أنت هنا:دراسات وبحوث»الأجزاء الحديثية المشتهرة عند المحدثين بأسماء خاصة

الأجزاء الحديثية المشتهرة عند المحدثين بأسماء خاصة

  • د. جمال عزون
تم قراءة المقال 2777 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تزخر المكتبة الحديثيّة بعدد هائل من الأجزاء التي حرص العلماء عامّة والمحدّثون خاصّة على سماعها عن الشّيوخ المسندين أصحاب الأسانيد العالية إلى مؤلّفي تلك الأجزاء أو رواتها عنهم، والنّاظر في كتب التّراجم والمشيخات والأثبات والبرامج يعجب جدّا من هذا العدد الهائل من أجزاء المحدّثين المتداولة في مجالس السّماع، ويكفي الباحث مثلاً أن ينظر في مجاميع المكتبة الظّاهريّة ليرى نموذجاً ممّا وصلنا من تلك الأجزاء، وإذا قارن ذلك بثبت الضّياء المقدسي وفهرس ابن المبرد وغيرهما يدرك بجلاء أنّ المفقود أعظم بكثير من هذا المحفوظ في خزانة الظّاهريّة وغيرها من المكتبات.

وقد لفت انتباهي في أثناء قراءة كثير من أثبات المحدّثين وفهارسهم أسامي خاصّة عرفت بها أعداد من الأجزاء الحديثيّة، وصارت تلك الأسامي عَلَمًا عليها، ولذلك أسباب عديدة نشير إلى بعضها في خاتمة مبحثنا هذا الذي أكتفي فيه بنماذج من تلك الأجزاء المشتهرة عند المحدّثين بأسماء معيّنة خاصَّة، وهي تدلّ الباحث على ما سواها، وترشده إلى ما عداها.

1 - جُزْءُ البَرَاغِيثِ:

ذكره ابن حجر في كتابه «المعجم المفهرس» وقال: «جزء من حديث عبيد الله بن هارون القطّان يُعرف بجزء البراغيث»(1). 

وأفاد أنّه قرأه على شيخه زين الدّين أبي بكر بن الحسين بن عمر المراغي نزيل المدينة النّبويّة، بسماعه له على صالح بن مختار الأُشْنُهِيّ، بإجازته من محمّد بن عبد الهادي، أنبأنا السِّلَفي في كتابه، أنبأنا أبو الحسن محمّد بن عليّ بن أبي الصّقر، أنبأنا عبيد الله بن هارون به(2).

2 - جُزْءُ ابن بَوْشٍ:

ذكره الطّبري المكّي في مقدّمة كتابه «الرّياض النّضرة» حين عدّد مصادره فقال: «جزء من حديث محمّد بن إبراهيم السّرّاج يُعرف بجزء ابن بَوْشٍ»(3).

وابن بَوْشٍ هو الشّيخ المعمَّر الرُّحَلَةُ أبو القاسم يحيى بن أسعد بن يحيى بن محمّد بن بَوْشٍ البغدادي الأزَجِيّ الحنبلي الخبّاز، كان سماعه صحيحاً، وبورك له في عمره، وحدّث نحواً من أربعين سنةً، توفّي سنة 593هـ(4).

ومحمّد بن إبراهيم السّرّاج هو ابن إسحاق بن إبراهيم بن مهران البغدادي محدّث صدوق، توفّي سنة 313هـ(5).

3 - جُزْءُ ابن قُلُنْبَا:

ذكره ابن حجر ضمن مرويّاته فقال:

«فوائد السِّلَفِي يُعرف بجزء قُلُنْبَ»(6). ويرويه بإسناده إلى جعفر بن عليّ الهَمْداني بسماعه من السِّلَفي وهو - أي السّلفي - مخرّجه.

وابن قُلُنْبَا هو بضمّ القاف واللاّم كما قال الزَّبيدي(7).

