أنت هنا:دراسات وبحوث»الـموطأ برواية أبي مصعب الزهري

الـموطأ برواية أبي مصعب الزهري

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 3723 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله وحده، والصَّلاة والسَّلام على من لا نبيَّ بعده، وبعد:

فَمِنْ أعظمِ الكتبِ التي صُنِّفت في القرن الثَّاني الهجري «مُوَطَّأُ إمامِ دارِ الهجرةِ مالكِ بْنِ أنَسٍ الأصْبَحِيِّ» (ت  179هـ)، وقد أخذَه عنه أَزْيَدَ من سَبْعين رجلاً، ولم يَشْتَهِرْ مِنْ هذه الرِّواياتِ إلاَّ القليل، ثمَّ لَمْ يَبْقَ منها إلى يومِنَا هذا إلاَّ النَّزْر اليَسير، وهو ما يُوازِي عُشْرَ العددِ الَّذي أَخَذَ عن مالكٍ الموطَّأَ.

ومن تلك الرِّواياتِ المشهورةِ رواية أبي مُصْعَبٍ الزُّهريِّ ـ رحمه الله ـ.

وفي هذا المقال تعريف بهذه الرواية وصاحبها على سبيـل الاختصار، أسـأل الله أن ينفع كاتبها وقارئها، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

التَّعريف بصاحب الرِّواية:

هو أحمد بن أبي بكر واسمه القاسم  ـ بن الحارث بن زُرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عَوْفٍ القُرَشِيّ، أبو مصعب الزُّهريُّ المدنيُّ الفقيهُ، القاضي.

أخرج له الشَّيخان في «صحيحيهما»، توفي سنة (241هـ).

تنبيه: يخلط كثير من النَّاس بين أبي مصعب الزُّهري ومُصعب الزبيريُّ؛ لتشابههما، وهذا الخلط غالبًا يكون سَبْقَ لسانٍ منهم، فقد سمعتُه من كثيرٍ من الفُضَلاء، وأبو مصعب الزُّهري غير مصعب الزّبيري، وكلاهما يروي عن مالك «موطَّأه».

ومصعب الزّبيري هو مصعب بنُ عبد الله بنِ مصعب بنِ ثابت بن عبد الله بن الزُّبَيْر بن العوَّامِ المتوفى سنة (236هـ)، ولعلَّه تأتي مناسبةٌ للكلام على روايته ـ وإن كانت مفقودة ـ وذلك أنَّ الحافظ أبا القاسم عبد الله بن محمَّد البغوي حفظ لنا منها نصوصًا يرويها مصعب الزّبيري عن مالك، وأدرجه في كتابه الذي جمعه في حديث مصعب الزّبيري، وهو مطبوع.

ثناء العلماء عليه (أبي مصعب الزُّهري):

قال أبو حاتم وأبو زرعة: «صدوق»(1).

وقال النَّسائي: «لا بأس به»(2).

وَوَثَّقَهُ جَـمْعٌ من الأئمَّة كـمسلمة بن قـاسم وابن  حِبَّان، والحاكم، والذَّهبي، وقال ابن حجر: «صدوق»(3).

وتكلَّم فيه أبو خيثمة، قال ولده في «التَّاريخ الكبير»: «وخرجنا سنة تسع عشرة ومائتين إلى مكَّةَ فقلت لأبي: عمَّن أَكْتُبُ؟ قال: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمَّن شئت»(4).

وعلَّق الذَّهبيُّ على هذا فقال: «ما أدري ما معنى قول أبي خيثمة لابنه أحمد: لا تكتب عن أبي مصعب، واكتب عمَّن شئت»(5).

وأما ابن حجر فقال: «ويُحتمل أن يكون مراد أبي خيثمة دخوله في القضاء أو إكثاره من الفتوى»(6).

قلت: ونصَّ على الاحتمال الثَّاني القاضي عياض فقال: «إنَّما قال ذلك؛ لأنَّ أبا مصعب كان يميل إلى الرأي، وأبو خيثمة من أهل الحديث، ممَّن يُنَافِرُ ذلك، فلذلك نهى عنه، وإلاَّ فهو ثقةٌ لا نعلم أحدًا ذكره إلاَّ بخير»(7).

سماعه من مالك:

ذكر الخليليُّ أنَّه آخرُ من روى عن مالك «الموطَّأ» من الثِّقات(8).

