أنت هنا:القرآن وعلومه»البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن ـ الجزء الرابع ـ

البيان في أخطاء الاستشهاد بآي القرآن ـ الجزء الرابع ـ

  • عز الدين رمضاني
تم قراءة المقال 470 مرة

 

فهذه مقالةٌ أخرى تأتي تتمَّة لسابقتها في بيان أخطاء الاستشهاد والاستدلال بآيات القرآن أو بجزءٍ منها، الَّتي تُساق في غير محلِّها، أو توضع في غير موضعها، أو يقصر معناها على معنى مرجوحٍ، أو يهمل حملها على دلالة السِّياق بسوابقه ولواحقه، وما إلى ذلك من الأمور الَّتي سبقت الإشارة إليها(1).

 


الآية الرَّابعة ـ قوله تعالى: (1)

﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا[القصص:77]

وجه الخطأ: قَصْرُ معنى هذه الجملة في الآية على المشهور المتبادر، وهو: «لا تنسَ جزءًا من متاع الدُّنيا ورزقها»، وكثيرًا ما يُواجه بهذا المعنى المنقطعون لعبادة ربِّهم بفرائض الطَّاعات ونوافلها؛ خوفًا عليهم من إضاعة أنفسهم بتخلِّيهم عن الارتزاق والعمل الدُّنيوي.

والمعنى المذكور ـ وإنْ كان صحيحًا ـ، وقد قال به جمعٌ مِنَ المفسِّرين، وهو أحد القولين في الآية؛ إلاَّ أنَّ القول الآخر ـ وهو تفسير «النَّصيب من الدُّنيا» بالعمل الصَّالح ـ يكاد يكون هو المتعيّن والرَّاجح؛ لجملة أمور منها:

أوَّلاً: أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا إذا فُسِّر بأنَّ نصيب العبد في دنياه هو عمله بطاعة الله؛ يكون ذلك تأكيدًا لمطلع الآية: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الآخِرَةَ[القصص:77](2)، والقاعدة في التَّفسير أنَّه: «غير جائز صرف الكلام عمَّا هو في سياقه إلى غيره إلاَّ بحجَّةٍ يجب التَّسليم لها مِن دلالة ظاهرِ التَّنزيل، أو خبرٍ عن الرَّسول تقوم به حجَّة»(3)؛ لأنَّ «توجيه الكلام إلى ما كان نظيرًا لِمَا في سياق الآية أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلاً عنه»(4).

وعند التَّأمُّل في الآيات الَّتي قبل هذه الآية وفي الآيات الَّتي بعدها يَتَّضح أنَّها جاءت جميعها للتَّرغيب في عمل الآخرة وعدم الاغترار بزهرة الحياة الدُّنيا والانهماك في ملذَّاتها.

وأوَّل هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِين[القصص:58].

قال الشَّيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب رحمه الله:

«وفيه: عدم الاغترار بعطاء الدُّنيا»(5).

وثانيها: قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا[القصص:60].

قال الشَّيخ محمَّد رحمه الله (6):

«وفيه: التَّزهيد في الدُّنيا ولو عَظُمَت عند النَّاس، كما زهَّد تعالى فيها في غير موضع من كتابه، وكما قال ﷺ: «مَثَلُ الدُّنْيَا في الآخِرَةِ كَمَا يُدْخِلُ أَحَدُكُمْ أُصْبُعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بمَ يَرْجِعُ بهِ»(7).

وثالثها: قوله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلاَ تَعْقِلُون[القصص:60].

قال الشَّيخ محمَّد رحمه الله:

«فيه: التَّرغيب في الآخرة كما قال: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ[النحل:96]»(8).

ورابعها: قوله تعالى: ﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِين[القصص:61].

قال ابن جُزي في «التَّسهيل» (2/148):

«إيضاح لِمَا قبلها مِنَ البَوْن بين الدُّنيا والآخرة، والمراد بمن وعدناه المؤمنين، وبمن متَّعناه الكافرين».

وجميع هذه الآيات جاءت قبل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وأمَّا الآيات الَّتي بعدها فيتصدَّرها مضمون قصَّة قارون، وفيها التَّزهيد في الدُّنيا والتَّرغيب في الآخرة، وأحوال كلِّ فريق منهما، كقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم[القصص:79]، وقوله بعدها: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ الله خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُون[القصص:80].

ثمَّ الآية الَّتي جاءت في نهاية القصَّة، وهي قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين[القصص:83].

وعليه يتعيَّن حمل الكلام على معنى واحد؛ لأنَّه أَوْفَقُ للنَّظم وأليقُ بالسِّياق، ولم يرد دليلٌ يوجب حمل الكلام على معنى آخر، ممَّا يؤكِّد صحَّة القاعدة، فإنَّ «إدخال الكلام في معاني ما قبله وما بعده أَوْلَى مِنَ الخروج به عنهما، إلاَّ بدليل يجب التَّسليم له»(9).

