أنت هنا:القرآن وعلومه»فلاح المؤمنين في تحقيق: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾

فلاح المؤمنين في تحقيق: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾

  • نجيب جلواح
تم قراءة المقال 885 مرة

 

سُورةُ الفاتحةِ خيرُ القرآن الكريم(1) وأفضله(2)، وهي أعظمُ سُورِه(3)، بل ما نزل في التَّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبـور ولا في الفرقان مثلُها(4).

وقد سمِّيتْ بأسماءَ كثيرةٍ، ونُعتت بأوصافٍ عديدةٍ، والشَّيءُ إذا عظُم شأنُه كثُرت أسماؤه وتعدَّدتْ أوصافُه، ألم ترَ أنَّ السَّيفَ لَمَّا كان ـ عند العرب ـ ذا شأن عظيم ومنفعة متأكَّدة؛ جمعوا له من الأسماء الكثير؟!

وقد عدَّ بعض أهل العلم للفاتحة أسماء؛ فأوصلوها إلى نيِّفٍ وعشرين اسمًا.

وممَّا ثبت في القرآن الكريم والسُّنَّة الصَّحيحة مِن أسمائها: «فاتحة الكتاب»، و«السَّبع المثاني»، و«أمُّ القرآن»، و«أمُّ الكتاب»، و«الصَّلاة»، و«النُّور»، و«الرُّقية»...(5).

عن الرَّبيعِ بنِ صُبَيْحٍ عن الحسن قال: «أنزل الله عز وجل مائةً وأربعةَ كُتبٍ مِن السَّماء أودع علومَها أربعةً منها التَّوراة والإنجيـل والزَّبور والفرقان، ثمَّ أودع علومَ التَّوراةِ والإنجيلِ والزَّبورِ الفرقانَ، ثمَّ أودع علومَ القرآنِ المفصّـلَ، ثمَّ أودع علومَ المفصّلِ فاتحـةَ الكتابِ، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميعِ كتبِ الله المنزَّلة»(6).

وتوجيه هذا: أنَّ العلومَ الَّتي جمعها القرآنُ أربعةٌ، قامت بها الأديان، وحَوَتْها الفاتحة ـ مع إيجازٍ في اللَّفظ ـ،  ولهذا سمِّيت «أمَّ القرآن»، وهذه المقاصد الأربعة هي:

أحدها: العقائد؛ وقد اشتملت على أنواع التَّوحيد الثَّلاثة وهي:

أ ـ التَّوحيد العلميُّ أو ما يُسمَّى بتوحيد الأسماء والصِّفات، ودلَّ عليه ذِكر: «الله» و«الرَّبّ» و«الرَّحمن» و«الرَّحيم» و«الملك».

ب ـ التَّوحيد القصدي الإرادي، وهو نوعان: توحيـد في الرُّبوبيَّة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِين[الفاتحة:2]، وتوحيد في الإلهيَّة، ويسمَّى أيضًا: توحيد العبادة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين[الفاتحة:5]، فهذه ثلاثة أنواع، كما اشتملت على معرفة النُّبوَّات، وإليه الإشارة بقولـه: ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ[الفاتحة:7]، ومعرفة المعاد، وهو المُومأ إليه بقوله: ﴿مَـلِكِ يَوْمِ الدِّين[الفاتحة:4].

ثانيها: العبادات؛ وإليه الإشارة بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين.

ثالثها: السُّلوك والأخلاق؛ وأنفعها ما يوصل العبد إلى الاستقامة، وإليه الإشارة بقوله: ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم[الفاتحة:6].

رابعها: القصص وأخبار السَّابقين؛ وإليه الإشارة بقوله: ﴿الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّين[الفاتحة:7](7).

وسرُّ الخلق والأمر والكتب والشَّرائـع والثَّواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين، وعليهما مدار العبوديَّة والتَّوحيد، حتَّى قيل: إنَّ الله جمع معاني المفصّل في الفاتحة، ومعاني الفاتحة في هذه الآية الكريمة، وهما الكلمتان المقسومتان بين الرَّبِّ وبين عبده نصفين: فنصفها له تعالى، وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ، ونصفها لعبده، وهو: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين.

