أنت هنا:دراسات وبحوث»دور العلماء المالكية في تقرير الاجتهاد

دور العلماء المالكية في تقرير الاجتهاد

  • أ.د. عبد المجيد جمعة
تم قراءة المقال 5585 مرة

 

برز الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ) في خضمِّ نهضة علميَّة عظيمة، فتلقَّى العلم عن فقهاء المدينة، وعن غيرهم، فكان إمامًا في الفقه والحديث، وجمع أدوات الإمامة، وحصَّل الاجتهاد، وبلغ الذِّروة في النَّظر والاستدلال، وصار إمامًا يقصده الطلاَّب من كلِّ صوب وحدب، وتخرَّج على يديه ما لا يكاد يحصى من الخَلْقِ، وعني تلاميذه بضبط أصوله، ونقل فتاويه، حتَّى استقرَّ مذهبه، وعمَّ مشارق الأرض ومغاربها.

وانتشر مذهبه في كثير من البقاع، فعمَّ جهات مختلفة من الحجاز، وانتقل إلى العراق ومصر والقيروان والمغرب والأندلس وصقليَّة، وانتشر في جهات أخرى من العالم الإسلامي، فوصل إلى اليمن والشَّام، ودخل خُراسان، وفشا بقزوين، وأبهر، وما والاها، ودخل بلاد فارس وغيرها(1).

وقد حثَّ أتباعه على النَّظر والاجتهاد، وعدم التَّعصُّب لرأيه، ولـمَّا طلب الخليفة العبَّاسي أبو جعفر المنصور أن يضع له كتابًا يحمل النَّاس عليه، قال له رحمه الله: «يا أمير المؤمنين! إنَّ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرَّقوا في البلاد فأفتى كلٌّ في مصره بما رآه، وفي رواية: إنَّ لأهل هذه البلاد قولاً، ولأهل المدينة قولاً، ولأهل العراق قولاً، تعدَّوا فيه طورهم»، وفي بعض الرِّوايات قال له الإمام مالك: «يا أمير المؤمنين! لا تفعل؛ فإنَّ النَّاس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث وروايات، وأخذ كلُّ قوم بما سبق إليهم، وعملوا به، ودالوا له من اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم، وإنَّ ردَّهم عمَّا اعتقدوا شديد، فدعِ النَّاسَ وما هم عليه، وما اختار أهل كلِّ بلد لأنفسهم»(2).

وكان يقول: «ليس كلَّما قال رجل قولاً وإن كان له فضل يتَّبع عليه، يقول الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ[الزُّمَر:18] »(3).

ثمَّ خَلَفَ خَلْفٌ من بعد الإمام مالك رحمه الله وغيره من الأئمَّة المجتهدين ـ في منتصف القَرن الرَّابع ـ فترت هممُهم عن الاجتهاد المطلق، وقَصُرَ جهدُهم عن النَّظر في النُّصوص والاستنباطِ منها، ورَضُوا لأنفسهم التَّقليد المَحْضَ، والتَّعَصُّبَ البَحْتَ، واتَّخذ كلُّ واحد منهم إمامًا يتَّبعه، ومذهبًا يلتزمه، وصار مبلغَ علمِ أحدهم فَهْمُ كلام إمامه، وبيانُ أدلَّتِه، والتَّفريعُ على قواعده، والعناية بنقل أقواله، وبذلُ الجهد في نصرة مذهبه، والرَّدُّ على مخالفه حتَّى انقَسَمَ الفقه على أربعَة مذاهب، لكلِّ مذهب أنصارٌ وأشياع، وأحزابٌ وأتباع.

وصار اهتمامُ الفقيه المقلِّد بالمتون شرحًا أو اختصارًا أو تحشية، وأضحت نصوصُ إمام المذهب كنصوص الشَّارع، وادَّعى هؤلاء القومُ انقطاعَ الاجتهاد، وغلقَ أبوابه على رأس المائة الرَّابعة، ولم يَبْقَ مجتهدٌ مطلقٌ، بل المجتهدُ عندهم الَّذي يفهم نصوصَ إمامه، ويُفَرِّعُ على أصوله، ويطلقون عليه اسم: «مجتهد مقيَّد»، وهكذا دخل الفقه في عصر الانحطاط.

في خضمِّ هذا الجمود الفكري والرُّكود الفقهي، كان لعُلماء المالكيَّة دور بارز في إحياء الاجتهاد، وفتح أبوابه، وبعثه من جديد، فدعوا إلى ضرورة العودة بالفقه إلى ما كان عليه العهد الأوَّل، وأنكروا طريقة أتباع المذاهب في وقوفهم عند نصوص أئمَّتهم والاستدلال بها، دون الرُّجوع إلى النُّصوص الشَّرعيَّة والاحتجاج بها، والاستنباط منها؛ فهذا الإمام الحافظ أبو عُمَر بن عبد البرِّ ينكر على أهل بلده تقيُّدهم بالمذهب، فقال في بيان طوائف النَّاس في العلم:

«واعلم أنَّه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السَّلف إلاَّ لتفهُّم وجه الصَّواب فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلَّته، فيجري عليه أمثلته ونظائره، وعلى هذا النَّاس في كلِّ بلد إلاَّ عندنا ـ كما شاء الله ربُّنا ـ وعند من سلك سبيلنا من أهل المغرب؛ فإنَّهم لا يقيمون علَّة، ولا يعرفون للقول وجهًا، وحسب أحدهم أن يقول: فيها رواية لفلان ورواية لفلان؛ ومن خالف عندهم الرِّواية الَّتي لا يقف على معناها وأصلها وصحَّة وجهها، فكأنَّه قد خالف نصَّ الكتاب وثابت السُّنَّة، ويجيزون حمل الرِّوايات المتضادَّة في الحلال والحرام، وذلك خلاف أصل مالك، وكم لهم من خلاف أصول خلاف مذهبهم ممَّا لو ذكرناه لطال الكتاب بذكره، ولتقصيرهم عن علم أصول مذهبهم صار أحدهم إذا لقي مخالفًا ممَّن يقول بقول أبي حنيفة، أو الشَّافعي أو داود بن علي، أو غيرهم من الفقهاء، وخالفه في أصل قوله بقي متحيِّرًا، ولم يكن عنده أكثر من حكاية قول صاحبه، فقال: هكذا قال فلان، وهكذا روينا، ولجأ إلى أن يذكر فضل مالك ومنزلته، فإنْ عارضه الآخر بذكر فضل إمامه أيضًا ـ صار ـ في المثل، كما قال الأوَّل:

شـكـونـــــا إلـيـهـم خــراب الــعـــــراق

فـعـابـوا عـلـيـــنــا لـحــوم البقر

فـكــــانـــوا كـمـا قـيـل فـيما مضى

أريهـا الــسُّــهــا وتُـريـني القَمر

وفي مثل ذلك يقول منذر بن سعيد رحمه الله:

عـذيـري مـن قـوم يـقـولــــون كــلــمـا

طــلبـت دلــيلا: هـكذا قـال مــالك

وإن عدت قالوا: هـكـذا قال أشهب

وقد كان لا تخفى عليه الـمسالك

فـإن زدت قالـوا: قـال سـحــنون مثـله

ومـن لــم يـقـل مـا قـالـه فـهو آفك

فإن قـلت: قال الله ضجوا وأكـثروا

وقالوا جميعا: أنت قرن مماحك

وإن قلت: قد قال الرَّســول فـقولـهم

ائت مالكًا في ترك ذاك الـمالك

وأجازوا النَّظر في اختلاف أهل مصر وغيرهم من أهل المغرب فيما خالفوا فيه مالكًا من غير أن يعرفوا وجه قول مالك ولا وجه قول مخالفه منهم، ولم يبيحوا النَّظر في كتب من خالف مالكًا إلى دليل يبيِّنه، ووجه يقيمه لقوله وقول مالك جهلاً منهم، وقلَّة نصح، وخوفًا من أن يطلّع الطَّالب على ما هم فيه من النَّقص والتَّقصير فيزهد فيهم، وهم مع ما وصفنا يعيبون من خالفهم ويغتابونه، ويتجاوزون القصد في ذمِّه؛ ليوهموا السَّامع أنَّهم على حقٍّ، وأنَّهم أولى باسم العلم وهم: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا[النور:39]»(4).

وتتجلَّى مظاهر عناية العلماء المالكيَّة بالاجتهاد، ودورهم الفعَّال في إحيائه، في الأمور التَّالية:

 

أوَّلاً: دعوتهم إلى الاجتهاد وإبطال التَّقليد

فقد نصَّ كثير من علماء المذهب على وجوب الاجتهاد للعالم وتحريم التَّقليد عليه.

فعقد الإمام ابن القصار بابًا في إبطال التَّقليد من العالم للعالم، وذكر الأدلَّة على منعه(5).

وعقد العلاَّمة ابن عبد البرِّ بابًا في فساد التَّقليد ونفيه، والفرق بينه وبين الاتِّباع، ونظم قصيدة في ذمِّه، وحثّ فيها على التَّمسُّك بالنُّصوص والاجتهاد عند الاختلاف قال فيه:

يــا سـائــلـي عــن مــوضـع الــتَّـقــلـــيــد

خُـذ عنِّي الجوابَ بفهم لبٍّ حاضر

واصــغ إلى قــولي ودِن بــنــصــيــحــتي

واحفظ عــلــيَّ بــوَادِري ونــوادري

لا فـــرق بـــيـــن مـــقـــلّـد وبــــهـيــــمــــــة

تـنـقـاد بـيـن جـنــــــــادل ودعـــــــاثر

وقَد حكى الاتِّفاق على أنَّ المقلِّد لا علم له، ثمَّ حثَّ على حفظ النُّصوص والتَّفقُّه فيها والاستنباط منها، وترك التَّقليد فقال: «فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أنَّ من عني بحفظ السُّنن والأحكام المنصوصة في القرآن، ونظر في أقاويل الفقهاء فجعله عونًا له على اجتهاده ومفتاحًا لطرائق النَّظر، وتفسيرًا لجمل السُّنن المحتملة للمعاني، ولم يقلِّد أحدًا منهم تقليد السُّنن الَّتي يجب الانقياد إليها على كلِّ حال دون نظر، ولم يرح نفسه ممَّا أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السُّنن وتدبُّرها، واقتدى بهم في البحث والتَّفهُّم والنَّظر، وشكر لهم سعيهم فيما أفادوه ونبَّهوا عليه، وحمدهم على صوابهم الَّذي هو أكثر أقوالهم، ولم يبرِّئهم من الزَّلل كما لم يبرِّئوا أنفسهم منه، فهذا هو الطَّالب المتمسِّك بما عليه السَّلف الصَّالح، وهو المصيب لحظِّه والمعاين لرشده، والمتَّبع لسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم وهدي صحابته رضي الله عنهم.

ومن أعفَّ نفسه من النَّظر، وأضرَبَ عمَّا ذكرنا، وعارض السُّنن برأيه، ورام أن يردَّها إلى مبلغ نظره فهو ضالٌّ مضلٌّ، ومن جهل ذلك كلِّه ـ أيضًا ـ وتقحّم في الفتوى بلا علم فهو أشدُّ عمى وأضلُّ سبيلاً»(6).

وقطع أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي بمنع التَّقليد فقال: «كلُّ من اتَّبعت قوله من غير أن يجب عليك قَبوله لدليل يوجب ذلك، فأنت مقلِّده، والتَّقليد في دين الله غير صحيح، وكلُّ من أوجب عليك الدَّليل اتِّباع قوله، فأنت متَّبعه والاتِّباع في الدِّين مسوغ والتَّقليد ممنوع»(7).

وقد نصَّ القاضي عبد الوهَّاب في كتاب «المقدِّمات في أصول الفقه» على فرضيَّة الاجتهاد، وأطال الكلام في تقرير ذلك في نحو كرَّاسة.