وقال ابن حزم: «آخر ما رُوي عن مالك: موطأ أبي مصعب، وموطأ أبي حذافة السَّهمي»(9).

مكانته في الرواية عن مالك:

قال الدَّارقطني: «أبو مصعب ثقة في الموطأ»(10).

وقدَّمه بَقِيُّ بنُ مَخْلَدٍ لشَرَفِه ونسبِه، أخرَج روايتَه في «مسندِه» وأخَّر روايةَ يحيى اللَّيثي مع شهرتِها في الأندلس.

روى القاضي عياض وابن بشكوال بسنديهما عن أسلم بن عبد العزيز قال: قال بقيُّ بن مخلد: «لما وضعت مُسْنَدِي جاءني عبيدُ الله وإسحاقُ ابنا يحيى ابن يحيى فقالا لي: بلغنا أنَّك وضعتَ كتابًا قدَّمتَ فيه أبا مصعب الزُّهري ويحيى بنُ بكير، وأخَّرت أبانا، فقلت لهما: أمَّا تقديمي لأبي مصعب فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: « قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلاَ تَقَدَّمُوهَ»، وأمَّا تقديمي لابن بكير فلسِنِّه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: « كَبِّرْ، كَبِّرْ»، ولأنَّه سمع «الموطَّأ» من مالك سبع عشرة مرَّة، وأباكما لم يسمع منه إلاَّ مرَّة واحدة، فخرجا من عنده، وخرجا معه إلى حدِّ العداوة»(11).

وتُعدُّ رواية أبي مصعب من آخر الرِّوايات عن مالك كما تقدَّم، فلذا تشابهت مع رواية يحيى في الغالب، قال ابن عبد البرِّ: «وقد تأمَّلت روايةَ يحيى فيما أَرْسَلَ من الحديث ووصل في «الموطَّأ»، فرأيتها أشدّ موافقةً لرواية أبي مصعب في «الموطأ» كلّه من غيره، وما رأيت روايةً في «الموطَّأ» أكثر اتِّفاقًا منها»(12).

وأمَّا ما يُذكر عن ابن حَزْمٍ أنَّه قال: «في موطَّأ أبي مصعب زيادة على الموطَّآت نحو من مائة حديث»(13). فأمرٌ بعيد.

وقد قام محقِّقا رواية أبي مصعب بإحصائيَّة للأحاديث الزَّائدة في رواية أبي مصعب على رواية يحيى، فبلغت الأحاديث المسندة خمسة عشر حديثًا مسندًا زائدًا(14).

قلت: وهذا العددُ صحيحٌ إلى حدٍّ ما، وفاتَهما الحديث رقم:(2220) فلم يَذْكُرَاه، وهو من الزِّيادات على رواية يحيى، فتصير بذلك ستَّة عشر حديثًا.

ثمَّ إنَّ أبا العبَّاس الدَّاني ذكر حديثًا في قسم الزِّيادات ونسبه إلى أبي مصعب، وهو ما رواه سَعْدُ ابن أبي وقَّاص: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أمر بقتل الوَزَغِ»، ولم أقفْ عليه في المطبوع ولا المخطوط من هذه الرِّواية، والله أعلم.

وذَكَرَا حديثيْن مُرْسَلَيْنِ عند يحيى، وهما متَّصلان في رواية أبي مصعب.

وحديثًا بلاغًا في رواية يحيى وهو متَّصل في رواية أبي مصعب.

قلت: وهو من الموقوف على عُمَرَ، فلا يدخل تحت هذا الإحصاء.

وفي رواية أبي مصعب ستَّة أحاديث مُرْسَلَة، ولا ذِكْرَ لها في رواية يحيى.

قلت: وذكرَا من بينها حديثَ يحيى بن سعيد مرسلاً: «أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلَّم كُفِّنَ في ثلاثة أثوابٍ سحولية».

وهذا الحديث لم يرد في رواية يحيى المطبوعة (تحقيق فؤاد عبد الباقي)، لكنَّه ورد في النُّسخة الخطيَّة من الكتاب (ل:   37/ب  نسخة المحمودية) ، والخطأ في المطبوع، ثمَّ إنَّ بشَّار عواد أثبته في تحقيقه لرواية يحيى رقم (597)، فأَحْسَنَ.