وقد قال بعض السَّلف: «الفاتحة سرُّ القرآن، وسرُّ الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين».

والدِّين يرجع كلُّه إلى هاتين الكلمتين: العبادة والاستعانة، فالأولى: تبرُّؤٌ من الشِّرك، والثَّانية:  تبرُّؤ من الحول والقوَّة، والتَّفويض إلى الله، وقد جاء هذا المعنى في غير ما آية من كتاب الله، منها قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون[هود:123]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين[المُلك:29].

وعبادة الله والاستعانة به هما سبب السَّعادة الأبديَّة، والنَّجاة من كلِّ الشُّرور، وكلُّ واحد منهما ـ أي: العبادة والاستعانة ـ دعاء، وإذا كان الله تعالى قد فَرَضَ علينا أنْ نُنَاجِيَه وندعوه بهاتين الكلمتين في الصَّلاة، وفي كلِّ ركعة من ركعاتها، فمعلومٌ أنَّ ذلك يقتضي أنَّه فَرْضٌ علينا أنْ نعبده وأن نستعينه، فالعبادة لله، والاستعانة به، فما لم يكن بالله لا يكون؛ فإنَّه لا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله، وما لم يكن لله فلا ينفع ولا يدوم(8).

وفي هذه الآية تفصيل لِما جاء في أوَّل السُّورة، حيث ذكر تعالى «الحمد» بالألف واللاَّم الَّتي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد، فدلَّ على أنَّ الحمد كلَّه لله، ثمَّ حصره في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين، فهو يدلُّ على أنَّه لا معبود بحقٍّ إلاَّ الله.

فقولـه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ: إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيَّتُه، مِن المحبَّة والخوف والرَّجاء والأمر والنَّهي، و﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين: إشارة إلى ما اقتضته الرُّبوبيَّة من التَّوكُّل والتَّفويض والتَّسليم(9).

وتقديم المعمول على العامل في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين: لئلاَّ يتقدَّم ذِكـر العبد والعبادة على المعبـود بحقٍّ ـ سبحانه وتعالى ـ.

وفي تقديم المعبود والمستعان على الفعلين: أدبُهُم مع الله، بتقديم اسمه على فعلهم (نعبد، نستعين)، ولمزيـد اهتمامهم وشدَّة العناية به، مع ما يفيده ـ زيادةً على مـا ذُكِر ـ مِن الإيذان بالاختصاص المسمَّى بالحصر، فهو في قوَّة: «لا نعبد إلاَّ إيَّاك، ولا نستعين إلاَّ بك»(10).

ولهذا جاء في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنه قوله ﷺ: «إِذَا سَألْتَ فَاسأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ باللهِ»؛ إشعارًا بأنَّ الله تعالى هو المسخِّر لكلِّ شيء، فإذا سألَ العبدُ حاجةً ـ كبيرةً كانت أم صغيرةً ـ؛ فعليه أن يسأل خالقها ومالكها، الَّذي يملك أنْ يوصلها إليه.

وقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ السَّببَ الَّذي مِن أجله لا يُسأل إلاَّ الله ولا يُستعان إلاَّ به، فقال ـ في آخر الحديث ـ: «وَاعْلَـمْ أَنَّ الأُمَّـةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَو اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»(11)، وذلك لأنَّ الله تعالى هو الَّذي يكشف الضّرَّ، ويجلب النَّفع، وهذا كلُّه بيده، قال سبحانه: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ[يونس:107]، وقال: ﴿مَا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ[فاطر:2].

والسِّرُّ في تقديم العبادة على الاستعانة ـ في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين ـ هو مِن باب تقديم الغايات على الوسائل، إذِ العبادة غاية العباد الَّتي خُلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، والعبادة من حقِّ الله تعالى، والاستعانة من حقِّ المستعيـن، والعبادة هي المقصودة، والاستعانة وسيلة إليها.

