أنت هنا:دراسات وبحوث»ذكر ما ورد عن الإمام مالك رحمه الله وبعض علماء المالكيَّة بالمغرب في التَّمسُّك بالسُّنَّة وفهم السَّلف ونبذ البدعة (1)

ذكر ما ورد عن الإمام مالك رحمه الله وبعض علماء المالكيَّة بالمغرب في التَّمسُّك بالسُّنَّة وفهم السَّلف ونبذ البدعة (1)

  • أحمد عيمر
تم قراءة المقال 5248 مرة

 

من أعظم المِنَنِ الَّتي امتنَّ الله عز وجل بها على أمَّة الإسلام؛ أن أكمل لها شَرْعَهَا، ورضي لها دينها، ولَم يبق لمستزيد أن يزيد فيه، قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا[المائدة:3]، ومن رحمته بها أيضًا أن جعل بيان معالم هذا الدِّين وتفاصيله لرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، قال عزَّ من قائل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون[النحل:44].

فما من خير إلاَّ ودلَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّتَه عليه، وما من شرٍّ إلاَّ وحذَّرها منه إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم ، وقد تركها على المحجَّة البيضاء لا يزيغ عنها إلاَّ هالك، فعن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: «خرج رسول الله علينا صلى الله عليه وسلم فقال: «اَيْم اللهِ، لأَتْرُكَنَّكُمْ عَلَى مِثْلِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا سَوَاء»، فقال أبو الدَّرداء رضي الله عنه: صدق الله ورسوله، فقد تركنا على مثل البيضاء»(1).

فأخذ الصَّحابة رضي الله عنهم الدِّين غضًّا طريًّا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يستنُّون بسنَّته، ويهتدون بهديه، ويقتدون بسَمْتِه، فسعدوا بذلك بدينهم في دنياهم وأخراهم، وعاشوا مجتمعين غير متفرِّقين، قائمين بدين الله لا يعرف الخلافُ إليهم طريقًا، إلى أن بدأت بوادر الخلاف تنبت في آخر خلافة ذي النُّورين عثمان رضي الله عنه، وأوَّل خلافة علي رضي الله عنه ، فظهرت الخوارج الَّذين كفَّروا جملةً من الصَّحابة، وقتلوا عثمان وعليًّا رضي الله عنهما، ومن بعدهم الرَّوافض الَّذين ادَّعوا نصرة عليٍّ وآل بيت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ظهرت القدريَّة في آخر عهد الصَّحابة الَّذين زعموا أنَّ الأمر أُنف، وفي خضم هذه البدع الثَّلاث ظهرت المرجئة في مقابل بدعة الخوارج ـ الَّذين كفَّروا مرتكب الكبيرة ـ، فأتوا ببدعة جديدة شنيعة حيث أخَّروا العمل عن مسمَّى الإيمان.

وهكذا توالت على الأمَّة الإسلاميَّة على مرِّ الأيَّام البدعُ والمحدثاتُ، حتَّى غدت السُّنَّة النَّبويَّة غريبة محدثة، والبدعة دينًا مألوفًا متوارثًا، وأصبح مَن اتَّبع السُّنن والآثار يتّهم بأنَّه جاء بشرع جديد، وسبيل غير قويم، يُبدِّل دين الآباء والأجداد، ويُسفِّه العادات والمألوفات، وهذا مصداق حديث النبيِّ المصطفى صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»(2).

لكن من رحمة الله بهذه الأمَّة أن تكفَّل بحفظ هذا الدِّين، فقال تقدَّس في علاه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون[الحِجر:9]، فجعل سبحانه في هذه الأمَّة غرسًا؛ ينبت منه رجالٌ عدولٌ فحولٌ، ينفون عنه انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، فلَم يَخْلُ قرنٌ بعد القرون الثَّلاثة المفضَّلة من علماءَ ربَّانيِّين يُجدِّدون لهذه الأمَّة أمر دينها، ويعودون بها إلى كتاب الله عز وجل وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم على نهج سلف الأمَّة، ونبذ ما يضادُّ ذلك من البدع والأهواء.

