أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»توصيف مخطوطة كتاب «حسن التَّنبُّه لما ورد في التَّشبُّه» لنجم الدِّين الغَزِّي (ت1061هـ)

توصيف مخطوطة كتاب «حسن التَّنبُّه لما ورد في التَّشبُّه» لنجم الدِّين الغَزِّي (ت1061هـ)

  • د. كمال قالمي
تم قراءة المقال 2641 مرة

الحمد لله الَّذي هدانا إلى الصِّراط المستقيم، ونهانا عن التَّشبُّه بأصحاب الجحيم، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها النَّجاةَ من العذاب الأليم والفوز بالنَّعيم المقيم، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله الدَّاعي إلى الدِّين القويم، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى ذلك اليوم العظيم، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعد؛ فقد اعتنى علماءُ الإسلام بالعقيدة عنايةً فائقة، وصنَّفوا فيها مصنَّفات رائقة، وخصُّوا مسألة الولاء والبراء، بمزيد اهتمام واعتناء، وأفردوا منها مسألة التَّشبُّه بالأعداء، لمخالفتها صراط الأنبياء والأتقياء.

قال الله تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾[المائدة:51].

قال الحافظ الذَّهبي: «قال العلماء: ومن موالاتهم التَّشبُّه بهم وإظهار أعيادهم، وهم مأمورون بإخفائها في بلاد المسلمين، فإذا فعلها المسلم معهم فقد أعانهم على إظهارها، وهذا منكر وبدعة في دين الإسلام، ولا يفعلُ ذلك إلَّا كلُّ قليلِ الدِّين والإيمان، ويدخل في قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»»(1).

ومعناه عند أهل العلم: التَّشبُّه بهم فيما هو من خصائصهم وشعائرهم وهديهم الظَّاهر، ويشمل ذلك كلّ شبه يكون في الأعياد والأخلاق والآداب واللِّباس والهيئات ونحو ذلك.

وإنَّ من أعظم الشَّعائر الظَّاهرة الَّتي تعدُّ من خصائص الأمم ومقوِّماتها الحضاريَّة لغتها ولسانُها؛ ولذلك كان من أهداف الاستعمار «الاستدمار» ومخطَّطاته الأولويَّة محو لغة القرآن من بلادنا؛ فبذلوا في سبيل ذلك كلَّ الوسائل، ولولا أنَّ الله تعالى قيَّض رجال «جمعية العلماء» ـ رحمهم الله تعالى ـ لكادتْ أن تكون اللُّغة العربيَّة في ديارنا نسيًا منسيًّا.

ولكن للأسف نسمع اليوم ونرى كثيرًا من الفتيان والفتيات مَنْ يلوك لسانه بالرّطانة الأعجميَّة ـ من غير حاجة ـ محاكاةً لمن لا خَلاقَ لهم واستجابةً منهم لدعاة التَّغريب.

ولقد قام علماء الجمعية ـ قديمًا ـ بما أوجب الله عليهم خيرَ قيام في التَّصدِّي لأهل الصليب دعاة التَّغريب، وأمَّا اليوم فالأمل معقود على دعاة الإصلاح والتَّعريب، فاللهَ تعالى أسأل أن يصلح أحوالنا وأحوال أمَّتنا إنَّه سميع مجيب قريبٌ.

وعودًا على بدْء في ذكر ما تيسَّر من الكتب المؤلَّفة في التَّشبُّه:

1 ـ «اقتضاء الصِّراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» لشيخ الإسلام تقيِّ الدِّين أبي العبَّاس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السَّلام ابن تيمية الحرَّاني (ت 728هـ) رحمه الله تعالى.

وهو أعظم ما أُلِّف في هذا الباب، ويكفي أنَّه من وضع شيخ الإسلام.

2 ـ «تنبيه الغافلين الحيارى على ما ورد من النَّهي عن التَّشبُّه بالنَّصارى» لأبي العبَّاس أحمد ابن أبي بكر بن أحمد الحمويّ الحنبليّ المتوفَّى في حدود سنة (833هـ) أو (843هـ) رحمه الله تعالى(2).

3 ـ «تشبيه الخسيس بأهل الخميس» للحافظ شمس الدِّين أبي عبد الله محمَّد بن أحمد بن عثمان الذَّهبيّ (ت748هـ) رحمه الله تعالى.

وهو مع صِغَرِ حجمه كبيرُ الفائدة، كثيرُ العائدة، يَنْعَى فيه الإمام الذَّهبي على أهل عصره ممَّن شارك النَّصارى في أعيادهم بخطاب وعظيٍّ بليغ، وأسلوب علميٍّ فصيح.

4 ـ «القول الثَّبْت في الصَّوم يوم السَّبت» للحافظ شهاب الدِّين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمَّد ابن حجر العسقلانيّ (ت852هـ) رحمه الله تعالى.

قال في «الفتح» (10 /362 ـ 363): «وقد جمعتُ المسائل الَّتي وردتْ الأحاديث فيها بمخالفة أهل الكتاب فزادتْ على الثَّلاثين حكمًا، وقد أودعتها كتابي الَّذي سميَّته» فذكره.

ومن الكتب المؤلَّفة في هذا الباب المشتمل على العجب العجاب الَّذي لا زال حبيس الرُّفوف ولم يُنفض عنه التُّراب كتاب: «حُسْنُ التَّنبُّه لما وَرَدَ في التَّشبُّه».

وهو كتاب حافل جَمَعَ فيه مؤلِّفه كلَّ ما ورد في التَّشبُّه المحمود والمذموم، وضمَّنه فوائد جمَّة ونقولات مهمَّة من المنثور والمنظوم في سائر الفنون والعلوم، وبالجملة فلم يترك فيه شاردة ولا واردة إلَّا وذكرها على وجه البسط والتَّفصيل.

وصاحب الكتاب هو محدِّث الشَّام ومسندها الفقيه المفسِّر المؤرِّخ اللُّغوي الأديب نجم الدِّين أبو البركات محمَّد بن بدر الدِّين محمَّد بن رضى الدِّين محمَّد الغزِّيّ العامريّ الدِّمشقيّ الشَّافعيّ، المولود سنة (977هـ)، والمتوفَّى سنة (1061هـ) عن ثلاث وثمانين سنة(3).