ولِيُعْلم ـ أيضًا ـ أنَّ ذِكْر الوسيلة في طلب الحاجة أدعى إلى الإجابة، ولأنَّ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ: قِسْمُ الرَّبِّ، فكان مِن الشَّطر الأوَّل الَّذي هو ثناء على الله تعالى؛ لكونه أولى به، و﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين: قِسْمُ العبد، فكان مع الشَّطر الَّذي له، وهو ﴿اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيم[الفاتحة:6] إلى آخر السُّورة، ولأنَّ العبادة المطلقة تتضمَّن الاستعانة مِن غير عكس، فكلُّ عابدٍ لله ـ عبوديَّةً تامَّةً ـ مُسْتعينٌ به، ولا ينعكس، ولأنَّ الاستعانةَ جزءٌ مِن العبادةِ مِن غير عكس، ولأنَّ الاستعانةَ طلبٌ منه، والعبادة طلبٌ له، ولأنَّ العبادةَ لا تكون إلاَّ من مُخلصٍ، والاستعانة تكون من مُخلصٍ ومن غير مُخلصٍ، ولأنَّ العبادةَ شُكرُ نعمةِ الله على العبدِ، والله يحبُّ أن يُشْكر، والإعانةُ توفيقُ اللهِ للعبدِ، فالتزامه للعبوديَّة سببٌ لنيلِ الإعانةِ، وكلَّما كان العبـدُ أتمَّ عبوديَّةً للهِ كانت الإعانةُ مِن الله له أعظم، فهذه الأسرار يتبيَّن بها حِكمة تقديم: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ على: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين(12).

وقد تضمَّنت هذه الآية أجلّ الغايات وأفضل الوسائل، فأجلُّ الغايات: عبوديَّته، وأفضل الوسائل: إعانته؛ فلا معبود يستحقُّ العبادة إلاَّ هو، ولا مُعين على عبادته غيرُه؛ فعبادته أعلى الغايات، وإعانته أجلُّ الوسائل... وقد اشتملت هذه الكلمة على نوعيْ التَّوحيد وهما: توحيد الرُّبوبيَّة، وتوحيد الألوهيَّة؛ وتضمَّنت التَّعبُّد باسم الرَّبِّ واسم الله، فهو ـ سبحانه ـ يُعبد بألوهيَّته ويُستعان بربوبيَّته، ويهدي إلى الصِّراط المستقيم برحمته... وهو المنفرد بإعطاء ذلك كلِّه، لا يُعين على عبادته سواه، ولا يهدي سواه(13).

قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ: العبادة تجمع أصلين: غاية الحبِّ بغاية الذُّلِّ والخضوع، والتَّعبُّد: التَّذلُّل والخضوع، فمَـن أحببتَه ولم تكن خاضعًا له لم تكن عابدًا له، ومن خضعتَ له بلا محبَّة لم تكن عابدًا له، حتَّى تكون محبًّا خاضعًا.

والعبادة اسم جامع لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه مِن الأعمال والأقوال الظَّاهرة والباطنـة، وإنَّما تكون العبادةُ عبادةً إذا كانت مأخوذةً من رسول الله ﷺ مقصودًا بها وجه الله تعالى، فبهذين الأمرين تكون العبادة(14).

ولا يكون العبـد محقِّقًا لـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ إلاَّ بهذين الأصلين العظيمين؛ وهما: إخلاص الدِّين لله، وموافقة أمـره الَّذي بعث به رسله، وقد جمع ـ سبحانه ـ بين هذين الأَصْلَين في مواضع من كتابه(15).

وأهلُ الإخلاص للمعبود والمتابعة هم أهل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ حقيقةً، فأعمالهم كلُّها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومَنْعهم لله، وحبُّهم لله، وبغضهم لله، فمعاملتهم ـ ظاهرًا وباطنًا ـ لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك ـ من النّاس ـ جزاءً ولا شُكورًا، ولا ابتغاءَ الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا مِن ذمِّهـم، بل قد عدُّوا النَّاس بمنزلة أصحـاب القبور، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، وكذلكم أعمالهم وعبادتهم موافقة لأمر الله، ولِمَا يحبُّه ويرضاه، وهذا هو العمـل الَّذي لا يقبل الله مِن عامل سواه، وهذا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا[الكهف:110]، وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ[النساء:125](16).

وفي هذه الآية إشارة إلى تحقيق كلمة التَّوحيد؛ لأنَّ «لا إله إلاَّ الله» مركَّبةٌ مِن ركنين، وهما: النَّفيُ بـ «لا إله» والإثباتُ «إلاّ الله»، فالنَّفيُ: خلعُ جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع العبادات، والإشارة إليـه بتقديم المعمول على العامل في قولـه: ﴿إِيَّاكَ.