وقال في ذمِّ التَّقليد ـ بعدما ذكر الآيات في الحثِّ على النَّظر والتَّفكُّر والاعتبار والتَّدبُّر ـ: «والتَّفقُّه من التَّفهُّم والتَّبيُّن، ولا يكون إلاَّ بالنَّظر في الأدلَّة واستيفاء الحجَّة دون التَّقليد، لا يثمر علمًا، ولا يفضي إلى معرفة، وقد جاء النَّصُّ بذمِّ من أخلد إلى تقليد الآباء والرُّؤساء، واتِّباع السَّادة والكبراء، تاركًا بذلك ما ألزمه من النَّظر والاستدلال وفرض عليه من الاعتبار والاجتهاد، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون[البقرة:170]، وقال: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون[الزُّخرُف:22]، في نظائر من الآيات، تنبيه بها على خطر التَّقليد بأن فيه نزع اتِّباع الأدلَّة، والعدول عن الانقياد إلى قول من لا يعلم أنَّه فيما تقلَّد فيه مصيب أو مخطئ، فلا يأمن من التَّقليد لغيره كون ما يقلِّده فيه خطأ أو جهلاً؛ لأنَّ صحَّة المذهب لا تتبيَّن من فساده باعتقاد المعتقد له وشدَّة تمسُّكه به، وإنَّما يتميَّز صحيح المذاهب من فسادها، وحقّها من باطلها بالدَّلالة الكاشفَة عن أحوالها، والمميِّزة بين أحكامها، وذلك معدومٌ في المقلِّد؛ لأنَّه متَّبع لقَول لا يعرف صحَّته من فساده، وإنَّما اعتقدَه لفوق مقلّده به».

وعدَّ الإمام القرافي الاجتهادَ من فروض الكفايات، فقال: «فيمن يتعيَّن عليه الاجتهاد: أفتى أصحابنا ـ رضي الله عنهم ـ بأنَّ العلم على قسمين: فرض عين، وفرض كفاية...

ففرض العين الواجب على كلِّ أحد، هو علمه بحالته الَّتي هو فيها...

وأمَّا فرض الكفاية فهو العلم الَّذي لا يتعلَّق بحالة الإنسان: فيجب على الأمَّة أن تكون منهم طائفة يتفقَّهون في الدِّين ليكونوا قدوة للمسلمين، حفظًا للشَّرع من الضَّياع، والَّذي يتعيَّن لهذا من النَّاس: من جاد حفظه، وحسن إدراكه، وطابت سجيَّته وسريرته، ومَن لا، فلا»(8).

ثانيا: بروز أئمَّة مجتهدين

لقد برز كثير من علماء المذهب، تحرَّروا من قيود التَّقليد، وخرجوا إلى فضاء النَّظر والاستدلال، وبلغوا رتبة الاجتهاد، واستكملوا أدواته؛ فمنهم من ادَّعاه لنفسه، ومنهم من وصف بذلك، وهذه الاجتهادات مكَّنتهم من الاستقلال بالرَّأي، وتبنِّي اختيارات فقهيَّة خارجة عن المذهب، وترجيح آراء صارت العمدة في القضاء والفتيا، وقد كان لعلماء الأندلس اليد الطُّولى في هذا المجال، فقد «اشتهر عدد من أعيان المذهب المالكي ومؤسِّسي مدرسته بالأندلس بالخروج عن المذهب ومخالفة رأي الإمام مالك، والأخذ بما عليه غيره من الأئمَّة المجتهدين، وفي هذا دلالة واضحة على الاطِّلاع الواسع لهؤلاء الفقهاء على آراء غيرهم من الأئمَّة واجتهاداتهم الفقهيَّة، وتوسّعهم في المعرفة وبعدهم عن التَّعصُّب المذهبي والتَّمسُّك بالدَّليل»(9).

ومن هؤلاء علماء المذهب الَّذين بلغوا رتبة الاجتهاد، واستكملوا أدواته عبر الأعصار في مختلف الأمصار.

ففي القرن الثَّالث نجد من تتلمذ على يد الإمام مالك رحمه الله، قد خالفه في مسائل عدَّة(10)، منهم:

يحيى بن يحيى بن كثير اللَّيثي القرطبي المتوفَّى سنة (224هـ)، أشهر رواة «الموطَّأ»، كانت له آراء خالف فيها الإمام مالكًا(11).

وعبد الملك بن حبيب السُّلمي القرطبي (238هـ)، له اختيارات كثيرة خالف بها المذهب معتدًّا برأيه، وربَّما ظهر له رجحانه، واختياراته الفقهيَّة مبثوثة في مختلف كتب الفروع الَّتي دوّنت بعده(12).

وسحنون بن سعيد التّنُّوخي القيرواني (240هـ)، ناشر المذهب المالكي في إفريقيا ومدوِّن مسائله، تجده خالف مالكًا في كثير من المسائل، وتقف على هذه الاختيارات في مدوَّنة المذهب بروايته، وقد تابعَه في بعض منها من جاء بعده، مرجِّحًا لها على غيرها(13).

وابن القاسم: قاسم بن محمَّد بن قاسم القرطبي أبو محمَّد (278هـ)، برع في الفقه، وذهب مذهب الحجَّة والنَّظر، وترك التَّقليد، ألَّف كتابًا في الرَّدِّ على ابن مزين والعتبي وعبد الله بن خالد سمَّاه: «الرَّدّ على المقلِّدة»، أو «الإيضاح في الرَّدِّ على المقلِّدين»(14).

وفي القرن الرَّابع، برز عدَّة علماء، تركوا التَّقليد، واختاروا مسائل خالفوا بها المذهب، منهم:

محمَّد بن عمر بن لبابة القرطبي (314هـ)، كان مستقلاًّ في رأيه، خالف المذهب في مسائل(15).

وأحمد بن أحمد بن زياد الفارسي أبو جعفر (319هـ)، كان فقيهًا نبيلاً ثقة، مذهبه النَّظر ولا يرى التَّقليد(16).

وعبد الله بن أبي زيد القيرواني (386هـ)، إمام المالكيَّة في عصره، له آراء خاصَّة لم يقلِّد فيها غيره(17).

وعبد الخالق بن خلف بن سعيد بن شبلون القيرواني (391هـ)، فقيه جليل كان عليه الاعتماد في الفتوى بعد ابن أبي زيد القيرواني، ألَّف كتابًا سمَّاه: «المقصد» يقع في أربعين جزء، كان مستقلَّ الرِّواية يفتي في مسائل برأيه مخالفًا لرأي غيره(18).