له مؤلَّفات كثيرة متنوِّعة في الحديث والتَّراجم والفقه واللُّغة والزُّهد، وجلُّها في حكم المفقود، وجزء منها لا زال في عالم المخطوطات، مثل: كتاب «شرح قطر النَّدى وبل الصَّدى»، وكتاب «زجر الإخوان عن إتيان السُّلطان»، وغيرهما،  ومنها ما نُشر ككتاب  «الكواكب السَّائرة بمناقب أعيان المائة العاشرة»، وذيله: «لطف السَّمَر وقطف الثَّمَر من تراجم أعيان الطَّبقة الأولى من القرن الحادي عشر»، وكتاب «إتقان ما يَحْسُن من الأخبار الدَّائرة على الألْسُن»(4).

وأمَّا كتاب «حسن التَّنبُّه» فله أكثر من نسخة خطِّيَّة، منها نسخة بخطِّ مؤلِّفه في خمسة أجزاء؛ لكنَّها مفرَّقة في مكتبات العالم، تحتفظ «مكتبة الأسد» بدمشق الشَّام (دار الكتب الظاهرية سابقًا)(5) بجزئين: الأوَّل (برقم: 9030)، والثَّاني (برقم:  8586).

والجزء الثَّالث يوجد في «مكتبة تشستر بيتي» بدبلن عاصمة «إيرلندا» تحت رقم (3216)(6).

وأفادني صاحبُنا البحَّاثة الأخ أبو عبد الله عمَّار تمالت بأنَّه اكتشف الجزء الخامس ـ وهو الأخير ـ بعد أن كان مجهول المؤلِّف، فجزى الله خيرًا أخانا عمَّارًا على جهوده الطَّيِّبة ومساعيه المشكورة في عنياته بالتُّراث وتعاونه الجادِّ مع إخوانه الباحثين.

والجزء المذكور محفوظ في «مكتبة المتحف البريطانيّ» (برقم 7906 OR)، وله صورة في «مركز الملك فيصل» بالرِّياض.

وبقي من نسخة المؤلِّف الجزء الرَّابع يسَّر الله العثور عليه.

ويوجد في «الظَّاهريَّة» أيضًا نسخة أخرى كاملة في سبعة أجزاء بخطِّ الكاتب عبد الرَّحمن ابن محمَّد بن عماد الدِّين الغزولي انتسخها من نسخة المؤلِّف وقابلها عليها، وفرغ من نسخها سنة (1042هـ)، وقد كتب المؤلِّفُ نجمُ الدِّين عناوينها على كلِّ جزء، لها مصوَّرات بمكتبة الجامعة الإسلاميَّة بالمدينة النَّبويَّة سوى الجزء الثَّاني.

وعلى هذه النُّسخة وعلى الجزء الثَّاني من نسخة المؤلِّف جرى هذا الوصف الموجز للكتاب.

كما يوجد نسخة كاملة في «المكتبة السّليمانيَّة» بتركيا، وتقع في مجلَّد واحد بخطٍّ دقيق جدًّا لا يكاد يقرأ إلَّا بالعدسة المكبِّرة، ومسطرتها (41 سطرًا)، وتوجد منه صورة بمكتبة الجامعة الإسلاميَّة.

وللكتاب نُسَخٌ أخرى ناقصة مفرَّقة في مكتبات العالم.

فأمَّا تاريخ تأليفه وفراغه منه، فقد نصَّ على ذلك مؤلِّفُه في آخر الجزء، فقال: «قد شرعت في تأليفه على رأس الألف، وكَمُلَ تبييضُه قبل العشر إلَّا أنِّي زدتُ فيه بعد ذلك أشياء مهمَّة، وجرَّدت لتحريره مطيَّة العزم والهمَّة، فتمَّ في هذه النُّسخة المباركة في سحر اللَّيلة الَّتي يسفر صاحبها عن يوم الأربعاء سادس وعشرين جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وألف...».

وهذا يدلُّك ـ أخي القارئ ـ على نبوغ المؤلِّف وظهور مواهبه الكامنة في وقت مُبكِّر، حيث شرع في تأليفه وهو ابن ثلاث وعشرين سنة، ولا غرابة في ذلك فقد باشر الإمامة والتَّدريس والخطابة وهو لا يزال في الخامسة عشرة من عمره(7).

وأفادنا النَّصُّ أيضًا أنَّه مكث في تأليفه (38 سنة) محرِّرًا ومراجعًا ومنقِّحًا؛ ولذلك كان من مصنَّفاته المرضيَّة عنده، فقال منوِّهًا به: «وهو كتاب لم أسبق فيما أعلم إلى جمعه وترتيبه، ولم أزاحم على اختراعه وتهذيبه، ولا وجدت من جاء في بابه بمثله ولا على أسلوبه». [1 /2/ب]

وأمَّا اسمه وموضوعه ومنهجه، فقد أفصح عن ذلك كلِّه في دِيبَاجَةِ الكتاب، فقال: «هذا ولقد سمَّيت كتابي هذا «حسن التَّنبُّه لما ورد في التَّشبُّه»(8)، وقسمته بين فاتحته وخاتمته، وفي كنف مقدّمته ولاحقته إلى قسمين وجعلته على ضَرْبَيْن.

القسم الأوَّل: فيمن ورد الأمر بالتَّشبُّه بهم والاقتداء بهداهم وهديهم.

