أنت هنا:الحديث وعلومه»رفع العلم وذهابه

رفع العلم وذهابه

  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 163 مرة

 

عن أَنَسٍ رضي الله عنه أنَّه قَالَ: لأُحَدِّثَنَّكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ لاَ يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ:

«إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا».

أخرجه البخاري (80، 81، 5231، 5577، 6808)، ومسلم (2671)، والتِّرمذي (2205)، وابن ماجه (4045)، وأحمد (11944، 12527، 12806، 13095)، وأبو يعلى (3085).

ومثله قول النَّبيِّ ﷺ:

«إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لأَيَّامًا، يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الهَرْجُ» وَالهَرْجُ: القَتْلُ»(1).

***

وقد تنوَّعت عبارة «رفع العلم» في هذا الحديث وغيره، فهنا جاءت  بلفظ: «يرفع العلم»، و«يقلُّ العلم»، وجاء في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه «يُقبض العلم»(2)، وفي حديث أبي الدَّرداء «يُختَلَسُ العلم» ـ كما سيأتي ـ، وفي حديث أبي هريرة «وينقصُ العلم»(3)، وفي المقابل «ويَثبُت الجهل»، وفي لفظ: «يَنزل الجهل»، و«يكثُر الجهل»، و«يَظهَر الجهل».

فرَفْع العلم وقلَّتُه ونقصُه وظهور الجهل وتفشِّيه وكثرته وثُبوته علامةٌ من علامات قُرب السَّاعة وشَرطٌ من أَشْرَاطها، ولا ريبَ أنَّ المراد بالعلم في هذا الموطن العلم بالوحي أي بالكتاب والسُّنَّة، والعلم بأحكام الدِّين أصوله وفروعه، وهو العلم الَّذي يورث خشيةَ الله لا غير؛ لذلك لـمَّا يرفع هذا العلم يخلفُه الجهل الَّذي يزيل خشيةَ الله من القلوب، ويجرُّ النَّاس إلى أنواع من الذُّنوب العظيمة والجَرائم الغليظة كالقتل والزِّنا وشُرب الخمور ونحوها.

وقد يستشكل بعض النَّاس معنى هذا الحديث مع قوله ﷺ: «...وَإِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَكْثُرَ التُّجَّارُ، وَيَظْهَرَ القَلَمُ»(4)؛ والحقيقة أنَّه لا تعارض بينهما؛ لأنَّ معنى هذا الحديث أن تنتشر وسائل العلم من الكتابة والقراءة ويتمكَّن النَّاس منها تمكُّنًا عظيمًا، ويفشو بينهم القلم وهذا لا يعني أبدًا فشُوَّ العلم الصَّحيح النَّافع، كما هو ظاهرٌ اليوم من تنوُّع هذه الوسائل من أقلام من مختلف الأشكال والأنواع والألوان وصولاً إلى الأقلام الإلكترونيَّة وأجهزة الإعلام الآلي والطِّباعة ونحوها.

قال ابنُ عبد البرِّ في «التَّمهيد» (17/ 297): «أَمَّا قولُه في هذَا الحديثِ «وَفُشُوَّ القَلَمِ» فَإِنَّهُ أرادَ ظُهور الكِتاب، وكثرةَ الكُتَّاب».

فهذا الخبر يمكن عدُّه من جملة دلائل النُّبوَّة، فالكمُّ الهائل الَّذي تدفع به المطابع يوميًّا من الصُّحف والكتب والمجَلات ناهيك عن النُّسخ الإلكترونيَّة يُنبئ عن كثرة الكتَّاب وكثرة المكتوب، ممَّا يوحي بانحسار الأمِّيَّة وانتشار القِراءة والكتابة بين النَّاس، وهو معنى «ظهور القلم وفشوُّه»؛ لكن هذا لا يَلزم منه ظهور العلم وفشوَّه؛ لأنَّ هذا المكتوب والمقروء غالبه لا يحمل علمًا نافعًا، وجلُّه لا يحوي في مادَّته أثرًا من آثار الرِّسالة النَّبويَّة.

***

وقد جعل اللهُ تعالى لرفع هذا العلم بينَ النَّاس وإحلال الجهل محلَّه أسبابًا وطرقًا.

قال ابنُ العربي: «وأمَّا ذهابُ العلم، قال المشيَخَةُ: فيكونُ بوجُوه، إمَّا بمحوِه من القلوب، وقد كانَ في الَّذين من قبلنا، ثمَّ عصَمَ اللهُ هذه الأمَّة، فذهابُ العِلم منها بمَوت العُلماء.

