أنت هنا:فتاوى شرعية»في قنوت النَّازلة وأحكامه

في قنوت النَّازلة وأحكامه

  • أ.د. محمد علي فركوس
تم قراءة المقال 198 مرة

 

السُّؤال:

ظَهَرَ في الآونة الأخيرة ـ تزامُنًا مع العدوان الصُّهيوني على غزَّةَ ـ خلافٌ بين النَّاس فيما يتعلَّق بقنوت النَّوازل، من حيث تفاصيلُ مشروعيَّته، وهل يُشترط فيه إذن الحاكم أم لا؟

وإذا منعه الإمام الحاكم؛ لأسباب ظهرت له، فهل على مَن خالفه إثمٌ في ذلك؟

وهل يُشرع في هذا القنوت تسمية المعتدين بأعيانهم كـ «أولمرت، باراك، وليفني... وغيرهم»، كما هو هديُ النَّبيِ ؟

دُلُّونا ـ حفظكم الله ـ على الصِّيغة المشروعة الموافقة لسُنَّة النَّبيِّ مشكورين ومأجورين.

الجواب:

لا نِزاعَ بين الأئمَّة في مشروعيَّة القنوت ولا في مشروعيَّته للنَّازلة، وإنَّما النِّزاع في بقاء مشروعيَّته لغير النَّازلة، فمالك رحمه الله يرى دوام قنوت النَّوازل في الفجر بالدُّعاء على الكفَّار والاستعانة بالله عليهم(1) لدوام أسبابها، قال ابن العربي المالكي: «ورأى مالكٌ والشَّافعيُّ أنَّ ذلك من كَلَب العدوِّ ومقارعته معنًى دائم فدام القنوت بدوامه»(2)، والصَّحيح أنَّ القنوت في مشروعيَّته متوقِّف على وجود سببه ويزول بزواله، وما ذكره ابن العربي مِن عِلَّة في استدامة القنوت عند مالكٍ فهي واردة في زمانه ﷺ وفي زمن الصَّحابة رضي الله عنهم، فلم يُجْمِعُوا على الاستمرار عليه ولا حدَّدوه بشهر؛ لأنَّ التَّحديد فيه ناسب زمن النَّازلة، فكان غير مقصود، فقد ترك النَّبيُّ ﷺ القنوت لما زال سببه، بقدوم من قَنَتَ لهم، قال ابن القيِّم: «فإنَّه إنَّما قنت عند النَّوازل للدُّعاء لقومٍ، وللدُّعاء على آخرين، ثمَّ تركه لَمَّا قدم من دعا لهم وتخلَّصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم، وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارضٍ، فلمَّا زال ترك القنوت»(3).

هذا، ومن تفاصيل مشروعيَّته أنَّ قنوت النَّازلة يُشرع في الرَّكعة الأخيرة بعد الرَّفع من الرُّكوع في الصَّلوات المكتوبات كلِّها، ولم يكن من هديه تخصيصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها(4)، وهو قول عامَّة فقهاء أهلِ الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الرَّاشدين، ويدلُّ على هذا المضمون من التَّفاصيل نصوصٌ حديثيةٌ كثيرةٌ منها:

حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كَانَ القُنُوتُ فِي المَغْرِبِ وَالفَجْرِ»(5)، وعنه رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللهَ وَرَسُولَهُ»(6)، وعنه رضي الله عنه ـ أيضًا ـ: «أنَّ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لِحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللهِ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ، كُنَّا نُسَمِّيهِمُ القُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ، كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا ببئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ، فَلَبَغَ النَّبِيَّ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنَ أَحْيَاءِ العَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصِيَّةَ وَبَنِي لِحْيَانَ، قَالَ أَنَسٌ: فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا، ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ، (بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا)»(7).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال: «لأَقُرِّبَنَّ صَلاَةَ النَّبِيِّ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضياللهعنه يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخرة مِنْ صَلاَةِ الظُّهْرِ وَصَلاَةِ العِشَاءِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ بَعْدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ، وَيَلْعَنُ الكُفَّارَ»(8)، وعنه رضي الله عنه قال: «أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، في الرَّكْعَةِ الآخرة مِنْ صَلاَةِ العِشَاءِ قَنَتَ: اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أَبي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدَ، اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»(9).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قَنَتَ رَسُولُ اللهِ شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ وَالعَصْرِ وَالمَغْرِبِ وَالعِشَاءِ وَصَلاَةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاَةٍ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخرة يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءِ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ»(10).