والإثباتُ: إفراد الله بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع، والإشارة إليه بقوله: ﴿نَعْبُدُ، وقد ذكر الله تعالى هذا مفصَّلا في آيات أخرى، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ الله وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ[النحل:36](17).

والعبودية منقسمة على القلب واللِّسان والجوارح، وعلى كلٍّ منها عبوديَّة تخصُّه.

فعبوديَّة القلب: الإخلاص، والتَّوكُّل، والمحبَّة، والصَّبر، والإنابة، والخوف، والرَّجاء، والتَّصديق الجازم، والنِّيَّة في العبادات.

وعبوديَّة اللِّسان: النُّطق بالشَّهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن، وهو ما يتوقَّف صحَّـة صلاته عليه، وتلفُّظه بالتَّشهُّـد والتَّكبير والأذكار الواجبة في الصَّلاة، وردِّ السَّلام، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وتعليم الجاهل، وإرشاد الضَّالِّ، وأداء الشَّهادة المتعيَّنة، وصدق الحديث، ومن عبوديَّته: دوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النَّافع، وتوابع ذلك.

وعبوديَّة الجوارح؛ وهي على الحواس الخمسة: السَّمع، والنَّظر، والذَّوق، والشَّمِّ، واللَّمس.

فعبوديَّة السَّمع: الإنصات والاستماع لِما أوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ مِن استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصَّلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع خُطبة الجمعة؛ ومن عبوديَّته: استماع المستحبِّ مِن العلم، وقراءة القرآن، وذِكر الله، واستماع كلِّ ما يحبُّه الله تعالى ويرضاه.

وعبوديَّة النَّظر: النَّظر في المصحف وكتب العلم عند تعيُّن تعلُّم الواجب منه، والنَّظر إذا تعيَّن لتمييز الحلال مِن الحرام في الأعيان الَّتي يأكلها ويُنفقها ويستمتع بها، والأمانات الَّتي يؤدِّيها إلى أربابها ليميِّز بينها ونحو ذلك، ومِن ذلك: النَّظر في كتب العلم والدِّين الَّتي يزداد بها الرَّجُل إيمانًا وعلمًا، والنَّظر في آيات الله المشهودة ليستدلَّ بها على توحيده ومعرفته وحِكمته.

وعبوديَّة الذَّوق: تناول الطَّعام والشَّراب عند الاضطرار إليه وخوف الموت، فإن تركه حتَّى مات، مات عاصيًا، قال الإمام أحمد وطاووس: «مَن اضطرَّ إلى أكل الميتة؛ فلم يأكل حتَّى مات، دخل النَّار»، ومن عبوديَّته: أكل ما يُعين على طاعة الله تعالى ممَّا أذِن الله تعالى فيه، والأكل مع الضَّيف ليطيب له الأكل فينال منه غرضه، والأكل مِن طعام صاحب الدَّعوة.

وعبوديَّة الشَّمِّ: شمُّ ما تعيَّن طريقًا للتَّمييز بين الحلال والحرام، كالشَّمِّ الَّذي تُعلم به هذه العين هـل هي خبيثة أو طيِّبة؟ وهل هي سمٌّّ قاتل أو لا مضرَّة فيها؟ ومنه: شمُّ ما يُعين على طاعة الله، ويُقـوِّي الحواس، ويبسط النَّفس للعلم والعمل، لهذا ورد في السُّنَّة أنَّ الطِّيب والرَّيحان إذا أهدي لا يردُّ؛ لأنَّه طيِّب الرِّيح خفيف المحمل(18).

وعبوديّة اللَّمس والبطش: كالتَّكسُّب المقدور للنَّفقة على النَّفس والأهل والعيال، وإعانة المضطرِّ، ورمي الجِمار، ومباشرة الوضوء والغسل والتَّيمُّم، ونحو ذلك، ومن عبوديَّتهما: لمس الرُّكن باليد ـ في الطَّواف ـ وككتابة ما فيه منفعة في الدِّين، أو مصلحـة لمسلم، وكالإحسان باليد؛ بأن تُعين صانعًا، أو تُفرغ مِن دلوك في دلو المستسقي، أو تَحمل له على دابَّته، أو تُمسكها حتَّى يَحمل عليها، أو تعينه فيما يحتاج إليه.

