أنت هنا:القرآن وعلومه»فاتحة العام الجديد مع فاتحة الكتاب المجيد

فاتحة العام الجديد مع فاتحة الكتاب المجيد

  • لزهر سنيقرة
تم قراءة المقال 3631 مرة

 

الحمد لله الَّذي أعزَّنا بالإسلام وشرَّفنا بالانتساب إلى ملَّة خير الأنام، نبيِّنا محمَّد خاتم الرُّسل والأنبياء العِظَام، الَّذي قال: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ وَقَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ»(1).

إنَّ خير ما نفتتح به عامنَا الجديد ما افتتح الله به كتابه, فقد افتتحه بسورة الفاتحة ترتيبًا لا نزولاً، وهي السَّبع المَثَانِي، نزلت من فوق سبعِ سموات فيها كلّ أحرف العربية إلاَّ سبعة أحرف، وتتألَّف لفظة الفاتحة من سبعة أحرف، وهذا أخذًا من معناها كما قال الشوكاني: «معنى الفاتحة في الأصل أوَّل ما من شأنه أن يبدأ به، ثمَّ أطلقت على أوَّل كلِّ شيء، وقال البخاري(2): «وَسُمِّيَتْ أُمَّ الكِتَابِ: أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي المَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلاَةِ».

 موضوعنا يتعلَّق إذًا بأعظم سورة في القرآن, في بيان فضلها، وعظم قدرها, ومنزلتها، وما حوته من المعاني الجليلة، والفوائد العظيمة، روى أحمد رحمه الله في «مسنده» عن أبي سعيد بن المُعَلَّى رضي الله عنه قال: كنت أصلِّي فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه حتَّى صلَّيت وأتيته، فقال: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟»، قال: قلت: يا رسول الله! إنِّي كنت أصلِّي، قال: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾[الأنفال:24]، ثمَّ قال: «لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ»، قال: فأخذ بيدي، فلمَّا أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنَّك قلت: «لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ»، قال: «نَعَمْ، ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هِيَ: السَّبْع المَثَانِي وَالقُرْآن العَظِيم الَّذِي أُوتِيتُهُ».

﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين أمُّ القرآن وأمُّ الكتاب، تدور حول ثلاثة محاور رئيسَة مهمَّة:

المحور الأوَّل: التَّعريف بالله تعالى، وذلك في قوله تعالى : ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمـنِ الرَّحِيم * مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين، ونتيجة هذا المحور هي أنَّه إذا عرف الإنسان ربَّه اتَّجه إلى عبادته بالبداهة؛ لأنَّ البشر إنَّما خلقوا للعبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون[الذاريات:56].

المحور الثاني: توجيه العبادة له وحده عزَّ وجلَّ وعدم الالتفات إلى ما سواه، وهذا المحور يتمثل في قوله تعالى : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين.

المحور الثالث: توضيح أنَّ العبادة أشمل من أن تكون مجرَّد شعائر وتتمثل في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين.

* من فضلها أنَّ الله خصَّها عند نزولها بما لم تخصَّ به سورةٌ من القرآن, فقد روى مسلم في «صحيحه» (806), عن ابن عبَّاس قال : «بَيْنَما جبريل قاعدٌ عند النَّبيِّ ﷺ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب فُتِحَ من السَّماء فتح اليوم فنزل منه ملكٌ، فقال: هذا ملَكٌ نزل إلى الأرض لم ينزل قطُّ إلاَّ اليوم، فسلَّم وقال: «أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لم يُؤْتَهِمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ، فَاتِحَة الكِتَابِ وَخَوَاتِيم سُورَةِ البَقَرَةِ, لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُما إلاَّ أُعطِيتَهُ».

وهي كما قال ابن القيِّم:

الشِّفاء التَّام والدَّواء النَّافع والرُّقية التَّامَّة، ومفتاح الغِنَى والفلاح,حافظة القوَّة ودافعة الهمِّ والغمِّ, والخوف والحزن لمن عرف مقدارها وأعطاها حقَّها وأحسن تنزيلها على دائه وعرف وجه الاستشفاء والتَّداوي بها.