والقسم الثَّاني: فيمن ورد النَّهي عن التَّشبُّه بهم واتِّباع طرقهم». [1 /4/ب]

وقال قبل ذلك: «ذكرتُ فيه ما ورد في ذلك بحسب الاطلاع على سبيل السَّبر والاستقراء، ولاحظتُ فيه مع مراعاة الإيجاز والتَّقريب طريق الاستيفاء، ولم آل جهدًا في تحرير معانيه وإن رقَّت، ولا في تنوير مبانيه وإن انقادت إليَّ في الزَّمن اليسير وحقَّت». [1 /2/ب]

وأمَّا المقدّمة فأفاض فيها جدًّا حتَّى إنَّها اشتملت على أبواب وفصول، وذكر فيها مبحثًا لغويًّا نفيسًا في تعريف «التَّشبُّه» يحسن إيراده برمَّته لأهمِّيته، فقال: «فأمَّا مقدّمة هذا الكتاب وسابقته، وغُرّة هذا المؤلَّف وفاتحته، فاعلم ـ وفَّقني الله تعالى وإيَّاك إلى المحاب وهدانا إلى الصَّواب ـ أنَّ التَّشبُّه عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبَّه به، وعلى هيئته وحِليته ونَعْتِه وصفته، أو عبارة عن تكلُّف ذلك وتقصُّده وتعلُّمه(9)، والشِّبْه ـ بالكسر والسُّكون، وبفتحتين ـ: المثل كالشَّبيه، يقال: أشبهه وتشبَّه به ماثله، ويقال: اشتبها وتشابها أشبه كلٌّ منهما الآخر، ومنه قول القائل:

رقَّ الزُّجاج ورقَّت الـخمر وتشابـها فتشـاكـل الأمـر
فكـأنَّمـا خـمـر ولا قـدح وكـأنَّمـا قدح ولا خـمـر

وقد يعبَّر عن التَّشبُّه بالتَّشكُّل، والتَّمثُّل، والتَّزيِّ، والتَّحلِّي، والتَّخلُّق، أو يختصُّ هذا الأخير بتكلُّف الأخلاق الباطنة والطَّبائع والصِّفات اللَّازمة، ومثله التَّطبُّع والتَّسلُّق بمعنى تكلُّف مشاكلة الطَّبيعة والسَّليقة، قال الشَّاعر:

إنَّ التّخلُّق يأتي دونَهُ الخُلُق

ويختصُّ التَّشكُّل والتَّزيِّ والتَّحلِّي بتكلُّف الهيئة الظَّاهرة، والحلية البارزة، فيقال في التَّشبُّه بالحلم والكرم مثلًا: تخلَّق، وفي اللِّباس والزِّينة: تشكَّل وتزيَّا وتحلَّى، ومنه الحديث: «لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي»(10).

وقد يكون التَّمثُّل بمعنى الدُّخول في الصُّورة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا[مريم:17] أي تصوَّر.

وقد يكون التَّشكُّل بهذا المعنى، ومنه قول العلماء: «للملائكة قوَّة التَّشكُّل أي الظُّهور بأيِّ صورة أرادوها»، وفي «القاموس»: «الحلية بالكسر: الخِلقة والصُّورة والصِّفة».

فعليه يجوز أن يكون التَّحلِّي بمعنى الدُّخول في الصُّورة أيضًا». [1 /5/أ ـ ب]

ومن الفصول القيِّمة الَّتي تضمَّنتها هذه المقدّمة: مسألة الإقامة في بلاد الكفر، حيث قال: «فصل: ولمَّا كان الطَّبعُ يسرق من الطَّبع ويسري إليه خصوصًا مع طول الصُّحبة والمعاشرة حتَّى يدعو ذلك الشَّخص إلى تخلُّقه بخُلق مجاوره ومعاشره، كما ترى ذلك كثيرًا في كثير من الحيوانات المتوحِّشة إذا كثر مقامها بين النَّاس أَلِفتهم وفهمتْ إشاراتِهم، ومنها ما يقبل التَّعليم كالببغاء والقُمري من الطِّير والفهد والقرد من السِّباع والبهائم، بل تبلغ من تألُّفها بهم أن لو خرجتْ عنهم لاستوحشتْ إلى الأُنس بهم ونفرتْ عن الوحشة منهم؛ ولذلك قيل: «للمجاورة تأثير»، وقيل: «من عاشر قومًا أربعين يومًا صار منهم»، لمَّا كان ذلك كذلك جاء النَّهي عن الإقامة في بلاد الكفَّار وعن مساكنتهم ومجاورتهم والأمر بالهجرة عنهم...». [1 /16/ب]

ثمَّ ذكر الأدلَّة على ذلك وبسط الكلام في الهجرة وموالاة أهل الكفر، ثمَّ فرَّع عنها مسألة هجر المبتدع، فممَّا قاله: «واعلم أنَّ الَّذي يبغض في الله تعالى هو المخالف لأمره، فإن كان كافرًا محاربًا قوتل حتَّى يُسلِم أو يُقتَلَ أو يُستَرَقَّ، وهذا غاية النَّكال والإهانة والإذلال، أو ذمِّيًّا فيستحقُّ الإعراض عنه وترك المفاتحة بالسَّلام والمصافحة ثمَّ لا يؤذى، ولكن الأولى الكفّ عن مخالطته ومعاملته ومواكلته، وأمَّا الانبساط معه والاسترسال إليه فشديد الكراهية، وقد ينتهي إلى التَّحريم، ومودّته حرام، وإن كان عاصيًا فإن كان مبتدعًا يكفَّر ببدعته فأمره أشدُّ من الذِّمِّي، فإن لم يكفر بها تعيَّن هجره ووجب بغضه والتَّحذُّر منه والإنكار عليه أشدّ من الكافر؛ لأنَّ الكافر يُحْذر ويُتحامَى عنه فلا يتعدَّى شرُّه بخلاف هذا؛ لأنَّه يدَّعي الإسلام... إلخ». [1 /24/ب]

فتأمَّل كلامه في وجوب الإنكار على أهل البدع أشدّ من الكافر لأجل العلَّة الَّتي ذكرها، وفي هذا أبلغ الرَّدِّ على من يشنِّع ويشغِّب على أهل العلم المشهود لهم بالاتباع ولزوم السُّنة بأن ديدنهم الاشتغال بالرُّدود والتَّحذير من الدُّعاة (!!)، وتركهم اليهود والنَّصارى والعلمانيِّين.

ونظير ما ذكره المؤلِّف قول شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله في الخوارج وبدعتهم:

«لم يكن أحدٌ شرًّا على المسلمين منهم لا اليهود ولا النَّصارى؛ فإنَّهم كانوا مجتهدين في قتل كلِّ مسلم لم يوافقهم مستحلِّين لدماء المسلمين وأموالهم وقتل أولادهم مكفِّرين لهم وكانوا متديِّنين بذلك لعظم جهلهم وبدعتهم المضلَّة.

