أنت هنا:دراسات وبحوث»حديث حذيفة رضي الله عنه «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»

حديث حذيفة رضي الله عنه «تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»

  • د. كمال قالمي
تم قراءة المقال 602 مرة

 

عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال:

قلتُ: يا رسول اللَّه! إنَّا كنَّا بِشرٍّ, فجاء اللَّه بخيرٍ, فنحن فيه, فهل من وراء هذا الخير شرٌّ؟ قال: «نَعَمْ».

قلت: هل وراءَ ذلك الشَّرِّ خيرٌ؟ قال: «نَعَمْ».

قلت: فهل وراء ذلك الخير شرٌّ؟ قال: «نَعَمْ».

قلت: كيف؟ قال: «يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ في جُثْمَانِ إِنْسٍ».

قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللَّه إن أدركت ذلك؟ قال: «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ».

وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لثوبان: «كَيْفَ أَنْتَ يَا ثَوْبَانُ إِذْ تَدَاعَتْ عَلَيْكُمْ الأُمَمُ كَتَدَاعِيكمْ عَلَى قَصْعَةِ الطَّعَامِ يُصِيبُونَ مِنْهُ»؛ قال ثوبان: بأبي وأمِّي يا رسول الله! أَمِنْ قلَّةٍ بنا؟ قال: «لاَ! أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ يُلْقَى في قُلُوبكُمْ الوَهَنُ»؛ قالوا: وما الوَهَنُ يا رسول الله؟! قال: «حُبُّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ القِتَالَ».

***

أخرجه أحمد (8713), وقال الهيثمي في «مجمع الزَّوائد» (7/ 563): «وإسناده جيِّد», كذا قال، وهو من تساهله؛ لأنَّ فيه علَّتين، أولاهما: عبد الصَّمد بن حبيب الأزدي، ضعَّفه أحمد والبخاري، وقالا: «ليِّن الحديث», وقال يحيى بن معين: «ليس به بأس» كما في «ميزان الاعتدال»، الثَّانية: أبوه حبيب بن عبد الله، مجهول كما في «التَّقريب»؛ لكن يشهد له ما قبله.

والحاصل أنَّ الحديث صحيح بمجموع طرقه وشواهده, وانظر «الصَّحيحة» (958) ومقالاً للشَّيخ الألباني في تخريج الحديث في «مجلَّة التَّمدُّن الإسلامي» (24/ 421 ـ 426).

وقد تضمَّن هذا الحديث العظيم فوائد جمَّة وحِكمًا بليغة، أبرزها فيما يلي:

- الأولى:

قوله: «يُوشِكُ»، أوشك من أفعال المقاربة، وهذا يدلُّ على قرب وقوع الفعل، ويكون ذلك بعد وفاته ﷺ؛ وأمَّا في حياته ﷺ، فإنَّ الله نصره بالرُّعب، وقذف في قلوب أعدائه الوهن، وإن تداعوا عليه كما في غزوة الخندق, وهذا يتضمَّن أنَّ هذه الأمَّة تكون منصورة ما كانت على عهد النُّبوَّة، وذلك بالاستقامة على دينها، والتَّمسُّك بكتاب ربِّها وسنََّة نبيِّها ﷺ، مهما تحالف عليها أعداؤها.

ولهذا لـمَّا أخرج هؤلاء الصَّحابة رضي الله عنهم الدُّنيا من قلوبهم، وأحبُّوا الموت في سبيل الله تعالى، نصرهم الله سبحانه، ومكَّنهم في الأرض، وشتَّت شمل عدوِّهم، ومزَّقهم كلَّ ممزَّق، وقذف في قلوبهم الرُّعب، ويشهد لهذا ما رواه عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ الله قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ» [رواه مسلم (1924)].

- الثانية:

وفيه ما كان عليه النَّبيُّ ﷺ من الشَّفقة على أمَّته، وخوفه عليها من الفتن، وتحذيره منها، وقد وصفه الله عز وجل في كتابه فقال: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم[التوبة:128]؛ ويشهد له ما حدَّثت به زينب بنت جحش رضي الله عنها: أنَّ النَّبيِّ رضي الله عنه دخل عليها فزِعًا يقول: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ! وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ», وحلَّق بإصبعه الإبهام والَّتي تليها.

قالت زينب ابنة جحش: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصَّالحون؟! قال: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ» متَّفق عليه.