وقد حيّرني الحافظ الذّهبي في تحديد المقصود بابن قُلُنْبَا الذي اشتُهر بهذا الجزء حيث ذكر في تاريخ الإسلام ترجمتين لعَلَمَيْن مختلفين عزا لكلّ واحد منها جزءنا هذا:

الأوّل: هو الفقيه المحدّث أبو القاسم عليّ بن مهدي بن عليّ بن قُلُنْبَا اللّخمي الإسكندري، كان ثقة، وله أدب وشعر، وبنو قُلُنْبَا من أقدم بيت في الإسلام يقال: إنّ أسلافهم حضروا فتح الإسكندريّة، توفّي عام 574هـ.

قال الذّهبي في آخر ترجمته: «وإليه يُنسب جزء ابن قُلُنْبَ(8) الذي للسِّلَفي»(9).

الثّاني: الإمام الفاضل البارع المناظر أبو الحسين إبراهيم بن مهدي بن عليّ بن محمّد بن قُلُنْبَا الإسكندري المتوفّى سنة 538هـ.

قال الذّهبي في آخر ترجمته: «وإليه يُنسب جزء ابن قُلُنْبَا أظنّه انتقاه من روايات السِّلَفي رواه جعفر الهَمَذاني عن السِّلَفي»(10).

ويبدو من تشابه الأسماء أنّ هذين العلمين أخوان، فهل صاحب الجزء هو عليّ كما قال الذّهبي في الموطن الأوّل جزماً، أم إبراهيم كما قال في الموطن الثّاني ظنّاً؟ وأجزم أنّ وقوف الباحث على الجزء يقطع الإشكال، ويزيل الاحتمال(11).

4 - جُزْءُ المَنْبِجِيَّيْنِ:

ذكره ابن طولون ضمن مرويّاته فقال: «جزء من حديث أبي القاسم المنبجي وأبي عليّ المنبجي ويعرف بجزء المَنْبِجِيَّيْنِ»(12).

وذكره ابن رافع في ترجمة شرف الدّين الحسن بن علي بن عيسى اللّخمي الشّافعي 737هـ فقال: «حضر على أبي بكر ابن الأنماطي جزء الكراعي وجزء المَنْبِجِيَّيْنِ»(13).

وقد يجري - خطأً - على لسان القرّاء «جُزْءُ المَنْبِجِيِّينِ» بالجمع والصّواب أنّه بالتّثنية؛ ولهذا نرى الحافظ ابن حجر يحتاط لهذا الإيهام بطريقة الفصل والإفراد حيث قال: «جزء المنبجي والمنبجي قرأته على أبي الحسن عليّ بن أحمد بن محمّد بن محمود المرادوي، أنبأنا محمّد بن عليّ بن أحمد بن فضل الواسطي، وأبو عبيد الله محمّد ابنا أحمد بن المحبّ، قالا: أنبأنا محمّد بن عليّ بن أحمد بن فضل الواسطي، حدّثنا الحسن بن عليّ بن الحسين ابن البنّ، أنبأنا جدّي الحسين بن الحسن، أنبأنا أبو القاسم عليّ بن محمّد بن أبي العلاء، أنبأنا أبو القاسم عمر بن محمّد المنبجي عن شيوخه، وأبو عليّ الحسن بن الأشعث المنبجي، عن أبي عليّ الكندي عن شيوخه»(14).

والعلمان المنبجيّان اللّذان عرف بهما الجزء هما:

1 - أبو عليّ الحسن بن أشعث بن محمّد بن علي المنبجي كان حيّاً عام 417هـ، وهو محدّث كان له مسجد في مدينة منبج يؤمّ النّاس فيه ويقرؤون عليه فيه كتب الحديث. روى عن عدد من الشّيوخ منهم شيخه في هذا الجزء المحدّث المسند الفقيه أبو علي الحسن بن عبد الله بن سعيد الكندي الحمصي(15) سمع عليه ببعلبك في مسجدها الجامع عام 388ه(16).

