أنت هنا:فتاوى شرعية»في حكم تقسيم الشَّريعة إلى ثوابت ومتغيِّرات

في حكم تقسيم الشَّريعة إلى ثوابت ومتغيِّرات

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 114 مرة

 

* السُّؤال:

نريد معرفةَ ما يتردَّد على ألسنة بعض الأساتذة مِن أنَّ الشَّريعة تنقسم إلى ثوابتَ ومُتغيِّراتٍ؟ فهل هذا التَّقسيمُ صحيح؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا.

* الجواب:

تقسيمُ الدِّين الإسلاميِّ إلى ثوابتَ ومُتغيِّراتٍ باطلٌ، لا يُعرف له أصلٌ في الشَّرع، والمعلوم أنَّ الله تعالى أكملَ أحكامَه وشرعَه ودِينَه بنبيِّه ﷺ، وتمَّت نعمتُه واستقرَّت، فدِينُ الله كلُّه حقٌّ ثابتٌ: {لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ}[فُصِّلَت:42]، وليس لأحدٍ أن يُغيِّرَ شيئًا منه أو يبدِّلَ أو يزيدَ عليه أو يُنقصَ منه؛ لأنَّ الشَّريعة كاملةٌ غيرُ منقوصةٍ، وتامَّةٌ لا تحتاج إلـى زيـادة الـمبـتـدعين واستـدراكـاتِ المستدركين، وقد أتمَّ اللهُ هذا الدِّينَ فلا ينقصه أبدًا، ورضيه فلا يَسْخَطُهُ أبدًا، كذا ينبغي أن يكون عليه إيمان المسلم الصَّادق، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}[المائدة:3]، وقال ﷺ: «وَايْمُ اللهِ لَقَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى مِثْلِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا سَوَاءٌ»(1).

هذا، وإنْ أُريد بالمتغيِّرات آراءُ المجتهدين الَّذين يبذلون الوسعَ في النَّظر في الأدلَّة الشَّرعيَّة لاستنباط الأحكام الشَّرعيَّة منها، فقد يُغيِّر الرَّأيَ في المسألةِ المجتهَدِ فيها أو في حقِّ نازلةٍ يبْحَث فيها في محاولةٍ للكشْفِ عن حُكمها الشَّرعيِّ، فإنَّه يجوز للمجتهِد تغييرُ رأيِهِ وتبديلُ اجتهادِه، والعدولُ عنه إلى قولٍ آخرَ اتِّباعًا للدَّليلِ الشَّرعي، والقولُ بالمتغيِّرات بهذا الوجهِ هو محمَلُ هؤلاء الأساتذة؛ لأنَّ المجتهِد لا يصحُّ أن يقطع بصواب قوله وخطأِ مَن خالفه، فيما إذا كانت المسألة محتملة، إلاَّ أنَّ الجدير بالتَّنبيه والتَّذكيرِ في باب الاجتهاد أنَّ آراء المجتهِد وأنظارَه وأقوالَه لا يُسمَّى تشريعًا، فإنَّ التَّشريع هو الكتاب والسُّنَّة، أمَّا الاجتهاد فهو رأيُ الفقيه أو حُكم الحاكم، وقد قال النَّبيُّ ﷺ لأمير سريَّة: «وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ فَلاَ تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لاَ»(2).

فالحاصل: أنَّه كما أنَّ اجتهادات المجتهدين لا تنقسم إلى ثوابتَ ومتغيِّرات؛ لأنَّ المسائل الاجتهادية ظنِّيَّةٌ في الغالب، لا يُقطع فيها بصحَّة القول وخطئه، فهي قابلةٌ للتَّغيير متى كانت مخالفةً للدَّليل الشَّرعي، فليس في اجتهاداتهم ثوابتُ، بل هي من المتغيِّرات، وبالعكس فأحكام الله قضايا تشريعيَّة يقينيَّة يجزم فيها بحكم الله تعالى، فهي حقٌّ ثابتٌ لا يقبل التَّغيير ولا التَّبديلَ، ولذلك فنسبة الثَّوابت والمتغيِّرات للدِّين غيرُ صحيحٍ، وإضافتها إلى المجتهدين غير سليمٍ.

وأخيرًا، نلفت النَّظر إلى أنَّه بواسطة تسمية الحقِّ بغيره تأتي مثل هذه العبارات، يتشوَّف بها أهل الأهواء تسلُّلاً للوصول إلى تمييع الدِّين وصرف النَّاس عن الحقِّ، {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُون}[المؤمنون:71]، والعلمُ عند اللهِ تعالى.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن ماجه (5)، من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، والحديث حسَّنه الألباني في «الصَّحيحة» (688)، وفي «صحيح الجامع» (9).

(2) أخرجه مسلم (4522)، وأبو داود (2612)، والترمذي (1617)، وأحمد (22521)، من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه.