راية الإصلاح - في ناقض الإيمان القولي: سبّ الله عز وجل
أنت هنا:فتاوى شرعية»في ناقض الإيمان القولي: سبّ الله عز وجل

في ناقض الإيمان القولي: سبّ الله عز وجل

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 327 مرة

 

* السُّـؤال:

نحن جماعةٌ من طلبة العلم، نسأل عن أمر عظيم يكثر فيه الجدال عندنا، ألا وهو مسألة سبِّ الله عز وجل ـ والعياذ بالله ـ، وقبل السُّؤال نطرح عليكم هذه المقدِّمة:

هذا الجرم العظيم منتشرٌ عندنا بكثرة منذ زمن بعيد حيث شبَّ عليه الصَّغير، وشَابَ عليه الكبير، وهَرِمَ عليه الشَّيخ ـ إلاَّ مَنْ رحم ربِّي ـ فعموم النَّاس إذا ما وقع بينهم شجارٌ يتلفَّظون بألفاظ فيها سبٌّ لله! بل منها ما هو أشدُّ من سبِّ الله عز وجل، حتَّى ممَّن هم مواظبون على الصَّلاة, وإذا سكت عنهم الغضب وسُئِلوا صرَّحوا بأنَّهم نادمون عمَّا قالوا، وأنَّهم ما كانوا يقصدون سبَّ الله عز وجل، ولكنَّهم تَرَبَّوا على هذه الألفاظ منذ الصِّغر.

فنرجو منكم تفصيلاً شافيًا عن حكم سبِّ الله عز وجل, وعن حكم هؤلاء النَّاس الَّذين يقولون: لمْ نكنْ نقصدُ سبَّ الله عز وجل، وبارك الله فيكم.

* الجـواب:

السَّبُّ شتمٌ، وهو كلُّ قبيح يستلزم الإهانةَ ويقتضي النَّقص، وضابطُهُ العُرْفُ، فما عَدَّه أهلُ العُرف سَبًّا وانتقاصًا أو عيبًا أو طَعْنًا ونحو ذلك فهو من السَّبِّ، وحُكم سابِّ الله تعالى طوعًا من غير كره كافرٌ مرتدٌّ قولاً واحدًا لأهل العلم لا اختلاف فيه، سواء كان جادًَّا أو مازحًا، وهو من أقبح المكفِّرات القوليَّة الَّتي تناقض الإيمان، ويكفر ظاهرًا وباطنًا عند أهل السُّنَّة القائلين بأنَّ الإيمان قول وعمل، وقد نقل ابن عبد البرِّ المالكي في «التَّمهيد» عن إسحاق ابن راهويه قولَه: «قد أجمع العلماءُ على أنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ عز وجل، أو سبَّ رسولَه ﷺ، أو دَفَعَ شيئًا أنزله اللهُ، أو قتل نبيًّا من أنبياء اللهِ، وهو مع ذلك مُقِرٌّ بما أنزل اللهُ أنَّه كافر»(1).

وقال القاضي عياض المالكي: «لا خلاف أنَّ سابَّ الله تعالى من المسلمين كافرٌ حلالُ الدَّم، واختلفوا في استتابته»(2).

وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي: «ومَنْ سبَّ اللهَ تعالى كَفَرَ سواء كان مازحًا أو جادًّا»(3).

ومثله عن ابن تيميَّة قال: «إنَّ من سبَّ الله أو سبَّ رسولَه كَفَرَ ظاهرًا وباطنًا، سواء كان السَّابُّ يعتقد أنَّ ذلك محرَّمٌ أو كان مستحلاًّ أو كان ذاهلاً عن اعتقاده، هذا مذهبُ الفقهاءِ وسائرِ أهلِ السُّنَّةِ القائلين بأنَّ الإيمانَ قولٌ وعملٌ»(4).

ذلك؛ لأنَّ في سبِّ الله تنقيصًا لله تعالى، واستخفافًا واستهانة به سبحانه، وانتهاكًا وتمرُّدًا على ربِّ العالمين، ينبعث من نفس شيطانيَّة ممتلئة من الغضب، أو من سفيه لا وقار لله عنده، فحاله أسوأ من حال الكافر، إذِ السَّابُّ مُظْهِرٌ للتَّنقُّص ومفرط في العداوة ومبالغ في المحاداة، بينما الكافر يعظِّم الرَّبَّ، ويعتقد أنَّ ما هو عليه من الدِّين الباطل ليس استهزاءً بالله ولا مسبَّةً له.

وهو ـ أيضًا ـ من جهة أخرى أسوأ حالاً من المستهزِئ؛ لأنَّ الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر بنصِّ قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِين[التوبة:65-66]، وإذا كان الاستهزاء كفرًا؛ فالسَّبُّ المقصود من بابٍ أولى، والآية دلَّت على مساواة الجِدِّ واللَّعب في إظهار كلمة الكفر، وضمن هذا المعنى يقول ابنُ العربي المالكي: «لا يخلو ما قالوه ـ أي: المنافقون ـ من ذلك جِدًّا أو هزلاً، وهو كيفما كان كُفر، فإنَّ الهزل بالكفر كُفر لا خُلْف فيه بين الأمَّة، فإنَّ التَّحقيقَ أخو الحقِّ والعلم، والهزلَ أخو الباطل والجهل»(5).

