أنت هنا:دراسات وبحوث»حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» دراسة حديثية فقهية

حديث: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» دراسة حديثية فقهية

  • د. كمال قالمي
تم قراءة المقال 3935 مرة

 

الحمد لله وكفى، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا المصطفى، وعلى آله وصحبه، ومن سار على منهاجهم واقتفى.

أمَّا بعد، فهذه دراسة حديثيَّة فقهيَّة لحديث طَالما كَثُرَ فيه الخلاف من حيث الثُّبوتُ والاستدلالُ في مسألة جواز الاعتكاف في سائر المساجد، أو عدم جوازه إلَّا في المساجد الثَّلاثة: المسجد الحرام بمكَّة، والمسجد النَّبوي بالمدينة، والمسجد الأقصى ببيت المقدس ـ نسأل الله تعالى أن يُحَرِّرَهُ من أيدي اليهود الغاصبين، ويطهِّره من رِجْس إخوان القِرَدَةِ المعتدين، إنَّه خير مسؤول وأكرم مَأْمُول ـ.

أحببت أن أُدْلِيَ فيها بهذا البحث المتواضع، راجيًا من الله تعالى أن ينفعني به، ومن شاء الله من إخواني المسلمين، فأقول وبه سبحانه وتعالى أستعين:

الحديث يرويه سفيان بن عيينة، عن جامع ابن أبي راشد.

وقد اخْتُلِفَ فيه على سفيان، فرواه عنه جماعة مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ، ورواه آخرون عنه موقوفًا على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه من قوله.

أ ـ رواية الرَّفع:

أخرجها أبو جعفر الطَّحاوي في «شرح مشكل الآثار» (7 /201) (2771) من طريق هشام بن عمَّار، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن جامع ابن أبي راشد، عن أبي وائل، قال: قال حُذيفة رضي الله عنه لعبد الله  (يعني ابن مسعود رضي الله عنه): عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغيِّر! وقد علمتَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ، وَمَسْجِدِ بَيْتِ المقْدِسِ»، قال عبد الله: لعلَّك نسيتَ وحفِظُوا، أخطأْتَ وأصابوا!

أبو وائل هو شقيق بن سلمة الأَسَدِيّ الكوفيّ، ثِقَة مُخَضْرَمٌ.

وجامع بن أبي راشد الكاهليّ الكوفيّ، ثقة فاضل.

وسفيان بن عيينة الهلاليّ أبو محمَّد الكوفيّ، أحد الأئمَّة الحفَّاظ الثِّقات.

وهشام بن عمَّار أبو الوليد الدِّمشقيّ، قال الحافظ في «التَّقريب»: «صدوق مُقْرِئ، كبِر فصار يتلقَّن فحديثه القديم أصحُّ».

وتابع هشام بن عمَّار ثلاثة آخرون، وهم:

1 ـ محمَّد بن الفرَج، عند أبي بكر الإسماعيليّ في «معجم شيوخه» (336).

ومحمَّد بن الفرج بن عبد الوارث البغداديّ، صَدُوقٌ، روى عنه مسلمٌ.

2 ـ ومحمود بن آدم المروزيُّ، عند البيهقيّ في «سننه الكبرى» (4 /316).

ومن هذا الطَّريق رواه الذَّهبيّ في «سير أعلام النُّبلاء» (15 /81)، وقال عقبه: «صحيحٌ غريبٌ عالٍ».

ومحمود بن آدم المروزيّ، قال أبو محمَّد بن أبي حاتم في «الجرح والتَّعديل» (8 /290): «كتب إلى أبي وأبي زُرعة وإليَّ، وكان ثقةً صدوقًا»، ووثَّقه أيضًا الدَّارقطني في «سؤالات أبي عبد الرَّحمن السُّلميّ له» (318)، وذكره ابن حِبَّان في «الثِّقات» (9 /202).

وفي «التَّقريب»: «صدوق، ذكره ابن عدي في شيوخ البخاريّ(1)».

3 ـ وسعيد بن منصور؛ لكنَّه شكَّ في مَتْنِه.

فأخرجه في «سننه»(2) ورواه من طريقه ابن الجوزيّ في كتابه «التَّحقيق في أحاديث الخلاف» (1181) قال: حدَّثنا سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سَلَمَة قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: قد علمت أنَّ رسول الله ﷺ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ـ أو قال: مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ـ».

وسعيد بن منصور أبو عثمان الخراسانيّ نَزِيلُ مكَّةَ، قال الحافظ في «التَّقريب»: «ثقة مصنِّف، وكان لا يرجع عمَّا في كتابه لشدَّة وثوقه به».

والظَّاهر أنَّ الشَّكَّ في قوله: «أَوْ مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ» غير محفوظ في هذه الرِّواية؛ لأنَّ حذيفة رضي الله عنه إنَّما أنكر على أولئك القوم، وهم عكوف في مسجد الكوفة الأكبر ـ كما سيأتي في رواية إبراهيم النَّخعيّ ـ.