وعبوديَّة المشي: المشي إلى الجُمعات والجَماعات، والمشي حول الكعبة للطَّواف، والمشي بين الصَّفا والمروة، والمشي إلى صِِلـة الرَّحم وبرِّ الوالدين، والمشي إلى مجالس العلم لطلبه وتعلُّمه(19).

وإنَّ أفضل العبادة أنْ تعمل على مرضاة الله ـ في كلِّ وقت ـ بما هو مُقتضى ذلك الوقت ووظيفته؛ فأفضل العبادات في وقت الجهادِ الجهادُ، وإنْ آل ذلك إلى ترك الأوراد مِن صلاة اللَّيل، وصيام النَّهار، كما في حالة الأمن.

والأفضل في وقت حُضور الضَّيف ـ مثلاً ـ: القيام بحقِّه، والاشتغال به عن الورد المستحبِّ، وكذلك في أداء حقِّ الزَّوجة والأهل.

والأفضل في أوقات السَّحر: الاشتغال بالصَّلاة، وتِلاوة القرآن، والدُّعاء، والذِّكر، والاستغفار.

والأفضل في وقت استرشاد الطَّالب وتعلُّم الجاهل: الإقبال على تعليمه، والاشتغال به.

والأفضل في أوقات الأذان: ترك ما هو فيه من ورده، والاشتغال بإجابة المؤذّن.

والأفضل في أوقات الصَّلوات الخمس: الجدُّ والنُّصح في إيقاعها على أكمل الوجوه، والمبادرة إليها في أوَّل الوقـت، والخروج إلى المسجد ـ وإن بَعُدَ ـ وذلك أفضل.

والأفضل في أوقات ضرورة المحتاج إلى المساعدة بالجاه أو البدن أو المال: الاشتغال بمساعدته، وإغاثة لهفته، وإيثار ذلك على الأوراد.

والأفضل في وقت الوقوف بعرفة: الاجتهاد في التَّضرُّع، والدُّعاء، والذِّكر، دون الصَّوم المضعف عن ذلك.

والأفضل في أيَّام عشر ذي الحجَّة: الإكثار من التَّعبُّد، لا سيما التَّكبير، والتَّهليل، والتَّحميد، فهو أفضل من الجهاد غير المتعيّن.

والأفضل في العشر الأخير مِن رمضان: لزوم المسجد فيه، والخلوة، والاعتكاف دون التَّصدِّي لمخالطة النَّاس، والاشتغال بهم حتَّى إنَّه أفضل من الإقبال على تعليمهم العلم، وإقرائهم القرآن عند كثير من العلماء.

والأفضل في وقت مرض المسلم أو موته: عيادته، وحضور جِنازته، وتشييعه.

والأفضل في وقت نُزول النَّوازل وأذاة النَّاس: أداء واجب الصَّبر، مع الخلطة بهم، دون الهرب منهـم، فإنَّ المؤمن الَّذي يخالط النَّاس؛ ليصبرَ على أذاهم أفضل مِن الَّذي لا يخالطهم ولا يؤذونه(20).

فالأفضل في كلِّ وقت وحال: إيثار مرضاة الله في ذلك الوقـت والحال، والاشتغال بواجـب ذلك الوقت ووظيفتـه ومقتضاه، وهؤلاء هم أهل التَّعبُّد المطلق، وهم المتحقِّقون بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ حقًّا(21).