وقد قال جماعةٌ منَ النَّاس: إنَّ ذهابَ العلم يكونُ أيضًا بذهاب العَمل به، فيحفَظون القُرآن ولا يعمَلون به فيذهب العلم...

والَّذي عندِي أنَّ الوجُوه الثَّلاثة في هذه الأمَّة، فقَد يُذنب الرَّجُل حتَّى يُذْهِبَ ذنبُه علمَه، وقد يقرؤه ولا يعمَل به، وقَد يُقْبَضُ بعلمِه فلا ينتَفعُ أحدٌ به، أو يُمنَع من بثِّه فيذهَب لوقتِه»(5).

رفع العلم وذهابُه بمَوت العُلماء:

عن عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إِنَّ الله لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(6).

قال ابن بطَّال: «وإنَّما يكونُ قبضُ العِلم بتَضييع التَّعلُّم فلا يُوجَد فيمَن يبقَى مَن يخلُف مَن مضى»(7).

ومن أزمان بعيدةٍ متقدِّمةٍ والعُلماء يؤكِّدون تحقُّقَ معنى هذا الحديث، ففي «عمدة القاري» للعيني (2/ 83): «قَال القاضي عِياض: وَقد وجد ذَلك في زماننَا، كما أخبر بهِ عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلام؛ قالَ الشَّيخ قطب الدِّين: قلتُ: هَذَا قَوْلُه مَعَ توفُّر العلمَاء في زمانه، فكيفَ بزماننا؟ قَالَ العَبد الضَّعيف(8): هَذَا قَوله معَ كَثْرة الفُقَهاء والعُلَماء من المذَاهب الأَربعَة والمحدِّثين الكبَار في زمَانه، فكيف بزماننا الَّذي خَلَت البلاد عَنْهُم، وتصدَّرت الجُهَّال بالإفتاء والتَّعيُّن في المجالِس والتَّدريس في المدارِس؟ فنسألُ السَّلامَة والعافية».

ولا جرمَ أنَّ موتَ العلماء نقصٌ في الدِّين، وعلامة لحلول البَلاء المبين، لهذا قال الحَسن البَصري: «كَانُوا يَقُولُونَ: مَوْتُ العَالِم ثُلْمَةٌ في الإسْلام لا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ»(9)، فلا يزالُ النَّاس في خيرٍ وعافيةٍ وصلاحٍ مَا بَقِيَ العالم بينَ أظهرهم حَتَّى يُتَعَلَّمَ منه، فَإِذَا هَلَكَ قَبْلَ أَنْ يُتَعَلَّمَ منه هَلَكَ النَّاسُ، فقد سئل سَعِيد بن جُبَيْرٍ: مَا عَلامَةُ هَلاكِ النَّاسِ؟ قَالَ: «إِذَا هَلَكَ عُلَمَاؤُهُمْ»(10)، فالعُلماء لا يعوِّض مكانهم الخطباء ولا الوعَّاظ ولا الدُّعاة ولا أنصافُ العلماء، ولا يمكن أن يحلَّ محلَّهم ويستلم وظيفتَهم الأحزاب ولا الجمعيَّات ولا التَّكتُّلات، فمكانة العالم ومنزلتُه الَّتي بوَّأه الله إيَّاها لا يملؤُها عند ذهابِه إلاَّ عالمٌ مثلُه. 

فنهيبُ بكلِّ مَن يرى من نفسه أهليَّةً أن يتوجَّه إلى طلب العلوم الشَّرعية بنَهم وشَرَهٍ دون كلل أو ملل، ويسعى ليبلغ فيها مبلغًا عظيمًا ويكونَ من أوعية العلم الَّذين يَدرأ اللهُ بهم الهلاكَ عن الأمَّة، كما أنَّ مَن حمل علمًا فعليه أن ينشُره في النَّاس ويبثَّه بينهم ولا يتأخَّر، ومِن دقيق فقه الإمام البخاري رحمه الله أنَّه لـمَّا بوَّب لحديث أنس رضي الله عنه: بابُ رفعِ العلم وظهورِ الجهل؛ قال بعده: وقال ربيعةُ: «لاَ ينبغي لأحدٍ عنده شيءٌ من العلم أن يُضيِّع نفسَهُ»، وفي معنى هذه الكلمة قولان حكاهما النَّووي رحمه الله: «أحدهما: معناه مَن كانت فيه نجابةٌ في العِلم وحصَّل طَرفًا منه، وظهرَت فيه أماراتُ التَّبريز فيه، فينبغي له أن يجتَهد في تتمَّته ولا يضيِّع طَلَبَه فيضيِّع نفسَه.