فمن أعلَّ الحديث بمجرَّد هذا الشَّكِّ فما أنصف؛ إذْ لا تأثير للشَّكِّ في هذه الرِّواية، وعليه تكون رواية سعيد موافقة لرواية من تقدَّم ذكرُهم، هذا من حيث المعنى، وأمَّا من حيث الرِّواية فمن رواه ـ سواء كانت رفعًا أو وقفًا ـ بدون شكٍّ أكثر، فتُقدَّم روايتُهم.

فالمتنُ المحفوظ إذَنْ بلفظ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ»؛ ولكن يبقى البحث في صحَّة إضافته للنَّبيِّ ﷺ فيكون مرفوعًا، أو إلى صحابيِّه فيكون موقوفًا.

فقد رواه هؤلاء الأربعة عن سفيان بن عيينة، بإسناده مرفوعًا إلى النَّبيِّ ﷺ.

وخالفهم ثلاثة آخرون فرووه عن سفيان ابن عيينة موقوفًا على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وهي:

ب ـ رواية الوقف:

1 ـ عبد الرَّزَّاق الصّنعاني.

فأخرجه في «مصنَّفه» (4 /348) عن ابن عُيَيْنَة، عن جامع بن أبي راشد، قال: سمعت أبا وائل يقول: قال حذيفة لعبد الله: قومٌ عكوفٌ بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم! فقال له عبد الله: فلعلَّهم أصابوا وأخطأت، وحفظوا ونسيت؟! «فقال حذيفة:  لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ المَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ المَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ،  وَمَسْجِدِ إِيلْيَاء».

ورواه من طريقه الطَّبرانيُّ في «الكبير» (9 /302)، وعزاه له الهيثميّ في «مَجْمَع الزَّوائد» (3 /404) وقال: «رجاله رجال الصَّحيح».

2 ـ سعيد بن عبد الرَّحمن.

3 ـ محمَّد بن أبي عمر.

وروايتهما عند الفاكهي في «أخبار مكَّة» (1334) قالا: ثنا سفيان بإسناده، مثله غير أنَّه لم يذكر قولَ ابن مسعود لحذيفة: «لعلَّهم أصابوا...».

وسعيد بن عبد الرَّحمن هو أبو عبيد الله المخزوميّ المكيّ، ثقة، كما في «التَّقريب»، وقال مسلمة بن قاسم الأندلسي في كتاب الصِّلة ـ كما في «إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (5 /319) ـ: «أخبرنا عنه غير واحد، وهو ثقة في ابن عيينة».

ومحمَّد بن أبي عمر، نسب إلى جدِّه وهو محمَّد ابن يحيى بن أبي عمر أبو عبد الله العدنيّ نزيل مكَّة، قال الحافظ في «التَّقريب»: «صدوق، صنَّف «المسند»، كان لازم ابن عيينة؛ لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة»، قلت: روى عنه مسلمٌ في «صحيحه» وأكثر عنه، وقال التِّرمذي في «جامعه» عقب حديث (247): «سمعتُ ابن أبي عمر يقول: اختلفتُ إلى ابن عيينة ثمانيةَ عشر سنة».

تنبيه: عدَّ العلَّامة المحدِّث محمَّد ناصر الدِّين الألبانيّ ـ تغمَّده الله برحمته وطيَّب ثراه ـ في «السِّلسلة الصَّحيحة» (6 /668 ـ 669) وحاشية (2) من (ص675) هذين الرَّاويَيْن فيمن رواه مرفوعًا، وليس كذلك؛ فسبحان من لا يسهو!

الخلاصة: بعد استعراض هذه الطُّرق والرِّوايات ، والنَّظر في اختلافها ـ رفعًا ووقفًا ـ والتَّأمُّل في أحوال الرُّواة وتراجمهم، نَخْلُصُ إلى أحد المسلكين: الجمع بينها ـ إن أمكن ـ، أو ترجيح بعضها على بعض:

1 ـ مسلك الجمع: فيقال: إنَّ كِلا الطَّريقين محفوظ؛ لأنَّه يجوز أن يحدِّث الصَّحابي بالحديث في أوقات مختلفة، فتارة يحدِّث به على سبيل الرِّواية فيرفعه، وتارة على سبيل الفُتْيَا فيوقفه.

قال الخطيب البغداديّ ـ رحمه الله ـ في «الكفاية» (2 /516) ـ بعد أن قرَّر هذا الأمر ـ قال: «وقد كان سفيان بن عيينة يفعل هذا كثيرًا في حديثه، فيرويه تارة مسندًا مرفوعًا، ويقفه مرَّة أخرى قصدًا واعتمادًا».

قلت: وهذا المسلك ـ وهو مسلك الجمع ـ أولى من التَّرجيح المستلزم لتوهيم بعض الثِّقات ولاسيما إذا كانوا جمعًا، وهم متقاربون في الحفظ والضَّبط والعدد.

ولكن يعكِّر على هذا أنَّها قصَّة واحدة لم تتكرَّر، ولا سيما مع اتِّحاد مخرج الحديث، فالصَّواب في مثل هذا المصير إلى ترجيح إحدى الرِّوايتين على الأخرى(3)، وهو:

2 ـ مسلك التَّرجيح: فإمَّا أن تُرجَّح رواية الرَّفع؛ لأنَّها زيادة من الثِّقة وهي مقبولة.

