أنت هنا:دراسات وبحوث»إيـقـاظ الـوزع في تحريـم القزع

إيـقـاظ الـوزع في تحريـم القزع

  • أ.د. عبد المجيد جمعة
تم قراءة المقال 5819 مرة

 

لـمَّا رأيت ظاهرة القزع، قد عمَّت في الشَّباب من بني جلدتنا، وممَّن يتكلَّم بألسنتنا، اتِّباعًا لسَنن أعداء ملَّتنا، وجهلاً منهم بشعائر ديننا، دعتني غيرتي لبيان حكم هذا الحلق عبر هذه المجلَّة الغرَّاء، نصيحةً للمسلمين، كما أمرنا بذلك سيِّد المرسلين صلى الله عليه وسلم، لعلَّه ينتبه الغافل، ويتعلَّم الجاهل، فقسَّمت البحث إلى  ستَّة مباحث.

وتفصيلاً لها أقول، ومن الله أستمدُّ العون:

الـمبحث الأول
حـقـيـقـة الـقـزع

قبل أن نعرف حكم القزع، لا بدَّ من تحديد مفهومه.

 فالقزع هو قِطع السَّحاب المتفرِّقة، قال ابن فارس في «معجم مقاييس اللُّغة» (5/84) «(قزع): القاف والزَّاء والعين أصل صحيح، يدلُّ على خفَّة في شيء وتفرُّق، من ذلك القزع: قطع السَّحاب المتفرِّقة، الواحدة قزعة، قال:

تَرَى عُصَـبَ الْقَطَـــا هَـمَلاً عَلَيْهِ              كَــــأَنَّ رِعَـــــالَــــهُ قَـزَعُ الجَهَـــامِ

ومن الباب القزع المنهي عنه، وهو أن يُحلق رأس الصَّبي، ويُترك في مواضع منه شعر متفرِّق، ورجل مُقَزَّع: لا يُرى على رأسه إلاَّ شعيرات، وفرس مُقَزَّع: رقَّت ناصيته».

ومن هذا المدلول اللُّغوي ندرك أنَّ القزع هو حلق بعض الشَّعر وترك بعضه مطلقًا، وأنَّ تقييد القزع بحلق وسط الرَّأس أو حلق بقع منه، غير صحيح.

قال القرطبي في «المفهم» (5/441):

«لا خلاف أنَّه إذا حلق من الرَّأس مواضع، وأبقيت مواضع أنَّه القزع المنهي عنه، لما عرف من اللُّغة كما نقلناه، ولتفسير نافع له بذلك».

وقال النَّووي في «شرح صحيح مسلم» (14/101) عن تفسير نافع:

«هو الأصحُّ وهو أنَّ القزع حلق بعض الرَّأس مطلقًا، ومنهم من قال: هو حلق مواضع متفرِّقة منه، والصَّحيح الأوَّل؛ لأنَّه تفسير الرَّاوي، وهو غير مخالف للظَّاهر، فوجب العمل به».

 

***

المبحث الثَّاني
حــــكــــمــــه

لقد ثبت بالأدلَّة الصَّحيحة والنُّصوص الصَّريحة تحريم القزع؛ وهذه الأدلَّة مجملة ومفصَّلة.

1 أمَّا الأدلَّة المجملة؛ فالنُّصوص الواردة في تحريم التَّشبُّه بالكفَّار مطلقًا، ويدخل فيها التَّشبُّه بهم في حلق الرَّأس، منها:

قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِير[البقرة:120]، فنهى المسلمين عن اتِّباع طرائق اليهود والنَّصارى فيما هم عليه من الدين والعادات، بعد ما عَلِموا من القرآن والسُّنَّة، متابعة لهم فيما يهوونه.

وقوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين[المائدة:51]، قال العلماء: ومن موالاتهم التَّشبُّه بهم، كما في كتاب «تشبيه الخسيس بأهل الخميس» للذَّهبي :.

وما رواه عبد الله بن عمر ب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»(1)، فدلَّ هذا الحديث على تحريم التَّشبُّه بهم مطلقًا، ومنه التَّشبُّه بهم في حلق الرُّؤوس، فإنَّه من جنس أعمالهم الَّتي هي من شعائر دينهم أو من عاداتهم وتقاليدهم.

