أنت هنا:دراسات وبحوث»أحاديث الإمام مالك خارج الموطأ

أحاديث الإمام مالك خارج الموطأ

  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 6624 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من (مجلة الإصلاح العدد 32) 


يُعدُّ الإمام مالك : من أوسع النَّاس حديثًا وروايةً، فقَد روى الألوف من الأحاديث، وتلاميذه الآخذون عنه لا يُحصون كثرة، فهم أزيد من الألف، نقلوا عنه علمَه، ودوَّنوا أحاديثه، فلم يُعتن بحديث راوٍ ولا بكتاب فقه اعتناءَ النَّاس بحديث مالك و«موطَّئه»؛ لكثرة رواياته وصحَّتها، فإنَّ كثيرًا من أحاديث الأحكام وأصحَّ الأسانيد مدارها عليه.

«وسبب كثرة الرِّواية عنه أنَّه انتصبَّ للرِّواية ونشر العلم قديمًا، وعمَّر كثيرًا، وقصده النَّاس من سائر الأمصار، وكان بالمدينة النَّبويَّة المشرفة على ساكنها أفضل الصَّلاة والسَّلام، وغالب من يمرُّ بها حاجًّا يكتب عنه، فانتشرت الرِّواية عنه في البلدان رضي الله عنه»([1])، وهذا مصداق ما حكاه عثمان بن سعيد الدَّارمي قال: «يُقال: مَن لم يَجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلسٌ في الحديث: سفيان، وشعبة، ومالك بن أنس، وحمَّاد ابن زيد، وابن عيينة، وهم أصول الدِّين»([2]).

فلهذا وغيره اعتنى النَّاس بأحاديث «الموطَّأ»، فكثرت شروحه، والكلام على رجاله وأسانيده، وغريبه، وغير ذلك من أنواع المصنَّفات الَّتي وُضعت عليه.

ثمَّ إنَّه لَم تقتصر جهود المحدِّثين على أحاديث «الموطَّأ» فقط، بل تعدَّى ذلك إلى البحث والتَّنقير عن أحاديث مالك عامَّة، فلمالك بن أنس أحاديث لم يُودعها «الموطَّأ»، وهي بأصحِّ الأسانيد، قال البيهقي: «ولمالك بن أنس مسانيد لم يودعها «الموطَّأ» رواها عنه الأكابر من أصحابه خارج «الموطَّأ»»([3]).

لذا تعدَّدت مناهج الأئمَّة في التَّأليف في حديث مالك، فمنهم من جَمع أحاديث «الموطَّأ» بأسانيده إلى مالك، كـ«مسند الموطَّأ» للجوهري، وقاسم بن أصبغ، وأبي ذرٍّ الهروي([4]).

ومنهم من ألَّف في بيان غرائب حديث مالك الَّتي رُويت عنه، سواء كانت الغرابة منه، أو من الرُّواة عنه، وكثير من هذه الغرائب رويت عن مالك خارج «الموطَّأ»، منهم: أبو الحسن الدَّارقطني في كتابه: «غرائب مالك»، ودعلج السِّجزي، وأبو بكر النَّيسابوري، وابن الجارود، والطَّبراني، وقاسم بن أصبغ، وابن المظفر، وابن المقرئ، والخطيب، وغيرهم، ولا يكاد يوجد من هذه الكتب إلاَّ كتاب ابن المظفر، ومنتخب من كتاب ابن المقرئ([5]).

ومنهم من سَمَّى كتابه بـ «مسند مالك» كأبي داود، والنَّسائي، وأبي بكر القباب، والسِّجلماسي، وابن الأعرابي، وابن عُفَير، والقاضي ابن مفرِّج، والطُّلَيطلي، وغيرهم كثير، ذكرهم القاضي عياض في «ترتيب المدارك» (2/82)، ولم أقف على هذه الكتب حتَّى تُعرف محتوياتها ومناهجها في جمع حديث مالك.

ومنهم مَن ألَّف في الأحاديث الَّتي رُويت عن مالك خارج «الموطَّأ»، وهذا القسم شبيه بموضوع غرائب مالك، إلاَّ أنَّ الغرائب منها ما رواه مالك نفسه في «الموطَّأ»، والغرابة فيها من حيث تفرُّدُ مالك مثلاً عن سائر أقرانه بالحديث، أو غير ذلك من أوجه الغرابة.

أمَّا الأحاديث الَّتي رويت عنه خارج «الموطَّأ» فهي أخَصُّ من موضوع الغرائب، فقد تكون غريبة عن مالك ـ وهذا الأكثر ـ وقد لا تكون إلاَّ أنَّ مالكًا لم يدخلها في كتابه «الموطَّأ».