وحديثًا برقم (2501) وهو حديث سعيد ابن المسَيِّب مرسلاً: «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّم نهى عن بيع الغَرَرِ»، ونَفَيَا وجودَه في رواية يحيى، وهو موجود في المطبوع منه، إلاَّ أنَّه اختلف موضعه عن موضع أبي مصعب من كتاب البيوع(15).

ثمَّ قالاَ: فهذه أربعةٌ وعشرونَ حديثًا متَّصلة، لَمْ تَرِدْ أصْلاً أو لم تَرِدْ مُتَّصِلَة في رواية يحيى.

قلت: وهذا العدد يحتاج إلى إعادة نظرٍ كما سَبَقَ.

ثمَّ قالا: «لكن نلاحظ في الوقت نفسِه أنَّ رواية أبي مصعب تضمَّنت تسعةَ أحاديثَ مُرْسَلَةٍ، وبلاغًا واحدًا، جاءت في رواية يحيى متَّصلة».

قلت: ذكرَا حديثً برقم: (321)، وهو موقوف على القاسم بن محمَّد، فلا يدخل تحت هذا الإحصاء.

وحديثًا برقم: (364)، مرسلٌ في رواية أبي مصعب، متَّصلٌ في رواية يحيى، والصَّوابُ أنَّ الحديث مِمَّا اخْتَلَفَ الرُّواةُ فيه على يحيى اللَّيثيِّ(16).

وحديثًا برقم: (920)، وهو حديثُ نافعٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ مُرْسَلاً في النَّهي عن قَتْلِ النِّساء والصِّبيان في الغَزْوِ، وجاء في المطبوع من رواية يحيى موصولاً، والصَّوابُ أنَّ يحيى رواه مرسلاً، وما في المطبوع خطأٌ(17).

وحديثًا برقم: (2011) لكنَّه في النُّسخة الهنديَّة التي اعتمدَا عليها مُرْسَلٌ!

فهو في موطَّئِه (ل:   346/ب ـ النُّسخة الهنديَّة) عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، كذا جاء الحديث في هذه النُّسخة، وقد أثْبَتَ النَّاسخُ الفَرْقَ بين روايةِ يحيى وأبي مصعب في الحاشيَةِ فقال: «يحيى بدل: زُفَر بن صعصعة، عن أبيه، عن أبي هريرة».

وفي المطبوع من هذه الرواية (2/135) (رقم2011) ألحق المحقِّقان في إسناده   وقد اعتمدَا النُّسخةَ الهنديَّة  ـ: زُفَر بن صعصعة بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة! بين قوسين، ولم يُبَيِّنَا ما وقع في نسختهما من النَّقص.

وذكرَا حديثًا برقم:   (2179) وقالا: «ولعلَّه هناك سَهْوٌ من النَّاسخ، فقد ورد الحديث من طريق مالك...»، ثمَّ ذكراه مَوْصُولاً وعَزَيَا الرِّوايةَ ليحيى وغيرِه.

قلت: هو حديث «مَرَّ بِشَاةٍ ميتة»، وفيه : « أَفَلاَ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَ ».

ولا سهوَ على النَّاسخ، فالحديث مِمَّا اختلفَ فيه رواةُ الموطَّأ، فرواه بعضهم مُرْسَلاً كأبي مصعب والقعنبي ومحمَّد بن الحسن وسويد، وآخرون مَوْصُولاً كيحيى اللَّيثيِّ، وقد بَيَّنْتُ ذلك في تحقيقي لكتاب «الإيماء» (2/532 ـ 533).

ثُمَّ ذكرَا ما تضمَّنته روايةُ أبي مصعب من الزِّيادات على روايةِ يحيى من الموقوف وأقوال التَّابعين وأقوالِ مالك، وليس من غَرَضِنَا في هذا المبحث.

فهذا مِمَّا يبيِّن أنَّ هذه الإحصائيَّة تحتاج إلى إعادة نَظَرٍ، ولا يمكن أن نَجْزِمَ بالفُرُوقاتِ بين الرِّوايتين إلاَّ إذا اعتمدنا على أصـولٍ صحيحةٍ، وأقـوالِ أهل العلم في الأحاديث، والنَّظرِ فيها، خاصَّةً ما ذَكَرَ أبو العبَّاس الدَّاني في كتاب «الإيماء إلى أطراف الموطَّأ»، فإنَّه وضع كلَّ حديث موضعه من الموقوف والمرفوع والمرسل، والله أعلم بالصَّواب.