ولمَّا وقع بعض الصَّحابة على ذلك رقى بها اللَّديغ فبرأ لوقته، فقال له النَّبيُّ ﷺ: «وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ».

ولعظم قدرها وشرف منزلتها فُرِضَت علينا في كلِّ ركعة من رَكعات صلواتنا, بل هي من أركانها الَّتي لا تصحُّ الصَّلاة إلاَّ بها  لقوله ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ».

فمن قرأ بها  ووافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدَّم قال ﷺ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ آمين وَالمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»(3).

وممَّا جاء في فضلها, ما رواه مسلم (395) عن أبي هريرة رضي الله عنه: «قال الله تعالى: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَالعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين، قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم، قَالَ اللهُ: أَثنَى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين، قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين، قَالَ اللهُ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين، قَالَ اللهُ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».

يدلُّ على أنَّ الله يستمع لقراءة المصلِّي حيث كان مناجيا له، ويردُّ عليه جواب ما يناجيه به كلمةً كلمةً.

فأوَّل الفاتحة حمدٌ، ثمَّ ثناءٌ، وهو تثنية الحمد وتكريره، ثمَّ تمجيد، وهو الثناء على الله بأوصاف المجد والكبرياء والعظمة. 

فقول الله في بدايتها ﴿بِسْمِ الله: أي أبتدئ بكلِّ اسم لله تعالى؛ لأنَّه لفظ اسم مفرد ومضاف فيعمُّ جميعَ أسماء الله تعالى، وأسماء الله كلُّها حسنى تدلُّ على عظمته وجلاله.

والجار والمجرور متعلِّق بمحذوفٍ متأخِّرٍ يقدَّرُ بما يناسب، والتَّقدير: باسم الله أقرأ، والباء للاستعانة.

﴿الله: اسم الله الخاصّ به، أي: «المألوه»، ومعناه: المعبود محبَّةً وتعظيمًا.

﴿الرَّحْمـَنِ الرَّحِيم: الرَّحمن ذُّو الرَّحمة الواسعة، والرَّحيم الموصل رحمته إلى من شاء.

﴿الْحَمْدُ للّهِ: لم يذكر له هنا ظرفًا زمانيًّا ولا مكانيًّا، أما المكان فمثل قوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُون[الروم:18]، وأمَّا الزَّمان فمثل قوله: ﴿وَهُوَ الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ[القصص:70].

﴿الْحَمْدُ: «أل» للاستغراق، تستغرق جميع المحامد، وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به، وهو الاعتراف للمعبود بصفات الكمال مع محبَّته وتعظيمه(4).

﴿رَبِّ الْعَالَمِين: «ربُّ العالمين»: خالقهم والمدبِّر لشؤونهم، «العالمين»: كلُّ ما سوى الله، ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِين * قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا[الشعراء:23-24].

قال بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة؛ لأنَّ وجود العالم علامةٌ على وجود خالقه متَّصفًا بصفات الجلال والكمال.

﴿مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين: قرِئ «مِلك»، و«مالك»، و«ملْك» بسكون اللاَّم، و«مَلَكَ» بصيغة الفعل، وقد اختلف العلماء أيُّما أبلغ: مِلك، أو مالك؟ فقيل: إنَّ ملكَ أعمُّ، وأبلغ من مالك، إذ كلّ ملك مالك، وليس كلّ مالك ملكًا، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتَّى لا يتصرّف إلاَّ عن تدبير الملك، قاله أبو عبيد، والمبرّد، ورجَّحه الزَّمحشري.

وقيل: مالك أبلغ؛ لأنَّه يكون مالكًا للنَّاس، وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرُّفًا، وأعظم.

وقال أبو حاتم: إنَّ مالكًا أبلغ في مدح الخالق من ملك، وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك؛ لأنَّ المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكًا كان ملكًا.

و﴿يَوْمِ الدِّين: يوم الجزاء من الرَّبِّ سبحانه لعباده كما قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّين * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّين * يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه[الانفطار:17-19] وهذه الإضافة إلى الظَّرف على طريق الاتِّساع، كقولهم: «يا سارق اللَّيلة أهل الدَّار».