وتلزم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ كلَّ عبدٍ إلى الموت؛ قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين[الحِجر:99]، وقد حكى تعالى عن أهل النَّار قولهم: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين[المدَّثر:46-47]، واليقيـن ـ ها هنا ـ: هـو الموت ـ بإجماع أهل التَّفسير ـ فلا ينفكُّ العبد من العبوديَّة ما دام في دار التَّكليف، بل عليه ـ في البرزخ ـ عبوديَّة أخرى، لَمَّا يسأله الملَكان: مَن ربُّك؟ وما دينك؟ ومَن الرَّجل الَّذي بُعِث فيكم؟ ويلتمسان منه الجواب، وعليه عبوديَّة أخرى يوم القيامة، يوم يدعـو الله الخلق كلَّهم إلى السُّجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفَّارُ والمنافقون لا يستطيعون السُّجود: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُون[القلم:43]، ومَن زَعم أنَّه يَصِلُ إلى مقامٍ يسقطُ عنه التَّعبُّد فهو زنديقٌ، كافرٌ بالله ورسوله ﷺ، وإنَّما وصل إلى مقام الكفر بالله والانسلاخ من دينه(22).

قوله: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين: الاستعانة هي طلب العون والتَّأييد والتَّوفيق من الله تعالـى، وهي الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضارِّ، مع الثِّقة بالله في تحصيل ذلك، وتكون بلسان المقال، كأن تقول ـ مثلاً ـ عند شروعك في عمل مـا: «اللَّهمَّ أعنِّي»، كما تكون بلسان الحال أيضًا، وهي أنْ تشعر بقلبك أنَّك مُحتاج إلى إعانة الله لك لإنجاح عملك، وأنَّه إنْ وَكَلَك إلى نفسك وَكَلَك إلى عجز وضعف، والغالب أنَّ مَن استعان بلسان المقال؛ فقد استعان بلسان الحال.

والاستعانة بالله واجبة عند تحمُّل الطَّاعات وأدائها، وترك المنهيَّات واجتنابها، كما تجب الاستعانة بالله على الصَّبر على المقدورات؛ لأنَّ العبد عاجزٌ عن الاستقلال بنفسه في جلب النَّفع لها ودفع الضَّرِّ عنها، ولا مُعين للإنسان على مصالح دينه ودنياه إلاَّ الله سبحانه.

وكرَّر الضَّمير «إيَّاك» للتَّنصيص على أنَّه ـ تعالى ـ هو المستعان به لا غيره، وإطلاق الاستعانة بقصد التَّعميـم، أي: نستعينك في كلِّ شيء ـ صغيره وكبيره، عظيمه وجليله ـ فلا سبيل للعبد إلاَّ بالمعونة، والمعنى: ثبِّتنا ـ يا ربُّ ـ على العمل بطاعتك، وإصابة الحقِّ والصَّواب.

وذكر الله تعالى «الاستعانة» بعد «العبادة» مع دخولها فيها، وهذا له نظائر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ[العنكبوت:45]، والفحشاء مِن المنكر، وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ[النحل:90]، وإيتاء ذي القربى هو مِن العدل والإحسان، كما أنَّ الفحشاء والبغي مِن المنكر، وأمثال ذلك في القرآن كثير.

فلماذا ـ إذنْ ـ عطف الله على العبادة غيرها؟

الجواب: مع كون الاستعانة بعض العبادة ـ لأنَّ جميع ما يحبُّه الله تعالى داخل في اسم العبادة ـ غيرَ أنَّ الآيةَ الكريمةَ ذكرت ـ مع العبادةِ ـ الاستعانةَ، تخصيصًا لها بالذِّكر، لكونها مطلوبة بالمعنى العـامِّ والمعنى الخاصِّ، وأيضًا لاحتياج العبد في جميع عباداته للاستعانة بالله تعالى؛ فإنَّه إنْ لم يُعِنْه ربُّه لم يحصل له ما يريده من فعل الأوامـر واجتناب النَّواهي، ولهذا قيل: إنَّ «الواو» ـ في قوله: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِينـ: للحال، فيكون المعنى: نعبدك مُستعينين بك.

وفي الآية إشارة إلى أنَّه لا ينبغي أن يُتوكَّل إلاَّ على مَن يستحقُّ العبادة؛ لأنَّ غيره ليس بيده الأمر، ومِن هنا تعلم أنَّ الَّذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم، وتيسير أمورهم، وشفاء أمراضهم، ونماء حرثهم وزرعهم، وهلاك أعدائهم، وغير ذلك من المصالح، فهؤلاء عن صراط التَّوحيد ناكبون، وعن ذكر الله مُعرضون.