ومع هذا فالصَّحابة رضي الله عنهم والتَّابعون لهم بإحسان لم يكفِّروهم ولا جعلوهم مرتدِّين ولا اعتدوا عليهم بقول ولا فعل، بل اتَّقوا الله فيهم وساروا فيهم السِّيرة العادلة، وهكذا سائر فرق أهل البدع والأهواء من الشِّيعة والمعتزلة وغيرهم»(11).

قلت: وخوارج العصر لا يقلُّ خطرُهم وضررُهم على المسلمين، بل ضررهم أشدّ وأنكى، والواقع الإسلاميّ اليوم خير شاهد.

ومع ذلك لم يعتدِ عليهم علماء السُّنَّة بقول ولا فعل، بل اتَّقوا الله فيهم وساروا فيهم السِّيرة العادلة، فبحكمة وحِلْمٍ سكتوا عنهم وكفُّوا، وبعلم وبصيرة حكموا عليهم وصنَّفوا، فما أحسن أثرهم على النَّاس لو علموا وعرفوا!

ثمَّ بعد المقدّمة المسهبة شرع المؤلِّف في القسم الأوَّل: في التَّشبُّه بمن وَرَدَ الأمرُ بالتَّشبُّه بهم والاقتداء بهداهم وهديهم، وأدرج تحته جملةً من الأبواب.

وتعجيلًا للفائدة ارتأيتُ سردَ هذه الأبواب كلِّها مقتصرًا على عناوينها، وأوردت نُتفًا من أقوال المؤلِّف في أوَّلها باقتضاب، وربَّما نقلت  عنه طرائفَ ولطائفَ لمناسبةٍ ما من أثناء الباب، فدونكها ـ أخي القارئ ـ على ترتيب الكتاب:

* باب التَّشبُّه بالملائكة عليهم السَّلام.

قال: «اعلم أنَّ التَّشبُّه بالملائكة مشروع؛ لأنَّهم من جملة من أُمرنا بطلب الهداية إلى صراطهم في قراءة الفاتحة في قوله تعالى معلِّمًا لنا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين[الفاتحة:7]. [1 /64/أ]...»، وذكر جملةً صالحةً من أخلاقهم وأعمالهم وخصالهم.

* باب التَّشبُّه بالأخيار من بني آدم.

قال: «اعلم ـ وفَّقني الله ـ وإيَّاك أنَّنا قدَّمنا أنَّ الَّذين يحسن التَّشبُّه بهم من بني آدم هم الأخيار من الطَّوائف الأربعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا[النساء:69]...». [1 /199/أ]

* باب التَّشبُّه بالصَّالحين رضي الله عنهم أجمعين.

ومن دُرر كلامه رحمه الله في هذا الباب قوله: «روى ابن أبي الدُّنيا في «الإخلاص» عن سفيان قال: قال ابن عجلان ـ رحمه الله تعالى ـ: «لا يصلح العمل إلَّا بثلاث: التَّقوى به، والنِّيَّة الحسنة، والإصابة»، قلت: ومعنى الإصابة: أن يصيب بعمله عملًا مأخوذًا به في الشَّرع موافقًا للعلم على سَنَنِ السُّنَّة؛ فلا بدَّ في الصَّالح أن يكون متَّبعًا للسُّنة متجنِّبًا عن البدعة ومحدثات الأمور وذلك من لازم التَّقوى أيضًا؛ فإنَّ المبتدع لو جاء بطاعة نوح، وكرم إبراهيم، وفتوَّة يوسف، وتواضع موسى، وزهد عيسى، وحزن يعقوب، وصبر أيُّوب، وشكر سليمان، وتلاوة داود، وحكمة لقمان لا يكون تقيًّا ولا صالحًا مرضيًّا، وقد روى اللَّالكائي في «السُّنَّة»(12) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «الاقتصاد في السُّنَّة خيرٌ من الاجتهاد في البدعة»...». [1 /215/ب ـ 216/أ]

* باب التَّشبُّه بالشُّهداء.

قال: «اعلم أنَّ الشُّهداء إمَّا أن نفسِّرهم بالَّذين أَرْدَوْا بنفوسهم حتَّى قُتلوا في سبيل الله تعالى، وإمَّا نفسِّرهم بالعلماء الرَّاسخين في العلم؛ لأنَّهم شهداء الله في الأرض، وهم الواقفون في مقام الاستدلال من أهل العلم، فإنْ أخذنا بالتَّفسير الأوَّل وهو المتبادر، فبهذه الشَّهادة يستكمل العبد مقامات الصَّلاح؛ لأنَّ حقيقة الصَّلاح شغل النَّفس بالطَّاعة مادامت باقية، فإذا انتهت الطَّاعة أي الجود بذاتها فقد بلغت الغاية...». [2 /28/أ]

وقال: «فصل: وإن أخذنا الشَّهداء بالتَّفسير الثَّاني؛ بأن نقول هم العلماء الرَّاسخون في العلم من حيث إنَّهم شهداء  الله في أرضه لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ[آل عمران:18] فالتَّشبُّه بهم على قسمين: تشبُّه بهم في البدايات، وتشبُّه بهم في النِّهايات...» [2 /37/ب]، ثمَّ أخذ في ذكر الأدلَّة على فضل طلب العلم ومكانة العلماء.

* باب التَّشبُّه بالصِّدِّيقين رضي الله تعالى عنهم(13).

قال: «قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِين[التوبة:119]، قال نافع ـ رحمه الله تعالى ـ: «مع محمَّد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم» رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم عنه، وعن ابن عمر رضي الله عنهما...».

* باب التَّشبُّه بالنَّبيِّين صلوات الله وسلامه عليهم.

قال: «اعلم أنَّ الله تعالى ذكر في سورة الأنعام ثمانية عشر نبيًّا، ثمَّ قال: ﴿أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[الأنعام:90]...». [2 /124/أ]

* باب ذكر أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: «قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله وَالْيَوْمَ الآخِرَ[الأحزاب:21]...».