- الثالثة:

وفيه إشارة إلى أنَّ من أسباب تسلُّط الكفَّار على المسلمين، وقوعَ الفتن بين المسلمين، وذلك بالخروج على أئمَّتهم، وتشهير السُّيوف في وجوههم. قال الحافظ ابن حجر في تعليقه على حديث «وَيْلٌ لِلعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اِقْتَرَبَ»: «المراد بالشَّرِّ ما وقع بعده من قتل عثمان، ثمَّ توالت الفتن حتَّى صارت العرب بين الأمم كالقصعة بين الأكلة كما وقع في الحديث الآخر»، ثمَّ ذكر حديث ثوبان(1).

فالإنكار على الحكَّام بالخروج عليهم ـ بأيِّ وسيلة من وسائل الخروج ـ أساس كلِّ فتنة وشرٍّ.

ومن تأمَّل ما يجري في العالم الإسلامي القديم والحديث من الفتن ما ظهر منها وما بطن، أيقن أنّ سببه هو هذا الخروج، فإنَّه طلب تغيير منكر بهذه الوسائل فتولَّد منه ما هو أنكر وأكبر منه.

ثمَّ إنَّ هؤلاء الكفَّار يثيرون هذه الفتن بين المسلمين، ليسوِّغوا تدخُّلهم العسكري في ديارهم، فيدعو بعضهم بعضًا إلى قصعتهم، ويتقاسمون الأدوار، ليتقاسموا ثرواتهم، والله المستعان.

- الرابعة:

وفيه دلالة على أنَّ هؤلاء الكفَّار ملَّتهم واحدة، وهي تآلفهم وتوحُّدهم على المسلمين، لقوله: «تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ»، أي: بأن يدعو بعضهم بعضًا، والتَّداعي الاجتماع ودعاء البعض بعضًا، فهم وإن كانوا مختلفين، وبينهم عداوة شديدة، فإنَّهم على محاربة الإسلام وأهله متَّفقون، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ[البقرة:113]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ[البقرة:217] قال سبحانه: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[البقرة:120].

- الخامسة:

وفيه إشارة إلى أنَّ هؤلاء الكفَّار، قد انطووا على الحقد الدَّفين والبغض الشَّديد للمسلمين، ولهذا شبَّههم النَّبيُّ ﷺ في شراستهم بالأكلة الجياع الَّتي اجتمعت على القصعة، تنهش لحمها من كلِّ جانب.

وإنَّ التَّاريخ ليشهد عليهم بما فعلوه بالمسلمين في الماضي والحاضر من الجرائم العظام، والإبادات الجماعيَّة في مختلف الدُّول الإسلاميَّة.

- السادسة:

وفيه إشارة إلى أنَّ هؤلاء الكفَّار سيحتلُّون ديار المسلمين، ويعيثون فيها فسادًا، وذلك بكسر شوكتهم، واستباحة بيضتهم، وسلب ممتلكاتهم، والاستيلاء على ثرواتهم، لقوله: «كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا».

- السابعة:

وفيه علم من أعلام النُّبوَّة، حيث أخبر النَّبيُّ ﷺ عن أمر غيبيٍّ، وهو ما يصيب هذه الأمَّة بعد وفاته، فوقع طبق ما أخبر به، فهو دليل قاطع على أنَّه ﷺ يتكلَّم بمحض الوحي، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى[النجم:3-4]، فقد تداعت أمم الكفر على المسلمين، ووقعت أكثر الدُّول الإسلاميَّة تحت نير الاحتلال، وذاقت منها ألوان العذاب، كما في الحروب الصَّليبيَّة، واجتياح التَّتر البلاد الإسلاميَّة، ونحو ذلك.

وفي العصر الحديث ظهرت هذه العلامة بصورة أوضح لا تخفى على أحد، حيث تحالف هؤلاء الكفَّار ـ على اختلاف مللهم ونحلهم ـ على الخلافة الإسلاميَّة فأسقطوها، وقسَّموا العالم الإسلاميَّ إلى دويلات متنافرة متناطحة، فسهل عليهم احتلالها، فتقاسموها، وقدَّموا فلسطين ـ بعدما مزَّقوا الشَّام شامة الإسلام ـ إلى اليهود على طبق من ذهب.

ولا يزالون متحالفين متداعين على العالم الإسلامي لتمزيقه، ونهب ثرواته، والاستيلاء على خيراته، وإلى الله المشتكى.

- الثامنة:

وفيه أنَّ من أشراط السَّاعة تداعي الأمم الكافرة على أهل الإسلام.

- التاسعة:

وفيه من حسن تعليم النَّبيِّ ﷺ، وذلك بضربه الأمثال المحسوسة لتقريب المعاني المعقولة، لقوله: «كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا»، ولقوله: «غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ».