وإمَّا أن تُرجَّح رواية الوقف؛ لوجود قرائن تقتضي ذلك، وسيأتي ذكرها.

فأمَّا ترجيح الرَّفع ففيه نَظَرٌ؛ لأنَّ قاعدةَ قبول زيادة الثِّقة مطلقًا إنَّما تجري على طريقة الفقهاء والأصوليِّين وبعضِ مَنْ تأثَّر بهم مِن المحدِّثين، وأمَّا أئمَّةُ الحديث ونقَّادُه فليس لهم في ذلك منهج مطَّرد، وإنَّما لهم في كلِّ حديث حكمٌ خاصٌّ بحسبِ ما يَحْتَفُّ به من قرائن.

فأحيانًا يرجِّحون المسند أو الرَّفع، وأحيانًا الإرسال أو الوقف، كما يحكمون في المتون بقبول الزِّيادة تارةً، وبردِّها تارةً أخرى.

نقل الحافظ ابن حجر في «النُّكت» (2 /604) عن الحافظ ابن دقيق العيد في مقدّمة كتابه «شرح الإلمام» أنَّه قال: «من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنَّه إذا تعارض روايةُ مُرْسِلٍ ومُسْنِدٍ، أو رَافِعٍ ووَاقِفٍ، أو نَاقِصٍ وزَائِدٍ أنَّ الحكم للزَّائد فلم يصبْ في هذا الإطلاق؛ فإنَّ ذلك ليس قانونًا مطَّردًا وبمراجعة أحكامهم الجزئيَّة يُعرفُ صوابُ ما نقول».

وقال الحافظ العَلائيّ في كتابه «نظم الفرائد» (ص209) بعد نقُولاتٍ عن الأصوليِّين في هذه المسألة قال: «فهذا كلامُ بعضِ أئمَّة الأصول ممَّن وقفتُ عليه، وأمَّا أئمَّةُ الحديث فالمتقدِّمون منهم كيحيى بن سعيد القطَّان وعبد الرَّحمن بن مهديّ ومن بعدهما كعليّ بن المدينيّ، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وهذه الطَّبقة، وكذلك من بعدهم كالبخاريّ وأبي حاتم وأبي زرعة الرَّازِيَيْنِ، ومسلم، والنَّسائيّ، والتِّرمذيّ وأمثالهم، ثمَّ الدَّارقطنيّ والخليليّ، كلُّ هؤلاء يقتضي تصرُّفهم في الزِّيادة قبولًا وردًّا التَّرجيح بالنِّسبة إلى ما يقوى عند الواحد منهم في كلِّ حديث، ولا يحكمون في المسألة بحُكم كُلِيٍّ يعمُّ جميع الأحاديث، وهذا هو الحقُّ الصَّواب».

ولذلك لما أعلَّ الإمامُ الدَّارقطنيّ حديثًا بالإرسال، أجاب عن ذلك الحافظ ابنُ الجوزيّ بهذه القاعدة: بأنَّ الرَّفعَ زيادة، والزِّيادة من الثِّقة مقبولة، فتعقبَّه الحافظ ابنُ عبد الهادي بقوله: «وهذه الطَّريقة الَّتي سلكها المؤلِّفُ (يعني ابنَ الجوزيّ) ومن تابعه: في أنَّ الأخذَ بالمرفوع في كلِّ موضع، طريقةٌ ضعيفةٌ، لم يسلكْها أحدٌ من المحقِّقين وأئمَّة العلل في الحديث»(4).

ومن القرائن الَّتي يرجّح بها الوقف في حديثنا هذا: ما أخرجه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (4 /347 ـ 348)، وابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (2 /337)، والطَّبراني في «المعجم الكبير» (9 /301) من طريق سفيان الثَّوريّ، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، قال: »جاء حذيفةُ إلى عبد الله، فقال: ألا أعجبك من ناسٍ عكوفٌ بين دارك ودار الأشعريّ؟ قال عبد الله: فلعلَّهم أصابوا، وأخطأتَ! فقال حذيفة: ما أُبالي أفيه أعتكفُ أو في بيوتكم هذه، إنَّما الاعتكاف في هذه المساجد الثَّلاثة: مسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى«، كان الَّذين اعتكفوا ـ فعاب عليهم حذيفة ـ في مسجد الكوفة الأكبر.

وقال ابنُ حزم في «المحلَّى» (5 /286): رُوِّينا من طريق عبد الرَّزَّاق بإسناده، فذكره وفيه أنَّ الَّذي قال: »كان الَّذين اعتكفوا... « هو إبراهيم النَّخعيّ نفسُه، ورجاله ثِقات، إبراهيم هو ابن يزيد النَّخعيّ الكوفيّ الثِّقة الفقيه.

وواصل هو ابن حَيَّان الأَحْدَب الأَسْدِيّ الكوفيّ، ثقة ثَبْتٌ، كما في «التَّقريب».