ثانيًا: أنَّ حمل الآية على التَّفسير المشهور؛ وَضْعٌ لها في غير موضعها، قال عون بن عبد الله في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا: «إنَّ قومًا يضعونها على غير موضعها: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا تعمل فيها بطاعة الله»(10).

ثالثًا: أنَّ تفسير النَّصيب مِنَ الدُّنيا بالعمل بطاعة الله هو قول أكثر المحقِّقين من أهل العلم بالتَّأويل، ونسبه ابن الجوزي في «زاد المسير» (6/241) وأبو حيَّان في «البحر المحيط» (7/128) إلى الجمهور.

ومِنْ هؤلاء الأعلام نذكر:

- عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما: أخرج الطَّبري بسند حَسَنٍ عن علي بن أبي طلحة عنه قوله: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ يقول: «لا تترك أنْ تعمل لله في الدُّنيا»(11).

- مجاهد رحمه الله (ت101هـ): أخرج الطَّبري بسنده إلى مجاهد: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاقال: «العمل بطاعته»(12).

وأخرج عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» (2 /78) عن مَعمر عن مجاهد قال: «العمل بطاعة الله نصيبه من الدُّنيا يُثاب عليه في الآخرة»(13).

- مقاتل بن سليمان رحمه الله (ت150هـ): قال في «تفسيره» (2 /505): «يعني ولا تتركْ حظَّك من الدُّنيا أن تعمل فيها لآخرتك».

- عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله (ت183هـ): أخرج الطَّبري في «تفسيره» (18 /323) بسنده إلى زيد بن أسلم في قوله: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا قال: «لا تنسَ أن تُقدِّم مِنْ دنياك لآخرتك؛ فإنَّما تجد في آخرتك ما قدَّمت مِنَ الدُّنيا فيما رزقك الله».

- ابن جرير الطَّبري رحمه الله (ت310): يقول في «تفسيره» (18 /322): «ولا تترك نصيبك وحظَّك من الدُّنيا أنْ تأخذ فيها بنصيبك من الآخرة، فتعمل فيه بما ينجيك غدًا من عقاب الله، وبنحوِ الَّذي قُلْنَا في ذلك قال أهلُ التَّأويل».

- أبو إسحاق الزّجاج رحمه الله (ت311هـ) قال: «لا تنسَ أن تعمل لآخرتك؛ لأنَّ حقيقة نصيب الإنسان من الدُّنيا الَّذي يعمل به لآخرته»(14).

- أبو اللَّيث السَّمَرْقَنْدِي (ت375هـ): قال في تفسيره المسمَّى «بحر العلوم» (2 /527): «يعني لا تترك حظَّك مِنَ الدُّنيا أن تعمل لآخرتك» واقتصرَ على هذا المعنى فقط.

- ابن أبي زمنين (ت399هـ): وعبارته كما في «تفسيره» (3 /335): «اعمل في دنياك لآخرتك»، ولم يذكر سوى هذا القول.

- أبو المظفر السَّمعاني رحمه الله (ت489هـ): قال في «تفسيره» (4 /156): «وقوله ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَاأي طلب الآخرة بالَّذي تعمل في الدُّنيا، ومعناه: اعمل في الدُّنيا لآخرتك».

رابعًا: أنَّ تفسير النَّصيب من الدُّنيا بالعمل الصَّالح أقربُ إلى العِظَة والاعتبار مِنَ القول الآخر؛ لأنَّه الَّذي يكاد يغفل عنه أكثر الخلق، أمَّا الاشتغال بالدُّنيا والانصراف إلى ملذَّاتها فهذا دأب البشر وإلْفُهُم بها، لذا لا يحسن التَّذكير به، خاصَّةً لمن كانت الدُّنيا شغله الشَّاغل، وفي هذا يقول أبو حيَّان في «البحر المحيط» (7 /128) عند نقله لتفسير ابن عبَّاس والجمهور: «معناه: ولا تضيِّع عمرك في أن لا تعمل صالحًا في دنياك؛ إذِ الآخرة إنَّما يُعمل لها في الدُّنيا، فنصيب الإنسان عمره وعمله الصَّالح فيها، وهذا التَّأويل فيه عِظَة».

خامسًا: أنَّ تفسير النَّصيب مِنَ الدُّنيا بأنَّه العمل لها وطلب الرِّزق فيها أشبه في معناه ـ من حيث الظَّاهر ـ بمقولة: «اعمل لدنياك كأنَّك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنَّك تموت غدًا»(15).