وقد كان للإمام مالك رحمه الله وتلاميذه من بعده ومن انتسب من أهل العلم إلى مذهبه قدرٌ وافرٌ من هذا النُّصح والتَّوجيه، والبيان والتَّعليم، حيث تظافرت عنهم نصوص عديدة في ضرورة التزام الكتاب والسُّنَّة، واتِّباع فهم السَّلف الصَّالح لهما، والبُعْدِ الشَّديد عمَّا أحدث من انحرافات عقديَّة، وتعبُّدات بدعيَّة، كما أنَّهم حذَّروا ـ رحمهم الله ـ من مجالسة من كان متلبِّسًا بمثل هذه المحدثات والمنكرات ليعلم الجاهل خطرها ويرتدع عنها من قارفها.

ولبيان هذه الجهود المباركة جعلت دراستي لها في مطلبين، هما على النَّحو التَّالي:

المطلب الأوَّل: ذكر ما ورد عن الإمام مالك رحمه الله وبعض علمــاء المالكيَّة بالمغرب في التَّمـسُّـك بالسُّـنَّـة وفهم السَّلـف.

من أصول الإمام مالك رحمه الله التَّمسُّك بالوَحْيَيْنِ الشَّريفين، قال عبد الله بن وهب رحمه الله: «سمعت مالك بن أنس رحمه الله يقول: «الزم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع: «أَمْرَانِ تَرَكْتُهُمَا فِيكُمْ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم »(3)»(4)، وعنه أيضًا قال: قال لي مالك: «الحُكْمُ الَّذي يُحْكَمُ به بين النَّاس حكمان: ما في كتاب الله، أو ما أَحْكَمَتْهُ السُّنَّة، فذلك الحكم الواجب، وذلك الصَّواب، والحكم الَّذي يجتهد فيه العالم رأيه فلعلَّه يوفَّق، وثالث متكلّف فما أحراه ألاَّ يوفَّقَ»(5)، ولذلك كان شديد التَّمسُّك بالكتاب، كثير النَّهل منه، قال  خالد بن نزار الأيلي رحمه الله قائلاً: «ما رأيت أحدًا أنزع بكتاب الله عز وجل من مالك بن أنس»(6).

بل وحثَّ رحمه الله أصحابه على التَّمسُّك بهما، وإن خالف ذلك اجتهاده رحمه الله، قال معن بن عيسى: سمعت مالك بن أنس يقول: «إنَّما أنا بشرٌ أخطِىءُ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلُّ ما وافق الكتاب والسُّنَّة فخذوا به، وكلُّ ما لم يوافق الكتاب والسُّنَّة فاتركوه»(7)، وقال أيضًا: «ليس أحدٌ بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم»(8)، فبيَّن رحمه الله أن ليس لأحد بعد النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الادِّعاء بأنَّ اجتهاده ورأيه حجَّة على الخَلْقِ، بل الحجَّة في الكتاب والسُّنَّة لا غير.

وكان رحمه الله وقَّافًا عند حدود الكتاب والسُّنَّة؛ لا يتعدَّاهما في أدنى أمرٍ وإن بدَا فيه خير وأنَّه يسير، فعن الزُّبير بن بكار(9) قال: «سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله! من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: إنِّي أريد أن أُحْرِمَ من المسجد من عند القبر ـ يعني قبر النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ـ قال: لا تفعل فإنِّي أخشى عليك الفتنة، قال: وأيُّ فتنةٍ في هذا؟ إنَّما هي أميال أزيدها، قال: وأيُّ فتنة أعظم من أن ترى أنَّك سبقت إلى فضيلة قصَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنِّي سمعت الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم[النور:63]»(10).

قال الشَّاطبيُّ رحمه الله: «فأنت ترى أنَّه خَشِيَ عليه الفتنةَ في الإحرام من موضع فاضلٍ لا بقعة أشرف منه، وهو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضع قبره، لكنَّه أَبْعَدُ من الميقات، فهو زيادة في التَّعبُّد قصدًا لرضى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فبيَّن أنَّ ما استسهله من ذلك الأمر اليسير في بادي الرَّأي يخاف على صاحبه الفتنة في الدُّنيا والعذاب في الآخرة واستدلَّ بالآية، فكلُّ ما كان مثل ذلك؛ داخل عند مالك في معنى الآية(11)».

