أنت هنا:أخبار الكتب والتراث»فصل في بيان اعتقاد أهل الإيمان لأبي طاهر القرشي

فصل في بيان اعتقاد أهل الإيمان لأبي طاهر القرشي

  • عمار تمالت
تم قراءة المقال 1295 مرة

تأليف: الشيخ الإمام أبي طاهر إبراهيم بن أحمد بن يوسف القرشي

 

الحمد لله، وسلامٌ على عباده الَّذين اصطفى.

أمَّا بعد؛ فإنَّ عقيدةَ المسلم أغلى كنزٍ يملكُه، وأجلُّ نعمةٍ يفخرُ بها، فهي أساسُ أعماله تجاه ربِّه عز وجل، وبها يتميَّزُ عن غيره ممَّن خلا قلبُه عن الإيمان ولم يصدِّقْ إلاَّ بما يراه ويلمسُه من المادَّة الزَّائلة.

وقد هدى اللهُ نبيَّه ﷺ والمؤمنين من أتباعه إلى عقيدةٍ وسطٍ لا غلوَّ فيها ولا جفاء، تتميَّزُ بالإيمان الجازم بجميع ما أخبر به الله عز وجل في كتابه الكريم وورد وصحَّ عن رسول الله ﷺ في سنَّته المطهَّرة، من علوم الغيب الَّتي لا يُدركُها العبد، سواءً ما تعلَّق منها بذات الله عز وجل، أو بأحكامه في خَلْقِه، مع التَّسليمِ لتلك الأخبار، وعدمِ التَّعرُّض لها بتحكيمِ العقل القاصر النَّاقص عليها.

ولمَّا بعُد بعضُ النَّاس عن كتاب الله الكريم وما صحَّ في سنَّة نبيِّه الأمين من تلكم العقائد الواضحة، وأخلدوا إلى عقولهم القاصرةِ وما تُمليه عليهم أفكارُهم الَّتي تأثَّرت بالفلسفات القديمة، أخذوا يحيدون عن الاعتقاد الصَّحيح الوسط يمينًا وشمالاً، فهنالك تفرَّقوا فرقًا، وتشتَّتوا أحزابًا ونِحَلاً، والحقُّ واحدٌ، والصِّراطُ مستقيمٌ لا اعوجاج فيه، فلم يُكلِّفْنا خالقُنا من الإيمانِ إلاَّ بما بلَّغه إيَّانا في شريعته المتمثِّلة في الكتاب الكريم والسُّنَّة الصَّحيحة المطهَّرة.

ولقد كان عصرُ النَّبيِّ ﷺ والقرنان من بعده ـ قرن الصَّحابة رضوان الله تعالى عليهم، وقرن التَّابعين ـ عصرًا صافيًا نقيًّا، مبدؤه الإيمانُ والتَّسليمُ بما أخبر الله به، اتَّفق فيه أهلُه وأطبقوا على عقيدة واحدةٍ سنِّيَّةٍ، لا اختلاف بينهم فيها ولا تشتُّت.

فلمَّا انقضى ذلك العصرُ الذَّهبي وتفتَّحَ النَّاسُ على قراءة ومعرفة ما عند غيرهم من الأمم من علومٍ ومعارف، انفتحت عقولُهم على تساؤلاتٍ واستشكالاتٍ تُجاه بعض الغيبيَّات الَّتي أمروا بالإيمان بها، فخاضوا فيها بالبحث والتَّحليل، فتفرَّقوا نِحَلاً على حسب تفرُّق واختلاف أفكارهم.

فلمَّا وقع الاختلافُ في الأمَّة في أبواب العقائد، لجأ بعضُ علماء السلف ـ ممَّن ثبت على السُّنَّة والحقِّ ـ إلى وضع كتبٍ في العقائد، بيَّنوا فيها للنَّاس العقيدةَ الصَّحيحةَ الَّتي كان عليها نبيُّهم ﷺ وأتباعُه، تبرئةً للذِّمَّة، ونصحًا للأمَّة.

واختلفت تلك المصنَّفات ما بين مطوَّلاتٍ ومختصراتٍ، وما بين مصنَّفاتٍ مسندةٍ وأخرى مجرَّدة؛ وبعضُها مطبوعٌ متداولٌ ولله الحمد، ويسَّر الله ظهورَ بعض ما فُقد منها.

وبين يديك أخي القارئَ الحريصَ على اتِّباعِ السُّنَّة عقيدةٌ مختصرةٌ، ألَّفها شيخٌ عالمٌ من علماء السَّلف، بيَّن فيها أصولَ الاعتقاد الصَّحيح، بعباراتٍ موجزةٍ أصيلةٍ؛ ابتدأها بذكر بعض أسماء الله عز وجل وصفاته، وما ينبغي أن يُنفى عنه ممَّا لا يليقُ بجلاله، ثمَّ ذكر الاعتقادَ الصَّحيحَ في القرآن الكريم وأنَّه كلامُ الله على الحقيقة، ثمَّ وضع المنهجَ الشَّرعيَّ المتَّبَع في الإيمان بصفات الله ، ثمَّ بيَّنَ حقيقةَ الإيمان والإسلام، ثمَّ كيفيَّةَ الإيمان بالقضاء والقدر، وبعد ذلك ذكر المصنِّف عقيدةَ أهل السُّنَّة في صحابة النَّبيِّ ﷺ، وفي الأخير أشار لبعض أحكام اليوم الآخر الَّتي يجب اعتقادها والجزم بها؛ فقد جمع المصنِّف رحمه الله في هذا الفصل الموجز مجملَ اعتقاد السَّلف وأصَّلَ لقواعده، فجزاه الله عن الإسلام خيرًا.