 وقد قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون[العنكبوت:43]، فإنَّ هذا من أدب العلم وحسن التَّعليم فينبغي على المعلِّم أن يبيِّن المعاني بالأشياء المحسوسة.

- العاشرة:

وفيه الحث على ضرب الأمثال لتوضيح المعاني وتقريب المعقول من المحسوس، وقد قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُون[العنكبوت:43]، وهو من أدب العلم وحسن التَّعليم كما تقدم قبل قليل، فينبغي على المعلِّم أن يبيِّن المعاني بالأشياء المحسوسة.

- الحادية عشرة:

وفيه دلالة على صحَّة إثبات القياس في الأحكام، قال الإمام ابن القيِّم في «إعلام الموقِّعين» (1/ 130): «وضرب الأمثال وصرفها في الأنواع المختلفة، وكلُّها أقيسة عقليَّة، ينبِّه بها عباده على أنَّ حكم الشَّيء حكم مثله، فإنَّ الأمثال كلَّها قياسات، يعلم منها حكم الممثَّل من الممثَّل به, وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلا، تتضمَّن تشبيه الشَّيء بنظيره والتَّسوية بينهما في الحكم».

- الثانية عشرة:

وفيه من حسن تعليم النَّبيِّ ﷺ أيضًا، وذلك أنَّه يذكر الشَّيء أوَّلاً مجملاً، ليستجمع عقول أصحابه، فيصغون إلى ما سيقوله، ثمَّ يفصِّله ويذكر سببه. لقوله: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ...» ثمَّ سكت، فلمَّا سأله أصحابه عن سبب التَّداعي، أجاب بقوله: «بَلْ أَنْتًُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ» وذكر بقيَّة الحديث.

وكذا قوله: «وَلَيَقْذِفَنَّ في قُلُوبكُمُ الوَهَنَ»، ثمَّ بيَّن حقيقة الوَهَن.

- الثالثة عشرة:

وفيه بيان حرص الصَّحابة على العلم، وسؤالهم النَّبيَّ ﷺ ومراجعتهم له، وشدَّة خوفهم من الفتن، ومدى تصديقهم لنبيِّهم ﷺ، لقولهم: «ومن قلة نحن يومئذ؟».

- الرابعة عشرة:

وفيه دلالة على أنَّ النَّصر ليس بكثرة العدد، وقوَّة المدد، بل بتأييد الله تعالى وعونه، لقوله: «ومن قلَّة نحن يومئذ»، فبيَّن أنَّ سبب التَّداعي ليس هو قلَّة عددكم؛ لأنَّ الله تعالى نصر المسلمين وهم قلَّة أذلَّة في غزوة بدر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ الله بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ[آل عمران:123]، وكذا في غزوة الخندق، وقد تحزَّب عليهم أعداؤهم, بينما ألحق بهم الهزيمة في غزوة حنين لمَّا اغترُّوا بقوَّتهم وكثرة عددهم، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا[التوبة:25].

وفي هذا عبرة لمن يجعل مقاييس النصر والتمكين هو التكتيل والتجميع، وليس العناية بتثبيت الإيمان وتقرير التوحيد.

- الخامسة عشرة:

فيه إشارة إلى أنَّ هذه الأمَّة ستكون أكثر الأمم عددًا، ولكن لا تنفعها كثرتها ما لم تتمسَّك بدينها.

- السادسة عشرة:

وفيه استحباب ذكر الحكم وبيان سببه، لقوله: «بَلْ أَنْتُمْ كَثِيرٌ...» الحديث.

- السابعة عشرة:

قوله: «غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ»، الغثاء هو ما يحمله السَّيل الجارف من الزَّبَد والوَسَخ وغيره.

وفي هذا إشارة إلى تفرُّقهم وضعف أحوالهم وقلَّة شجاعتهم، ودناءة قدرهم وسفاهة أحلامهم، وأنَّهم وإن كانوا أضعاف أضعاف أعدائهم، لا يعبأ الله بكثرتهم؛ لأنَّ الغثاء يذهب جفاءً.

وفيه ردٌّ على الَّذين يهتمُّون بتجميع النَّاس، وإن اختلفت عقائدهم وتباينت مشاربهم.