ورواية إبراهيم النَّخعي عن ابن مسعود ظاهرها الانقطاع؛ لأنَّه لم يسمع منه، ولم يدرك هذه القصَّة، غير أنَّ لها حكم الاتِّصال، فقد صحَّ عن سليمان الأعمش أنَّه قال: «قلت لإبراهيم النَّخعيّ: أسْند لي عن عبد الله بن مسعود، فقال إبراهيم: إذا حدَّثتُكَ عن رجلٍ عن عبد الله فهو الَّذي سمَّيتُ، وإذا قلتُ: قال عبد الله فهو عن غير واحد عن عبد الله»، رواه التِّرمذي في كتاب «العلل» المطبوع في آخر «الجامع» (5 /709).

قال الحافظ ابن رجب الحنبليّ في «شرح العلل» (2 /542): «وهذا يقتضي ترجيح المرسل على المسند؛ لكن عن النَّخعيّ خاصَّة، فيما أرسله عن ابن مسعود خاصَّة».

ونظرًا لهذه القاعدة صحَّح العلَّامة الألبانيُّ ـ رحمه الله ـ في «الإرواء» (2 /131) إسنادَ أثرٍ آخرَ من رواية إبراهيم عن ابن مسعود.

وممَّا يدلُّ على أنَّ المرفوع غير محفوظ، أنَّ أحدًا من أصحاب ابن عيينة الكبار الَّذين ألَّفوا «المسند» لم يخرجْهُ في «مسنده»(5)، كالإمام أحمد، والحُمَيْديّ، وأبي داود الطَّيَالِسِيّ، وأبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن منيع البغويّ، وابن أبي عمر العدنيّ، إلَّا الحافظ سعيد بن منصور الَّذي رواه في «سننه» على شكٍّ منه في لفظه.

ثمَّ هكذا الطَّبقة الَّتي تلي هؤلاء ممَّن ألَّف في الجوامع والصِّحاح والسُّنن لم يحتجُّوا به ولا عرَّجوا عليه؛ ولذلك وصفه الحافظ الذَّهبي ـ كما سبق ـ بالغرابة، وإن كان حَكَمَ بصحَّتِه فإنَّما ذلك بناءً على ظاهر إسناده، وهو كذلك لو لم يرد ما يخالفه ويعلُّه.

قد يقول قائل: سلّمنا بأنَّه لم يصح رفعه حقيقة؛ لكن ألا يكون له حكم الرَّفع؛ كما يُشعر بذلك قول حذيفة لابن مسعود ـ كما في رواية الفاكهيّ الموقوفة ـ: «وقد علمت أنَّه لا اعتكاف...إلخ»، إذْ لا يقال مثل ذلك إلَّا ما كان سبيله النَّقل والرِّواية، لا ما كان سبيله الاستنباط والاجتهاد ؟

الجواب:

أوَّلًا ـ إنَّ هذا الحرف أعني قوله: «قد علمت» ورد في الرِّوايات الموقوفة على وجهين:

الوجه الأوَّل: بلفظ: «وقد علمت»، وهذا يحتمل أن يسند الفعل إلى ضمير المخاطَب: «علمتَ»، ويحتمل أيضًا إسناده إلى ضمير المتكلِّم: «علمتُ».

فعلى الاحتمال الأوَّل: فالجواب بأنَّ المخاطَب بذلك وهو ابن مسعود نفسه لم يقرَّه، بل أنكر على حذيفة قوله: «قد علمتَ» وصرَّح بأنَّه نَسِيَ وحَفِظَ غيرُه.

وعلى الاحتمال الآخر فلا إشكال فيه؛ لأنَّ حذيفة رضي الله عنه يخبر عمَّا عَلِمه هو من حال النَّبيِّ ﷺ، وقد نزلتْ عليه الآية الكريمة ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة:187] «وهو معتكِفٌ في مسجده وكان القصد والإشارة إلى نوع ذلك المسجد ممَّا بناه نبيٌّ»(6). والمراد بها المساجد الثَّلاثة، وهذا الاحتمال يؤيِّده:

الوجه الآخر: بلفظ: «أما أنا فقد علمتُ»، كما في رواية مغيرة بن مقسم، عن إبراهيم النَّخعيّ المشار إليها قريبًا، وهذا لا يحتمل إسناده إلَّا إلى ضمير المتكلِّم.

فيكون ما فهمه حذيفة رضي الله عنه هو محض الاجتهاد؛ ولذلك لم يوافقه عليه ابن مسعود، بل خطَّأه في الاستدلال بقوله: «وأخطأتَ وأصابوا»، كما خطَّأه في الدَّليل بقوله: «لعلَّك نسيتَ وحفظوا».

ثانياً ـ على فرض ثبوت رفعه ـ حقيقة أو حكمًا ـ فقد تأوَّله بعض أهل العلم توفيقًا بينه وبين الآية الكريمة الَّتي جرى عمل السَّلف على عمومها، فحملوا النَّفي في قوله: «لا اعتكاف» على نفي الكمال، لا نفي الصِّحة(7).