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ: إشارة إلى تحقيق معنى «لا إله إلاَّ الله» المركَّب من:

النَّفي: خلع جميع المعبودات من غير الله عزَّ وجلَّ في جميع أنواع العبادات.

والإثبات: إفراد ربِّ السَّموات والأرض بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع.

أيّ لا نعبد إلاَّ إيَّاك.

و«العبادة»: هي التَّذلُّل للمعبود محبَّةً وتعظيمًا؛ بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين: أي لا نطلب  العون إلاَّ منك وحدك؛ لأنَّ الأمر كلَّه بيدك، فيه إشارةٌ إلى التَّوكُّل عليه ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ[هود:123].

قال ابن القيِّم ـ رحمه الله تعالى ـ: فهذه الأمور الثلاثة أصلُ سعادة العبد وفلاحه، وهي معنى قول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين * اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم، فأسعد الخلق أهلُ العبادة والاستعانة، والهداية إلى المطلوب، وأشقاهم من عدم هذه الأمور الثلاثة.

ومنهم من يكون له نصيب من ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ.

فالأوَّل: من معنى ألوهيَّته، والثاني: من معنى ربوبيَّته، فإنَّ الإله هو الَّذي تؤلهه القلوب، محبَّة وتعظيمًا وإنابةً وإجلالاً وإكرامًا...

والرَّبُّ هو الَّذي يربِّي عبده، فيعطيه خلقه، ثمَّ يهديه إلى مصالحه، فلا إله إلاَّ هو، ولا ربَّ سواه، وربوبيَّة غيره أبطل الباطل!

ثمَّ قوله: ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم يتضمَّن طلب الهداية، ممَّن هو قادر عليها وهي بيده إن شاء أعطاها عبده وإن شاء منعه إيَّاها، و«الهداية»: معرفة الحقِّ والعمل به، فمن لم يجعله الله عالمًا بالحقِّ عاملاً به لم يكن له سبيلٌ إلى الاهتداء.

فهو سبحانه المتفرِّد بالهداية الموجبة للاهتداء، الَّتي لا يتخلَّف عنها ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ[القصص:56]، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم[الشورى:52]، فهذه هداية الدَّعوة والتَّعليم والإرشاد.

المراد بالصِّراط: الصِّراط المعنوي، وهو دين الله تعالى؛ لأنَّه يوصل إليه وإلى دار كرامته.

﴿أَنعَمتَ عَلَيهِمْ: أتممتها عليهم، وهي الإحسان إليهم بهدايتهم الصِّراط المستقيم.

لم يبيِّن الله عزَّ وجلَّ هنا من هؤلاء الَّذين أنعم عليهم، وبيَّن ذلك في قوله تعالى: ﴿فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا[النساء:69].

ولمَّا كان تمام النِّعمة على العبد إنَّما هو بالهدى والرَّحمة، كان لها ضدَّان: الضَّلال والغضب.

فأمرنا سبحانه أن نسأله كلَّ يوم وليلة مرَّات عديدة أن يهدينا صراط الَّذين أنعم عليهم، وهم أولو الهدى والرَّحمة، ويجنِّبنا طريق المغضوب عليهم «وهم ضدّ المرحومين»، وطريق الضَّالين «وهم ضدّ المهتدين».

ولهذا كان هذا الدُّعاء من أجمع الدُّعاء وأفضله وأوجبه.

 قال شيخ الإسلام: والصِّراط المستقيم قد فُسِّر بالقرآن وبالإسلام وطريق العبودية، وكلّ هذا حقٌّ، فهو موصوف بهذا وبغيره، فالقرآن مشتمل على مهمَّات وأمور دقيقة ونواهٍ وأخبار وقصص وغير ذلك، إن لم يهد الله العبد إليها فهو جاهل بها ضالٌّ عنها، وكذلك الإسلام وما اشتمل عليه من المكارم والطَّاعات والخصال المحمودة، وكذلك العبادة وما اشتملت عليه.