نُسَخُ الرِّواية المخطوطة والمطبوعة:

وقفتُ لـموطَّأ أبي مصعب على ثلاثِ نُسَخٍ خطيَّة، نسختان كاملتان، وثالثةٌ ناقصةٌ:

النُّسخة الأولى: أصْلُها محفوظٌ بمكتبة سالار جنك (الهِنْد)، ولها صورةٌ مصوَّرة بالجامعة الإسلامية برقم:   (703).

النُّسخة الثَّانية: أصلُها محفوظٌ بالظَّاهريَّة، ولها صورةٌ في الجامعة الإسلاميَّة برقم:   (1720)، وهذه النُّسخة ناقصة.

النُّسخة الثَّالثة: نسخةٌ مُصَوَّرَةٌ بالجامعة الإسلاميَّة برقم: (4081).

المطبوع من هذه الرواية:

طُبِعَتْ روايةُ أبي مصعب في الأعوام الأخيرة، بمُؤَسَّسة الرِّسالة ببَيْرُوت، وقام بتحقيق هذه الرِّواية د. بشَّار عواد، ومحمود خليل، وقد قاما بضبطِ نصِّ هذه النُّسخة، ومقابلتِها برواية يحيى اللَّيثيِّ، وتخريجِ أحاديثِها من طريق مالك من دواوين السُّنَّة، وترقيمِ نصوصِها، وإخراجِها بشكلٍ وحُلَّةٍ جيِّدة يستفيد منها طلبةُ العلم.

ولي على هذه النُّسخة عدَّةُ ملحوظاتٍ:

الأولى: أنَّ المحقِّقَين لَمْ يعتمدَا إلاَّ على النُّسخة الهنديَّة، وهي متأخِّرة، وللكتابِ عدَّةُ نسخ كما تقدَّم.

الثَّانية: أنَّ ناسخَ النُّسخة الهنديَّة أثبت الفروقاتِ بين رواية يـحيى اللَّيثيِّ وهذه الرِّوايـة، فـأغفلا تعليقاتِه.

الثَّالثة: أنَّهما ذكرَا بعض هذه التَّعليقات (وهي فروقات) داخل النَّص، ولا شكَّ أنَّ هذا خطأٌ جسيمٌ، وتسوُّرٌ على رواية أبي مصعب، وكأنَّهما ظنَّا أنَّ تلك الفروقات التي يذكرها النَّاسخ لَحْقٌ وسَقْطٌ من رواية أبي مصعب فأثبتاها في النَّصِّ!!

منها:

ـ حديث: « دَعْهُ فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ »:

اخْتَلَفَ فيه الرُّواةُ عن مالك، فَوَصَلَه جماعةٌ وأَرْسَلَه آخرُونَ، فَمِمَّنْ أرْسَلَه أبو مصعب الزُّهريُّ كما في (ل:   111/ب    نسخة مصوَّرة في الجامعة الإسلامية برقم:   4081)، وكذا جاءت الرِّوايةُ مُرْسَلَةً في النُّسخة الهنديَّة (ل:   230/أ) التي اعتمدها بشَّار عواد في تحقيقه، وأثبت النَّاسخ في الحاشية كلمةَ: «عن عبد الله» من رواية يحيى الأندلسي موضِّحًا الخلاف بين الرِّوايتين، ثمَّ جاء بشَّار عواد فنقل الحاشيةَ إلى الأصل  (2/76) (رقم:   1890) ظنًّا منه أنَّها سقطت من الأصل، والصَّواب إسقاطُ لفظة: «عن عبد الله»، والحديث عند أبي مصعب مُرْسَلٌ في هاتين النُّسختيْنِ. وقال الدَّارقطني: «أرسله القعنبي وأبو مصعب» «أحاديث الموطَّأ» (ص  11).

  وحديث:   «لاَ يَصْبِرُ عَلَى لأوَائِها وَشِدَّتِهَا...»:

رواه مالك عن قَطَنِ بن وَهْب بن عُوَيْمِر بن الأجْدَع، عن يُحَنَّس مَوْلَى الزُّبَيْر، عن ابن عُمَرَ.

ووقع عند بعضِ رواة «الموطَّأ»: «قطن بن وهب عن عُويمر» تَصَحَّفَ «بن» بـ «عن».