2 - أبو القاسم عمر بن محمّد المنبجي: ولا تُسعف المصادر بخبر عنه، ولعلّه كان رفيقاً لأبي عليّ الحسن بن أشعث بن محمّد بن علي المنبجي، ومن بلدٍ واحد هو منبج، وعنوان الجزء «جُزْءُ المَنْبِجِيِّينِ» يشير على شيء من ذلك والعلم عند الله تعالى.

5 - جُزْءُ التَّرَاجِم:

ذكره العلائي ضمن مرويّاته فقال: «جزء من حديثه - أي النّجّاد - يُعرف بجُزْءِ التَّرَاجِم»(17). وهو للإمام الحافظ الفقيه المفتي شيخ العراق أبي بكر أحمد بن سلمان بن الحسن البغدادي الحنبلي المعروف بالنّجّاد المتوفّى سنة 348ه(18)، ذكره جمع من العلماء كالذّهبي والصّفدي والفاسي(19) وغيرهم. ولا تُعرف له نسخة، وثمّة بعض أجزاء من حديث النّجّاد في الظّاهريّة تحتاج إلى تفتيش وكشف لمعرفة ما إذا كان من بينها جزء التّراجم هذا، وما ذكره محقّقا ثبتَي العلائي وابن حجر(20) - وفّقهما الله - عن وجود الجزء بالظّاهريّة مجرّد احتمال يُقطع بالوقوف على تلك الأجزاء الخطّيّة ودراستها بدقّة.

ملاحظة: في الدّرر الكامنة «جزء التّراجم للبخاري»، وفي الدّرّ المنثور «أخرج البخاري في جزء التّراجم»(21)، وكلّ ذلك تصحيف صوابه النّجّاد، والبخاري لا يُعرف له جزء بهذا الاسم.

6 - جُزْءُ البَيْتُوتَةِ:

ذكره ابن حجر ضمن مرويّاته فقال:

«جزء البَيْتُوتَةِ وهو جزء لطيف من عوالي أبي العبّاس السَّرّاج كان لا يحدّث به إلاّ من بات عنده ليلة»(22).

وصاحب الجزء هو محدّث خراسان الإمام الحافظ أبو العبّاس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الثّقفي السّرّاج المتوفّى سنة 313ه(23).

فهذه نماذج من الأجزاء الحديثيّة التي عُرفت عند المحدّثين بأسماء معيّنة خاصَّة واشتُهرت بها عندهم، ولا شكّ أنّ ثمّة أجزاء أخرى كثيرة جديرة بالبحث والتّتبّع، والاستقصاء والتّوسّع، مثل جزء الحاكم «فوائد الفوائد» المعروف بـ: «المئة»، والجزء التّاسع من حديث ابن السّماك المعروف بـ: «جزء حنبل»، وحديث أبي الطّيّب الجعفري المعروف بـ: «جزء ابن عمشليق»، وجزء هلال الحفّار المعروف بـ: «حديث القطّان»، والفوائد المنتقاة والأفراد والغرائب الحسان للقَطيعي المعروف بـ: «جزء الألف دينار» وغيرها كثير.

ويمكن للباحث أن يلتمس أسبابَ هذه التّسمية التي التصقت بهذه الأجزاء واشتُهرت بها عند المحدّثين من ذلك:

1 - اشتراط المؤلّف شرطاً معيّنا لسماع جزئه؛ كما فعل أبو العبّاس السّرّاج الذي كان لا يحدّث به إلاّ من بات عنده ليلة، زيادة في إكرام المحدّثين الذين تجشّموا عناء السّفر والرّحلة لسماع ذلك الجزء.

2 - اعتبار كلمة من حديث جليل؛ كما فعل أبو القاسم الكناني في جزء البطاقة الذي يُشير به إلى حديث الرّجل الذي يُنشر له يوم القيامة تسعةٌ وتسعون سجلاّ أُحصيت فيها أعماله، ثمّ يؤتى له ببطاقة فيها كلمة التّوحيد، فترجح كِفّتها على كِفّة تلك السّجلاّت، وبهذا اشتُهر الجزء عند المحدّثين بجزء البطاقة.