وكان رحمه الله داعيةً إلى التَّمسُّك بهدي من سبقه من السَّلف، وما بيَّنوه من العقائد، وفسَّروه من الآيات، واستنبطوه من الأحكام، فقال: «والتَّسليمُ للسُّنن، لا تعارضُ برأيٍ ولا تُدَافَعُ بقياسٍ، وما تأوَّله السَّلف الصَّالح تأوَّلْنَاه، وما عَمِلُوا به عمِلناه، وما تركوه تركناه، ويَسَعُنَا أنْ نُمْسِك عمَّا أمسكوا، ونتَّبعهم فيما بيَّنوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج عن جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله»(12).

وكان كثيرًا ما يذكر قول الخليفة عمر ابن عبد العزيز رحمه الله ، ويرتجُّ له سرورًا إذا حدَّث به، فعن مطرف بن عبد الله(13) قال: سمعت مالك بن أنس إذا ذُكِرَ عنده الزَّائغون في الدِّين يقول: قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: «سَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاةُ الأمر بعده سنَنًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله عز وجل، واستكمال لطاعته، وقوَّة على دين الله، ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ولا النَّظر في رأي من خالفها، فمن اقتدى بما سنُّوا اهتدى، ومن استبصر بها أبصر، ومن خالفها واتَّبع غير سبيل المؤمنين ولاَّه الله عز وجل ما تولاَّه، وأصلاه جهنَّم وساءت مصيرًا»(14).

وممَّا كان يتمثَّل به من قول الشَّاعر:

وخـير الأمـور مـا كـــان سنَّة

وشرُّ الأمور المحدثات البدائع

ولقد اتَّبع أصحاب مالك ومن نهج نهجهم من علماء المالكيَّة من بعدهم هذا المسلك، واستمسكوا به وأوصوا به في خطبهم ومواعظهم وكتاباتهم، وكان هو المنجي لهم بعد الله عز وجل من تلك البدع الَّتي حلَّت ببلاد المغرب من خارجيَّة واعتزاليَّة ورافضيَّة.

فممَّا أُثِرَ عنهم في التَّمسُّك بالسُّنَّة وهدي السَّلف والدَّعوة إليهما ما ورد عن البهلول ابن راشد(15)رحمه الله (ت183هـ)، أحد أئمَّة المالكيَّة بالمغرب الذَّابِّين عن حياض السُّنَّة، وكان كثيرًا ما يُسمع يقول: «السُّنَّة السُّنَّة» ويلحُّ بها(16)، يريد : دعوة غيره للتَّمسُّك بالسُّنَّة، والعضِّ عليها كما وردت بذلك الآثار.

ومنهم عون بن يوسف الخزاعي(17) (ت239هـ)، وكان رجلاً صالحًا ثقةً مأمونًا، شديدًا على أهل البدع، قائمًا بالسُّنَّة، وممَّا أُثِرَ عنه في ذلك ما نقله عنه المالكيُّ في الدَّعوة إلى التَّمسُّك بها حيث قال: «وكان يقول: لا يبالي من لقي الله عز وجل على الإسلام والسُّنَّة على أيِّ جنب لقي الله تعالى(18)فقال له ولده: وإن كثرت ذنوبه؟ فقال: نعم، فاسْتَعْظَمْتُ ذلك وتعجَّبت منه، فقال لي: وتلك الذُّنوب كلُّها تدخل في رحمة الله تعالى الَّتي وسعت كلَّ شيء»(19).

وهذا ابن وضَّاح القرطبي(20) (287هـ) أحد أئمَّة الحديث من المالكيَّة بالأندلس معروف بتمسُّكه بالسُّنَّة واتِّباع هدي السَّلف، وممَّا أُثر عنه في ذلك قوله: «فعليكم بالاتِّباع لأئمَّة الهدى المعروفين، فقد قال بعض من مضى: كم من أمر هو اليوم معروف عند كثير من النَّاس كان منكرا عند من مضى، ومتحببٌ إليه بما يُبْغِضُه عليه ومتقرب إليه بما يُبْعِدُه منه، وكل بدعة عليها زينة وبهجة»(21).