وعبد الله بن إبراهيم أبو محمَّد الأصيلي المتوفَّى سنة (392هـ)، كان من حفَّاظ مذهب مالك، من أعلم النَّاس بالحديث وأبصرهم بعلله ورجاله، تكلَّم على الأصول وترك التَّقليد، وكان يجتهد رأيه ولا يبالي أوافق مالكًا أم خالفه، وكان إذا استفتي عن مسألة قال للسَّائل: عن مذهب مالك تسألني أم عمَّا يقتضيه العلم بإطلاق؟(19).

وفي القرن الخامس ظهر علماء، حملوا لواء الاجتهاد، وتركوا التَّقليد، من أشهرهم:

محمَّد بن عمر بن بشْكُوال المعروف بابن الفخَّار القرطبي المتوفَّى سنة (419هـ)، كان حافظًا للحديث عارفًا باختلاف العلماء، له مذاهب أخذ بها في خاصَّة نفسه إذ كان مجتهدًا مستقلاًّ في رأيه مخالفًا لما عليه المذهَب في بعض مسائله(20).

وعُمَر بن محمَّد التَّميمي أبو حفص الشَّهير بالعطَّار التُّونسي، وصف بأنَّه من المجتهدين المبرَّزين، وأئمَّة القرويِّين المعدودين(21).

والحافظ أبو عمر يوسف بن عمر بن عبد البرِّ النّمري القرطبي (463هـ)، الفقيه المحدِّث حافظ المغرب، كان مستقلَّ الفكر بعيدًا عن الجمود، ومبغضًا للتَّقليد، وصرَّح كلُّ من ترجم له ببلوغه رتبة الاجتهاد، قال ابن حزم: «وممَّن أدركنا من أهل العلم على الصِّفة الَّتي من بلغها استحقَّ الاعتداد به في الاختلاف ابن عبد البرِّ»(22).

والإمام أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي (474هـ)، الفقيه الحافظ النّظَّار المتفنِّن حامل لواء المذهب، ووصف بأنَّه من الَّذين ارتقوا درجة الاجتهاد(23).

وعليُّ بن محمَّد الرَّبعي المعروف باللَّخمي الفَاكهاني (478هـ)، فقيهٌ ضليعٌ في المذهب، له كتاب مشهور على «المدوَّنة» سمَّاه «التَّبصرة»، له اختيارات خالف فيها المذهب، قال القاضي عياض: «وقد ضرب به المثل في كثرة اختياراته، حتَّى قال فيه الغلاوي:

واعــــــتـــمـدوا تـــبـــصــرة الـلَّــخــــمــي

ولــــم تــــكــن لــجـــاهـــل أمــــــــي

لــــكـــــــنَّـــــه مـــــــزّق بـــاخــــــتــــيـــاره

مذهب مــالــك لــدى امتياره»(24)

وفي القرن السَّادس وما بعده اشتهر كثير من أعيان العلماء ببلوغ رتبة الاجتهاد، والخروج عن المذهب، حتَّى ذاع صيتهم في الآفاق، منهم:

ـ محمَّد بن أحمد بن رشد القرطبي (520هـ)، زعيم الفقهاء المعروف بدقَّة الفهم وجودة النَّظر مع براعة التَّأليف، نعت بحافظ المذهب، وهو ممَّن بلغ الاجتهاد فيه، نصَّ على ذلك غير واحد(25).

ـ أبو الطَّاهر إبراهيم بن عبد الصَّمد التَّنُّوخي المهدوي (كان حيًّا سنة 526)، الإمام في الحديث وأصول الفقه والعريبَّة، من الفقهاء الأعلام البالغين درجة الاختيار والتَّرجيح، له مؤلَّفات، منها: «التَّنبيه على مبادئ التَّوجيه»، اعتنى فيه بأسرار التَّشريع واستنباط أحكام الفروع من قواعد الأصول، وذكر أنَّ من أحاط به علمًا بكتابه «التَّنبيه» ترقَّى عن درجة التَّقليد(26).

ـ محمَّد بن علي بن عُمَر أبو عبد الله التَّميمي المازري (536هـ)، المعروف بالإمام، خاتمة العلماء المحقِّقين، والأئمَّة الأعلام المجتهدين، الحافظ النظَّار، وصف بأنَّه بلغ رتبة الاجتهاد، وقد عجب السُّبكي كيف لم يدَّع الاجتهادَ مع أنَّه استجمع أدواته، بل نصَّ على بلوغه درجةَ الاجتهاد كلُّ مَن ترجم له(27).

ـ الإمام أبو بكر محمَّد بن عبد الله بن العربي الإشبيلي المتوفَّى سنة (543هـ)، فقيه متبحِّر مشارك في العلوم، تضلَّع في الفقه والخلافيَّات والحديث والأصول، قد خالف المذهب وأتباعه في كثير من المسائل، بل وصف نفسه بالاجتهاد في غير موضع من كتبه، قال :: «وهل أنا إلاَّ ناظر من النُّظَّار أدين بالاختيار وأتصرَّف في الأصول بمقتضى الدَّليل»(28)، قال الحافظ الذَّهبي: «كان أبو بكر ممَّن يقال: إنَّه بلغ رتبة الاجتهاد»(29).

ـ القاضي عياض بن موسى بن عياض اليحصبي (544هـ)، الفقيه الأصولي المحدِّث، وصف بأنَّه وصل درجة التَّخيير والتَّرجيح(30).

ـ العلاَّمة أحمد بن محمَّد بن منصور بن أبي القاسم أبو العبَّاس، المنعوت بناصر الدِّين الجروي الجذامي الإسكندراني المعروف بابن المنيِّر (683هـ)، علاَّمة الإسكندريَّة وفاضلها، كان إمامًا بارعًا، برع في الفقه ورسخ فيه، وفي الأصلين والعربيَّة وفنون شتَّى، وله اليد الطُّولى في علم النَّظر وعلم البلاغة والإنشاء، وكان متبحِّرًا في العلوم مدقِّقًا فيها، له الباع الطَّويل في علم التَّفسير والقراءات، نقل السُّيوطي عن ابن فرحون أنَّه قال: «كان ممَّن له أهليَّة التَّرجيح والاجتهاد في مذهب مالك»(31).

ـ العلاَّمة الشَّريف التِّلمساني محمَّد بن أحمد بن علي أبو عبد الله، الشَّيخ الفقيه الإمام العالم العلاَّمة الشَّهير الكبير (771هـ)، وصف ببلوغه درجة الاجتهاد، وممَّن صرَّح بذلك عصريُّه الخطيب ابن مرزوق الجدُّ(32).