والثَّاني: معناه مَن حصَل له العِلم ينبغي له أن يسعَى في نشرِه مبتغيًا به رضَى الله تعالى، ويُشِيعه في النَّاس لينتَقل عنه، وينتفعَ به النَّاس وينتفِعَ هُو، وينبغي أن يَرفُقَ في نشرِه بمَن يأخذُه منه، ويسهِّل طُرُقَ أخذِه ليكونَ أبلغَ في نصيحة العِلم، فإنَّ الدِّين النَّصيحة»(11).

وإنَّ طلبَ العلم ونشره من أفضل القُربات، ولهذا لـمَّا قِيلَ لِعَبْدِ الله بنِ المبَارَكِ: «لو قيل لك لمْ يبقَ منْ عمُرك إلاَّ يومٌ ما كنت صانعًا؟ قال: كنتُ أُعَلِّمُ النَّاسَ»(12).

وعلى مَن لم يكن عالـما أو طالبَ علم أن يكونَ محبًّا للعلم وأهلِه، ويفتخر بالانتظام في سِلكهم ويتشرَّف بالانتساب إليهم، وأن يحمل همَّ إيجاد العالم في الأمَّة، فيسعى بكلِّ ما أوتي من وسائل مشروعة لإيجاده وتيسير الطَّريق لطلبة العلم الجادِّين الَّذين يُتَوسَّم فيهم الخير ليبلغوا مُرادَهم منَ العلم، ويكونوا علماء همُّهم نَشر العلم وبثّه، ورفع الجهل وتقليله، ليُحفظ لهذه الأمَّة كرامتها وخيريتها، وأن يكون هذا التَّصوُّر مغروزًا في قلوبنا، ومستوليًا على أفكارنا إن أردنا عزًّا وسعادةً وتمكينًا، قالَ الزُّهرِيُّ رحمه الله: «كان مَنْ مضى منْ علمائِنا يقولون: الاعتصامُ بالسُّنَّةِ نجاةٌ، والعلمُ يُقبَضُ قبضًا سريعًا، فنَعْشُ العِلمِ ثَبَاتُ الدِّينِ والدُّنيا، وذهابُ ذلك كُلِّه في ذهابِ العِلمِ»(13)، ونعشُ العلم أي وجودُه وانتشارُه وكثرتُه، ولا يتمُّ ذلك إلاَّ بالعُلماء.

رفع العلم وذهابُه بعَدم العَمل به:

عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: هَذَا أَوَانُ يُخْتَلَسُ العِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لاَ يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ؛ فقال زِيَادُ بنُ لَبِيدٍ الأنصاريُّ: كيف يُختلَسُ منَّا؛ وقد قرأنا القرآن؟ فوالله لنقرأنَّهُ ولنُقْرِئَنَّهُ نساءنا وأبناءنا، فقال: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا زِيَادُ، إنْ كنتُ لأعُدُّك من فقهاء أهل المدينةِ؛ هذه التَّوراة والإنجيل عند اليهود والنَّصارى، فماذا تُغْنِي عنهم؟

قال جُبَيْرٌ: فلَقِيتُ عُبادةَ بنَ الصَّامت، قلتُ: ألاَ تَسمعُ إلى ما يقول أخوك أبو الدَّرداءِ؟ فأخبرتهُ بالَّذي قال أبو الدَّرداءِ؛ قال: صدق أبو الدَّرداءِ، إنْ شِئْتَ لأُحَدِّثَنَّكَ بأوَّل علم يُرفَعُ من النَّاسِ؟ الخشوعُ، يُوشِكُ أن تدخلَ مسجدَ جماعةٍ فلا ترى فيه رجُلاً خاشعًا»(14).

قال ابنُ رجب رحمه الله في «جامع العلوم والحكم» (2/ 299 ـ 300): «وإنَّما قال عُبادة هذا؛ لأنَّ العلمَ قِسمان:

أحدهما: ما كانَ ثمرتُه في قلبِ الإنسان، وهُو العلمُ بالله تعالى وأسمائه وصفاتِه وأفعالِه المقتَضِي لخشيتِهِ، ومهابتِه، وإجلالِه، والخضوع له، ولمحبَّتِه، ورجائهِ، ودعائه، والتَّوكُّل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلمُ النَّافع، كما قال ابنُ مسعود: «إنَّ أقواماً يقرأون القُرآن لا يُجاوُزِ تَراقيهم، ولكن إذا وقَعَ في القلب، فرسَخ فيه نَفَع»(15).