ومن ذلك ما ألَّفه ابن أبي زمنين(22) (ت399هـ) بعنوان: «أصول السُّنَّة»، عقد فيه بابًا بعنوان: «في الحضِّ على لزوم السُّنَّة واتِّباع الأئمَّة»، وقال على إِثْرِهِ: «اعلم ـ رحمك الله ـ أنَّ السُّنَّة دليل القرآن، وأنَّها لا تدرك بالقياس ولا تؤخذ بالعقول، وإنَّما هي فـي الاتِّباع للأئمَّة ولما مشى عليه جمهور هذه الأمَّة، وقد ذكر الله عز وجل أقوامًا أحسن الثَّناء عليهم، فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَاد* الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَاب[الزُّمَر:17-18]، وأمر عباده فقال: ﴿وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون[الأنعام:153]»(23).

وتبعه بعد ذلك أبو عَمْرو الدَّاني(24) (ت444هـ) الَّذي نصَّ على عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في كتابه الماتع المسمَّى بـ «الرِّسالة الوافية لمذهب أهل السُّنَّة في الاعتقادات وأصول الدِّيانات#، ذكر في فصل منه الأحاديث الدالَّة على ضرورة لزوم السُّنَّة وجماعة المسلمين ونقل فيه كلمة مالك السَّالفة الذِّكر حيث قال: «ومن قولهم: التَّسليم والانقياد للسُّنَّة، لا تُعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوَّله السَّلف الصَّالح تأوَّلناه...»(25).

وله أيضًا كتاب في الفتن سمَّاه «السُّنن الواردة في الفتن وغوائلها والسَّاعة وأشراطها» عقد فيه بابًا: في الاستمساك بالدِّين واللُّزوم على السُّنَّة عند الاختلاف وظهور الفتن(26)، أدرج تحته حديث العرباض بن سارية ليدلَّ غيره رحمه الله على طريق النَّجاة من الفتن بالعضِّ على السُّنَّة ولزومها.

ومن آثاره أيضًا أرجوزة بديعة في التَّمسُّك بالسُّنَّة وهدي السَّلف والإنكار على أهل البدع(27)، أورد الذَّهبي منها سبعةً وثلاثين بيتًا في كتابه «سير أعلام النُّبلاء#، وقال: $وهي أرجوزة طويلة جدًّا»، نذكر منها(28) قوله رحمه الله:

تدري أخي أين طريقُ الجنَّه

طـريــقــهــا الـقـرآن ثم الـسُّــنَّـه

كــلاهــمــا بــبــلــد الـرَّسـول

وموطن الأصحاب خَيرِ جـيلِ

وهذا ابن عبد البرِّ رحمه الله (ت463هـ) إمام المالكيَّة بالمغرب في عصره يقرِّر أنَّ السُّنَّة حجَّة على الخلق يجب التَّحاكم إليها، ولا يجوز العدول عنها إلى قول كائن من كان حيث يقول رحمه الله: «ليس أحد من خلق الله إلاَّ وهو يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنَّه لا يترك من قوله إلاَّ ما تركه هو ونسخه قولاً أو عملاً، والحجَّة فيما قال صلى الله عليه وسلم وليس في قول غيره حجَّة، ومن ترك قول عائشة في رضاع الكبير وفي لبن الفحل، وترك قول ابن عبَّاس في العول والمتعة وغير ذلك من أقاويله... كيف يتوحش من مفارقة واحد منهم ومعه السُّنَّة الثَّابتة عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وهي الملجأ عند الاختلاف وغير نكير أن يخفى على الصَّاحب والصَّاحبين والثَّلاثة السُّنَّة المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم...»(29).

وقال ابن الحاج(30) (ت737هـ) رحمه الله في كتابه «المدخل»: «لا يجوز أن يقلّد الإنسان في دينه إلاَّ من هو معصوم، وذلك صاحب الشَّريعة صلى الله عليه وسلم ليس إلاَّ أو من شهد له صاحب العصمة صلى الله عليه وسلم بالخير وهو القرن الأوَّل والثَّاني والثَّالث لقوله صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّة الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي عضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ...»(31)»، إلى أن قال: «وانظر إلى حكمة الشَّارع ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ في هذه القرون وكيف خصَّهم بالفضيلة دون غيرهم؛ وإن كان غيرهم من القرون في كثير منهم البركة والخير، لكن اختصَّت تلك القرون بمزيَّة لا يوازيهم فيها غيرهم، وهي أنَّ الله عز وجل خصَّهم لإقامة دينه وإعلاء كلمته...»(32).

