ذكره ونسبه إلى ابن مردويه ابنُ ماكولا وابن النَّجَّار وابن نقطة ومغلطاي وغيرهم كما تقدَّم. 


 


[1] «سير أعلام النّبلاء» (17/ 309).

[2] «الإكمال» (7/ 153).

[3] وهذا يعني أنَّ ابن نقطة ينقل من كتاب «أولاد المحدِّثين» لابن مردويه بخطِّ الحافظ مؤتمن بن أحمد السّاجي المتوفَّى سنة (507هـ).

[4] تكملة الإكمال (2/ 229) لابن نقطة، وعنه ابن ناصر الدِّين في «توضيح المشتبه» (3/ 69)، وانظر نقولا أخرى عن الكتاب في تكملة الإكمال أيضًا (1/ 215، 338، 2/ 57، 662، 3/ 22، 117، 240، 607).

[5] يورد الآن ابنُ النَّجَّار سندَه الَّذي يروي به كتاب أولاد المحدِّثين لابن مردويه، وهذا النَّصُّ نموذج لطريقة ابن مردويه في إيراد رواية عن المترجم له في كتابه هذا.

[6] «ذيل تاريخ» بغداد (3/ 182).

[7] «إكمال تهذيب الكمال» (10/ 276)، وثمَّة نصوص كثيرة نقلها مغلطاي يدور معظمها حول وفيات المترجمين، انظر (4/ 403، 6/ 277، 322، 7/ 89، 138، 230، 288، 8/ 262، 273 - 274، 316، 317، 9/ 22، 170 - 171، 363، 380، 383، 10/ 37، 84، 135، 276، 289، 315، 374، 378، 385، 11/ 108، 12/ 111، 323).

[8] «تهذيب التَّهذيب» (12/ 43)، وانظر نقولاً أخرى عن الكتاب في (5/ 72، 6/ 399، 7/ 138، 9/ 498).

[9] «ثلاثة مجالس من أمالي ابن مردويه» - مقدِّمة التَّحقيق (ص 30).

[10] اعتمد محقِّق «الدُّعاء» على نسخة تركيَّة لها صورة في جامعة أمِّ القرى بمكَّة المكرَّمة، وهي نسخة نفيسة فيها هوامش جيِّدة اعتمد أصحابها على مصادر نادرة ومنها كتاب ابن مردويه: «أولاد المحدِّثين»، والهامش الَّذي فيه ذكر الكتاب هو في الورقة (230 ب) كما في مقدِّمة التَّحقيق (1/ 67) وسمَّاه: «أدب المحدِّثين» بالإفراد، وفي هامش (3/ 1744)، رقم (2115) سمَّاه «أدباء المحدِّثين» بالجمع، والصَّواب: «أولاد المحدِّثين» كما تقدَّم.