وقال الحسنُ: «العلمُ عِلمان: علمٌ على اللِّسان، فذاك حُجَّةُ الله على ابن آدم، وعلمٌ في القَلب، فذاك العلم النَّافع»(16).

والقسمالثَّاني: العلمُ الَّذي على اللِّسَانِ، وهو حجَّةُ الله كما في الحديث: «القُرآن حجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ»(17)، فأوَّلُ ما يُرفعُ مِنَ العلم، العلمُ النَّافع، وهو العلم الباطنُ الَّذي يُخالِطُ القلوبَ ويُصلحُها، ويبقى علمُ اللِّسان حجَّةً، فيتهاونُ النَّاسُ به، ولا يعمَلون بمقتَضَاه، لا حَمَلَتُه ولا غيرُهم، ثمَّ يذهبُ هذا العلم بذهاب حَمَلتِه، فلا يبقى إلاَّ القُرآن في المصاحف، وليسَ ثَمَّ مَن يعلمُ معانيه، ولا حدودَه، ولا أحكامَه، ثمَّ يُسرى به في آخر الزَّمان، فلا يبقى في المصاحف ولا في القُلوب منه شيءٌ بالكلِّيَّةِ، وبعد ذلك تقومُ السَّاعة، كما قال ﷺ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ عَلَى شِرَارِ النَّاس»(18)، وقال: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ وَفِي الأَرْضِ أَحَدٌ يَقُولُ: الله الله»(19).

وقال القرطبي: «وأمَّا قلَّةُ العِلم وكثرةُ الجَهل فذلكَ شائعٌ في جميع البلادِ ذائعٌ، أعني برفْع العِلم وقلَّتِه: تركَ العَمل به»(20).

ولهذَا قيلَ: «مَنْ عَمِلَ بما عَلِمَ أوْرثَهُ اللهُ عِلْمَ ما لمْ يَعْلَمْ»، وعليه؛ فلا يجب أن تتوجَّه العناية إلى القرآن بحفظه في الصُّدور وإقامة حروفِه وحسن قراءتِه وتجويده، ثمَّ نغفل تدبَّر آياته، وفَهم معانيه، والعَمل بأحكامِه، فـ«إنَّ مجرَّدَ بقاءِ حِفظِ الكتابِ لا يُوجِبُ هذا العلمَ، لا سِيَّما أنَّ القُرآنَ يَقْرَؤُهُ المنافقُ والمؤمنُ، ويقرَؤُهُ الأُمِّيُّ الَّذي لا يعلَمُ الكتابَ إلاَّ أمَانيَّ»(21)، فالسَّبيل إلى حفظِ العلم وتثبيته هو العمل به كما قال جلَّ ذكره: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾[النساء:66].

 

رفع العلم وذهابُه بمحوه من الصُّدور:

إنَّ اللهَ تعالى تكفَّل بحفظ كتابه، ولن تَصل يدُ التَّبديل والتَّحريف إلى حروفِه أبدًا إلى أن تأتي ليلةٌ يُرفع فيها القرآنُ إلى السَّماء ويُمحى من الصُّدور والسُّطور، فلا يبقى منه في الصُّدور كلمة، ولا في المصاحف منه حرف.

ومصداق هذا ما جاء عن حُذيفةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «يَدْرُسُ(22)الإِسْلامُ كَمَا يَدْرُسُ وَشْيُ الثَّوْبِ، حَتَّى لا يُدْرَى مَا صِيَامٌ، وَلا صَلاةٌ، وَلا نُسُكٌ، وَلا صَدَقَةٌ، وَلَيُسْرَى عَلَى كِتَابِ الله عَزَّ وَجَلَّ في لَيْلَةٍ، فَلا يَبْقَى في الأَرْضِ مِنْهُ آيَةٌ، وَتَبْقَى طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ الشَّيْخُ الكَبِيرُ وَالعَجُوزُ، يَقُولُونَ: أَدْرَكْنَا آبَاءَنَا عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ «لا إِلَهَ إِلاَّ الله» فَنَحْنُ نَقُولُهَا»(23).

وهذا يكون في آخر أيَّام الدُّنيا بعدَ موتِ عيسى عليه السلام(24).