قال العلَّامة الشَّيخ العثيمين ـ رحمه الله ـ في «فتاويه» (20 /162): «فهذا (يعني حديث حذيفة) ـ إنْ سلم من القوادح ـ فهو نفيٌ للكمال، يعني: أنَّ الاعتكاف الأكمل ما كان في هذه المساجد الثَّلاثة، وذلك لشرفها وفضلها على غيرها، ومثل هذا التَّركيب كثير، ـ أعني أنَّ النَّفي قد يراد به نفي الكمال لا نفي الحقيقة والصِّحة. مثل: قوله ﷺ: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» وغيره، ولا شكَّ أنَّ الأصل في النَّفي أنَّه نفيٌّ للحقيقة الشَّرعية أو الحسِّيَّة؛ لكنْ إذا وُجد دليلٌ يمنع ذلك تعيَّن الأخذ به، كما في حديث حذيفة، هذا على تقدير سلامته من القوادح، والله أعلم».

قلت: وهذه الاحتمالات والتَّقديرات على فرض صحَّة حديث حذيفة أو تنزُّلًا عند من يقول بأنَّه في حكم المرفوع، وإلَّا فقد تبيَّن ـ فيما سبق ـ بأنَّه لم يثبت رفعه حقيقة، كما أنَّه لا يأخذ حكم الرَّفع مادام للاجتهاد فيه مدخل؛ ولو صحَّ رفعه حقيقة أو حكمًا لاسْتمرَّ عليه العمل.

وإنَّما «كان المسلمون عليه من الاعتكاف في مساجد بلدانهم، إمَّا مساجد الجماعات الَّتي تقام فيها الجُمُعات، وإمَّا هي وما سواها من المساجد الَّتي لها الأئمَّة والمؤذِّنون على ما قاله أهل العلم في ذلك»(8).

بل لا يُعرف من قال بقول حذيفة من الصَّحابة ولا التَّابعين إلَّا ما جاء عن سعيد ابن المسيِّب أنَّه قال: «لا اعتكاف إلَّا في مسجد نبيٍّ»(9).

وصحَّ أيضًا عن عطاء بن أبي رباح أنَّه قال: «لا جوار إلَّا في مسجد جامع، ثمَّ قال: لا جوار إلَّا في مسجد مكَّة، ومسجد المدينة»(10).

ولم يذكر بيت المقدس، فدلَّ على أنَّ مأخذه في ذلك غير حديث حذيفة هذا المختلف فيه.

وأيضًا ما ذهبَا إليه محمول ـ والله أعلم ـ على الأفضل والأكمل، يوضِّح ذلك ما رواه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (8 /455) عن معمر، عن عبد الكريم الجزريّ، عن ابن المسيِّب، قال: «من نذر أن يعتكف في مسجد إيلياء فاعتكف في مسجد النَّبيِّ ﷺ بالمدينة أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف في مسجد النَّبيِّ ﷺ فاعتكف في المسجد الحرام أجزأ عنه، ومن نذر أن يعتكف على رؤوس الجبال فإنَّه لا ينبغي له ذلك ليعتكفْ في مسجد جماعة»، ورجاله ثقات.

كما روى عبد الرَّزَّاق أيضًا (4 /351) عن ابن جريج،  عن عطاء أنَّه قال: «الخير من المساجد أحبُّ إليه أن يُجاور(11) فيه الإنسان، وإن كان نَذرَ جوارًا بغيره ـ يعني أنَّ الخير من المساجد ما جاء فيه الفضل، مسجد مكَّة، ومسجد المدينة، ومسجد إليا».

وزاد في رواية أخرى: قال ابن جريج: «قلت: فنذرَ جوارًا على رؤوس هذه الجبال ـ جبال مكَّة ـ أيقضي عنه أن يجاور في المسجد؟ قال: نعم، المسجد خيرٌ وأطهر، قلت: وكذلك في كلِّ أرض؟ قال: نعم... »(12).

وهذا الَّذي عليه جماهير أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار من الأئمَّة المتبوعين وغيرهم: جواز الاعتكاف في سائر مساجد المسلمين على خلافٍ فيما بينهم هل يُشترط أن يكون مسجدًا جامعًا تُقام فيه الجمعة أو مسجد جماعة أو في كلِّ مسجد ولو لم تُقَمْ فيه الجمعةُ ولا الجماعة؟(13).

تمسَّكًا بعموم ظاهر الآية الكريمة: ﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ[البقرة:187].

قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ في «الموطَّأ» (3 /313): «فعمَّ الله المساجد كلَّها، ولم يخصَّ شيئًا منها».

وقال النَّوويّ ـ رحمه الله ـ في «المجموع» (6 /507): «ووجه الدّلالة من الآية لاشتراط المسجد أنَّه لو صحَّ الاعتكاف في غير المسجد لم يخصَّ تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد؛ لأنَّها منافية للاعتكاف، فعلم أنَّ المعنى بيان أنَّ الاعتكاف إنَّما يكون في المساجد، وإذا ثبت جوازه في المساجد صحَّ في كلِّ مسجد، ولا يقبل تخصيص من خصَّه ببعضها إلَّا بدليل، ولم يصحَّ في التَّخصيص شيء صريح».

