أنت هنا:القرآن وعلومه»كشف الوجه الصبيح في فوائد قصة الذبيح ـ الجزء الثاني ـ

كشف الوجه الصبيح في فوائد قصة الذبيح ـ الجزء الثاني ـ

  • أ.د. عبد المجيد جمعة
تم قراءة المقال 1057 مرة

 

قال الله تعالى:

﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِين * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيم * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء الله مِنَ الصَّابِرِين * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِين * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيم * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِين * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِين * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيم * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين * وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِين * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِين[الصافات:99-113].

***

- الفائدة الثَّامنة والثَّلاثون:

فيه فضل إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام، حيث أثنى الله عليهما باستسلامهما ومبادرتهما لامتثال أمر الله تعالى؛ وهذا حقيقة الإسلام وهو الانقياد التَّامُّ لأمر الله تعالى.

- الفائدة التَّاسعة والثَّلاثون:

فيه استحباب اضطجاع الأضحية عند الذَّبح، وأن يَذبَحَ المضحِّي بيده، لقوله تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِين، ويشهد له ما رواه أنس رضي الله عنه قال: «ضَحَّى النَّبيُّ ﷺ بِكَبْشَينِ أَملَحَيْنِ فرأيته وَاضِعًا قَدَمَه على صفاحهما(1) يسمِّي ويكبِّر فذَبََحَهُما بيده» متَّفق عليه.

- الفائدة الأربعون:

فيه دلالة على إثبات الإرادة والاختيار للعباد خلافًا للجبريَّة، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِين، ونظيره في القرآن لا يكاد يحصى ولا يستقصى، يسند الله تعالى الأفعال إلى العباد الَّذين قاموا بها كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ[القصص:15].

- الفائدة الحادية والأربعون:

وفيه فضل نبيِّنا ﷺ؛ لأنَّ الله تعالى لم يناده باسمه «محمَّد»، بل ناداه بصفة الرِّسالة أو النُّبوَّة، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ تعظيمًا له وتبجيلاً، ولم يذكر اسمه إلاَّ في صيغة الإخبار، كقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله[الفتح:29]، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ[آل عمران:144]؛ أمَّا سائر أنبيائه فناداهم بأسمائهم، كقوله: ﴿ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭛ ﭜ﴾، وكقوله: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ[البقرة:35]، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ[هود:48]، ﴿يَا مُوسَى[الأعراف:144]، ﴿يَا عِيسَى[آل عمران:55].

- الفائدة الثَّانية والأربعون:

فيه فضل طاعة الله وامتثال أمره، فإنَّه سبب في صرف المصائب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين أي: هكذا نصرف عمَّن أطاعنا المكاره والشَّدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ[الطلاق:2-3].

- الفائدة الثَّالثة والأربعون:

استُدِلَّ بالآية على أنَّ الأضحية بالغنم أفضل من الإبل والبقر.

- الفائدة الرَّابعة والأربعون:

وفيه استحباب الأضحية بالسَّمينة، لقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم أي ضخم الجثَّة سمين.

- الفائدة الخامسة والأربعون:

واستُدِلَّ بالآية على أنَّ من نذر ذبح ولده، لزمه ذبح شاة، كما فدى به إبراهيم ابنه؛ وفيه نظر، والصَّحيح أنَّه معصية يلزمه الاستغفار منها، قال الكيا الهرَّاسي في «أحكام القرآن» (4/ 78): «وهذا إغفال منهم، فإنَّه إن ثبت أنَّ إبراهيم كان مأمورًا بذبح الولد، فقد ارتفع الأمر إلى بدل جعل فداء، فكان الأمر متقرِّرًا في الأصل، ثمَّ أُزيل ونُسِخَ إلى بدل، وفيما نحن فيه لا أمر بذبح الولد، بل هو معصيةٌ قطعًا، فلم يكن للأمر تعلُّق بذبح الولد بحال، فإذا لم يتعلَّق به بحال، فلا يجوز أن يجعل له فداءً وخلفًا».

- الفائدة السادسة والأربعون:

فيه دلالة على أنَّ الأنبياء أشدُّ النَّاس بلاءً، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِين، ويشهد له قوله ﷺ وقد سئل: أيُّ النَّاس أشدُّ بلاءً؟: قال: «الأَنْبيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلاَؤُهُ، وَإِنْ كَانَ في دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلاَءُ بالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»(2).

- الفائدة السَّابعة والأربعون:

وفيه دلالة على ما تقرَّر في الأصول على صحَّة النَّسخ قبل التَّمكُّن من الفعل، خلافًا لطائفة من المعتزلة، والدَّلالة من هذه الآيات ظاهرة، لأنَّ الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده، ثمَّ نسخه عنه قبل التَّمكُّن من فعله، وصرفه إلى الفداء بذبحٍ عظيمٍ.

- الفائدة الثَّامنة والأربعون:

وفيه دلالة على إثبات الحكمة في أفعال الله تعالى، لقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَء الْمُبِين، فابتلى الله نبيَّه في محبَّته له سبحانه وتقديمها على محبَّته لابنه حتَّى تتمَّ خلَّته، فكان المقصود الابتلاءَ لا نفسَ الفعل؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يأمر بفعل لا مصلحةَ ولا منفعةَ ولا حكمةَ فيه، بل أوامره سبحانه ونواهيه وجميع شرائعه مبنيَّةٌ على حِكَمٍ ومصالحَ ومنافعَ.

