أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم دفن موتى المسلمين في تابوت بديار الكفر

في حكم دفن موتى المسلمين في تابوت بديار الكفر

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 932 مرة

 

= السؤال  ======

تقدَّمت جمعيَّةٌ من الجالية الجزائرية بفرنسا، إلى الإدارة الفرنسيَّة المتمثِّلة في البلدية، بطلب منحهم قطعة أرض يتَّخذونها مقبرة، وقد قُبِل الطَّلب بشرط أن يتِمَّ بناء القبر بالإسمنت الصَّلب: قاعِه وجوانبِه الأربع، ويوضع الميِّت في صندوق ثمَّ يغلق عليه بقطعة من الإسمنت الصَّلب حتَّى سطح الأرض بدون رمي التُّربة فوقه بحجَّة أنَّ الأرض التي تُتَّخذ مقبرة معرَّضة للحركة والانجراف، فما حكم بناء القبر على هذا الشَّكل؟

وجزى الله الشَّيخ خير الجزاء وسدَّد خطاه ووفَّقه لما يحبُّه ويرضاه.

= الجواب  ======

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على مَنْ أرسله اللهُ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبِهِ وإخوانِه إلى يوم الدِّين، أمَّا بعد:

فإذا مُنِحَتْ أرضٌ بديار الكفر لدفن موتى المسلمين خاصَّة دون سائر الملل؛ فإنَّه يجوز دفنهم فيها، إذِ المعلوم عدم جواز دفن كافر في مقبرة المسلمين ولا مسلم في مقبرة الكفَّار، أمَّا دفنه في تابوت اسْمَنْتِيٍّ أو خشبيٍّ يحول بينه وبين الأرض فإنَّه يكره ذلك اتِّفاقًا، قال النَّوويُّ: «هو مذهبنا ومذهب العلماء كافَّة وأظنُّه إجماعًا»(1)؛ لأنَّ هذا الطَّريق في الدَّفن لا أصل له في شريعتنا، ولم يفعله الصَّحابة رضي الله عنهم بالنبيِّ ﷺ ولا بغيره من المسلمين، قال ابن قدامة في «المغني»: «ولا يستحبُّ الدَّفن في تابوت؛ لأنَّه لم ينقل عن النَّبيِّ ﷺ ولا أصحابه، وفيه تشبُّه بأهل الدُّنيا، والأرض أنشف لفضلاته»(2).

هذا، غير أنَّ العلماء استثنوا من هذا الأصل ما إذا كانت الأرض رخوةً غيرَ متماسكةٍ لكثرة المياه أو الوَحل والطِّين، قال النَّوويُّ عن الشِّيرازي وسائر الأصحاب: «يُكره أن يُدفنَ الميِّتُ في تَابُوتٍ إلَّا إذا كانت رخوةً أو نديَّةً، قالوا: ولا تنفذ وصيَّته به إلَّا في مثل هذا الحال»(3)، وهذا كلُّه فيما إذا لَمْ تُهَنْ أجسادُ موتى المسلمين في ديار الكفر بالإتلاف أو الإحراق ونحو ذلك إذا لم تدفع المبالغ المالية على وجه الاستحقاق للإدارة العمومية في ديار الكفر، فإنَّ احتمال وجود هذا الشَّرط يعرِّض موتى المسلمين للابتذال والإهانة ويمنع تجويز الدَّفن بتلك الأراضي ولو في مقبرة خاصَّة بالمسلمين، سدًّا لذريعة الإهانة والتَّحقير بأهل الإسلام، لقوله ج: «كَسْرُ عَظْمِ المُؤمِنِ مَيْتًا كَكَسْرِهِ حَيًّا»(4).

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانَا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) «المجموع» للنووي (5 /287 ـ 288).

(2) «المغني» لابن قدامة (2 /503).

(3) «المجموع» للنووي (5 /287)، انظر: «مغني المحتاج» للشربيني (1 /361).

(4) أخرجه أبو داود في «الجنائز» (3207)، وابن ماجه في «الجنائز» (1616)، وأحمد (6 /58)، والطَّحاوي في «مشكل الآثار» (2 /108)، من حديث عائشة رضي الله عنها، وصحَّحه الألباني في «الإرواء» (3 /214) رقم (763)، وحسَّنه الوَادِعِيُّ في «الصَّحيح المسند»: (1597).