وقال العلَّامة محمَّد بن صالح العثيمين ـ رحمه الله ـ في «فتاويه» (20 /161): «ولفظ المساجد عامٌّ لجميع المساجد في أقطار الأرض، وقد جاءتْ هذه الجملةُ في آخر آياتِ الصِّيام الشَّامل حكمها لجميع الأمَّة في جميع الأقطار، فهي خطاب لكلِّ مَنْ خُوطِبُوا بالصَّوم؛ ولهذا خُتمتْ هذه الأحكام المتَّحدة في السِّياق والخطاب بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون[البقرة:187]، ومن البعيد جدًّا أن يخاطب الله الأمَّة بخطاب لا يشمل إلَّا أقلّ القليل منهم» اهـ.

واعلمْ أنَّ الآية وإن كانت عامَّة في جميع المساجد، فإنَّ «العُرف خصَّص المسجد بالمكان المهيَّأ للصَّلوات الخمس، حتَّى يخرج المصلَّى المجتمع فيه للأعياد ونحوها»(14).

كما يخرج أيضًا المساجد التي تُتَّخذ في البيوت(15)، فإنَّه لا يجوز للرِّجال الاعتكاف فيها بالإجماع(16).

وأمَّا المرأة فقد اختلفوا في جواز اعتكافها في مسجد بيتها، فرخَّص فيه بعضُ أهل العلم، ومنهم من جعله أفضل من مسجد قومها.

والرَّاجح أنَّه لا يصحُّ اعتكافها إلَّا في المسجد العامِّ؛ لأنَّ مسجد البيت وإنْ أطلق عليه اسم «مسجد» غير أنَّه لا يثبت له أحكام المساجد كجواز بيعها وغير ذلك، ولذلك لم يعتكف أزواجُ النَّبيِّ ﷺ في بيوتهنَّ، وإنَّما كنَّ يعتكفن في مسجده ﷺ، ولو كان ذلك جائزًا لاعتكفن في حُجُراتهنَّ فإنَّه أرفق وأيسر لهنَّ من ملازمة المسجد(17).

وأمَّا الرَّجل فأولى الأقوال بالصَّواب وأوسطها ـ في نظري ـ القول بجواز الاعتكاف في كلِّ مسجدٍ تقام فيه الصَّلوات الخمس (وهو ما يعرف بمسجد جماعة)؛ لأنَّ الجماعة واجبة وما لا يتمُّ به الواجب فهو واجب؛ ولأنَّ الاعتكاف في مسجد لا تقام فيه الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إمَّا ترك الجماعة الواجبة، وهذا لا يجوز لغير عذر شرعيٍّ، وإمَّا خروجه إلى الجماعة في مساجد أخرى فيتكرَّر ذلك منه في اليوم واللَّيلة خمس مرَّات، وهذا مناف لمقصود الاعتكاف الَّذي هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه(18).

ويدلُّ على ذلك ما أخرجه الدَّارقطنيّ في «سننه» (2 /201) من طريق ابن جريج، أخبرني الزُّهريّ ـ عن الاعتكافِ وكيف سنَّتُه ـ، عن سعيد ابن المسيِّب، وعروة بن الزُّبير، عن عائشة أخبرتهما: «أنَّ رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتَّى توفَّاه الله، ثمَّ اعتكف أزواجه من بعده»، «وأنَّ السُّنَّة في المعتكِف: أنْ لا يخرج إلَّا لحاجة الإنسان، ولا يتَّبع جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يمسّ امرأةً ولا يباشرها، ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جماعة، وسنَّة من اعتكفَ أنْ يصوم»، وإسناده صحيح، ابن جريج صرَّح بالإخبار.

قال الدَّارقطنيّ: «يقال: إنَّ قوله: «وأنَّ السُّنَّة للمعتكف» إلى آخره، ليس من قول النَّبيِّ ﷺ، [و](19) أنَّه من كلام الزُّهريّ، ومَنْ أدرجه في الحديث فقد وَهِم».

ورواه البيهقيّ في «السُّنن الكبرى» (4 /315، 320)، وفي «شعب الإيمان» (3 /423)، وفي «معرفة السُّنن والآثار» (6 /395) من طريق يحيى ابن بكير، ثنا اللَّيْثُ، عن عُقيل، عن ابن شِهاب، عن عُرْوَة بن الزُّبير عن عائشة: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر...» الحديث، بنحو رواية ابن جريج.

قال البيهقيّ في «المعرفة»: «قد أخرج البخاري، ومسلم صَدْرَ هذا الحديث في «الصَّحيح» إلى قوله: «والسُّنَّة في المعتكف أن لا يخرج»، ولم يخرجا الباقي لاختلاف الحفَّاظ فيه: منهم من زعم أنَّه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنَّه من قول الزُّهريّ، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة ...».

قلت: ورد عن عائشة رضي الله عنه من قولها صريحًا، وهو ما رواه أبو داود (2473) من طريق عبد الرَّحمن ابن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالت: «السُّنة على المعتكِف... الحديث، وفيه: ولا اعتكاف إلَّا في مسجد جامع»، ولم يذكر صدر الحديث.

لكن أعلَّه أبو داود بتفرُّد عبد الرَّحمن ابن إسحاق حيث جعله من قول عائشة، وأنَّ غيره من أصحاب الزُّهريّ لا يقول ذلك.