فالحكمة هنا ناشئة من نفس الأمر، والمصلحة حاصلةٌ به، أمَّا الفعل فلا مصلحةَ فيه ألبتَّة، لذلك كان المقصود من الأمر الحكمة منه وهي الابتلاء دون الفعل.

- الفائدة التَّاسعة والأربعون:

وفيه ثناء الله تعالى على إبراهيم عليه السلام، حيث أبقى عليه لسان صدقٍ وثناءً حسنًا في العالم، فلا يذكر إلا بالثَّناء، والصَّلاة والسَّلام عليه، ووصفه بثلاث خصال، الإحسان والعبوديَّة والإيمان، فجمع مقامات الدِّين كلِّه، لقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِين * سَلاَمٌ عَلَى إِبْرَاهِيم * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِين.

- الفائدة الخمسون:

وفيه دلالة على أنَّ الذَّبيح هو إسماعيل وليس هو إسحاقَ كما يزعم اليهود والنَّصارى، وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا ذكر البشارة الأولى بالغلام الحليم من ابني إبراهيم، وذكر قصَّة الأمر بذبحه، فلمَّا استوفى ذلك، عطف بذكر البشارة الثَّانية بالابن الثَّاني، وقد سمَّاه إسحاق فقال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِين، فبيَّن أنَّهما بشارتان: بشارةٌ بالذَّبيح وبشارةٌ ثانيةٌ بإسحاق، وهذه البشارة من الله تعالى له شكرًا على صبرِه على ما أُمِرَ به، فدلَّ هذا على أنَّ إسحاقَ غير الغلام الحليم الَّذي أُمِرَ بذَبحِه؛ ومن المقرَّر في الأصول أنَّ التَّأسيس أولى من التَّأكيد؛ ومعلومٌ في اللُّغة أنَّ العطف يقتضي المغايرة، فهذا نصٌّ صريحٌ لا يحتمل التَّأويل.

قال القرطبيُّ في «تفسيره» (15/ 100): وسُئل أبو سعيد الضَّرير عن الذَّبيح فأنشد:

إنَّ الـذَّبــيح هُـديــت إسـماعـيلُ نطق الكتاب بذاك والتَّـنزيلُ
شــرفٌ بــه خَـصَّ الإلــهُ نـبـيـَّنـا وأتــى بــه الـتَّــفـسـير والتَّأويـلُ
إن كنت أمَّته فلا تنكر لــه شرفًـا بـه قد خصَّه التَّفضـيلُ

 

- الفائدة الحادية والخمسون:

وفيه ثناء الله على إسحاق عليه السلام، لقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِين * وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ.

- الفائدة الثَّانية والخمسون:

وفيه إشارة إلى أنَّ النَّسب لا ينفع صاحبه، وإنَّما ينفعه عملُه، لقوله تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِين، أي: محسن في عمله بالإيمان، والتَّوحيد، وظالم لها بالكفر والشِّرك والمعاصي؛ فاليهود والنَّصارى، وإن كانوا من ولد إسحاق، فقد صاروا إلى ما صاروا إليه من الكفر والضَّلال المبين؛ والعرب، وإن كانوا من ولد إسماعيل، فقد صاروا إلى الشِّرك إلاَّ من أنقذه الله بالإسلام، وقد قال النَّبيُّ ﷺ: «وَمَن بَطَّأَ بِهِ عَمَلُه لَم يُسرِع بِهِ نَسَبُه» رواه مسلم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «منهاج السُّنَّة» (8/ 151): «ولهذا لم يثن الله على أحدٍ في القرآن بنسبه أصلاً لا على ولد نبيٍّ ولا على أبي نبيٍّ وإنَّما أثنى على النَّاس بإيمانهم وأعمالهم وإذا ذكر صنفًا وأثنى عليهم فلما فيهم من الإيمان والعمل لا لمجرَّد النَّسب ولمَّا ذكر الأنبياء ذكرهم في الأنعام وهم ثمانية عشر قال: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم[الأنعام:87]، فبهذا حصلت الفضيلة باجتبائه سبحانه وتعالى وهدايته إيَّاهم إلى صراطٍ مستقيمٍ لا بنفس القرابة».

- الفائدة الثَّالثة والخمسون:

فيه أنَّ عاقبة الصَّبر على البلاء محمودة؛ وذلك أنَّ إبراهيم عليه السلام لـمَّا ابتلاه الله تعالى بذبح ابنه، امتثل لأمر ربِّه، وصبر على بلائه، فجزاه الله تعالى أن فداه بذبح عظيم، وجعل له لسان ذكرٍ في الآخرين، ورزقه غلامًا آخر من الصَّالحين.

***

هذا ما يسَّر الله لي جمعه من بدائع الفوائد، وإلاَّ لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله تعالى، وقد جعل الله كتابه ربيعَ القلوب ونورَ الصُّدور وجَلاءَ الأحزان وذهابَ الهموم.



(1) قال النَّووي في «شرح مسلم» (13/ 121): «أي صفحة العنق وهى جانبه وإنَّما فعل هذا ليكون أثبتَ له وأمكنَ لئلاَّ تضطرب الذَّبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذَّبح أو تؤذيه».

(2) أخرجه التِّرمذي (2398) وابن ماجه (4023) عن سعد ابن أبي وقَّاص، بإسناد جيِّد، وهو صحيح بشواهده. انظر «الصَّحيحة» (143).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 21»