ولو ذهبنا نحصر المجتهدين المبرِّزين في كلِّ عصر، وممَّن حصل على أدوات الاجتهاد، لخرج ذلك في سفر كبير، يكفي الإشارة إلى أنَّ حركة الاجتهاد لم تتوقَّف، فامتدَّت إلى القرن الرَّابع عشر بل إلى القرن الحديث، فقد برز أعلام، حملوا أعلام الاجتهاد، وبلغوا رتبته، واستجمعوا أدواته.

وفي العصر الحديث برزت جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين، برئاسة عبد الحميد بن باديس، فحملت على عاتقها شعار الإصلاح في جميع الميادين، ومنها إصلاح التعليم، والدَّعوة إلى الاجتهاد والتَّمسُّك بالنُّصوص.

قال الشَّيخ عبد الحميد بن باديس ـ وهو يذمُّ التَّقليد ـ: «كما أُدخلت على مذهب أهل العلم بدعة التَّقليد العامِّ الجامد الَّتي أماتت الأفكار، وحالت بينَ طلاب العلم معين السُّنَّة والكتاب، بل صيَّرتهما في زعم قوم غير محتاج إليهما من نهاية القرن الرابع إلى قيام الساعة، لا في فقه ولا استنباط ولا تشريع استغناء عنهما ـ زعموا ـ بكتب الفروع عن المتون والمختصرات، فأعرض الطُّلاَّب عن التَّفقُّه في الكتاب والسُّنَّة وكُتب الأئمَّة، وصارت معانيها الظَّاهرة بله الخفيَّة مجهولة حتَّى عند كثير من كبَار المتصدِّرين»(33).

وقال الرَّجل الثَّاني في الجمعيَّة العلاَّمة البشير الإبراهيمي في ذمِّه للتَّقليد وبيان آثاره الوخيمَة: «والمذاهب الفقهيَّة في حدِّ ذاتها ليسَت هي الَّتي فرَّقت المسلمين، وليس أصحابُها هُم الَّذين أَلزَموا النَّاس بها أو فَرضوا على الأمَّة تقليدَهم، فحَاشَاهُم من هذا، بل نَصحُوا وبيَّنوا وبَذلوا الجُهد في الإبلاغ، وحَكَّمُوا الدَّليل ما وجَدوا إلى ذلك السَّبيل، وأَتَوا بالغَرائِب في باب الاستنباط والتَّعليل، والتَّفريع والتَّأصيل، ولهم في باب استِخراج عِلَل الأحكام، وبناء الفُروع على الأصول، وجَمع الأَشباهِ بالأَشبَاهِ، والاحتياط ومُراعاة المصالح ما فاقُوا به المشرِّعين في جميع الأمَم.

وإنَّما الذي نَعُدُّه في أسباب تفرُّق المسلمين هو هذه العصبيَّة العَميَاء الَّتي حَدثَت بعدهم للمذاهب، والتي نَعتقد أنّهم لو بُعثوا من جديد إلى هذا العالم لأنكروها على أتباعهم ومُقَلِّدِيهم، وتبرَّأوا إلى الله منهم ومنها، لأنَّها ليست من الدِّين الذي ائتُمِنوا عليه، ولا من العلم الذي وَسَّعوا دائِرَتَه.

وكيف يرضَون هذه العصبيَّة الرَّعناء ويُقِرُّون عليها مُقلِّدَتهم؟!

ومن آثارها فيهم جَعلُ كلام غير المعصوم أصلاً، وكلامَ الله ورسوله فَرعًا يُذكَر للتَّقوية والتَّأييد إنْ وَافَق، فإن خالَف أُرغِم بالتَّأويل حتَّى يُوافِق، وهذا شرُّ ما بَلَغته العصبيَّةُ بأهلِها.

ومن آثارها فيهم معرفَة الحقِّ بالرجال، ومن آثارها فيهم اعتِبَار المخالِف في المذهَب كالمخالف في الدِّين يختلف في إمامته ومُصاهرتِه وذكاته وشهادته إلى غير ذلك ممَّا نَعُدُّ منه ولا نُعَدِّدُه.

وقد طَغَت شُرور العصبيَّة للمذاهِب الفِقهيَّة في جميع الأقطار الإسلاميَّة، وكان لها أَسوأُ الأَثَر في تفريق كلمة المسلمين، وإنَّ في وجه التَّاريخ الإسلامي منها لنُدُوبًا.

أمَّا آثارها في العلوم الإسلاميَّة فإنَّها لم تمدَّها إلاَّ بنوع سخِيف منَ الجدل المكابر، لا يُسمِن ولا يُغنِي من جُوع، ولا عَاصِم مِن شُرور هذه العصبيَّة إلاَّ صرفُ النَّاشِئة إلى تعلِيمٍ فِقهيٍّ يستند على الاستقلال في الاستدلال، وإعدادِها لبُلُوغ مراتِب الكمال، وعدم التَّحجير عليها في استخدام مواهبها إلى أقصى حدٍّ»(34).

وبرز العلاَّمة الشَّيخ طاهر بن عاشور بتونس المتوفَّى سنة 1393هـ/1973م، فقد وصفَه تلميذه الشَّيخ محمَّد الحبيب ابن الخوجة فقال: «لم يعش بعيدًا عن وَعْي الواقع، منصرفًا إلى أوراقه وبحوثه النَّظرية، دون النَّظر في كيفية تنزيل الأحكام الشَّرعية على واقع النَّاس، وتقويم حياتهم بقيَم الإسلام في الكتاب والسُّنَّة، والارتقاء بأدوات الاجتهاد، والتَّعامل مع النُّصوص التَّكليفيّة في الكتاب والسُّنَّة، تفسيرًا، وبيانًا، واجتهادًا، وفق منهج علمي أصيل».

فقد كان مجتهدًا مجدِّدًا، رفض دعوى أنَّ باب الاجتهاد قد أغلق في أعقاب القرن الخامس الهجري، ولا سبيل إلى فتحه مرة أخرى، وكان يرى أنَّ ارتهان المسلمين لهذه النَّظرة الجامدة المقلِّدة سيُصيبهم بالتَّكاسل، وسيعطِّل إعمال العقل لإيجاد الحلول لقضاياهم التي تجدّ في حياتهم، وألّف كتابه في مقاصد الشريعة الإسلامية الَّذي بعث به روح الاجتهاد، ورسم به المنهج المقاصدي لتطويره وتفعيله(35). 