وفيه إشارة إلى أنَّ هناك قلَّة، ينفع الله تعالى بها، وهي الطَّائفة المنصورة، المتمسِّكة بدينها؛ لأنَّ الماء بمخالطة الأرض إذا سال، لابدَّ من أن يحمل السَّيل من الغثاء زبدًا عاليًا على وجه السَّيل، فيقذف الماءُ الغثاءَ، ويستقرُّ فيه الماءُ الَّذي به النَّفع، ويدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا إلى قوله: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ[الرعد:17].

- الثامنة عشرة:

وفيه ذم الكثرة إذا لم تكن قائمة على الدين، لقوله: «بل أنتم كثير ولكنَّكم غثاء...»، وقد قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً[الفرقان:44]، وقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبْلِ الـمِائَةِ لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَة» رواه البخاري (6498) ومسلم (2547) عن ابن عمر، أي لا تجد في مائة إبل راحلة تصلح للركوب، وكذا الناس، لا تجد على كثرتهم من يصلح للصحبة.

- التاسعة عشرة:

وفيه إشارة إلى أنّ هؤلاء الكفّار لا يقاتلون المسلمين إلا وهم متحالفون متآزرون، لقوله: «تداعى عليكم الأمم»، وذلك لخوفهم وجبنهم، لقوله: «ولينزعن الله من صدور عدوّكم المهابة منكم»، وهذا يدلّ على أنّ فيهم خوفا ومهابة من المسلمين، ويشهد له قوله ﷺ: «أُعطيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصرتُ بالرُّعْبِ مَسيرةَ شَهْرٍ...»(2) وهذا يتضمّن بأنَّه إذا ترك المسلمون أسباب القوَّة، وهي الإيمان الصَّحيح، نزع الله تعالى هذا الرُّعب من قلوب الكفَّار، لقوله: «وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ المَهَابَةَ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ», ففيه العبرة لمن يدعو إلى تجميع النَّاس وتكتيلهم، قبل تصحيح عقائدهم وتثبيت الإيمان في قلوبهم.

- العشرون:

وفيه تنبيه على تقرير لسنَّة الله الكونيَّة الَّتي لا تجد لها تبديلا، ولا تجد لها تحويلا، وذلك من حيث ربط الأسباب بمسبَّباتها، فمن أصيب بالوهن وهو: حبُّ الدُّنيا وكراهية الموت، نفذت فيه سنَّة الله الكونيَّة، ووُكِلَ إلى الدُّنيا، وبُلِيَ بالوهن والضَّعف، فمن يهنْ يسهلِ الهوان عليه، لقوله: «وَلَيَقْذِفَنَّ في قُلُوبكُمُ الوَهْنَ»؛ قالوا: وما الوهن؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ».

فمن أخذ بأسباب النَّصر نصره الله، ومن أخذ بأسباب الوهن أهانه الله.

- الواحد والعشرون:

وفيه التَّحذير من الذُّنوب والمعاصي، وأنَّها من أهمِّ أسباب الهزائم وتسليط الكفَّار على المسلمين.

- الثانية والعشرون:

وفيه ذمُّ الدُّنيا والرُّكون إليها، لقوله ﷺ: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوْتِ»، وهما أمران متلازمان، فإنَّ حبَّ الدُّنيا يلزم منه كراهية الموت.

- الثالثة والعشرون:

وفيه التَّحذير من التَّكالب على الدُّنيا والتَّنافس فيها، فإنَّها من أهمِّ أسباب الهزائم الَّتي تلحق بالمسلمين، وإلباسهم لباس الخوف والذُّلِّ والهوان، لقوله ﷺ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بالعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ وَرَضِيتُمْ بالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»(3).

فإذا أرادت الأمَّة الإسلاميَّة أن تنتصر على عدوِّها فلتطلِّق الدُّنيا، ولتخرجها من قلبها، فإنَّ سلف الأمَّة ما انتصروا على أعدائهم إلاَّ لـمَّا جعلوا الدُّنيا في أيديهم، ولم يجعلوها في قلوبهم.

- الرابعة والعشرون:

وفيه ذمُّ ترك الواجبات كالجهاد، لقوله في الرِّواية الثَّانية: «حُبُّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ القِتَالَ»، وأنَّه من أسباب الذُّلِّ والهوان، ويشهد له حديث ابن عمر السَّابق.

- الخامسة والعشرون:

وفيه فضل جهاد الكفَّار، وأنَّه من أسباب النَّصر والتَّمكين، وبقاء عزَّة المسلمين.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.



(1) «فتح الباري» (13/ 107).

(2) متفق عليه من حديث جابر.

(3) رواه أبو داود (3462) عن ابن عمر، وهو حديث صحيح بطرقه, انظر «الصَّحيحة» (11).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 25»