وذكر أبو عبد الله محمَّد بن محمَّد المَقَّري(33) (ت758هـ) في كتابه «القواعد» قاعدتين حثَّ فيهما على حفظ نصوص الكتاب والسُّنَّة، والتَّفقُّه فيهما حيث يقول: «لا يجوز ردّ الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من بهجتها، ويذهب بالثِّقة بظاهرها، فإنَّ ذلك إفساد لها وغضٌّ من منزلتها، لا أصلح الله المذاهب بفسادها ولا رفعها بخفض درجاتها، فكلُّ كلام يُؤخذ منه ويردُّ إلاَّ ما صحَّ لنا عن محمَّد صلى الله عليه وسلم ، بل لا يجوز الردُّ مطلقًا؛ لأنَّ الواجب أن تردَّ المذاهب إليها، كما قال الشَّافعيُّ، لا أن تُرَدَّ هي إلى المذاهب، كما تسامح فيه الحنفيَّة خصوصًا، والنَّاس عمومًا، إذ ظاهرها حجَّة على من خالفه حتَّى يأتيَ بما يقاومه...»(34).

وقال أيضًا رحمه الله: «يكره تكثير الفروض النَّادرة، والاشتغال عن حفظ نصوص الكتاب والسُّنَّة والتَّفقُّه فيهما بحفظ آراء الرِّجال، والاستنباط منها، والبناء عليها، وبتدقيق المباحث، وتقدير النَّوازل، فالمهمُّ المقدّم، وما أضعف حجَّة من يَرِد القيامة وقد أنفق عُمرًا طويلاً في العلم، فيُسأل عمَّا علم من كتاب الله عز وجل وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يوجد عنده أثارة من ذلك، بل يوجد قد ضيَّع فرضًا كثيرًا من فروض العين من العلم بإقباله على حفظ فروع اللِّعان والمأذون وسائر الأبواب النَّادرة الوقوع، وتتبُّع سائر كتب الفقه، مقتصرًا من ذلك على القيل والقال، معرضًا عن الدَّليل والاستدلال، بل الواجب الاشتغال بحفظ الكتاب والسُّنَّة وفهمهما والتَّفقُّه فيهما، والاعتناء بكلِّ ما يتوقَّف عليه المقصود منهما، فإذا عرضت نازلة عرضها على النُّصوص، فإن وجدها فيها فقد كفي أمرها، وإلاَّ طلبها بالأصول المبنيَّة هي عليها، فقد قيل: إنَّ النَّازلة إذا نزلت أعين المفتي عليها»(35).

وهذا الشَّاطبي (ت790هـ) رحمه الله بعد أن ذكر حاله في أوَّل الطَّلب وما وجده من شدَّةٍ في تحرِّي الحقِّ والصَّواب، فيقول: «إلى أن منَّ عليَّ الرَّبُّ الكريم الرُّؤوف الرَّحيم، فشرح لي من معاني الشَّريعة ما لم يكن في حسابي، وألقى في نفسي إلقاء بصيرة: أنَّ كتاب الله وسنَّة نبيِّه لم يتركا في سبيل الهداية لقائلٍ ما يقول ولا أبقيَا لغيرهما مجالاً يعتدُّ به فيه، وأنَّ الدِّين قد كمل، والسَّعادة الكبرى فيما وضع والطَّلِبة فيما شرع، وما سوى ذلك فضلال وبهتان وإفك وخسران، وأنَّ العاقد عليهما بكلتا يديه مستمسك بالعُرْوَة الوثقى محصل لكلية الخير دنيا وأخرى، وما سواهما فأحلام وخيالات وأوهام، وقام لي على صحَّة ذلك البرهان الَّذي لا شبهة تطرق حول حماه ولا ترتمي نحو مرماه، ﴿ذَلِكَ مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُون[يوسف:38]، والحمد لله والشُّكر كثيرًا كما هو أهله»(36).

وقال أيضًا رحمه الله: «...لأنَّ السُّنَّة حجَّة على جميع الأمَّة، وليس عمل أحد من الأمَّة حجَّة على السُّنَّة؛ لأنَّ السُّنَّة ـ معصومة عن الخطأ وصاحبها معصوم، وسائر الأمَّة لم تثبت لهم العصمة إلاَّ مع إجماعهم خاصَّة، وإذا اجتمعوا تضمَّن إجماعهم دليلاً شرعيًّا... فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمَّة على الكتاب والسُّنَّة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه»(37).