وبرز في شنقيط (موريتانيا) علماء كبار، اشتهروا بالاجتهاد، واستكمال أدواته، ومن أشهرهم: الشَّيخ محمَّد الأمين بن محمَّد المختار الشنقيطي المتوفَّى 1393هـ، صاحب كتاب «أضواء البيان»، فقد بلغ رتبة الاجتهاد، ونصَّ على مشروعيَّته، وأنكر على مَن منعه في الشَّرع مطلقًا(36).

ثالثا: العناية بأصول الفقه

مما لاشك فيه أنَّ علم أصول الفقه وسيلة مهمّة لبلوغ رتبة الاجتهاد، فهو يفتح آفاق الاجتهاد وينظِّم مسالكَه، ويضبط المجتهدين من الانحراف في الاستدلال، ويذلِّل لهم طرق الاستنباط.

ومعلوم أنّ حوادث الناس تتجدّد، والنوازل تتعدَّد، فكان على المجتهدين ضبط قواعد كلّيات، تندرج فيها أحكام تلك الجزئيّات، وهذا مبني على الاجتهاد والاستنباط والإلحاق، ويرجع هذا إلى أصول الفقه وقواعده.

وقد نصَّ علماء المذهب على اشتراط أصول الفقه في المجتهد.

قال الباجي في بيان صفة المجتهد: «ويكون عالما بأصول الدِّيانات وأصول الفقه، عالما بأحكام الخطاب من العموم والأوامر والنواهي والمفسَّر والمجمل والنَّص والنسخ وحقيقة الإجماع.

قال: فإذا كملت له هذه الخصال كان من أهل الاجتهاد، جاز له أن يفتي وجاز للعامِّي أنْ يقلِّدَه فيما يفتي فيه»(37).

وقال ابن رشيق: «أنْ يكون عارفًا بكيفية استثمار الأحكام من أصولها، وهي الكتاب والسُّنَّة وإجماع الأمَّة والقياس»(38).

وقال ابن جُزي: «المعرفة بأصول الفقه، فإنَّه الآلة الَّتي يتوصَّل بها للاجتهاد»(39).

ولقد اهتمَّ علماء المذهب بأصول الفقه، وصنّفوا فيه التآليف في وقت مبكّر، وأسهموا في تيسير الاجتهاد وتذليل طرقه للمجتهدين، وضبط مسالك الاستدلال، حتَّى جاوزت مؤلَّفاته مائتي كتاب، وفي هذا ردٌّ واضح على من ادَّعى قصور المالكية في ذلك، فلقد أبدعوا في تأليف الأصول، فـ«مقدمة في الأصول» لابن القصَّار، و«التَّقريب والإرشاد» للقاضي أبي بكر الباقلاني، و«الملخَّص في الأصول» للقاضي عبد الوهاب الَّذي نقل عنه غير واحد، و«إحكام الفصول»، للباجي، و«منتهى السُّول» والأمل»، و«مختصره» لابن الحاجب، و«المحصول من علم الأصول» لأبي بكر بن العَربي، و«إيضاح المحصول من برهان الأصول» للمازري، و«تنقيح الفصول وشرحه» و«نفائس الأصول» و«العقد المنظوم في الخصوص والعموم» ثلاثتها للقرافي، و«لباب المحصول» لابن رشيق، و«تقريب الوصول» لابن جزي، و«الموافقات» للشاطبي وغيرها ممَّا جادت به قريحة أولئك الفحول في علم الأصول، وصار من جاء بعدهم عيالا عليها شرحا واختصارًا، ونقلا وتعليقا؛ ولولا خشية الإطالة لذكرنا ثبت أعيان الأصوليِّين المالكيِّين ومؤلَّفاتهم عبر العصور والدُّهور على ما ورد في كتب التَّراجم وفهارس الكتب(40).

ويكفي الإشارة أنّهم ممَّن كان لهم السَّبق في تدوين أصول الفقه، فقد ألَّف إمام المذهب مالك بن أنس كتاب «الموطأ»، إشارة منه إلى الأصول التي اعتمد عليها في الاجتهاد، قال أبو بكر بن العربي: «هذا أوَّل كتاب ألِّف في شرائع الإسلام وهُو آخره؛ لأنَّه لم يؤلَّف مثلُه إذ بنَاه مالك رضي الله عنه على تمهيد الأصول للفُروع، ونبَّه فيه على معظم أصول الفقه الَّتي ترجع إليها مسائله وفروعُه»(41)، ثمَّ توالى أتباعُه بالتَّأليف من بداية القرن الثالث:

فالإمام أبو عبد الله أصبغ بن الفرج (225هـ)، له كتاب الأصول في عشرة أجزاء، وعرف بـ«أصول أصبغ»(42).

وابن قاسم المتقدِّم في طبقات المجتهدين، قد تقدَّم أنَّ له كتابًا في: «الردّ على المقلّدة»، أو «الإيضاح في الرَّّدِّ على المقلِّدين»، وله أيضًا: «كتاب في خبر الواحد».

وإسماعيل بن إسحاق الجَهْضَمي الأزدي القاضي (282هـ)، ذكر مترجموه أنَّ له كتابًا في الأصول(43).

وأبو يحيى زكريا بن يحيى الكَلاَعي القُرطبي (300هـ)، صنَّف كتابًا في الأصول(44).

* رابعًا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العناية بأحكام النَّوازل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ممَّا يبرز إسهامَ العلماء المالكيَّة في تقرير الاجتهاد عنايتُهم بالنَّوازل المستجدَّة والحوادث والقضايا الجَديدة، الَّتي كانت تعتري النَّاس في حياتهم اليوميَّة، على اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم، فتصدَّوا لها بالنَّظر والاجتهاد، والاستدلال والاستنباط، لمعرفة أحكامها بالأدلَّة الشَّرعيَّة وتوابعها.