وهي رواية أبي مصعب الزُّهري (2/54) (رقم:   1847)، وهي كذا في الأصل كما في النُّسخة الهندية (ل:   224/أ) وأَصْلَحَها المحقِّقان؟! فقالا في حاشيته: «في الأصل: عن، والصَّواب: بن».

قلت: الصَّواب من رواية أبي مصعب: «عن»، كما ثبت في النُّسخة الهنديَّة، وفي نسخة أخرى بالجامعة الإسلامية (برقم:   4081).

وكذا جاء بالتَّصحيـف عند بـعض رواة «الموطّأ»(18).

الرابعة: اعتمادهم في العَزْوِ على رواية يحيى المطبوعة بتحقيق محمَّد فؤاد عبد الباقي، وفيها من الأخطاء من حيث السَّقْطُ، وَوَصْلُ المرْسَلِ ما بيَّنته في مقال مفرد، وبالعكس من ذلك فقد يخطِّئون ما هو صوابٌ في المطبوع من رواية يحيى بزعم أنَّها لم تَتَّحد في الإسناد مثلاً مع رواية أبي مصعب وغيره.

مثاله حديث جابر بن عبد الله: «أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلَّم نَحَرَ بَعْضَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ...»، فهو في رواية أبي مصعب (1/534/رقم:   1381) من مُسْنَدِ جابر، وتابعه أكثر الرُّواة، وقال فيه يحيى: عن علي بن أبي طالب، وتابعه القعنبي، فقال المحقِّقان في التَّعليق على الحديث: «في المطبوع من رواية يحيى:   256 تحرَّف إلى: عليِّ بنِ أبي طالب، والصَّواب جابر بن عبد الله كما في التَّخريج»!

قُلْتُ: لو رَجَعَا إلى النُّسخ الخطيَّة، أو أقوال أهل العلم في الحديث كابن عبد البرِّ لوجدَا أنَّ ما ورد في المطبوع من رواية يحيى صحيحٌ(19).

هذه بعض أمثلة تُبَيِّنُ ما وقع فيه المحقِّقان لرواية أبي مصعب من أخطاءٍ في قراءة النَّصِّ والتَّعليق عليه، سَبَبُه عدمُ الرُّجوع إلى الأصول الخطيَّة الصَّحيحة من رواية يحيى اللَّيثيِّ، وكذا الرُّجوع إلى الأصول الخطيَّة من رواية أبي مصعب، والاكتفاء بنسخةٍ واحدة متأخِّرةِ النَّسخ، والكتابُ بحاجة إلى إعادة تحقيق ونَظَرٍ، واللهُ أعلى وأعلم.

  --- 
(1) «الجرح والتَّعديل» (1/43). 
(2) «إتحاف السَّالك» لابن ناصر الدِّين (ص  174). 
(3) «تهذيـب التَّهذيـب»(1/17)، «الميزان»(1/84)، «التَّقريب» (رقم  17). 
(4) «التَّاريخ» (3/ل:   151/أ). 
(5) «الميزان» (1/84). 
(6) «تهذيب التَّهذيب» (1/18). 
( 7 ) «ترتيب المدارك» (3/348). 
( 8 ) «الإرشاد» (1/228). 
( 9 ) «تذكرة الحفَّاظ» (2/483). 
( 10 ) «تذكرة الحفَّاظ» (2/483). 
( 11 ) «الغُنْيَة» (ص:98)، «الصِّلَة» (1/82). 
( 12 ) «التَّمهيد» (2/339). 
( 13 )   «بُغْيَةُ الملْتَمِسِ» للعَلاَئِي (ص  89)، «تذكرةُ الحفَّاظِ» (2/483). 
( 14 ) «مقدِّمة موطَّأ أبي مصعب الزُّهريِّ» (1/41). 
( 15 ) انظر: «الموطَّأ» ـ رواية يحيى اللَّيثيِّ ـ كتاب: البيوع، باب: بيع الغَرَرِ (2/513/رقم:75). تحقيق فؤاد عبد الباقي، و (1941) بتحقيق بشَّار. 
( 16 ) انظر: «الإِيمَاء» (3/420). 
( 17 ) انظر ما ذكرته في «الإيماء» (3/609). 
( 18 ) انظر: «الإيماء» (2/512)، وانظر أيضًا مثالاً آخر في «الإيماء» (3/541). 
( 19 ) انظر: «الإيماء» (2/326).