© © ©

© ومِمَّن صنَّف في هذا الفنِّ:

£ القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي، قال القاضي عياض: «صنع «موطَّأه» المسند عن رجاله إلى مالك بن أنس من موطَّآت مالك وسائر حديثه»([6]).

£ أبو القاسم الجوهري في كتابه: «مسند مالك مِمَّا ليس في الموطَّأ»، والكتاب في عداد المفقود، وتوجد نقولات يسيرة منه عند أبي العبَّاس الدَّاني في «الإيماء إلى أطراف أحاديث الموطَّأ».

£ أبو بكر محمَّد بن عيسى الحضرمي.

£ عبد الغني بن سعيد الأزدي.

£ أبو الفضل بن أبي عمران الهروي.

£ ابن عبد البرِّ حافظ المغرب.

ذكر هذه الكتب القاضي عياض في «ترتيب المدارك».

£ وكذا كان لأبي زرعة الرَّازي اعتناءٌ بأحاديث مالك الَّتي رواها في «الموطَّأ»، وخارج «الموطَّأ».

قال ابن أبي حاتم: «سمعت عليُّ بن الحسين بن الجنيد المالكي، يقول: «ما رأيت أحدًا أحفظ لحديث مالك بن أنس لمسنده ومنقطعه من أبي زرعة، قلت: ما في «الموطَّأ» والزِّيادات الَّتي ليست في «الموطَّأ»؟ قال: نعم »([7]).

ولا يوجد الآن أيَّ مصنَّف مِمَّا تقدَّم ذكره.

© © ©

© بيان أهميَّة جمع أحاديث مالك خارج «الموطَّأ»:

بما أنَّ المؤلَّفات الَّتي أُلِّفت في هذا الموضوع في عداد المفقود، ولم يبق إلاَّ أجزاء يسيرة تناولت غرائب حديث مالك، ككتاب ابن المظفر، والمنتخب من كتاب ابن المقرئ، وقد تناولتْ كما قدَّمت بعض الأحاديث الغريبة الَّتي انفرد بها مالك، وهي في «موطَّئه»، وأحاديث أخرى رُويت عنه خارج «الموطأ»، وهي أحاديث يسيرة، بالنِّسبة للعدد المروي عن مالك خارج كتابه؛ يَحسن بالمشتغلين بالحديث النَّبوي عامَّة وبأحاديث مالك خاصَّة العناية بجمع أحاديث هذا الإمام الَّتي رواها أو رويت عنه خارج «موطَّئه»، ويزيد ذلك قوَّة:

أنَّ مالكًا : أخذ عنه العلمَ عددٌ جمٌّ من أصحابه، منهم الثِّقات، ومنهم دون ذلك، ومنهم الضُّعفاء والكذَّابون، وانتشروا في الأمصار، ونشروا علمَه، فروي عنه ما صحَّ وما لم يصحَّ، فكان لا بدَّ من تمييز الصَّحيح من الضَّعيف، والمحفوظ من الشَّاذِّ، فهو نصح لله ورسوله ونصحٌ لإمام دار الهجرة بالذَّبِّ عنه وبيان ما وُضع عليه، أو روي عنه على سبيل الخطأ والوهم، وهذه طريقة مسلوكة عند سلفنا الصَّالح رحمهم الله.

قال الذُّهلي: «لَـمَّا جمعتُ حديث الزُّهري عَرضتُ على علي بن المديني، فنظر فيه، فقال: أنتَ وارث الزُّهري، فبلغ ذلك أحمدَ بنَ صالح المصري، فلمَّا دخلتُ مصرَ قال لي أحمد ابن صالح المصري ـ وذاكرته في أحاديث الزُّهري ـ: أنتَ الَّذي سمَّاك علي بن المديني وارث حديث الزُّهري؟ قلت: نعم، قال: بل أنتَ فاضحُ الزُّهري!! قلت: لِمَ؟ قال: لأنَّك أدخلتَ في جمعك أحاديث للضُّعفاء عن الزُّهري، فلمَّا تبحَّرتُ في العلم ضربتُ على الأحاديث الَّتي أشار إليها، وبيَّنتُ عللَها»([8]).

فهذا الذُّهلي : جمع أحاديث الزُّهري ولم يُبيِّن عللها وما أُلصق بالزُّهري من الضُّعفاء الَّذين رووا عنه، فانتُقد على طريقته الَّتي سلكها، ثمَّ إنَّه بيَّن الصَّواب من الخطأ فيها، فأصبح وارث الزُّهري بحقٍّ، وكان أعلم النَّاس بحديثه، فصنَّف كتاب «علل حديث الزُّهري»([9]).