فحاجة العبد إلى سؤال هذه الهداية ضروريَّة في سعادته ونجاته وفلاحه، بخلاف حاجته إلى الرِّزق والنَّصر، فإنَّ الله يرزقه، فإذا انقطع رزقه مات، والموت لابدَّ منه، فإذا كان من أهل الهداية كان سعيدًا قبل الموت وبعده وكان الموت موصلاً إلى السَّعادة الأبديَّة، وكذلك النَّصر إذا قدر أنَّه غُلِب حتَّى قتل فإنَّه يموت شهيدًا وكان القتل من تمام النِّعمة، فتبيَّن أنَّ الحاجة إلى الهدى أعظم من الحاجة إلى النَّصر والرِّزق، بل لا نسبة بينهما؛ لأنَّه إذا هدي كان من المتَّقين ومن يتَّق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، وكان ممَّن ينصر الله ورسوله، ومن نصر الله نصره الله وكان من جند الله وهم الغالبون، ولهذا كان هذا الدُّعاء هو المفروض.

﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ ...: وهم اليهود والنَّصارى.

واليهود والنَّصارى وإن كانوا ضالِّين جميعًا مغضوبًا عليهم، فإنَّ الغضب خصَّ به اليهود؛ لأنَّهم يعرفون الحقَّ وينكرونه، ويأتون الباطل عمدًا! فكان الغضب أخصّ صفاتهم.

والنَّصارى جهلة لا يعرفون الحقَّ، فكان الضَّلالَ أخصُّ صفاتهم.

ومن بين ما ذكر في أنَّ اليهود هم القوم المغضوب عليهم قوله تعالى: ﴿فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ[البقرة:90]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ[الأعراف:152].

ويبيِّن أنَّ الضَّالِّين النَّصارى قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيل[المائدة:77].

فكمال الإنسان وسعادته لا تتمُّ إلاَّ بعد استكماله لقوَّتيه العلميَّة والعملية الإراديَّة، وقد تضمَّنتها سورة الفاتحة وانتظمتها أكمل انتظام.

فإن: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * الرَّحْمـنِ الرَّحِيم * مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين يتضمَّن الأصل الأوَّل، وهو معرفة الرَّبِّ ومعرفة أسمائه وصفاته.

والأسماء المذكورة في السُّورة هي أصول الأسماء الحسنى: الله، الرَّبّ، الرَّحمن.

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ ... يتضمَّن معرفة الطَّريق الموصلة إليه: عبادته واستعانته.

﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ ... يتضمَّن بيان أنَّ العبد لا سبيل له إلى سعادته إلاَّ باستقامته على الصِّراط المستقيم.

﴿غَيرِ المَغضُوبِ ... يتضمَّن بيان طرفي الانحراف عن الطَّريق المستقيم، وأنَّ الانحراف إلى أحد الطَّرفين انحراف إلى الضَّلال الَّذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطَّرف الآخر انحراف إلى الغضب الَّذي سببه فساد القصد والعمل.

قال ابن القيِّم ـ رحمة الله عليه ـ: «فأوَّل السُّورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة، وحظّ العبد من النِّعمة على قدر حظِّه من الهداية، وحظُّه منها على قدر حظِّه من الرَّحمة، فعاد الأمر كلُّه إلى نعمة ورحمة، والنِّعمة والرَّحمة من لوازم ربوبيَّته فلا يكون إلاَّ رحيمًا منعمًا، وذلك من موجبات إلهيَّته، فهو الإله الحقُّ وإنْ جحده الجاحدون وعدل به المشركون.

فمن تحقّق بمعاني الفاتحة علمًا ومعرفةً، وعملاً وحالاً، فقد فاز من كماله بأوفر نصيب وصارت عبوديَّته عبوديَّة خاصَّة، وارتفعت درجته عن عوام المتعبِّدين، والله المستعان».

ولذا فالمقصد الأعظم والغاية الأهمُّ في تعاملنا مع كتاب ربِّنا هي فهم معانيه وتدبُّر آياته، فإنَّ القرآن هو عصمة المؤمن، به نجاته وسعادته وقيام دينه ودنياه ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب[ص:29].

 



(1) رواه أحمد (8472)، انظر: «صحيح الجامع» (5681).

(2) كتاب: التَّفسير من «صحيحه»: باب مَا جَاءَ فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ.

(3) رواه مسلم (410).

(4) «أضواء البيان» (1 /31).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 7»