وقد أرشدتنا هذه الآية: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين إلى أمرين عظيمين هما سبب السَّعادة في الدَّارين؛ الدُّنيا والآخرة:

أحدهما: القيام بالأعمال النَّافعة، والاجتهاد في إتقانها قدْر الاستطاعة مع طلب المعونة من الله تعالى على ذلك.

ثانيهما: وُجوب تخصيص الاستعانة بالله تعالى وحده، وهذا لما أفاد الحصر، وهو مِن كمال التَّوحيد الخالص، فيكون المؤمن مع النَّاس حُرًّا خالصًا وسيِّدًا كريمًا، ومع الله عبدًا خاضعًا(23).

وتأتي الاستعانة على أنواع:

الأوَّل: استعانة تتضمَّن كمال الذُّلِّ مِن العبد للمُستعان به، وتفويض الأمر إليه، واعتقاد كفايته؛ وهذه لا تكون إلاَّ لله تعالى، ودلَّ عليها قوله عز وجل: ﴿وإِيَّاكَ نَسْتَعِين، وصرف هذا النَّوع لغير الله تعالى شركٌ مٌخرجٌ عن الملَّة.

الثَّاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر يقدر عليه، وهذه على حسب المستعان عليه، فإنْ كانت على خير فهي مشروعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى[المائدة:2]، وقوله ﷺ: «كُلُّ سُلاَمَى مِن النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْـدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْـوَةٍ يَخْطُوهَا إِلى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ»(24)، وإنْ كانت على محرَّم فهي ممنوعة، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَاب[المائدة:2].

والاستعانة بالمخلوق إذْ تُشرع؛ فعلى المستعين أنْ يجعل ذلك وسيلة وسببًا، لا ركنًا يعتمـد عليه، كما أنَّ عليه إشعارَ مَن يستعينه بأنَّه بمثابة معونة بعض أعضائه لبعض، كما لو عجز عن حمل شيء بيد واحدة؛ فإنَّه يستعين على حمله بيده الأخرى.

الثَّالث: الاستعانة بمخلوق حيٍّ حاضر غير قادر؛ فهذه لغو لا طائل تحتها، مثل أنْ يستعين بشخص ضعيف على حمل شيء ثقيل.

الرَّابع: الاستعانة بالأموات مطلقًا أو بالأحياء على أمر الغائب لا يقدرون على مباشرته ممَّا هو من خصائص الله تعالى؛ فهذا شرك لأنَّه لا يقع إلاَّ مِن شخص يعتقد أنَّ لهؤلاء تصرُّفًا خفيًّا في الكون.

الخامس: الاستعانة بالأعمال والأحوال المحبوبة إلى الله تعالى؛ وهذه مشروعة بأمر الله تعالى في قولـه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِين[البقرة:153](25).

ولَمَّا كان كلُّ واحدٍ مِن البشر مُحتاجًا إلى إعانة الله وتوفيقه، بحيث لا يمكنه الاستغناء عنها طرْفة عين، أمرنا بها النَّبيُّ ﷺ، ونهانا عن العجز والكسل، فقال ﷺ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلى اللَّهِ مِنْ المُؤْمِـنِ الضَّعِيفِ وَفي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُـكَ وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلاَ تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلاَ تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»(26).

قال النَّووي: «ومعناه: احرص على طاعة الله تعالى والرَّغبة فيما عنده، واطلب الإعانـة مِن الله تعالى على ذلك، ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطَّاعة، ولا عن طلب الإعانة»(27).

ولذا كان النَّبيُّ ﷺ يدعو ربَّه تعالى ويسأله أن يُعينه ولا يُعين عليه أحدًا يُلحق به ضررًا، فعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَدْعُو: رَبِّ أَعِنِّي وَلاَ تُعِنْ عَلَيَّ...»الحديث(28).

وأفضل أنواع الاستعانة ما كان على طاعة الله تعالى والبرِّ والإحسان، فعَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ بيَدِهِ وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ! لاَ تَدَعَنَّ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَـى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»(29).

والعبوديَّةُ محفوفةٌ بإعانتينِ: إعانةٍ قبلها على التزامها والقيام بها، وإعانةٍٍ بعدها على عبوديَّة أخرى، وهكذا أبدًا حتَّى يقضي العبـد نحبه(30).