يتبع...



(1) رواه ابن أبي عاصم في «السُّنَّة# (47)، وصحَّحه الألباني في «ظلال الجنة».

(2) رواه مسلم (145).

(3) رواه اللالكائي بمعناه في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» (1/88 ـ 89)، والحاكم في «المستدرك» (1/93) من رواية أبي هريرة وفي إسناده صالح بن موسى، قال فيه البخاري: «منكر الحديث»، وقال يحيى بن معين: «ليس بشيء ولا يكتب حديثه»، انظر: «الكامل» (4/1386).

وللحديث شاهد آخر رواه الحاكم في «المستدرك» (1/93) من طريق أبي أويس عن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، في خطبة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حجَّة الوداع، وفيه ذكر الاعتصام بالسُّنَّة، وقال الحاكم: «قد احتجَّ البخاري بأحاديث عكرمة واحتجَّ مسلم بأبي أويس، وسائر رواته متَّفق عليهم»، زاد الذَّهبيُّ: «وله أصل في الصحيح»، وصحَّحه الألباني في «صحيح التَّرغيب والتَّرهيب» (40).

(4) رواه ابن حزم في «الإحكام» (8/513)، وذكره ابن القيِّم في «إعلام الموقعين» (1/256)، والفلاني في «إيقاظ همم أولي الأبصار» (ص253).

(5) رواه ابن عبد البرِّ في «الجامع» (1/757).

(6) رواه ابن أبي حاتم في «الجرح والتَّعديل» (1/18)، وذكره المالكي في «رياض النُّفوس» (1/281).

(7) رواه ابن عبد البرِّ في «الجامع» (1/775).

(8) صحَّحه ابن عبد الهادي في «إرشاد السَّالك» (ق227)، ورواه ابن عبد البرِّ في «الجامع» (2/926) عن مجاهد والحكم ابن عتيبة، وانظر: «صفة صلاة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم « للألباني (ص49).

(9) هو الزُّبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، أبو عبد الله، قاضي مكَّة، قال الخطيب: «كان ثقة ثبتًا، عالِمًا بالنَّسب، عارفا بأخبار المتقدِّمين ومآثر الماضين»، مات سنة (256هـ)، وقد بلغ 84 سنة، انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» (3/585)، و«تاريخ بغداد» (8/467)، «تهذيب التهذيب» (2/184).

(10) أخرجه ابن العربي في «أحكام القرآن» (3/1412 ـ 1413).

(11) انظر: «الاعتصام» للشاطبي (2/367 ـ 368).

(12) كتاب «الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ» لابن أبي زيد القيرواني (ص117).

(13) هو مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار الهلالي، ابن أخت مالك، كان مقدَّمًا في العلم والفقه، قال عنه أحمد: «كانوا يقدِّمونه على أصحاب مالك»، وقال ابن فرحون: «صحب مالكًا سبع عشرة سنة»، وتوفي سنة (220هـ)، وسنِّه بضع وثمانون سنة، انظر ترجمته في «ترتيب المدارك» (3/133)، «المقتنى في سرد الكنى» (2/79)، «تهذيب التهذيب» (5/457)، «الديباج المذهب» (2/340).

(14) رواه عبد الله في «السُّنَّة» (766)، واللاَّلكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة» (134).

([15) هو أبو عمرو البهلول بن راشد الحجري الرعيني، من أهل القيروان، كان ثقةً مجتهدًا، وَرِعًا، مستجابَ الدَّعوة، وكان ذا علمٍ كثير، سمع من مالك والثَّوري، واللَّيث، وغيرهم، له ديوان في الفقه أطال أبو العرب في الثَّناء عليه، توفي رحمه الله سنة (183هـ)، انظر ترجمته في «طبقات علماء إفريقية» لأبي العرب (ص52 ـ 61)، «رياض النُّفوس» (1/200 ـ 214)، «ترتيب المدارك» (3/87 ـ 101)، «الديباج المذهب» (1/315 ـ 316).

(16) «طبقات أبي العرب» (ص54).