وعلى كلِّ حال، فلو ثبت: «من السُّنَّة للمعتكف... إلخ» أنَّه من قول عائشة، فهو مرفوع قطعًا على الصَّحيح.

وأمَّا إذا كان من قول عروة بن الزُّبير؛ وهو أحد فقهاء التَّابعين الكبار بالمدينة، وقد أدرك جماعة من الصَّحابة، فقوله: «من السُّنَّة كذا» من غير إضافة إلى أحد يحتمل أنَّه يعني سنَّة النَّبيِّ ﷺ(20).

وأمَّا إذا كان ذلك من قول الإمام ابن شِهاب الزُّهريّ، فلا أقلَّ من أن يكون أراد بذلك «السُّنَّة المعروفة الَّتي استمرَّ عليها العمل»(21).

وكيفما كان فهو يصلح للاستدلال ـ أو للاستئناس ـ على مشروطيَّة مسجد جماعة ـ وهو الأصحُّ من لفظ: «مسجد الجامع» ـ.

ولا شكَّ أنَّ الاعتكاف في المساجد الثَّلاثة أفضل مِن سواها من المساجد لما فيها من الفضائل ومضاعفة الأجر ما ليس لغيرها، وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم(22).

ثمَّ من الأفضل أيضًا أن يكون الاعتكاف في المسجد الَّذي تقام فيه الجمعة والجماعة، إذا كان اعتكافه يتخلَّله جمعة، لئلَّا يضطرَّ إلى الخروج من معتكفه.

فإنِ اعتكف في مسجدٍ لا تقام فيه الجمعة فالأظهر من أقوال أهل العلم أنَّه لا بأس بذلك، وخروجه إلى صلاة الجمعة لا يبطل اعتكافه؛ لأنَّه خروج لفريضة لابدَّ منه، ولا يتكرَّر بخلاف صلاة الجماعة.

ثمَّ كلَّما كَبِرَ المسجد وكَثُرَ أهلُه فهو أفضل؛ لقوله ﷺ: «إِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى»(23).

هذا كلُّه من حيث المكان، وأما الزَّمان، فأفضله في شهر رمضان، وبالأخصِّ أواخره، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يعتكف العَشْرَ الأَواخِرَ من رمضان حتَّى توفَّاه اللهُ تعالى، ثمَّ اعتكف أزواجُه مِنْ بعدِه»(24).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يعتكفُ في كلِّ رمضان عشْرة أيَّامٍ، فلمَّا كان العامُ الَّذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوْمًا»(25).

وفي الختام يَجْدُرُ التَّنْبيه على أنَّه لا يُشرع السَّفر إلى أيِّ مسجدٍ كان ـ سوى المساجد الثَّلاثة ـ لأجل الاعتكاف فيه بحجَّة أنَّه أكبر أو أقدم من مساجد مدينته؛ لقوله ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى»(26).

وفي رواية لمسلم: «إِنَّمَا يُسَافَرُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الكَعْبَةِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِد إِيلْيَاء».

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة ـ رحمه الله ـ: «وهذا النَّهي يعمُّ السَّفرَ إلى المساجد والمشاهد، وكلَّ مكان يُقصد السَّفر إلى عَيْنِه للتَّقَرُّب»(27).

والاعتكاف من أجلِّ الطَّاعات، وأعظم القُربات، والله تعالى أعلم.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


(1) والصَّواب أنَّ البخاريّ إنَّما روى عن محمود بن غيلان المروزيّ، كما جزم بذلك الحافظ في «هدي السَّاري» (ص239)، وقال: »وفي طبقته محمود بن آدم المروزيّ، ولم يخرج عنه البخاريّ شيئًا«.

(2) انظر: «منتقى الأخبار» (4 /301 ـ مع «نيل الأوطار»).

(3) انظر: «النّكت» لابن حجر (2 /611).

(4) انظر: «تنقيح التَّحقيق» (1 /206 ـ 207).

(5) ومن هذه المسانيد ما هو مطبوع متداول، ومنها ما دخل في الزَّوائد، كـ«المطالب العالية» لابن حجر، و«إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيريّ، والحديث يعتبر من الزَّوائد على الكتب السِّتَّة.

(6) قاله ابن عبد البرّ في «الاستذكار» (10 /273).

(7) انظر: «بدائع الصَّنائع في ترتيب الشَّرائع» (3 /21).

(8) قاله أبو جعفر الطّحاويّ في شرح مشكل الآثار (7 /205 ـ 206).

(9) رواه عنه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (2 /337)، وإسناده صحيح. قال الحافظ أبو زرعة العراقيّ في «طرح التّثريب» (4 /273): »وهو بمعنى الذي قبله (يعني قول حذيفة)؛ ولهذا جعلهما ابن عبد البرّ قولاً واحداً».

(10) رواه عنه عبد الرَّزَّاق في «مصنَّفه» (4 /349) عن ابن جريج عنه، وزاد في رواية: «قال ابن جريج: قلت لعطاء: فمسجد إلياء (يعني بيت المقدس)؟ قال: لا يجاور إلَّا في مسجد مكَّة، ومسجد المدينة».