* باب التَّشبُّه بالصَّحابة رضي الله عنهم.

قال: «اعلم أنَّ هذا الباب  مندرج في الأبواب قبل؛ لأنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم إنَّما أخذوا دينهم وهديهم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهم خيار الصَّالحين وهم الصِّدِّيقون... ثم ليس بعد الأنبياء طائفة خيرٌ من الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد جاء الكتاب والسُّنَّة بالإرشاد إلى الاقتداء بهم والتَّشبُّه بهم؛ فعقدتُ هذا الباب لبيان مجمل أخلاقهم دون تفاصيل خُلق كلِّ واحد منهم؛ لأنَّ ذلك منثور في كتب الأحاديث والآثار والتَّاريخ والأخبار ولم يخرجْ عن كتابنا هذا من محاسن أخلاقهم وأخلاق مَنْ سواهم إلَّا ما شذَّ...». [2 /217/أ ـ ب]

* باب التَّخلُّق بأخلاق الله عزَّ وجلَّ.

قال: «ينبغي أن يتحاشى في هذا الباب عن استعمال لفظ التَّشبُّه تحاشيًا كلِّيًّا؛ لأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيء وهو السَّميع البصير، وإنَّما أطلقتُ لفظ التَّخلُّق لوروده في السُّنَّة(14) كما ستعلم، ومعنى التَّخلُّق بأخلاق الله تعالى الاتِّصاف بأخلاق موافقة لأخلاقه سبحانه وتعالى، لا أنَّها هي بعينها أو مثلها من سائر الأطراف وفي جميع الأوصاف، لما يلزم على ذلك من الاتِّحاد وانقلاب الحادث قديمًا وكلاهما محال...». [2 /231/أ]

ثمَّ عقد فصلًا في بيان أقسام هذه الأخلاق، قال:

«فالقسم الأوَّل: وهو الأخلاق الَّتي لا تليق إلَّا بالله تعالى، فهي كلُّ خُلُقٍ مختصٍّ بالرُّبوبيَّة كالكبرياء والعظمة...

القسم الثَّاني: وهو الأخلاق الَّتي نزَّه الله نفسه عنها، ونهى العبد عن الاتِّصاف بها، كالظُّلم والبخل والحسد...

والقسم الثَّالث: وهو الأخلاق الَّتي لا تليق إلَّا بالعبد ولا يجوز لأحد أن يصف اللهَ بها؛ فهو كلُّ خُلق يستلزم حدث المتخلّق به كالنِّكاح وتناول الطَّعام والشَّراب، أو تستلزمه العبوديَّة كالصَّلاة بجميع أعمالها...

القسم الرَّابع: وهو الأخلاق الَّتي اتَّصف الله تعالى بها وأرشد عباده إلى التَّخلُّق بها؛ فهو كلُّ خُلُقٍ ثبت بالنَّصِّ اتِّصاف الله تعالى به، وورد الإرشاد إليه، كالعلم والحلم والرَّحمة واللُّطف وغير ذلك...». [2 /232/ب ـ 234/ب]

وعقد فصولًا أخرى في الكلام على أسماء الله الحسنى وشرحها، وبذلك ينتهي الجزء الثَّاني.

قلت: وليت المؤلِّف رحمه الله تحاشى ذكر هذا الباب، وإن كان بيَّن مقصوده على وجه الصَّواب؛ لأنَّ وصف الله عزَّ وجلَّ بالتَّخلُّق لم يرد في القرآن ولا في السُّنَّة الصَّحيحة، فهو من الألفاظ المجملة الَّتي يستفصل عن معناها؛ فإن كان صحيحًا موافقًا للكتاب والسُّنَّة قُبل المعنى وتُوقِّف في اللَّفظ ولا يعبَّر به، وإن كان المعنى باطلًا رُدَّ اللَّفظ والمعنى، والواجب التَّقيُّد بالألفاظ الشَّرعيَّة، والابتعاد عن الألفاظ المجملة والموهمة لمعان باطلة، كما قرَّره علماء السَّلف رحمهم الله.

وقد سُئل سماحة الشَّيخ العلَّامة عبد العزيز ابن باز رحمه الله عن خطيب يحثُّ النَّاس على الاتِّصاف بصفات الله والتَّخلُّق بأخلاقه؟ فأجاب بقوله: «هذا التَّعبير غير لائق، ولكن له محمل صحيح، وهو الحثُّ على التَّخلُّق بمقتضى صفات الله وأسمائه وموجبها...»(15) إلى آخر جوابه، الَّذي هو بمعنى التَّقسيم الَّذي ذكره المؤلِّف، وأفاد ابن باز رحمه الله بأنَّ لابن القيِّم رحمه الله كلامًا على هذا المعنى في «عدة الصَّابرين» (ص31)، و«الوابل الصَّيِّب» (ص543).

ثمَّ لما فرغ المصنِّف رحمه الله من هذا الباب ابتدأ الكلام في القسم الثَّاني من الكتاب فيمن ورد النَّهي عن التَّشبُّه بهم واتِّباع طرقهم.

قال: «قال الله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِين[يونس:104-105]، هذه الآية أصلٌ عظيم في الأمر بالتَّشبُّه بالمؤمنين والنَّهي عن التَّشبُّه بالمشركين، والشِّرك المتَّصفون به شامل للشِّرك الأكبر والشِّرك الأصغر الشَّامل لسائر المعاصي فهي دليلٌ لقسْمَي الكتاب.

واعلم أنَّا نذكر في هذا القسم قبائح الأخلاق وسفاسف الأمور وسيِّئات الأعمال لِتُحْذَر وتُجتنب، فقد قال حذيفة بن اليمان ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «كان النَّاسُ يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنتُ أسأله عن الشَّرِّ مخافة أن أقع فيه، وعلمتُ أنَّ الخير لا يسبقني»، وفي رواية عنه: «فعرفت أنَّ من لا يعرف الشَّرَّ لا يعرفُ الخير»، وقال بعضهم في معناه:

عـرفـنـا الشَّـر لا للشَّـر لـكـن لتـوقِّـيـه

ومن لا يعرف الشّر من النّاس يقع فيه...». [4 /2/أ]

وقد جعل هذا القسم في ثلاثة أنواع:

النَّوع الأوَّل: في النَّهي عن التَّشبُّه بالشَّيطان.