وما رواه أبو سعيد الخدري أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟!»(2).

ووجه الاستدلال أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، أخبر أنَّ أمَّته ستتَّبع سَنَنَ الأمم قبلها من اليهود والنَّصارى ممَّا أحدثوه من البدع والأهواء، وأنَّها تقتدي بهم في كلِّ شيء، حتَّى فيما نهى الله تعالى عنه وذمَّه، وهذا الإخبار سيق مساق الذَّمِّ والتَّحذير من التَّشبُّه بهم، فيقتضي ذمّ من يفعل ذلك، وهذا عَلَمٌ من أعلام النُّبوة، ومعجزةٌ ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم.

1 أمَّا الأدلَّة المفصَّلة، فقد ثبت بالسُّنَّة والإجماع والأثر والقياس والنَّظر، تحريم القزع:

5 أمَّا السُّنَّة؛ فما رواه نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع، قال: قلت لنافع: وما القزع؟ قال: يُحْلَقُ بعضُ رأس الصَّبيِّ ويُتْرَكُ بعضٌ»، وفي رواية: «قال عبيد الله: قلت: وما القزع؟ فأشار لنا عبيد الله قال: إذا حلق الصَّبي، وترك ها هنا شعرة وها هنا وها هنا، فأشار لنا عبيد الله إلى ناصيته وجانبي رأسه»(3).

وما رواه ابن عمر رضي الله عنهما أيضًا: «أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيًّا قد حلق بعض شعره وترك بعضه، فنهى عن ذلك، وقال: احلقوه كلَّه أو اتركوه كلَّه»(4).

وما رواه عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن صفيَّة ابنة أبي عبيد قالت: «رأى ابن عمر صبيًّا في رأسه قنازع، فقال: أمَا علمت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تُحْلَق الصِّبيانُ القَزَع»(5).

وما رواه الحجَّاج بن حسَّان قال: «دخلنا على أنس بن مالك فحدَّثتني أختي المغيرة قالت: وأنت يومئذ غلام ولك قَرنان أو قُصَّتان(6) فمسح رأسك وبرَّك عليك وقال: احلقوا هذين أو قصُّوهما فإنَّ هذا زيُّ اليهود»(7).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (1/386) «علَّل النَّهي عنهما بأنَّ ذلك زيُّ اليهود، وتعليل النَّهي بعلَّة يوجب أن تكون العلَّة مكروهة، مطلوب عدمها، فعُلِم أنَّ زيَّ اليهود ـ حتَّى في الشَّعر ـ ممَّا يطلب عدمه، وهو المقصود».

5 وأمَّا الإجماع؛ فإنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه قد جعل في الشُّروط على أهل الذِّمَّة من النَّصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: «وأن نَجُزَّ مقاديم رؤوسنا»(8)، وقد وافقه على ذلك سائر الصَّحابة، ولم يخالف أحد، وعمل بها سائر الأمَّة، وعامَّة الأئمَّة، فهو إجماع.

وقد حكى هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم.

وقال النَّووي في «شرح مسلم» (14/101) «أجمع العلماء على كراهة القزع، إذا كان في مواضع متفرِّقة إلاَّ أن يكون لمداواة ونحوها».

5 وأمَّا الأثر؛ فما ثبت عن عمر رضي الله عنه في شروطه على أهل الذِّمَّة، حيث شرط عليهم: «وأن نَجُزَّ مقاديم رؤوسنا»، كما تقدَّم، وإنَّما أمرهم بذلك ليتميَّزوا عن المسلمين، فمن فعله من المسلمين كان متشبِّهًا بهم.

قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله في «أحكام أهل الذِّمَّة» (3/1289) «وقد وسم أمير المؤمنين عمر ابن الخطَّاب رضي الله عنه من على رأسه شعر من أهل الذِّمَّة بوسم، ينبغي اتِّباعه، وهو أن تجزَّ نواصيهم، والنَّاصية مقدار ربع الرَّأس، فإذا كان ربعه محلوقًا، كان علَمًا ظاهرًا وأمرًا مشهورًا أنَّه ذمِّيٌّ، وهذا معنى ما في كتاب أمير المؤمنين في الشُّروط: وأن نجزَّ مقادم رؤوسنا».