قال ابن كثير في «البداية والنِّهاية» (19/ 44): «وَهَذَا دَالٌّ عَلَى أنَّ العلم قَد يُرفع من صدور الرِّجال في آخِرِ الزَّمانِ حَتَّى إنَّ القُرآنَ يُسْرَى عليه فيرفع من المصاحف والصُّدور، ويبقى النَّاس بلا علم ولا قرآن، وإنَّما الشَّيخ الكبير والعجوز المسنَّةُ يُخبران بأنَّهم أدركُوا النَّاسَ وهم يقولون لا إله إلاَّ الله، فهم يقولونها أيضًا على وجه التَّقرُّب بها إلى الله عَزَّ وَجَلَّ فهي نافعةٌ لهم، وإن لم يكن عندهم من العمل الصَّالح والعلم النَّافع غيرُها...».

وجاء تقرير هذا المعنى عن بعض الصَّحابة كابن مسعود وحذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهم، ولا ريب أنَّ حديثهم له حكم الرَّفع؛ لأنَّ أمور الغيب لا تعرف بالرَّأي، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «يُسْرَى على كتاب الله فيُرفعُ إلى السَّماء، فلا يُصبح في الأَرْضِ آيةٌ من القرآن ولا من التَّوراة والإنجيل ولا الزَّبور، ويُنْتَزَعُ من قلوب الرِّجال فيُصْبِحُونَ ولا يدرون ما هو»(25) .

ولهذا جرى على لسان أهل السُّنَّة قديمًا عبارة: «القُرْآنُ كَلامُ الله مِنْهُ بَدَأَ وإليه يَعُودُ»؛ وأفرد الضِّياء المقدسي (643هـ) جزءًا سمَّاه «اختصاص القرآن بعَوْدِه إلى الرَّحمن الرَّحيم» وهو مطبوعٌ متَداول. 

وفي الأخير يحسن بنا أن ندعو كلَّ من يقف على هذه الكلمة أن لا يتأخَّر ولا يتوانى في طلب العلم النَّافع الَّذي يعرِّفُه ربَّه وأحكامَ شريعته من العلماء، وينشر ما أمكنه منه بين أهله وذويه وأقربيه قبل أن يُرفع ولا يبقى منه شيءٌ؛  قال ابن مسعود رضي الله عنه: «يا أيُّها النَّاسُ! عليكم بالعلم قبل أن يرفع، فإنَّ من رفعه أن يقبض أصحابُه، وإيَّاكم والتَّبَدُّعَ والتَّنَطُّعَ، وعليكم بالعتيق، فإنَّه سيكون في آخر هذه الأمَّة أقوامٌ يزعُمون أنَّهم يدعون إلى كتاب الله، وقد تركوه وراء ظهورهم»(26).



(1) رواه البخاري (7062) من حديث ابن مسعود وأبي موسى رضي الله عنهما.

(2) رواه البخاري (85).

(3) «صحيح مسلم» (157) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(4) أخرجه الطيالسي (1267)، وأحمد (39/ 519)، والنَّسائي (4456) ـ وعنده «العِلم» بدل «القلم» وهو تصحيف ـ، وابن البختري (40، 467)؛ وانظر «الصَّحيحة» (647، 2767).

(5) «عارضة الأحوذي» (10/ 120ـ121).

(6) رواه البخاري (100)، ومسلم (2673).

(7) «شرح ابن بطال على صحيح البخاري» (1/ 177).

(8) أي الحافظ العيني.

(9) رواه الدَّارمي (333) بإسناد صحيح.

(10) رواه الدارمي (247)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (1023).

(11) «بستان العارفين» (ص40)، وانظر: «فتح الباري» (1/ 178).

(12) رواه البيهقي في «المدخل إلى السُّنن» (473).

(13) رواه ابن المبارك في «الزُّهد» (817)، والدَّارمي (97) بسند صحيح.

(14) أخرجه التِّرمذي (2653)، والحاكم (1/ 179) وصحَّحه ووافقه الذَّهبي، والألباني في «صحيح الجامع» (6990).

(15) أخرجه مسلم (822).

(16) أخرجه الدَّارمي (376).

(17) أخرجه مسلم (223) من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.

(18) أخرجه مسلم (2949) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

(19) أخرجه مسلم (148) من حديث أنس رضي الله عنه.

(20) «التَّذكرة» (ص 1241) ط دار المنهاج ـ الرياض.

(21) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (18/ 304).

(22) أي يذهب.

(23) أخرجه ابن ماجه (4049)، والحاكم (4/ 520) وصحَّحه وأقرَّه الذَّهبي، وقوَّى إسناده الحافظ في «الفتح» (13/ 16)، وصحَّحه الألباني في «الصَّحيحة» (87).

(24) «التذكرة» (ص1261).

(25) أخرجه الحاكم (4/ 552) وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ» ووافقه الذَّهبي.

(26) أخرجه البيهقي في «المدخل» (388).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 24»