النَّوع الثَّاني: في النَّهي عن التَّشبُّه بالكفَّار.

النَّوع الثَّالث: في النَّهي عن التَّشبُّه بالفسَّاق.

النَّوع الأوَّل من القسم الثَّاني في النَّهي عن التَّشبُّه بالشَّيطان.

قال: «قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا[النساء:115]، ومتَّبع غير سبيل المؤمنين متَّبعٌ لسبيل الكافرين، وإبليس أشدُّهم كفرًا، فالآية دليل لهذا النَّوع والَّذي بعده...».

ثمَّ أفاض في ذكر أعمال الشَّيطان وأخلاقه، ثمَّ عقد فصلًا في بيان أنَّ الشَّيطان لا سبيل له  على الإنسان إلَّا من قِبل نفسه وهواه، ثمَّ استطرد في حقيقة الهوى، والكلام على الشَّهوات، ومداخل الشَّيطان إلى غير ذلك.

وهذا الباب وحده جاء في أكثر من مائة وثمانين ورقة فلو طُبع لجاء في مجلَّد كبيرٍ.

ومن جملة اللَّطائف الَّتي ذكرها في هذا الباب ما يتعلَّق بالتَّوكُّل والاعتماد على الله وحده في قضاء الحاجات وكشف الكربات دون الالتفات إلى مَنْ سواه من المخلوقات حيث نقل عن الفخر الرَّازيّ أنَّه قال: «والَّذي جرَّبته من طُول عمري أنَّ الإنسان كلَّما عوَّل في أمر من الأمور على غير الله تعالى صار ذلك سببًا للبلاء والمحنة والشِّدَّة والرَّزيَّة، وإذا عوَّل على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصَّل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه، قال: فهذه التَّجرِبَة قد استمرَّت بي من أوَّل عُمْري إلى هذا الوقت الَّذي بلغتُ فيه إلى السَّابع والخمسين! فعند هذا استقرَّ قلبي على أنَّه لا مصلحة للإنسان في التَّعويل على شيء سوى فضل الله تعالى وإحسانه...»، قلتُ: وهذا أمرٌ جرَّبتُه في أوَّل العُمْر قبل أن أقف على كلام الإمام برهة من الزَّمان ثمَّ استقرَّ قلبي عليه من ثَمَّ إلى الآن، وأنا في الحادية والثَّلاثين من عمري، ولقد قضيت العجب من الإمام كيف لم يستقرَّ قلبُه على ذلك حتَّى مرَّ به هذه المدَّة الطَّويلة؟!...». [4 /60/أ]

النَّوع الثَّاني من القسم الثَّاني من الكتاب في النَّهي عن التَّشبُّه بالكفَّار:

وأدرج تحته عدَّة أبواب:

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بقابيل القاتل لأخيه هابيل. [4 /184/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بقوم نوح عليه الصَّلاة والسَّلام.

قال: «وهم أوَّل من عبد الأصنام». [4 /201/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بكنعان بن نوح.

قال: «وهو أوَّل من عُرف بالنِّفاق من أولاد آدم...». [4 /215/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بعاد.

قال: «وهو أوَّل من تأنَّق في البنيان، ورفعه وأحكمه أسلافهم...». [4 /221/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بثمود.

قال: «وكانوا أوَّلَ مَنْ هلك بطاعة النِّساء...». [4 /241/ب]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بنُمرود وقومه.

قال: «وهو بضمِّ النُّون ودال مهملة كما في «القاموس»...». [4 /260/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بقوم لوط عليه السلام.

قال: «وهم أوَّل من أتى في الدُّبر، وهي أبشع فِعْلة فعلوها بعد الكفر بالله تعالى...». [4 /277/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بالرَّهط التِّسعة من ثمود.

قال: «وهم يشتملون على ما ذكرنا من قبائح ثمود، ويزيدون عليها قبائح أخرى...». [4 /284/ب]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بقوم شعيب عليه السلام.

قال: «وهم أوَّل المطفِّفين...». [4 /294/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بفرعون وقومه.

قال: «وهو أوَّل من خضب بالسَّواد، وسخَّر النَّاس في الأعمال الشَّاقَّة، وبُني له بالآجر، وصلب وقطع الأيدي والأرجل من خلاف ظلمًا...». [5 /2/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بأهل الكتاب وهم اليهود والنَّصارى.

ومن لطائف ما أورده في هذا الباب من أخلاق اليهود والنَّصارى:

إنكار القدر والتَّنازع فيه. [5 /64/ب]

ومنها: الاحتجاج بالمشيئة والقدر في الاعتذار عن البخل، وهو مضادٌّ لقولهم: «لا قدر».

ومنها: «الإرجاء»، وهو اعتقاد أنَّ الإيمان مجرَّد قول «لا إله إلَّا الله» بدون التَّصديق بالقلب وعمل بالجوارح، أو مجرَّد القول والمعرفة، وقد تقدَّم عن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنه ـ: «أنَّه شعبة من النَّصرانيَّة»، وروى اللَّالكائي عن سعيد ابن جبير رضي الله عنه قال: «المرجئة يهود القبلة»...». [5 /65/ب]

ومنها: ترك السُّنَّة شيئًا فشيئًا، والابتداع في الدِّين...