وعن عبد الله بن الحسن، قال: «سمعت أمِّي فاطمة بنت الحسين: تنهى عن القزع»(9).

5 أمَّا القياس؛ فقد نهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يقعد الرَّجل بين الظِّلِّ والشَّمس(10)، ونهى أن يمشي في نعل واحدة(11)، بل إمَّا أن يخلعهما جميعًا أو يمشي فيهما جميعًا، فيلحق بذلك القزع قياسًا، ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «احْلقُوهُ كُلَّهُ أَوْ اتْرُكُوهُ كُلَّهُ».

5 أمَّا النَّظر والاعتبار فمن وجوه:

2 أنَّه قد استقرَّ في الشَّريعة الإسلاميَّة مخالفة الكفَّار في كلِّ عاداتهم وتقاليدهم، وما اختصُّوا به، وما أحدثوه من البدع والأهواء، سواء كان في أعيادهم أو مظاهرهم أو هيئاتهم.

2 أنَّه مُثلة، قال النَّوويُّ في «شرح مسلم» (14/101) «قال العلماء: والحكمة في كراهته أنَّه تشويه للخلق».

2 أنَّه ليس من زيِّ المسلمين، بل هو من فعل المجوس، وتشبُّه بالكفَّار، وزيّ اليهود كما جاء هذا في رواية لأبي داود المتقدِّمة.

2 أنَّه زيُّ أهل الشَّرِّ والفساد والزعارة(12)، واليوم صار سمة وشعارًا لعبَّاد الشَّياطين، وكذا للطَّائفة الشَّاذة المسماة: «hooligans».

2 أنَّه ظلم للرَّأس، حيث حلق بعضه، وترك بعضه الآخر، وقد أمر الشَّرع بالعدل في الأمور كلِّها، حتَّى في حقِّ الإنسان مع نفسه.

قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله في «تحفة المودود» (100 ـ تحقيق الأرناؤوط):

«قال شيخنا (يعني ابن تيمية): وهذا من كمال محبَّة الله ورسوله للعدل؛ فإنَّه أَمَر به حتَّى في شأن الإنسان مع نفسه، فنهاه أن يحلق بعض رأسه ويترك بعضه؛ لأنَّه ظلم للرَّأس، حيث ترك بعضه كاسيًا وبعضه عاريًا، ونظير هذا أنَّه نهى عن الجلوس بين الشَّمس والظِّلِّ؛ فإنَّه ظلم لبعض بدنه، ونظيره نهى أن يمشي الرَّجل في نعل واحدة، بل إمَّا أن ينعلهما أو يحفيهما».

2 أنَّه مضرٌّ بالرَّأس؛ لأنَّ الإنسان إذا حلق بعض رأسه وترك بعضه، فسد مزاجه لاختلاف حال الرَّأس من الحرارة والبرودة، وهما مؤثّران متضادَّان، كما في نظائره.

 

***

المبحث الثَّالث
نصوص الأئمّة

تقدَّم حكاية الإجماع على تحريم القزع، وهذه نصوص أئمَّة المذاهب:

1 الحنفيَّة:

قال ابن عابدين في «الدُّرِّ المختار» (6/407) «ويكره القزع، وهو أن يحلق البعض ويترك البعض قطعًا مقدار ثلاثة أصابع».

1 المالكيَّة:

قال أبو الوليد بن رشد في «البيان والتَّحصيل» (9/370) «سئل مالك عن حلاَّق الصِّبيان قصَّة وقَفَا، فقال: ما يعجبني، قلت له: من الجواري والغلمان، فقال: ما يعجبني من الجواري ولا من الغلمان، إن كانوا يريدون أن يدعوا شعره كلَّه فليدعوه، وإن كانوا يريدون أن يحلقوه فيحلقوه كلَّه، وقد كاتبت في ذلك بعض الأمراء، وأمرته أن ينهى عن القصَّة، فسئل عن القصَّة وحدها بلا قفا، فقال مثل قوله في القصَّة والقفا.