نسأل الله تعالى أنْ يوفِّقنا لِما يحبُّه ويرضاه وأن يختم بالباقيات الصَّالحات أعمالنا، ويجعلنا ممَّن حقَّقـوا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين.



(1) عن عبد الله بن جابر البَيَاضي رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أَلاَ أُخْبرُكَ بأََخْيَرَ سُورَةٍ في القُرْآنِ؟ ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين[الفاتحة:2]»، وهو في «صحيح الجامع» (2592).

(2) أخرج الحاكم عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال: «أَفْضَلُ القُرْآنِ: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين[الفاتحة:2]»، وهو في «صحيح الجامع» (1125).

(3) روى البخاري (4204) عن أبي سعيد بن المُعَلَّى رضي الله عنه قال: «كنتُ أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أُجِبْه حتَّى صلَّيتُ  ثمَّ أتيته، قال: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟» فقلتُ: يا رسول الله! إنّي كنتُ أصلّي، فقال: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ[الأنفال:24]؟»، ثمَّ قال: «لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هَي أَعْظَمُ السُّوَرِ في القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ»، ثمَّ أخذ بيدي، فلمَّا أراد أن يخرج، قلتُ: يا رسـول الله! ألم تقل لأعلِّمنَّك سورة هي أعظم  سُورة في القرآن؟ قال: ﴿الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين[الفاتحة:2] هيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ».

(4) روى أحمد (8328) والتِّرمذي (2875) عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أنَّ أُبيَّ بن كعب رضي الله عنه قرأ على النَّبيِّ ﷺ أمَّ القرآن، فقال رسـول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ مَا أُنْزِلَ في التَّوْرَاةِ وَلاَ في الإِنْجِيلِ وَلاَ في الزَّبُورِ وَلاَ في الفُرْقَانِ مِثْلُهَا، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»، و هو في «صحيح الجامع الصَّغير» (7079).

(5) انظر:  «معالم التَّنزيل» للبغوي (1/ 49)، «التَّحرير والتَّنوير» لابن عاشور (1/ 129).

(6) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (2155).

(7) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 24 ـ 25)، «تفسير المنار» (1/ 30).

(8) انظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 135)، «مجموع الفتاوى» (14/ 8)، «مدارج السَّالكين» (1/ 74).

(9) انظر: «مجموع الفتاوى» (1/ 89).

(10) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 77).

(11) أخرجه التِّرمذي (2516) وأحمد (2763) وهو في «صحيح الجامع» (7957).

(12) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 75 ـ 77).

(13) انظر: «كتاب الصَّلاة وحُكم تاركها» (ص204 ـ 205).

(14) انظر: «تفسير السّعدي» (1/ 39).

(15) انظر: «مجموع الفتاوى» (3/ 123).

(16) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 83 ـ 84).

(17) انظر: «أضواء البيان» (1/ 7).

(18) روى مسلم في «صحيحه» (2253)عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلاَ يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ المَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ».

(19) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 4 ـ 66).

(20) لقوله ﷺ: «المُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُـمْ»رواه أحمد (23147)  وابن ماجـه (4032)، وهو في «السِّلسلة الصَّحيحة»(939)، والحديث يدلُّ على أنَّ المخالِط الصَّابر خيرٌ من المعتزِل.

(21) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 88 ـ 89).

(22) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 103 ـ 104).

(23) «تفسير السَّعدي» (1/ 39)، «أضواء البيان» (1/ 7)، «تفسير المنار» (1/ 50)، «مجموع الفتاوى» (10/ 174).

(24) أخرجه البخاري (2827) ومسلم (2382).

(25) انظر: «شرح الأصول الثلاثة» للشيخ ابن عثيمين (ص62 ـ 63).

(26) رواه مسلم في «صحيحه» (2664) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(27) «شرح صحيح مسلم» (16/ 215).

(28) أخرجه التِّرمذي (3551) وأبو داود (1510) وابن ماجه (3830)، وهو في «صحيح الجامع» (3485).

(29) أخرجه أبو داود (1522)، وأحمد (22172)، وهو في «صحيح الجامع» (7969).

(30) انظر: «مدارج السَّالكين» (1/ 76).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 14»