وتتجلَّى مساهمة علماء المذهب، تأليفهم في النَّوازل الفقهيَّة، وبروز كثير منهم، وصفوا بحسن الاستنباط في النَّوازل، والمعرفة بها، وبدأ التَّدوين من القرن الثَّالث، فصنَّف سُحنون بن سَعيد التَّنوخي (240هـ) كتاب «المدوَّنة»، وهو مسائل، سئل عنها ابن القاسم فأجاب عنها بما سمعه من الإمام مالك، وإذا لم يجد جوابا عن الإمام أجاب باجتهاد رأيه. 

وصنّف ابنه محمَّد بن سحنون (256هـ) كتاب «أجوبة الفقهاء»(45).

وصنّف محمَّد بن أحمد بن عبد العزيز العُتبي القُرطبي (254هـ) «المستخرجة» الشَّهيرة بـ«العُتْبِية»، ضمَّنها مسائل ابن القاسم عن مالك، وآراء تلاميذه وأتباعه، وكثّر فيها من الرِّوايات المطروحة والمسائل الشَّاذة.

ثمَّ تتابع التَّأليف عبر مختلف القُرون، ومن أشهر المؤلَّفات في ذلك:

«منتخب الأحكام»، لمحمَّد بن عبد الله الإلبيري المعروف بـابن أبي زَمنين (399هــ)، وهو مطبوع ومتداول.

و«المسائل القسطنطينية» للقاضي أبي بكر الباقلاني، له أيضا: «جواب أهل فلسطين»، و«مسائل سأل عنها ابن عبد المؤمن»(46).

و«فصول الأحكام فيما جرى به عمل المفتين والحكَّام»(47)، للقاضي أبي الوليد الباجي.

و«نوازل الأحكام» أو «فتاوى أبي مطرِّف» ويسمَّى أيضا: «نوازل الشَّعبي»، لأبي المطرف عبد الرَّحمن المالقي بن قاسم الشَّعبي (497هـ)، طبع بتحقيق الصَّادق الحلوي.

و«مُعين الحكَّام في نوازل القَضايا والأحكام» لإبراهيم ابن حسن الرَّبعي التُّونسي المكنى بابن عبد الرَّفيع (513هـ)، قام بتحقيقه د. محمود علي مكي، ود. محمَّد عبد الوهاب خلاف.

و«فتاوى ابن رشد» لأبي الوليد محمد بن أحمد القرطبي (520هــ) جمعها تلميذاه الفقيهان القرطبيان: أبو الحسن محمَّد بن الوزان، وأبو مروان عبد الملك بن مسَرَّة، وهو مطبوع ومتداول بتحقيق د. مختار التليلي.

و«نوازل الأحكام» أو «الفصول المقتضبة من الأحكام المنتخبة»(48)، للقاضي أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله النُّميري المعروف بابن الحاج الغرناطي (769هـ).

و«مذاهب الحكام في نوازل الأحكام»، للقاضي عياض، جمعها ولده محمَّد بن عياض. وهو مطبوع بتحقيق د. محمد بن شريفة؛ وله أيضًا: كتاب «الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة»، وكتاب «أجوبة القرطبيِّين»، وكتاب «أجوبته عمَّا نزل في أيَّام قضائه من نوازل الأحكام».

و«المفيد للحكَّام فيما يعرضُ لهم من نوازل الأحكام»(49)، لأبي الوليد هشام بن عبد الله الأزدي القرطبي (606هــ).

و«معين الحكَّام في نوازل القضَايا والأحكام»، لابن عبد الرَّفيع إبراهيم بن حسن التُّونسي (733هـ)، وقد طبع بتحقيق د. محمد بن قاسم بن عياد.

و«العقد المنظّم للحكَّام فيما يجري بين أيديهم من العقود والأحكام»، لابن سلمون، سلمون بن علي بن عبد الله الكناني الغرناطي (767هـ)(50).

و«جامع مسائل الأحكام ممَّا نزل بالمفتين والحكام»، للبرزلي أبي القاسم بن أحمد القيرواني ثمَّ التُّونسي (844هـ)، وتعرف أيضًا بـ«نوازل البرزلي»، و«الحاوي في النوازل»، اختصرها الشَّيخ أحمد الونشريسي صاحب «المعيار» واعتمدها مصدَرًا لكتابه، وقد طبعت بتحقيق الأستاذ محمَّد الحبيب الهيلة.

و«فتاوى الشاطبي»، لأبي إسحاق الشَّاطبي (790هـ)، وقَد طبعت بتحقيق د. محمَّد أبو الأجفان سنة (1404هــ).

و«الدُّرر المكنونة في نوازل مازونة»(51)، للمازوني يحيى بن موسى بن عيسى المغيلي (883هــ)، جمع فيها فتاوى المتأخِّرين من أهل تونس والجزائر وتلمسان، وهي من مصادر كتاب «المعيار» للونشريسي.

و«المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب»، لأبي العبَّاس أحمد بن يحيى الونشريسي (914هــ). وهو أكبر موسوعة نوازليَّة في المغرب، جمع فيه مؤلِّفه فتاوى المتقدِّمين والمتأخِّرين من فقهاء المغرب والأندلس، بالإضافة إلى فتاويه الخاصَّة، وهو مطبوع ومتداول.

واستمرَّ التَّأليف إلى العصور المتأخِّرة، ومن نوازل المتأخِّرين:

«النَّوازل الصُّغرى أو المنح السَّاميَّة في النَّوازل الفقهيَّة»(52) للمهدي بن محمد الوزَّاني العمراني الحَسني الفاسي، آخر المفتين الكبار المؤلفين في النَّوازل (1342هـ)، جمع فيه فتاوى المتأخِّرين من علماء المغرب.

و«النَّوازل الجديدة الكبرى في أجوبة أهل فاس وغيرهم من البدو والقرى» أو «المعيار الجديد الجامع المغرب عن فتاوى المتأخِّرين من أهل المغرب»، وهو للوزَّاني أيضًا، وهو أجود من «معيار الونشريسي» إذ امتاز بذكر فتاويه، وفتاوى غيره من أهل فاس وغيرهم من معاصريه وشيوخه من المتأخِّرين، وأضاف إليه فتاوى بعض المتقدِّمين الأندلسيِّين والقيراونيِّين والبجائيِّين والتِّلمسانيِّين وغيرهم(53).

و«نتائج الأحكام في نوازل الأحكام»(54) لأحمد بن محمَّد الرَّهوني التَّطواني (1373هــ).