ومصنِّفُ هذه العقيدة ـ الَّذي لم نعثر على ترجمةٍ وافيةٍ له ـ هو:

شيخُ الإسلام أبو طاهر إبراهيم بن أحمد بن يوسف القرشي، وهو من أهل القرن الخامس الهجري حتمًا، وله أخٌ عالمٌ زاهدٌ محدِّثٌ معروفةٌ ترجمتُه وهو: شيخ الإسلام أبو الحسن علي بن أحمد بن يوسف السُّفياني القُرَشِي الهَكّاري(1)، المتوفَّى سنة 486هـ(2)، وقد نسبه مترجموه إلى الصَّحابيِّ الجليل أبي سفيان بن حرب رضي الله عنه، فمن هذه التَّرجمة نحصل على بعض ما يتعلَّقُ بصاحبنا أبي طاهر.

ولصاحبنا أبي طاهر رسالةٌ أخرى لها صلةٌ بالاعتقاد، توجدُ في «المجموع» المتضمِّنِ هذا الفصلَ الَّذي نقدِّمُ له، وهي: «فصلٌ في امتحان أحمد بن محمد بن حنبل رضي الله عنه مع أمير المؤمنين وقد سأله عن القرآن أهو مخلوقٌ أم منزَّل»، تبدأ من الورقة (157) من المجموع، وتنتهي إلى الورقة (161).

هذا ما نستطيع أن نذكره عن المصنِّف أبي طاهر القُرشي.

أمَّا عن الفصل الاعتقادي الَّذي نقدِّمُ له، فهو ـ كما ذُكر في النُّسخة ـ:

منقولٌ من كتاب «الهداية والإرشاد» للمصنِّفِ نفسِه، ويظهرُ أنَّه كتابٌ واسعٌ في الاعتقاد على طريقة السَّلف.

ونسختُه الخطِّيَّةُ محفوظةٌ ضمنَ مجموع نفيسٍ يحوي عدَّةَ مؤلَّفات في الاعتقاد، وهو معروفٌ عند طلبة العلم، وقد حُقِّقَتْ كثيرٌ من رسائله.

والمجموع محفوظ بمكتبة شهيد علي باشا الملحقة بالمكتبة السّليمانيَّة بإستانبول، ورقمُه هناك: (2763)؛ ويشغلُ الفصلُ المذكورُ فيه الورقتين: (82 ـ 83).

والنُّسخةُ مكتوبةٌ ـ كسائر رسائل «المجموع» ـ بخطٍّ نسخيٍّ متقَن على يد يوسف ابن محمد ابن يوسف الهكَّاري، وعليها سماعٌ للنَّاسخِ نفسِه مؤرَّخٌ سنة 669 هـ، ثمَّ سماعٌ سنة 679 هـ، ثمَّ آخر سنة 700 هـ.

وهذا نصُّ الفصل المذكور:

فصلٌ في بيان

اعتقادِ أهل الإيمان

من كتاب «الهداية والإرشاد»

تأليف:

الشَّيخ الإمام شيخ الإسلام أبي طاهر إبراهيم ابن أحمد بن يوسف القرشي رضي الله عنه

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم

لا إله إلا الله

* يجبُ على كلِّ مكلَّف أن يعتقد:

ـ أنَّ الله:

واحدٌ أحدٌ، فردٌ صمدٌ، ليس بوالدٍ ولا وَلَدٍ، ولا اثنان ولا عددٍ.

ولا شريك له ولا نظيرَ، ولا مُعينَ ولا مُشِيرَ، ولا حدَّ(3) ولا تقديرَ.

سميعٌ بصيرٌ، عالمٌ قديرٌ.

متكلِّمٌ من غير أداة(4)، عالٍ على جميع الجهات، قديمٌ بجميع الصِّفات، خالقٌ لسائر المُحدَثات.

مستوٍ على عرشه بائنٌ من كلِّ المخلوقات.

رحيمٌ غفورٌ، حفيظٌ شكورٌ، عليمٌ بما تُخفيه الضَّمائرُ والصدورُ.

ـ وأنَّ القرآنَ:

كلامُه، ووحيُه، وتنزيلُه، متلوًّا ومقروءًا ومحفوظًا ومكتوبًا.

ليس بخالقٍ ولا مخلوقٍ، ولا عبارةٍ عن المنطوق(5)، بل صفةٌ من صفاته على التَّحقيق، ومعجزةٌ على التَّصديق.