3 - اعتبار مجموعة من الأحاديث عالجت موضوعاً معيَّناً ورد في الجزء؛ ومثله «جزء البراغيث» لعبيد الله بن هارون القطّان الذي جمع فيه - على ما يبدو - طرق الأحاديث الواردة في البُرغُوث(24).

4 - لاشتراكٍ في الرّواية من محدّثَين نسبتهما واحدة مثل جزء المنبجيّين.

5 - انفراد راوٍ برواية ذلك الجزء على حدّ قول النّاظم:

وبعد ذا الأجزاءُ وهي وحدَها

 بكثرةٍ   لا   تستطيعُ    عَدَّها

وبعضُها في  كلِّ  وقتٍ  ينفردْ

وبعضُها في  كلِّ  وقتٍ  ينفردْ

والله وليّ التّوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطّريق.

---

(1)   المعجم المفهرس 340.

(2)   المعجم المفهرس 344، والمعجم المؤسّس 1/546.

(3)   المعجم المفهرس 340.

(4)   تاريخ الإسلام - وفيات 593هـ، ص 152، وسير أعلام النّبلاء 21/243.

(5)   تاريخ الإسلام 25/474.

(6)   المعجم المؤسّس 1/153، والمعجم المفهرس 341، وانظر كشف الظّنون 1/587.

(7)   تاج العروس، فما في المعجم المفهرس من ضبطه شكلاً بفتح القاف واللاّم «قَلَنْبَ» غير معروف. وانظر الحاشية التالية.

(8)   تصحّف في تاريخ الإسلام إلى: «قلين» بياء بعدها نون، وصوابه نون بعدها باء.

(9)   تاريخ الإسلام 40/153 - وفيات 574هـ، ص 153.

(10)   تاريخ الإسلام 40/153 - وفيات 574هـ، ص 153.

(11)   ينبغي التّوثّق أكثر ممّا جاء في حاشية المعجم المفهرس 1/153 من اعتبار الفوائد المرويّة من طريق جعفر بن عليّ الهمذاني عن شيخه السّلفي مخطوطة محفوظة في مكتبة الأوقاف ضمن مجموع تحت رقم: 2841؛ لأنّ ثمّة عدداً من الأجزاء والكتب للسّلفي مرويّة من طريق جعفر المذكور، وتحديد أساميها متوقّف على معرفة من خُرّجت له.

(12)   السّفينة الطّولونيّة رقم: 201.

(13)   وفيات ابن رافع 1/232.

(14)   المعجم المفهرس 366، والمعجم المؤسّس 2/251 - 252، وسمّاه في الثّاني: حديث المنبِجِيَّيْن.

(15)   انظر عن الكندي: سير أعلام النّبلاء 16/415.

(16)   انظر عن أبي عليّ المنبجي: تاريخ دمشق 13/38، وبغية الطّلب 5/2305.

(17)   إثارة الفوائد المجموعة في الإشارة إلى الفرائد المسموعة 2/570.

(18)   انظر عن النّجّاد: سير أعلام النّبلاء 15/502.

(19)   انظر السّير 15/505، والوافي 21/145، وذيل التّقييد 1/104، 2/196.

(20)   إثارة الفوائد المجموعة 2/570، والمعجم المؤسّس 1/135.

(21)   الدّرر الكامنة 4/88، والدّرّ المنثور 1/487، وجاء على الصّواب في 3/529.

(22)   المعجم المفهرس 250.

(23)   انظر عن السّرّاج: مقدّمة تحقيق مسنده بقلم إرشاد الحقّ الأثري.

(24)   يشار هنا إلى جزء أفرده الحافظ ابن حجر في الموضوع سمّاه: البسط المبثوث في خبر البرغوث، وزاد عليه أشياء جلال الدّين السّيوطي في جزء آخر سمّاه: الطّرثوث في فوائد البرغوث. وقد صرّح أهل الحديث بعدم صحّة شيء من الأحاديث الواردة في هذا الباب.