1 الشَّافعيَّة:

قال النَّووي في «روضة الطَّالبين» (2/502) «يكره القزع، وهو حلق بعض الرَّأس، سواء كان متفرِّقًا أو من موضع واحد».

1 الحنابلة:

قال في «المغني» (1/123) «فأمَّا حلق بعض الرَّأس فمكروه، ويسمَّى القزع».

وقال المرداوي في «الإنصاف» (1/127) «ويكره القزع بلا نزاع، وهو أخذ بعض الرَّأس، وترك بعضه، على الصَّحيح من المذهب، وقاله الإمام أحمد، وعليه جمهور الأصحاب».

1 الظَّاهريَّة:

قال ابن حزم في «المحلَّى» (5/231) «نهى جملة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عن حلق بعض الرَّأس دون بعض، وهو القزع».

 

*** 

المبحث الرابع
تحقيق معنى الكراهة في نصوص الأئمّة

قبل أن نبيِّن معنى الكراهة الواردة في نصوص الأئمَّة، لا بدَّ من التَّنبيه أوَّلا على أنَّ النَّهي الوارد في نصوص الشَّرع، يقتضي تحريم المنهي عنه إلاَّ لقرينة، كما هو مذهب جماهير العلماء(13).

لذا لا يجوز صرف اللَّفظ عن ظاهره، مع عدم وجود قرينة.

أمَّا الكراهة الواردة في نصوص الأئمَّة، فقد جرى كثيرًا على ألسنتهم لفظ «مكروه»، وأرادوا به التَّحريم، إلاَّ أنَّ أتباعهم من المتأخِّرين، حملوه على المعنى الاصطلاحي الحادث، وهو «التَّنزيه» أو «ترك الأولى»، فغلطوا على أئمَّتهم، ووقع بسببه لبس كبير، وسوء فهم لنصوص الشَّارع ونصوص الأئمَّة، وقد أوضح هذا الإمام ابن القيِّم رحمه الله، حيث قال في «إعلام الموقعين» (1/32) «وقد غلط كثير من المتأخِّرين من أتباع الأئمَّة على أئمَّتهم بسبب ذلك، حيث تورَّع الأئمَّة عن إطلاق لفظ «التَّحريم»، وأطلقوا لفظ «الكراهة»، فنفى المتأخِّرون «التَّحريم» عمَّا أطلق عليه الأئمَّة «الكراهة»، ثمَّ سهل عليهم لفظ «الكراهة»، وخفَّت مؤنته عليهم، فحمله بعضهم على «التَّنزيه»، وتجاوز به آخرون إلى كراهة «ترك الأولى»، وهذا كثير جدًّا في تصرُّفاتهم؛ فحصل بسببه غلط عظيم على الشَّريعة وعلى الأئمَّة» انتهى.

ثمَّ أطال في ضرب الأمثلة على ذلك من أقوال الأئمَّة، حيث أطلقوا لفظ «الكراهة» في موضع تورُّعًا، ونصُّوا على «التَّحريم» في موضع آخر، لكن أتباعهم من المتأخِّرين، حملوه على «التَّنزيه».

***

المبحث الخامس
أنــواع الــقـــزع

للقزع أنواع وصور، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في «تحفة المودود» (100) «والقزع أربعة أنواع:

1 أن يحلق من رأسه مواضع من ها هنا وها هنا؛ مأخوذ من تقزَّع السَّحاب وهو تقطُّعه.

1 أن يحلق وسطه ويترك جوانبه، كما يفعله شمامسة النَّصارى.

1 أن يحلق جوانبه ويترك وسطه، كما يفعله كثير من الأوباش والسّفل.

1 أن يحلق مقدِّمه ويترك مؤخِّره، وهذا كلُّه من القزع، والله أعلم».

ومن أنواعه حلق القصَّة والقفا، وهو أن يحلق وسط الرَّأس، ويبقي مقدّمه مفتوحًا مقصوصًا على وجهه، ومؤخّره مسدولاً على قفاه.