ـ وأنَّ جميع صفاتِه المذكورةِ في كتابِه والمرويَّةِ عن رسول الله ﷺ في تضاعيفِ خطابِه:

هي كما ذُكِرَتْ، تُمَرُّ كما جاءتْ، على ما وردتْ، من غير تأويلٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تحويل، بل يجبُ الإيمانُ بظاهرها، ولا يجوزُ السُّؤالُ عن كشف غامرِها(6).

ـ وأنَّ الإيمانَ:

قولٌ وعملٌ ونيّةٌ، يزيدُ بالطَّاعة وينقصُ بالمعصية، والإسلامُ خصلةٌ من خصاله، ينقصُ عن تمامه وكماله.

ـ وأنَّ الخيرَ والشَّرَّ من الله تعالى،

الخيرُ بقضائه وقدَرِه وحُكْمه، وإرادته ومشيئته، ورضائه ومحبَّته،

والشَّرُّ بقضائه وقدَرِه وحُكْمه، وإرادته ومشيئته، ليس بأمره(7) ولا برضائه ولا محبَّته(8)،

وما أصابَ العبدَ من ذلك لم يُخطِئْهُ، وما أخطَأَه لم يُصِبْه.

ـ وأنَّ خيرَ النَّاس بعد رسول الله ﷺ:

أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمَّ علي، رضي الله عنهم أجمعين.

ـ وحبُّ الصَّحابة ومُوالاةُ القرابة:

من واجباتِ السُّنَّة والفرائضِ المتعيِّنة، لم يتقدَّمْ من تقدَّمَ منهم ظلمًا وابتداعًا، بل كان رأيًا وإجماعًا، سلكوا سبيلَ الصَّادقين، وقاموا بأمره حتَّى أتاهم اليقينُ(9).

فمَثَلُهم كمَثَل النُّجومِ في السَّماء، بأيِّهم اقتدى المرءُ اهتدى(10).

ـ وأنَّ الله سبحانه يكشفُ عن وجهه يومَ القيامة، فيراه المؤمنون عِيانًا، ويُحجبُ عنه الجاحدون حِرْمانًا.

ـ وأنَّ الله سبحانه خلق الجنَّةَ والنَّارَ بحِكْمته، فجعل الجنَّةَ ثوابًا لأهل طاعته، وجعل النَّارَ عقابًا لأهل معصيته.

ـ وأنَّ الحوضَ المُكَرَّمَ به نبيُّنا ﷺ، والشَّفاعةَ لأهل الكبائر في القيامة حقٌّ.

ـ وسُؤالُ مُنْكَرٍ ونكيرٍ للعبد في القبر صِدْقٌ.

ـ والسَّاعةُ آتيةٌ لا رَيْبَ فيها.

ـ ويبعثُ الله أهلَ القبورِ على الحالةِ الَّتي ماتوا عليها(11).

فهذا بيانُ الأخبارِ المذكورةِ، والحكاياتِ المسطورةِ.

وهو اعتقادُ الصَّحابة والتَّابعين والعلماءِ المتقدِّمين، الَّذين فسَّروا غامضَ التَّنزيل، ونقلوا شريعةَ الرَّسول.

فمن تمسَّكَ به اهتدى، ومن حادَ عنه ضلَّ وارْتَدى(12).




(1) نسبةً إلى هكَّاريَّة، وهي قبيلة من الأكراد تعيش في بعض قرى الموصل.

(2) له ترجمة في: «الأنساب» للسَّمعاني (5 /645)، و«سير أعلام النُّبلاء» (1 /67 ـ 69).

(3) معناه أنَّ ذات الله ـ جلَّ وعلا ـ وصفاتِه لا يستطيعُ العبادُ أن يحدُّوها بحدٍّ أو يقدِّروها بقدر ولا يبلغون أن يصفوا ذلك، وهذا لا ينافي أنَّ الله تعالى في نفسه له حدٌّ يعلمه هو لا يعلمه غيره، وبهذا يجمع بين الاختلاف الواقع في كلام بعض علماء السَّلف في إثبات الحدِّ لله ونفيه عنه.

انظر: «بيان تلبيس الجهميَّة» (2 /628 ـ 629) وغيره من مؤلَّفات شيخ الإسلام.

(4) هذا من العبارات الَّتي زادها بعضُ علماء السَّلف للتَّوضيح.

(5) إشارةٌ من المصنِّف إلى المذهب الباطل القائل بأنَّ القرآن عبارةٌ عن كلام الله تعالى.

(6) أي: لا يجوز السُّؤال عن كيفيَّتها.

(7) أي: أمره الدِّيني الشَّرعي.

(8) لقوله تعالى: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ}[الزُّمَر:7].

(9) يعني: الموت، لقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين}[الحِجر:99].

(10) إشارة إلى الحديث المرويِّ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ»، وهو حديث موضوع مكذوب، ومعناه باطل، انظر: «السِّلسلة الضَّعيفة» (1 /151 ـ 152).

(11) لحديث جابر مرفوعًا: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» رواه مسلم (2878).

(12) كتب النَّاسخ بعد ذلك: تمَّ بحمد الله ومنِّه، وصلواته على محمَّد وآله.

 

* منقول من مجلة الإصلاح « العدد 10»