ومع ذلك؛ فإنَّ حمل العبارة في شقِّها الأوَّل على معنى الانهماك في الدُّنيا والاشتغال بها وجمع حُطامها إلى درجة الخلود فيها، منافٍ للمعنى الوارد في شقِّها الثَّاني وهو التَّفرُّغ لعمل الآخرة الَّذي لا يكون غالبًا إلاَّ بترك الأوَّل، ولا يمكن الجمع بين المتضادَّين؛ لذا يتعيَّن المصير إلى تفسير العمل في مطلع العبارة بأنَّه العمل للآخرة.

وفي هذا يقول الشَّيخ العلاَّمة محمَّد ناصر الدِّين الألباني رحمه الله في معرض تعقيبه على معنى الأثر الَّذي أورده(16): «ثمَّ؛ إنَّ هذا السِّياق ليس نصًّا في أنَّ العمل المذكور فيه هو العمل للدُّنيا، بل الظَّاهر منه أنَّه يعني العمل للآخرة، والغرض منه الحضُّ على الاستمرار برفقٍ في العمل الصَّالح، وعدم الانقطاع عنه، فهو كقوله ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» متَّفق عليه».

سادسًا: أنَّ بعض السَّلف كقتادة والحسن وغيرهما فسَّروا النَّصيب في الدُّنيا بأنَّه طلب الحلال، وهذا المعنى لا يتحقَّق إلاَّ بالسَّعي في طلب الرِّزق والكدِّ في الدُّنيا، وهو ما استحسنه جدًّا القاضي أبو بكر بن العربي في «أحكامه»(17)، لَمَّا قال: «وأبدع ما فيه عندي قول قتادة: «ولا تنس الحلال، فهو نصيبك من الدُّنيا»، وياما أحسن هذا!».

أقول ـ والله أعلم ـ: إنَّ مثل هذا التَّفسير لا يتنافى مع تفسير النَّصيب في الدُّنيا بالعمل الصَّالح؛ لأنَّ طلب الحلال لا يخلو من مجاهدة النَّفس ومخالفة هواها، ومراقبة الله عز وجل والوقوف عند حدوده، فيعدُّ مِنْ طاعة الله عز وجل.

وعليه فيكون المعنى الأول متضمِّنًا للمعنى الثَّاني، وذلك بذكر بعض أفراده وأنواعه.

وفي الختام؛ فإنَّه يجدر التَّنبيه إلى أنَّ من وقف على عبارات المفسِّرين في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا بأنَّه حظُّ الإنسان من الدُّنيا والتَّمتُّع بها؛ يجدها عبارات متوازنة ودقيقة، لا توحي عند استقرائها بالمبالغة في الحضِّ على السَّعي للدُّنيا، بل فيها ما يفيد أنَّها أقلُّ إغراقًا في الحثِّ على الانكباب على الدُّنيا، خلافًا لِما قد يفهمه العوامُّ، ومن لا فهم له في القرآن.

والله تعالى أعلم، وصلَّى الله على محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.



(1) انظر المقال بالعنوان نفسه في العدد الثَّالث من مجلَّة «الإصلاح» (ص6).

(2) «قواعد وفوائد لفقه كتاب الله» للجوعي (ص71).

(3) من كلام ابن جرير في «تفسيره» (9 /389).

(4) من كلام ابن جرير في «تفسيره» (6 /91).

(5) »الدُّرر السَّنيَّة في الأجوبة النَّجديَّة» (19 /362).

(6) »الدُّرر السَّنيَّة في الأجوبة النَّجديَّة» (19 /362).

(7) هو في «صحيح مسلم» (2858)، ولفظه: «وَاللهِ مَا الدُّنْيَا في الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إصْبعَهُ هَذِهِ ـ وأشار يحيى بالسبابة ـ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ يَرْجعُ»، وكذا في «مسند أحمد» (18008) بلفظ مقارب.

(8) »الدُّرر السَّنيَّة في الأجوبة النَّجديَّة» (19 /362).

(9) انظر «قواعد التَّرجيح عند المفسِّرين» لـ د. حسين الحربي (1 /111).

(10) «جامع البيان» (18 /322 ـ 323)، وانظر كتاب: «نقد الصَّحابة والتَّابعين للتَّفسير» لـ د. عبد السَّلام الجار الله (ص167).

(11) «جامع البيان» (18 /322)، وابن أبي حاتم (9 /3010) من طريق أبي صالح به، وعزاه السُّيوطي في «الدُّرّ المنثور» (18 /509) إلى ابن المنذر.

(12) «جامع البيان» (18 /323).

(13) وعزاه السُّيوطي في «الدُّرّ المنثور» (18 /510) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(14) «معاني القرآن» (4 /155).

(15) رُوي مرفوعًا وموقوفًا، ولا أصل له مرفوعًا، كما لا يصح موقوفًا، وإنِ اشتهر على ألسنة النَّاس، انظر «السِّلسلة الضَّعيفة» (1 /63).

(16) «السِّلسلة الضَّعيفة» (1 /65).

(17) «أحكام القرآن» (3 /513).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 15»