(17) هو الإمام أبو محمد عون بن يوسف الخزاعي، من أهل القيروان، رحل ولم يدرك مالكًا، وسمع من ابن وهب وابن غانم والبهلول وجماعة آخرين، انظر ترجمته في «طبقات أبي العرب» (ص105)، «رياض النُّفوس» (1/385)، «ترتيب المدارك» (4/89).

(18) يريد بذلك رحمه الله أنَّ المتَّبع للسُّنَّة هو على رجاء في حصول مغفرة الذُّنوب له إذا ما تاب منها، أمَّا المبتدع المخالف للسُّنَّة ليس هو على رجاء في التَّوبة ممَّا أحدثه من البدع؛ لأنَّه يحسب نفسه على الهدى، وأنَّى له ذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا[الكهف:103-104].

(19) «رياض النُّفوس» (1/385).

(20) هو الإمام أبو محمد عون بن يوسف الخزاعي، من أهل القيروان، رحل ولم يدرك مالكًا وسمع من ابن وهب وابن غانم والبهلول وجماعة آخرين، انظر ترجمته في طبقات أبي العرب (ص105)، رياض النفوس (1/385)، ترتيب المدارك (4/89).

(21) ما جاء في «البدع» (ص92).

(22) هو أبو عبد الله، محمَّد بن عبد الله بن عيسى المرّي الأبيري الأندلسي، المشهور بابن أبي زَمَنِين، كان إمامًا قدوةً زاهدًا، راسخًا في العلم، متفنِّنًا في الآداب، مقتفيًا لآثار السَّلف، له عدَّة مصنَّفات منها: «تفسير القرآن»، «المقرّب في اختصار المدونة»، «منتخب الأحكام»، وغيرها، انظر ترجمته في «جذوة المقتبس» (ص53)، «السير» (17/188)، مقدمة كتاب «أصول السنة» لعبد الله البخاري (13 ـ 20).

(23) «أصول السنة» لابن أبي زمنين (ص35).

(24) هو أبو عمرو عثمان بن سعيد بن عثمان المقرئ، القرطبي ثمَّ الدَّاني، يعرف في زمانه بابن الصَّيْرَفي، مقرئٌ أحد الأئمَّة في علوم القرآن، وله معرفة تامَّة بالحديث وعلومه، وكان عارفًا باللُّغة والغريب والأدب، مشهورًا بالفضل والدِّراية، انظر ترجمته في «جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس» للحميدي (ص286)، «سير أعلام النُّبلاء» للذهبي (18/77)، «الدِّيباج المذهَّب في معرفة أعيان علماء المذهب» لابن فرحون (2/84).

(25) (ص97 ـ 98).

(26) (2/373).

(27) وهي مطبوعة باسم «الأرجوزة المنبهة على أسماء القراء والرواة وأصول القراءات وعقد الديانات بالتجويد والدلالات» (ص172).

(28) انظر: «السير» (18/81).

(29) «التمهيد» (1/159 ـ 160).

(30) هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد العبدري المعروف بابن الحاج، الفاسي، المالكي، له تآليف عديدة، توفي سنة (737هـ) بالقاهرة، انظر ترجمته في «الديباج المذهب» (2/321)، «شجرة النور» (218 ـ رقم769).

(31) مضى تخريجه (ص7 في هامش8).

(32) «المدخل» لابن الحاج (1/73).

(33) هو محمَّد بن محمَّد بن أحمد بن أبي بكر، أبو عبد الله القرشي المَقَّري ـ نسبة إلى إحدى قرى بلاد الزَّاب من إفريقية ـ التّلمساني، نشأ محبًّا للعلم طالبًا له، وله مؤلَّفات جمَّة في مختلف الفنون، توفي في مدينة فاس عام (759هـ)، انظر ترجمته في «نفح الطِّيب» (5/203)، مقدِّمة كتابه «القواعد» (1/53) بقلم أحمد بن عبد الله بن حميد.

(34) «القواعد» لأبي عبد الله محمد بن محمد المقري (القاعدة 148).

(35) المصدر نفسه (القاعدة 224).

(36) «الاعتصام» للشَّاطبي (1/13 ـ 14).

(37) «الاعتصام» (1/362، 364).

 

* منقول من مجلة الإصلاح العدد (15)

 Find best online bingo games at selectbestonlinebingosites.co.uk and play free