ويكون البحث والتَّنقير والتَّنقيب عن أحاديث مالك خارج «الموطَّأ» في بطون كتب الحديث، بدءًا بالصِّحاح، والسُّنن، والمسانيد، والمصنَّفات، ثمَّ المعاجم، وكتب المشيخات، والأجزاء الحديثيَّة، وغيرها.

وكتب الرِّجال المسندة، فهي زاخرة بالأحاديث المرويَّة عن مالك، كـ«الكامل» لابن عدي، و«المجروحين» لابن حبَّان، وغيرهما.

وكتب العلل، والتَّفسير المسندة, وكتب العقيدة المسندة, وغير ذلك.

ويمكن النَّظر في جميع الموطَّآت الَّتي بين أيدينا، المطبوع منها والمخطوط، وهي ثمانية، وبعضها ناقص.

فإن كان الحديث في أحد هذه الموطَّآت عُلم أنَّ مالكًا رواه في «الموطَّأ» ولم يكن خارجه.

وقد يَنُصُّ الأئمَّة على أنَّ الحديث رواه مالك خارج «الموطَّأ»، كالدَّارقطني وابن عبد البرِّ والجوهري وأبي العبَّاس الدَّاني وغير هؤلاء من علماء النَّقد.

وقد اعتبر العلماء أنَّ ما يُروى في «الموطَّأ» بوجه، ويرويه بعض الرُّواة خارِجَه بوجه، هو من الأحاديث الَّتي رُويت عن مالك خارج «الموطَّأ»، وكلامهم في ذلك كثير يفوق الحصر، ولا بأس بضرب أمثلة عن عدد من أهل العلم والأثر:

فمن ذلك ما رواه مالك في «الموطَّأ» (رقم: 268) عن الزُّهري، عن سالم أنَّه قال: «دخل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب...»، الحديث مرسلاً.

قال الدَّارقطني: «ورواه في غير «الموطَّأ» عن الزُّهري، عن سالم، عن ابن عمر: أنَّ عمر، متّصلاً».

وقال البيهقي: «وهذا حديث أرسله مالك بن أنس في «الموطَّأ» فلم يذكر عبد الله بن عمر في إسناده، ووصله خارج «الموطَّأ»»([10]).

ومن ذلك أيضًا: حديث «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف» يرويه مالك في «الموطَّأ» (رقم: 2806) بلاغًا عن أبي هريرة.

قال أبو عبد الله الحاكم: «هذا معضلٌ، أعضله عن مالك هكذا في «الموطَّأ»، إلاَّ أنَّه قد وُصل عنه خارج «الموطَّأ»»([11]).

والأمثلة في هذا كثيرة، وللدَّارقطني من ذلك في كتابه السَّابق وكتاب: «أحاديث الموطَّأ واتِّفاق الرُّواة واختلافهم عنه» الشَّيء الكثير.

© وأحاديث مالك خارج «الموطَّأ» فيها الصَّحيح والحسن والضَّعيف والمعلّ بل والموضوع، لا من قِبل مالك بل من قبل الرُّواة عنه.

وهذا نموذج لما يروى عن مالك خارج «الموطَّأ»، وهو الحديث المشهور عن عمر بن الخطَّاب: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّات...» الحديث.

والكلام عليه من وجهين:

الأوَّل: رواه مالك بإسناده الصَّحيح، إلاَّ أنَّ العلماء اختلفوا: هل أدخله في «الموطَّأ» أو لا؟

والثَّاني: روي عنه بإسناد مخالف لما رواه عنه الثِّقات من أصحابه.

أمَّا الوجه الأوَّل: فأخرجه البخاري في «صحيحه» (54)، ومسلم في «صحيحه» (1907)، والنَّسائي (3437) من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي.

والبخاري (5070) عن يحيى بن قزعة.

والنَّسائي في «السُّنن» (75، 3437) من طريق ابن القاسم، كلُّهم عن مالك، عن يحيى ابن سعيد الأنصاري، عن محمَّد ابن إبراهيم التَّيمي، عن علقمة بن وقَّاص اللَّيثي، عن عمر ابن الخطَّاب ا.

فالحديث أخرجه الأئمَّة المشهورون في كتبهم المعتمَدة، ولم يخرجه مالك في «الموطَّأ» بالرِّوايات المشهورة كرواية يحيى اللَّيثي وأبي مصعب وابن بكير والقعنبي وابن القاسم وغيرهم.