(11) قال ابن حزم في «المحلَّى» (5 /285): «وقد صحَّ عن عطاء أنّ الجوار هو الاعتكاف»!

قلت: ولم أقف عليه، والذي رواه عبد الرَّزَّاق (4 /345) عن ابن جريج أنَّه قال: قلت لعطاء: «أرأيت الجوار والاعتكاف أمختلفان هما أم شيء واحد؟ قال: بل هما مختلفان»، وإسناده صحيح، ومنهم من جعلهما بمعنى واحد، والمسألة خلافية، انظر: «طرح التَّثريب» (4 /166) وما بعدها.

(12) «مصنَّف عبد الرَّزَّاق» (4 /351) بإسناد صحيح.

(13) انظر: «المبسوط» لأبي بكر السرخسيّ الحنفيّ (2 /115)، و«فتح القدير» لابن الهمام الحنفيّ (2 /393)، و«بداية المجتهد» (2 /610)، و«الاستذكار» (10 /274)، و«المجموع» للنوويّ (6 /505)، و«المغني» لابن قدامة (4 /461 ـ 462)، و«المحلى» لابن حزم (5 /284)، و«صحيح الإمام البخاري» (4 /271 ـ مع «فتح الباري»).

(14) قاله أبو بكر بن زيد الجراعيّ الصّالحي (ت883هـ) في أثناء تعريفه المسجد في عرف الشّرع في كتابه »تحفة الرّاكع والسّاجد بأحكام المساجد» (ص49).

(15) المراد بها الأماكن المعتزلة المهيّأة للصّلاة، وقد بوَّب الإمام البخاريّ في «صحيحه» بقول: باب المساجد في البيوت، قال ابن رجب الحنبلي في كتابه «فتح الباري» (2 /377): «مساجد البيوت هي أماكن الصَّلاة منها، وقد كان من عادة السَّلف أن يتَّخذوا في بيوتهم أماكن معدَّة للصَّلاة فيها».

(16) حكى الإجماع غير واحد، منهم: ابنُ عبد البَرِّ في «التَّمهيد» (8 /325)، وابن قدامة في «المغني» (4 /461 ـ ط. التركيّ)، وابن رشد في «بداية المجتهد» (2 /610)، وابن حجر في «الفتح» (4 /272)، واستثنى الأخيران محمَّد بنَ عمر بن لبابة المالكيّ الَّذي أجاز الاعتكاف في غير المسجد.

قلت: وروي عن الشَّعبيّ جواز الاعتكاف في مسجد البيت؛ ولكن لا يصحُّ. رواه عبد الرزّاق (4 /350)، وابن أبي شيبة (2 /337).

(17) انظر: «المحلى» (5 /288 ـ 289)، و«المغني» (4 /464)، و«المجموع» للنَّوويّ (6 /505)، و«طرح التَّثريب» (4 /171).

(18) انظر: «المغني» لابن قدامة (4 /461).

(19) زيادة من «نصب الرّاية» (2 /487)، وفي قول الدّارقطنيّ: «ليس من قول النَّبيّ ﷺ» إشكالٌ أجاب عنه العلاّمة الألبانيّ في «الإرواء» (4 /140).

(20) وبه جزم ابن عبد البر، كما في «نزهة النَّظر» (ص135)، وفي «النُّكت» لابن حجر (2 /524 ـ 525): أنَّ سعيد بن المسيِّب سُئِل عن مسألة فقال: «سنَّة»، فقال الشَّافعي: الَّذي يشبه قول سعيد: «سنَّة» أن يكون أراد سنَّة النَّبيِّ ﷺ».

قلت: وعروة بن الزّبير، وسعيد بن المسيّب في طبقة واحدة، معدودان في كبار التّابعين، وهما من الفقهاء السّبعة بالمدينة، فإنْ أرادا بذلك سنّة النبيّ ﷺ كان مرسلاً، ومرسل كبار التّابعين حجّة عند بعض الأئمّة.

(21) قاله الحافظ ابن القيِّم ـ رحمه الله ـ في «تهذيب مختصر سنن أبي داود» (3 /349).

(22) انظر: «الإشراف على مذاهب العلماء» لابن المنذر (3 /160).

(23) رواه أبو داود (554)، والنَّسائي (844)، وأحمد (5 /140) من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه.

وصحَّحه ابن خزيمة (1477)، وابن حبَّان (2056)، ورواه الحاكم (1 /247 ـ 249) وذكر الاختلاف فيه وبسط ذلك، ثمَّ قال: »قد حكم أئمَّة الحديث يحيى ابن معين، وعلي بن المديني، ومحمَّد بن يحيى الذُّهليّ، وغيرهم لهذا الحديث بالصِّحَّة«، ونقل ابن حجر في «التَّلخيص» (2 /26) تصحيحه عن ابن السَّكن والعقيليّ. وحسَّنه الألباني في «صحيح أبي داود» (563).

(24) رواه البخاريّ (2026)، ومسلم (1172).

(25) رواه البخاريّ (2044).

(26) رواه البخاريّ (1189)، ومسلم (1397) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(27) «اقتضاء الصِّراط المستقيم» (2 /182).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد الرابع»