ومن أنواعه حلق القفا ـ وهو مؤخّر الرَّأس ـ لمن لم يحلق رأسه، قال المروذي: «سألت أبا عبد الله عن حلق القفا فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبَّه بقوم فهو منهم»(14).

ومن أنواعه: الذّؤابة، وهي النَّاصية تترك في بعض رأس الصَّبيِّ، ويحلق سائره، وقد جاء تفسير القزع في رواية: «أن يحلق رأس الصَّبيِّ، فتترك له ذؤابة»(15)، وفي لفظ: «ولكن القزع أن يترك بناصيته شعر، وليس في رأسه غيره»، وصرَّح الخطَّابي في «معالم السُّنن» (4/211) بأنَّ هذا ممَّا يدخل في القزع.

لكنَّه معارض بما رواه أنس بن مالك، قال: «كانت لي ذؤابة، فقالت لي أمِّي: لا أجزها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمدُّها، ويأخذ بها»(16).

وما رواه زياد بن الحصين، عن أبيه قال: «لما قدم على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ادن منِّي، فدنا منه، فوضع يده على ذؤابته ثمَّ أجرى يده، وسَمَّت عليه ودعا له»(17).

وجمع بينهما الحافظ، فقال في «الفتح» (10/365) «ويمكن الجمع بأن الذّؤابة الجائز اتِّخاذها ما يفرد من الشَّعر فيرسل ويجمع ما عداها بالضّفر وغيره والَّتي تمنع أن يحلق الرَّأس كلّه ويترك ما في وسطه فيتَّخذ ذؤابة».

وما رواه ابن مسعود رضي الله عنه قال: «كيف تأمروني أقرأ على قراءة زيد بن ثابت بعد ما قرأت من في رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة، وإنَّ زيدًا مع الغلمان له ذؤابتان»(18).

وهناك أنواع أخرى، ظهرت حديثًا، مثل أن يحلق جانبيه الأيمن والأيسر، ويترك وسطه من مقدّمه إلى آخره، ويشبه ما يفعله الهنود الحمر.

ومثل حلق غير مرتَّب، ونحو ذلك، بل بلغ الأمر إلى التَّفنُّن في القزع بحسب الموضات المستحدثة، وبعضها أقبح من بعض.

والضَّابط في ذلك كلِّه قوله ح: «احلقوه كلَّه أو اتركوه كلَّه».

 

أمَّا حلق القُصَّة ـ بضمِّ القاف، وهي شعر الصَّدغين ـ، والقفا، أي ما استرسل من شعر القفا، فليس من القزع، وقد جاء هذا في رواية: «أمَّا القصَّة والقفا فلا بأس بهما للغلام».

وكذا الجزُّ، فلا يدخل في القزع، فقد روى بكر بن محمَّد عن أبيه عن أبي عبد الله وسأله عن القزع؟ قال: «هو أن يحلق بعض الشَّعر ويترك بعض، قلت: والذّؤابة تكرهها؟ قال: إنَّما الحديث، أن يحلق بعض الشَّعر ويترك بعض، فأمَّا إذا جزَّ فليس عندي بمنزلة الحلق، وكأنَّه رخَّص فيه.

وقال: كان (....) له ذؤابة وكأنَّه الَّذي كره الحلق»(19).

***

المبحث السادس
تخصيص القزع بالصبيّ

تخصيص النَّهي في الحديث بالصَّبي ليس قيدًا، وإنَّما خرج على الغالب، بل هو عام، يشمل الجارية والرِّجال، وكذا النِّساء، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «النِّساء شقائق الرِّجال»(20).

*** 

المبحث السابع
مواطن جواز القزع

إذا علمنا تحريم القزع، فإنَّه يباح إذا دعت الضَّرورة أو الحاجة كالمداواة، مثل ضرر برأسه، أو شعر يؤذي عينيه، أو لأجل الحجامة، ونحو ذلك، جاز حلق بعضه.

قال ابن القيِّم رحمه الله في «أحكام أهل الذِّمَّة» (3/1294) «فإن دعت الحاجة إلى ذلك لضرر برأسه أو لاستخراج ضفيرة تؤذي عينيه، جاز حلق بعضه هذا، والأولى في هذه الحال أن يقتصر على ما تندفع به الحاجة أو حلق جميعه، وهذا فيه نظر».