وعزاه إلى «الموطَّأ» أبو نعيم في «الحلية» (6/342)، وأبو الخطَّاب ابن دحية الكلبي الأندلسي (ت633هـ) في كتابه «جمع العلوم والكليَّات في الكلام على حديث إنَّما الأعمال بالنِّيَّات»([12]).

وكتاب ابن دحية لا نعلم لوجوده خبرًا، ولم يذكر ابن الملقّن إلى أيِّ الموطَّآت عزاه.

وانتقده بقوله: «ولم يَبق من أصحاب الكتب المعتمد عليها من لم يخرجه سوى مالك، فإنَّه لم يخرجه في «الموطَّأ»»([13]).

وقال أيضًا: «نعم، رواه خارجه كما علمته من طرق هؤلاء الأئمَّة، وقد أخرجه من حديثه الشَّيخان كما سلف، ووهم ابن دحية الحافظ في إملائه فقال على هذا الحديث: أخرجه مالك في «الموطَّأ» ورواه الشَّافعي عنه، وهذا عجيب منه»([14]).

وقال ابن حجر: «ولَم يَبْقَ مِن أصحاب الكتب المعتمدة مَن لم يخرِّجه سوى مالك، فإنَّه لم يخرجه في «الموطَّأ»، وإن كان ابنُ دحية وَهم في ذلك ، فادَّعى أنَّه في «الموطَّأ»»([15]).

وقال أيضًا: «إنَّ هذا الحديثَ متَّفقٌ على صحَّته، أخرجه الأئمَّة المشهورون إلاَّ «الموطَّأ»، ووهم مَن زعم أنَّه في «الموطَّأ» مغترًّا بتخريج الشَّيخين له والنَّسائي من طريق مالك»([16]).

وأمَّا السُّيوطي فذهب إلى أنَّ ابن دحية لم يهم في عزوه للموطَّأ، بدليل أنَّه رواه من أصحاب «الموطَّأ» محمّد بن الحسن الشَّيباني، فقال: «لم يهم، فإنَّه وإن لم يكن في الرِّوايات الشَّهيرة فإنَّه في رواية محمَّد بن الحسن... وتاريخ النُّسخة الَّتي وقفت عليها مكتوبة في صفر سنة (574)، وقد رأيت فيها أحاديث يسيرة زائدة عن الرِّوايات المشهورة، وهي خالية من عدَّة أحاديث ثابتة في سائر الرِّوايات»([17]).

والحديث كما ذكر السُّيوطي في رواية محمَّد بن الحسن الشَّيباني للموطَّأ في باب: النَّوادر (ص341)، وتفرَّد عن سائر الرُّواة بإيراد هذا الحديث في «موطَّئه».

والَّذي أراه راجحًا ـ والعلم عند الله تعالى ـ أنَّ الصَّواب ما ذهب إليه ابن الملقِّن وابن حجر مِن أنَّ مالكًا لم يدخل هذا الحديث في «موطَّئه»، وما ذكره ابن دحية فإن كان من «موطَّأ يحيى اللَّيثي»؛ إذ هو المعتمد عليه فيما ينقل من الرِّوايات، فهو وهم بلا شكٍّ.

وإن كان عزاه لمحمَّد بن الحسن الشَّيباني فبيانه في الأمر التَّالي:

إنَّ رواية محمَّد بن الحسن الشَّيباني إن كانت في عمومها مرويَّة عن الإمام مالك إلاَّ أنَّه أدخل فيها أحاديث وآثارًا عن غير الإمام، فبالتَّالي يُحتمل أن يدخل أيضًا أحاديث سمعها عن مالك خارج «موطَّئه» فأثبتها في «الموطَّأ» وهذا من باب أولى، وقد ذكر صاحب «التَّعليق الممجَّد على موطَّأ الإمام محمَّد» (1/141) أنَّ عدد النُّصوص المدخلة على «موطَّأ مالك» يفوق المئة والسَّبعين (170) نصًّا من بين حديث وأثر فقال: «فجميع ما في هذا الكتاب من الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة على الصَّحابة ومن بعدهم مسندة كانت أو غير مسندة ألف ومائة وثمانون (1180)، منها عن مالك ألف وخمسة (1005)، وبغير طريقه مائة وخمسة وسبعون (175)، منها عن أبي حنيفة ثلاثة عشر (13)، ومن طريق أبي يوسف أربعة (4)، والباقي عن غيرهما».