و«الأجوبة الرَّشيدة في حَلِّ النَّوازل الفقهيَّة والمعاملات المعاصرة» للفقيه رشيد بن الفقيه محمَّد الشَّريف العلمي، ولد سنة (1934م)، وقد طبع في المغرب سنة (2004م).

وغيرها ممَّا صنِّف في هذا الشَّأن ممَّا يصعُب حصرُه واستقصاؤه.

هذه أهمُّ الجوانب الَّتي تكشف دور العُلماء المالكية ومدى إسهامهم في تقرير الاجتهاد وتيسيره، وفتح أبوابه وتذليل صعابه، دعوةً وممارسةً وشهادةً وتصنيفًا، وهذا ردٌّ على مَن يرمي المالكية بالتَّعصُّب المذهبي، والتَّلقيد الفقهي.



(1) انظر: «ترتيب المدارك» (1/24).

(2) انظر: «الانتقاء» لابن عبد البر (41)، و«ترتيب المدارك» (1/60).

(3) «الاعتصام» (2/235).

(4) انظر: «جامع بيان العلم» (2/328 ـ 329).

(5) انظر: «المقدِّمة في أصول الفقه» (140 وما بعدها).

(6) انظر: «جامع بيان العلم» (2/329 وما بعدها).

(7) نقله عنه ابن عبد البر في المصدر السابق (2/223).

(8) انظر: «شرح تنقيح الفصول» (435).

(9) «المدرسة المالكية الأندلسية إلى نهاية القرن الثالث الهجري» (284) إعداد الأستاذ مصطفى الهروس ـ طبعة: وزارة الأوقاف المغربية سنة 1418هـ/ 1997م، وانظر كتاب «الاجتهاد والمجتهدون» للكتاني.

(10) انظر: «المدرسة الأندلسية»(284)، و«مباحث في المذهب المالكي بالمغرب» د عمر الجيدي (282).

(11) انظر: «ترتيب المدارك» (3/379)، و«الديباج المذهب» (350).

(12) انظر: «ترتيب المدارك» (4/122)، و«الديباج المذهب» (154).

(13) انظر: «ترتيب المدارك» (4/45)، و«الديباج المذهب» (160).

(14) انظر «ترتيب المدارك» (4/448) «الديباج المذهب» (144).

(15) انظر «ترتيب المدارك» (5/153) «الديباج المذهب» (245) مباحث (283).

(16) انظر: «الديباج المذهب» (37).

(17) انظر: «ترتيب المدارك» (2/215)، و«الديباج المذهب» (136)، و«مباحث في المذهب المالكي» (284).

(18) انظر: «ترتيب المدارك» (6/263)، و«مباحث في المذهب المالكي» (284).

(19) انظر: «ترتيب المدارك» (7/135)، و«الديباج» (138)، و«الفكر السَّامي» (2/117).

(20) انظر: «الديباج» (171)، و«الفكر السَّامي» (2/203)، و«شجرة النُّور» (112).

(21) انظر: «نيل الابتهاج» (299)، و«شجرة النُّور» (107).

(22) انظر «ترتيب المدارك» (8/128) «تذكرة الحفاظ» (3/306) «الديباج» (257).

(23) انظر «المدارك» (8/117) «الديباج» (120) «الفكر السامي» (2/455).

(24) انظر «بوطليحة» (74) لمحمد النابغة بن عمر الغلاوي.

(25) انظر «الديباج» (278) «شجرة النور» (128) «الفكر السامي» (2/219).

(26) انظر «الديباج» (1/265)، «شجرة النور» (126).

(27) انظر «الديباج» (279)، «شجرة النور» (136) «الفكر السامي» (221).

(28) انظر «العواصم من القواصم» (2/74).

(29) انظر «سير الأعلام» (20/201) «تذكرة الحفاظ» (4/62).

(30) انظر «الديباج» (168) «شجرة النور» (140) «الفكر السامي» (223).

(31) انظر «الرد على من أخلد إلى الأرض» (57)، ولم أقف على عبارته في «الديباج» (245)، والله أعلم.

(32) انظر «كفاية المحتاج» (336).

(33) انظر: «آثار عبد الحميد بن باديس» (5/38).

(34) انظر «آثار البشير الإبراهي» (1/165 ـ 166).

(35) انظر «مقاصد الشريعة الإسلامية» (165).

(36) انظر «أضواء البيان» (3/146)، (4/172).

(37) انظر: «إحكام الفصول» (ف/784).

(38) انظر « لباب المحصول» (2/711).

(39) انظر «تقريب الوصول» (435)، وكذا «شرح التَّنقيح» (437).

(40) انظر «المصادر الأصوليَّة عند المالكيَّة» إعداد مولاي الحسين الحيان.

(41) انظر «القبس» (1/75).

(42) انظر «المدارك» (4/20).

(43) انظر «ترتيب المدارك» (4/292).

(44) انظر «التكملة» (1/263).

(45) ذكره في «الديباج» (239) بعنوان: «كتاب الجوابات»، وتوجد نسخة خطية بالخزانة العامة بالرباط، رقم: 1341د.

(46) انظر «ترتيب المدارك» (7/67).

(47) انظر «إيضاح المكنون» (4/193).

(48) انظر «إيضاح المكنون» (4/194).

(49) انظر «كشف الظنون» (2/1778)، وتوجد نسخة خطية منه بخزانة القرويين بفاس، رقم: 481.

(50) قد طبع بهامش كتاب «التبصرة» لابن فرحون، وتوجد نسخ منه: في الأزهرية (309535 و314844)، وفي «مخطوطات جامعة الملك سعود» برقم: (327)، والمكتبة الوطنية بتونس برقم: (3858) و«خزانة القرويين».

(51) توجد نسخة منه بالمكتبة الوطنيَّة بالجزائر؛ وبالخزانة العامَّة بالرِّباط رقم: (883د)، وبالمكتبة الوطنية بتونس (217 و3502)، وهو قيد التحقيق.

(52) حقَّقه عمر بن عبَّاد في 11 مجلَّدا.

(53) طبع بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب في أربعة أجزاء سنة (1929م).

(54) توجد نسختان خطيتان منه بالخزانة العامة بالرباط ورقمهما: (2160د و2164د).

 

* منقول من مجلة الإصلاح العدد (31)