هذا ما تيسَّر لي جمعه من أحكام القزع، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 



(1) أخرجه أبو داود (4031)، وجوَّد إسناده شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (1/240)، وكذا في «مجموع الفتاوى (25/331)، وحسَّنه الحافظ في «الفتح» (10/271)، وصحَّحه الحافظ العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» (1/342)، والشَّيخ الألباني في «الإرواء» (1269).

(2) أخرجه البخاري (3456) ومسلم (2669).

(3) أخرجه البخاري (5920) ومسلم (2120)، والرِّواية الثانية للبخاري.

(4) أخرجه أبو داود (4195) والنَّسائي في «المجتبى» (5063) وفي «السُّنن الكبرى» (9250) وأحمد (5615)، وإسناده صحيح على شرط الشَّيخين، وقد أخرجه مسلم، ولم يذكر لفظه، انظر «الصَّحيحة» (1123).

(5) أخرجه أحمد (5846)، وعبد الله بن نافع، قال فيه الحافظ في «التَّقريب»: «ضعيف»، لكن يشهد له ما قبله.

(6) القرنان: ضفيرتان من شعر في الرَّأس، والقصَّتان: بضمِّ القاف وتشديد الصاد شعر النَّاصية، انظر «مرقاة المفاتيح» (7/2845).

(7) أخرجه أبو داود (4197)، وفي سنده ضعف، لكن يشهد له ما قبله، وقد احتجَّ به شيخ الإسلام ابن تيمية : كما تقدَّم.

(8) هو طرف من كتاب مطوَّل، أخرجه البيهقي (9/339)، وعزاه شيخ الإسلام ابن تيميَّة في «الاقتضاء» (1/364) إلى حرب، وابن القيِّم في «أحكام أهل الذِّمَّة» (2/657) إلى عبد الله ابن الإمام أحمد، وعنه الخلاَّل في كتاب «أحكام أهل الملل»، وجوَّد إسناده ابن تيميَّة، وقال ابن القيِّم: «وشهرة هذه الشُّروط تغني عن إسنادها، فإنَّ الأئمَّة تلقَّوها بالقَبول، وذكروها في كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء، وعملوا بموجبها».

(9) أخرجه ابن أبي شيبة (25659)، وإسناده صحيح، رجاله رجال الشَّيخين غير عبد الله ابن الحسن، وهو ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ا، وقد وثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنَّسائي، وفي لفظ عن ابن معين: ثقة مأمون، انظر «تهذيب الكمال» (14/417).

(10) أخرجه ابن ماجه (3722) عن بريدة بإسناد حسن، وله شاهد عن أبي هريرة وغيره، انظر «الصَّحيحة» (838).

(11) أخرجه البخاري (5856)، ومسلم (2097).

(12) انظر «المفهم» (5/441)، «معالم السُّنن» (4/211)، «عمدة القاري» (22/90).

(13) انظر «الرِّسالة» للشَّافعي (343)، «العدَّة» (2/425)، «البحر المحيط» (2/462)، «تحقيق المراد في أنَّ النَّهي يقتضي الفساد» للحافظ العلائي (274).

(14) انظر «المغني» (1/68).

(15) أخرجه أبو داود (4194)، وصحَّحه الشَّيخ الألباني في «صحيح أبي داود».

(16) أخرجه أبو داود (4196)، وصحَّحه الحافظ في «الفتح» (10/365)، والشَّيخ الألباني في «صحيح أبي داود».

(17) أخرجه النَّسائي (5065)، وصحَّحه أيضًا الحافظ، والشَّيخ الألباني في «صحيح النَّسائي».

(18) أخرجه النَّسائي (5064)، وقال الحافظ: «وأصله في الصَّحيحين»؛ وصحَّحه أيضًا الشَّيخ الألباني.

(19) انظر «الوقوف والترجُّل من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل» (رقم: 203).

(20) أخرجه أبو داود (236) والتِّرمذي (113) عن عائشة، وصحَّحه الشَّيخ الألباني في «صحيح السُّنن».