فلا يمنع أن يروي عن مالك شيئًا رواه خارج «الموطَّأ» من باب الزِّيادات فقط، وهذا فعله أيضًا الإمام القعنبي في «موطَّئه»، حيث ذكر بابًا بعد أن انتهى من رواية «الموطَّأ» وسمَّاه «الزِّيادات»([18])، وذكر أحاديث سمعها من مالك خارج «الموطَّأ»، والله تعالى أعلم.

الوجه الثَّاني في الكلام على حديث «إنَّما الأعمال»:

خالف عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد ـ أحد الرُّواة عن مالك ـ أصحابَ مالك، فرواه عنه، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكره.

أخرجه ابن لال في أحاديث أبي عمران موسى بن هارون (ل:56/أ ـ مجموع 40 ـ الظَّاهريَّة)، وأبو نعيم في «الحلية» (2/342)، والخليلي في «الإرشاد» (1/233)، والسِّلفي في «المشيخة البغداديَّة» رقم (272)، وأبو القاسم ابن بشكوال في «الفوائد» رقم (17).

وقال أبو نعيم: «غريب من حديث مالك عن زيد، تفرَّد به عبد المجيد، ومشهوره وصحيحه ما في «الموطَّأ»: مالك عن يحيى ابن سعيد».

وقال ابن بشكوال: «لم يُحدِّث به عن مالك غير عبد المجيد ابن عبد العزيز».

قلت: عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي روَّاد قال عنه ابن حبَّان: «يقلب الأخبار ويروي المناكير عن المشاهير»([19])، وقال ابن عبد البرِّ: «ابن أبي رواد هذا قد روى عن مالك أحاديث أخطأ فيها، أشهرها خطأ... إنَّما الأعمال بالنِّيَّات»([20])، وقال الحافظ في «التَّقريب»: «صدوق يخطئ...»، فمثله لا يُقبل تفرُّده عن مالك، خاصَّة وأنَّه خولف.

وذكر الدَّارقطني هذا الحديث في موضعين من «العلل»، وقال: «ولَم يُتابَع عليه ـ أي عبد المجيد ـ، وأمَّا أصحاب مالك الحفَّاظ فرووه عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمَّد ابن إبراهيم، عن علقمة بن وقَّاص، عن عمر، وهو الصَّواب»([21]).

فجملة القول: إنَّ حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه صحَّ من طريق مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم التَّيمي، عن علقمة بن وقَّاص عن عمر، خارج «الموطَّأ» واعتمده الشَّيخان.

وروي عنه بإسناد آخر مخالف للرِّواية المشهورة عنه، ولا تصحُّ، بل هي معلَّة براويها عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، والله أعلم.

 



([1]) «بغية الملتمس» للعلائي (ص 65).

([2]) «الجامع لخلاق الرَّاوي» للخطيب البغدادي (2/297).

([3]) «السُّنن الكبرى» (5/347).

([4]) وطُبع كتاب «مسند الموطَّأ» للجوهري بدار الغرب الإسلامي، ولي على تحقيقه عدَّة ملاحظات يسَّر الله إتمامَها ونشرَها.

([5]) وقمت بتحقيقهما وإخراجهما عن دار السلف ودار ابن حزم بالرياض.

([6]) «ترتيب المدارك» (2/80).

([7]) «الجرح والتعديل» (1/331).

([8]) «الإرشاد» للخليلي (1/410).

([9]) وقد طُبع المنتخب منه في مجلَّدين.

([10]) انظر: «الأحاديث التي خولف فيها مالك» للدَّارقطني (ص: 61)، و«السُّنن الكبرى» للبيهقي (1/294).

([11]) «معرفة علوم الحديث» (ص 37).

([12]) ذكر ذلك الحافظ ابن الملقن في كتابه «الإعلام بفوائد الأحكام» (1/202).

([13]) «البدر المنير» (1/656).

([14]) «التَّوضيح شرح الجامع الصَّحيح» (2/133).

([15]) «التلخيص الحبير» (1/91).

([16]) «الفتح» (1/17).

([17]) «منتهى الآمال شرح حديث إنَّما الأعمال» (ص 38).

([18]) وقد وقفت على نسخة خطية كاملة فيها تلك الزيادات، وهذا يوضِّح قول الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» في مواضع، كقوله: «هذا الحديث في الموطأ عند جماعة الرواة إلاَّ القعنبي، فإنَّه ليس عنده في الموطأ وهو عنده في الزيادات خارج الموطأ». انظر: «التمهيد» (17/273)، (19/29)، (20/112)، (23/20).

([19]) «المجروحين» (2/150).

([20]) «التَّمهيد» (21/270).

([21]) «العلل» (2/193 ـ 194)، وانظر: (11/253).