فالحاصل، أنَّ أصلَ الدِّين مبنيٌّ على تعظيم الله تعالى وإجلاله، وتعظيمِ دينه ورسله، فإذا كان الاستهزاءُ بشيء من ذلك يُناقض هذا الأصلَ وينافيه، فإنَّ السَّبَّ يناقضه أشدَّ المناقضة، بل يتضمَّن قدرًا زائدًا على الكفر؛ لأنَّ الله تعالى نهى المسلمين أن يسبُّوا الأوثانَ لئلاَّ يسبّ المشركون اللهَ تعالى وهم على شركهم وتكذيبهم وعداوتهم لرسوله، في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الله فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[الأنعام:108]، فتبيَّن أنَّ سبَّ الله تعالى أعظم من الشِّرك به وتكذيبِ رسوله ومعاداته، قال ابن تيميَّة في «الصَّارم المسلول»: «ألا ترى أنَّ قريشًا كانت تقارُّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ على ما كان يقوله من التَّوحيد وعبادة الله وحده، ولا يقارونه على عيب آلهتهم والطَّعن في دينهم وذمِّ آبائهم، وقد نهى الله المسلمين أن يسبُّوا الأوثان لئلاَّ يسبّ المشركون اللهَ؛ مع كونهم لم يزالوا على الشِّرك، فعُلِم أنّ محذورَ سبِّ اللهِ أغلظُ من محذورِ الكفرِ به»(6).

هذا، والمُخلِّص الوحيد الَّذي يمحو اللهُ تعالى به الكفرَ بعد ثُبوته هو توبة المذنِب، وذلك برجوع العبد إلى الله تعالى، ومفارقتِه لصراط المغضوب عليهم والضَّالِّين، واللهُ تعالى يقبل توبةَ العبدِ من جميع الذُّنوب: الشِّركِ فما دونه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم[الزُّمَر:53]، وقولِه تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَالله غَفُورٌ رَّحِيم[المائدة:74]، وقولِه تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ[الأنفال:38].

ومِن شَرْطِ التَّوبة أن يُخلصَها لله تعالى، ويتحسَّرَ على فعله، ويندمَ على ما اقترفه، وأن يُقْلِعَ عنه ولا يُصِرَّ عليه، ويعزمَ أن لا يعودَ إليه في المستقبل، وأن تكونَ توبتُه في زمنٍ تنفع فيه التوبةُ(7).

أمَّا إذا سبَّ اللهَ تعالى وهو مغلَقٌ على قلبه؛ كمن تكلَّم بكلمة الكفر وهو على غضبٍ شديد لا يدري ما يقول ولا يَعِي، وإذا ذُكِّرَ لا يتذكَّر ولا يستحضره، أو صدرت منه كلمة الكفر وهو في حالة جنون أو إغماء أو غيبوبة أو نطق بها خطأً لم يقصدها؛ فإنَّ ذلك مانعٌ من تكفير المعيَّن بسببها لفساد قلبه؛ لأنَّ جميع الأقوال والتَّصرُّفات مشروطة بوجود التَّمييز والعقل، فمن لا تمييز له ولا عقل ليس لكلامه في الشَّرع اعتبار؛ كما قال ﷺ: «أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ»(8)، ولقَوْلِ الرَّجل من شدَّة الفرح: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي، وأَنَا رَبُّكَ»، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ»(9)، فإنَّ هذا حصل له الكلام من غير قصدٍ منه ولا إرادةٍ، فهو غيرُ مؤاخَذ عليه، لقوله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ[المائدة:89]، وقولِه تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا[الأحزاب:5].

فمن هنا يتقرَّر أنَّ مَنْ وَقَعَ في الكفر فلا يلزم وقوع الكُفرِ عليه لوجود مانعِ إلحاقِ الكفرِ به ابتداءً، بخلاف من وقع الكفر عليه لانتفاء المانع، فإنَّ التَّوبة تمنع إطلاق الكفر عليه بعد رجوعه عنه، والعلمُ عند اللهِ تعالى.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدِّين، وسلَّم تسليمًا.



(1) «التَّمهيد» لابن عبد البرِّ: (4/ 226).

(2) «الشِّفا» للقاضي عياض: (2/ 229).

(3) «المغني» لابن قدامة: (10/ 103).

(4) «الصَّارم المسلول» لابن تيمية: (512).

(5) «أحكام القرآن» لابن العربي: (2/ 976).

(6) «الصارم المسلول» لابن تيمية: (557).

(7) يفوت وقت قبول التَّوبة فلا تنفع التَّوبة فيها في ثلاث حالات:

الأولى: إذا بلغت الرُّوح الحلقوم، وحضر الأجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ[النساء:18]، وقوله ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» أخرجه الترمذي (3537)، وابن حبان (628)، والحاكم (7659)، وأحمد (6372)، من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (6132).

الثَّانية: إذا نزل العذاب، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِالله وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ[غافر:87-85].

الثَّالثة: إذا طلعت الشَّمس من مغربها فلا تقبل فيها التَّوبة؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا[الأنعام:158]، وفي الحديث: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ؛ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، وَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، ثم قرأ الآية»، أخرجه البخاري (4360)، ومسلم (396)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(8) أخرجه البخاري (52)، ومسلم (4178)، من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.

(9) أخرجه مسلم (6960)، من حديث أنس رضي الله عنه.