ومنها: الإيغال في البُغض كالخوارج، وفي الحبِّ كالرَّوافض؛ فإنَّ اليهود أفرطوا في حبِّ عُزَيْر عليه السلام حتَّى قالوا فيه ما قالوا، وفي بغض عيسى عليه السلام حتَّى قالوا إنَّه ولد لغير رَشْدَةٍ، وأفرطت النَّصارى في حبِّه حتَّى زعموه إلهًا. [5 /66/ب]

كما تعرَّض أيضًا في هذا الباب إلى تحريم التَّشبُّه بأهل الكتاب في أعيادهم، فممَّا قاله: «ومن أخلاق اليهود والنَّصارى الاحتفال لأعيادهم ولكلِّ أمَّة عيد يحتفلون فيه، فجعل الله تعالى لهذه الأمَّة عيدين في كلِّ عام، وعيدًا في كلِّ أسبوع ليحتفلوا بأعيادهم ولا يحتفلوا بأعياد غيرهم...». [5 /245/أ]

وأورد حديث عائشة رضي الله عنها في «الصَّحيحين»: «يا أبَا بكر! إنَّ لكلِّ قومٍ عيدًا وهذا عيدُنا» وعلَّق عليه بقوله: «ففي الحديث إشارة إلى أنَّ لكلِّ قوم عيدًا يختصُّ بهم، فأعياد أهل الكتاب خاصَّة بهم، وأعيادنا خاصَّة بنا، وأنَّ عيد أهل الإسلام محصور في جنس ذلك اليوم، وهو ما كان عيدًا شرعيًّا، فليس لأحد أن يتَّخذ عيدًا لم يرد به الشَّرع الشَّريف...». [5 /245/أ ـ ب]

كما نقل في هذا الباب عن «اقتضاء الصِّراط المستقيم» لشيخ الإسلام الوجوهَ الثَّمانية في تحريم مشاركة أهل الكتاب في أعيادهم. [5 /246/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بالأعاجم والمجوس.

قال: «ولفظ الأعاجم والعجم قد يطلق ويراد به فارس خاصَّة ـ كما سيأتي ـ، وتارة يطلق ويراد به ما عدا العرب من النَّاس، كما تطلق العجمية ويراد بها ما سوى العربيَّة، وعلى هذا فمهما أُطلق مدح العرب في موضع كان مفهومه إطلاق ذمِّ العجميَّة، وبالجملة ففضل العربيَّة والعرب لا يُنكر ويدلُّ عليه العقل والنَّقل...». [5 /286/أ] ثم استطرد في سرد الأدلة على ذلك.

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بأهل الجاهليَّة والمشركين.

قال: «... والجاهلية تارة يكون اسمًا للحال ومعناه قريب من المصدر، وتارة يكون اسمًا لذي الحال يقال: طائفة من الجاهلية...». [6 /4/أ]

ـ باب النَّهي عن التَّشبُّه بالمنافقين.

قال: «اعلم أنَّ النِّفاق على قسمين: اعتقادي وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، وهو أشدُّ أنواع الكفر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ[النساء:145]، وهذا يخلد صاحبُه في النَّار.

وعملي بأنْ يعتقد اعتقاد المسلمين ويعمل أعمال المنافقين، وهو من أشدِّ المعاصي وأكبر الذُّنوب...». [6 /80/أ]

النَّوع الثَّالث من القسم الثَّاني من الكتاب في النَّهي عن التَّشبُّه بالفسقة.

قال: «الفاسق إمَّا أن يكون فسقه في اعتقاده، ويقال له: مبتدع.

وإمَّا أن يكون في غير اعتقاده، وكيف ما كان لا ينبغي للعدل أن يتشبَّه به، فتعيَّن الكلام في هذا النَّوع في مقامين...».

قال: «المقام الأوَّل: في النَّهي عن التَّشبُّه بالمبتدعة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى الله ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُون[الأنعام:159]، قيل: «هم أهل الكتاب»، وقيل: «المشركون بعضهم يعبد الملائكة، وبعضهم يعبد الأصنام»، وقيل: «هم أهل البدع»، وهذا الأقرب؛ لأنَّ براءة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من اليهود والنَّصارى وسائر المشركين كانت معلومة محقَّقة قبل نزول الآية، وإنَّما المراد أنَّ الَّذين فرَّقوا دينهم من أمَّتِك لستَ منهم في شيء، وإن كان يُنسبون إلى اتِّباعك والاقتداء بك...». [6 /160/أ ـ ب]، وتكلَّم بعد ذلك على أصول الفِرَق الضَّالة وطوائفها.

قلت: وهذه نكتة طريفة ولَفْتَة لطيفة من المؤلف رحمه الله؛ فأهل البدع في كلِّ زمان ومكان هم أهل الفُرقة والتَّحزُّب والاختلاف، ثمَّ يتباكون اليوم على تفرُّق الأمَّة وتشتُّتها وتكالب الأعداء عليها، ويتنادون إلى وحدة الصَّفِّ وجمع الكلمة والائتلاف! وهم في الوقت نفسه يركضون وراء البيعات السِّرِّيَّة والمظاهرات الغربيَّة والثَّورات البدعيَّة، وغير ذلك ممَّا يزيد الأمَّة وَهْنًا على وَهْنها وتفرُّقًا إلى تفرُّقها، وإلى الله المشتكى.

المقام الثَّاني: في النَّهي عن التَّشبُّه بغير المبتدعة من الفُسَّاق.

وفسَّر الفِسْق في اللُّغة والشَّرع، ثمَّ عقد فصلًا جاء فيه:

«التَّشبُّه بالفسَّاق يحصل بأحد ثلاثة أمور: الأوَّل: ارتكاب كبيرة، الثَّاني: الإصرار على صغيرة أو غلبته الصغائر، الثَّالث: الإخلال بالمروءة إذا اتَّخذه ديدنًا أو عادة، وهو داخل فيما قبله على أحد الأقوال، فتعيَّن أن نشير إلى الكبائر والصَّغائر وما يخلُّ بالمروءة وذلك في ثلاثة فصول...». [6 /215/أ ـ ب]

ـ باب النَّهي عن تشبُّه العاقل بالمجانين والحمقى. [6 /244/أ]

ـ باب النَّهي عن تشبُّه الحرِّ بالرَّقيق وعكسه. [6 /255/أ]

ـ باب النَّهي عن تشبُّه الرَّجل بالمرأة وعكسه. [6 /287/أ]

ـ باب النَّهي عن تشبُّه الرِّجال بالصِّبيان.

قال: «وهو مذموم وعكسه محمود...». [6 /298/أ]

ـ باب تشبُّه الفقير بالغنيِّ وعكسه.

قال: «أمَّا تشبُّه الفقير بالغنيِّ فقد يكون مستحسنًا وقد يكون مذمومًا...». [6 /333/أ]

ـ باب تشبُّه أهل الحَضر بأهل البَدْوِ وعكسه.

ـ باب النَّهي عن تشبُّه العالم بالجاهل.

ثمَّ ختم هذا القسم بقوله: «لا يدخل في جميع ما ذكرناه من أوَّل هذا القسم ـ أي من التَّشبُّه المذموم ـ إلى ما هنا شَبَهُ الصَّالح بالطَّالح في خِلْقته أو صورته أو حِلْيته أو في اسمه ونحو ذلك، فلا يضرُّ المؤمنَ إذا كان أعورَ شبهَ الشَّيطان أو الدَّجَّال في كونه أعور العَوَر الصُّوريّ، وإنَّما يضرُّه العَوَرُ القلبيُّ كالعمى القلبي...». [6 /375/ب]

ـ باب النَّهيِّ عن التَّشبُّه بالبهائم والسِّباع والطَّيْر والهَوَامِّ.

قال: «اعلم أنَّنا جعلنا هذا الباب في خاتمة هذا القسم الثَّاني من الكتاب؛ لأنَّه بهذا القسم أليق وبهذا النَّوع أحقُّ؛ لأنَّ التّشبُّه بالبهائم والسِّباع والطَّير والهوامِّ لا يحسن إلَّا على ضرب من التَّأويل كما ستعلم...». [7 /2/أ]

ـ باب ما يحسن من التَّشبُّه بالبهائم والسِّباع.

قال: «هذا الباب كالتَّكملة للباب قبله، وذلك أنَّه قد وردت آثار في الإرشاد إلى التَّشبُّه ببعض أشراف الحيوانات كالأسد والنَّسر والبازي والنّمر والحمام، وليس ذلك لكمال فيها لما تقرَّر لك أنَّ البهائم لا حظَّ لها في العقل ولا نصيب لها في التَّمييز ولذلك لم تكن مكلَّفة...». [7 /200/أ]

وفي الأخير ذكر خاتمة الكتاب الَّتي وعد بها في المقدّمة، وهي في فضل الإنابة والمتاب. [7 /331/ب]

وبعد هذا العرض لأهمِّ مَضَامِينِ الكتاب ومحتوياته يكون القارئ قد أخذ ـ إن شاء الله ـ فكرةً عامَّة عن الكتاب وقيمته العلميَّة، وهو بحقٍّ فريدٌ في بابه، موسوعةٌ في موضوعه، لم يُسبق إليه ولم يُنسج على مِنْواله، ، فمَنْ أَنِس من نفسه قدرةً على تمييز الغَثِّ من السَّمين(16)، وتمكُّنًا من تبيين الصَّحيح من السَّقيم(17)، فحريٌّ به أن ينشره ليعمَّ الانتفاع به.

ولو هذِّب واختُصر، ونُقِّح واعتُصر لكان أحسن صنعًا وأكثر نفعًا.

والله تعالى أعلم بالصَّواب، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

*   *   *

 

 

ـــ اللوحة الأولى من الجزء الأول ـــ

 

ـ اللوحة الأخيرة من الجزء السابع وهي آخر الكتاب ـ



(1) «تشبيه الخسيس» (ص34).

(2) له ترجمة في «الضَّوء اللَّامع» للسَّخاوي (1 /249 ـ 250)، و«هدية العارفين» للبغدادي (1 /126)، والكتاب ذكره البغداديّ وحده.

(3) له ترجمة في: «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» للمحبيّ (4 /189 ـ 200)، و«هدية العارفين» للبغداديّ (2 /285)، و«الأعلام» للزركلي (7 /63)، و«معجم المؤلِّفين» لكحالة (11 /288 ـ 289)، وغيرها.

(4) وهو فيما اشتهر على الألسن من الصَّحيح والحسن والضَّعيف والموضوع، وقد انتقى منه حفيدُه أحمد ابن عبد الكريم الغزيّ (1143هـ) ما لم يرد عن سيِّد البشر لكنَّه ورد في الأثر، وما هو كذب موضوع ومختلق مصنوع وسمَّاه: «الجدّ الحثيث في بيان ما ليس بحديث»، وهو مطبوع أيضًا.

(5) ولمزيد معلومات وبيانات عن النُّسخ الظَّاهريَّة يراجع: «فهرس مخطوطات دار الكتب الظاهرية» (1 /441 ـ 447 ـ قسم التَّصوُّف).

(6) انظر: «فهرس المكتبة المذكورة» (1 /124).

(7) انظر: «لطف السَّمر» (ص313).

(8) هكذا قرأته بخطِّ المؤلِّف في عدَّة مواضع على طرَّة النُّسخة الَّتي بخطِّ الغزولي، ووقع في طرَّة الجزء الثَّاني بخطِّ المؤلِّف أيضًا: «فيما ورد» بدل «لما ورد».

بينما سمَّاه المحبّي في «خلاصة الأثر» (4/195): «التَّنبيه في التَّشبيه» وتابعه عليه صاحب «هديَّة العارفين».

(9) في نسخة الغزولي: «تعمله»، والتَّصويب من النُّسخة السليمانية.

(10) حديث موضوع، وإنَّما ثبت من قول الحسن البصري رحمه الله، انظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (1098)، و«تبييض الصَّحيفة» (الحديث الثَّالث والثَّلاثون).

(11) «منهاج السُّنَّة» (5 /248).

(12) «شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة» (14).

(13) هذا الباب وما بعده سقط من نسخة المؤلِّف المصوَّرة، واستدركته من النُّسخة السّليمانيّة (ل118/ب).

(14) يُشير إلى حديث: «تخلّقوا بأخلاق الله» وهو لا أصل له، كما قال العلَّامة الألباني رحمه الله في «السِّلسلة الضَّعيفة» (2822).

(15) «مجموع فتاوى ابن باز» (1 /329 ـ 331).

(16) لأنَّ الكتاب في حاجة إلى التَّعليق على مواطن شطح فيها قلم مصنِّفه لأجل تمشعره وتصوُّفه، أسأل الله تعالى أن يتجاوز عنه بمنِّه وكرمه.

(17) وإن كان المؤلِّف حكم على كثير من الأحاديث.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 6»