فمجموع هذه الأحاديث تفيد أنَّ قنوت النَّبيِّ ﷺ كان جُمَلاً قليلة، وقد سُئِلَ أنس ابن مالك: هل كان النَّبيُّ ﷺ يقنت في صلاة الصُّبح؟ قال: «نَعَمْ، بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا»(11)، ويقتصر في الدُّعاء على النَّازلة، وقد يُكرَّر الدُّعاء نفسه في الأيَّام الَّتي يقنت فيها، ويجهر في قنوته، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ويدعو في كلِّ نازلةٍ بما يناسب المقصود منها، ويتابع المأمومُ إمامَه في قنوته ويُؤَمِّنُ على دعائه، كما في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وليس للقنوت صيغة مُعَيَّنَة، وله أن يدعوَ في كلِّ نازلة بما يتوافق مع المقصود منها، وله أن يُسَمِّيَ من يدعو لهم من أهل الإيمان ومن يدعو عليهم من أهل الكفر؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ، قال ابن تيمية: «وينبغي للقانت أن يدعوَ عند كلِّ نازلة بالدُّعاء المناسب لتلك النَّازلة، وإذا سمَّى من يدعو لهم من المؤمنين، ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسنًا»(12)، وقال: رحمه الله في موضعٍ آخر: «بل عُمَر قنت لما نزل بالمسلمين من النَّازلة، ودعا في قنوته دعاءً يناسب تلك النَّازلة، كما أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا قنت أَوَّلاً على قبائل بني سليم الَّذين قتلوا القُرَّاء دعا عليهم بالَّذي يناسب مقصوده، ثمَّ لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه دعا بدعاء يناسب مقصوده، فسُنَّة رسول الله ﷺ وخلفائه الرَّاشدين تدلُّ على شيئين:

أحدهما: أنَّ دعاء القنوت مشروع عند السَّبب الَّذي يقتضيه ليس بسُنَّة دائمة في الصَّلاة.

الثَّاني: أنَّ الدُّعاء فيه ليس دعاءً راتبًا، بل يدعو في كلِّ قنوتٍ بالَّذي يناسبه، كما دعا النَّبيُّ ﷺ أَوَّلاً وثانيًا، وكما دعا عمر وعلي رضي الله عنهما لَمَّا حارب من حاربه في الفتنة فقنت، ودعا بدعاء يناسب مقصوده»(13).

هذا؛ ويسنُّ للإمام والمأموم رفع اليدين في قنوت النَّازلة لثبوته عن النَّبيِّ ﷺ وعن أصحابه رضي الله عنهم لحديث أنسٍ رضي الله عنه قال: «..فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَجَدَ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ وَجْدَهُ عَلَيْهِم، ـ يَعْنِي القُرَّاءَ ـ فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ في صَلاَةِ الغَدَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ»(14)، وقد ثبت ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع يديه في القنوت وكذا عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيرهما، قال النَّووي: «هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله ﷺ وأصحابه»(15).

أمَّا القنوت في صلاة الجمعة والنَّوافل وللمنفرد؛ فلا أعلم له حديثًا أو أثرًا صحيحًا يدلُّ على مشروعيَّته فيها، والمعلوم أنَّ «الأَصْلَ في العِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ وَالحَظْرُ».

وكذلك مسح الوجه بعد دعاء القنوت، فليس فيه إلاَّ حديث أو حديثان ضعيفان لا تقوم بهما الحجَّة، كما نصَّ على ذلك البيهقي(16) وابن تيمية(17) والنَّووي(18).

فالحاصل: ينبغي على الإمام مراعاةُ التَّيسير، وتحاشي التَّطويل، وترك التَّصنُّع، والابتعاد عن المبالغة بإقحام أدعية إضافيَّة لا علاقةَ لها بالنَّازلة، وأن يجعل توسُّلَه بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى مناسبًا لمقام دعاء النَّازلة، فلا يتوسَّل بصفة الرَّحمة والمغفرة في مقام لعن الكفَّار وذَمِّهم، والدُّعاء عليهم بالشِّدَّة والسِّنين، كما لا يجوز أن يتعدَّى بالدُّعاء فيصيب أعراض المسلمين، ولا ينتهز الفرصة ليؤلِّب النَّاس بدعائه على الحكَّام والمسؤولين المسلمين، والتَّهوين بهم، ونحو ذلك ممَّا ليس من المشروع في الأدعية ولا هو من مقاصد الشَّريعة.

هذا، وقنوت النَّازلة سُنَّة ثابتةٌ تُشرع لعارِض ـ كما تقدَّم ـ وتقامُ في المساجد ولا تحتاج إلى إذن الإمام الحاكم أو نائبه، وهي شعيرة ظاهرةٌ تحقِّقُ مَقصدًا شرعيًّا عامًّا يتجلَّى أداؤها في المشاركة المعنويَّة الأَخَوِيَّة، والاهتمام بالمسلمين، وحفز الهمم، وإبداء التَّعاطف والتَّعاون، وإظهار التَّناصر والتَّآزر الأخوي، المشعر بأنَّهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسَّهر والحُمَّى، لذلك لا يقتصر حكم أدائه على مسجدٍ خاصٍّ يُقيمُ فيه الإمامُ الأعظم أو نائبه القنوتَ، كما لا يختصُّ بلد دون بلد، ولا يلزم فيه إذن الإمام الحاكم، إذ القنوت شرع تعبديٌّ عامٌّ، والأصل في أفعال النَّبيِّ ﷺ العموم لجميع المسلمين ما لم يرد دليلُ التَّخصيص، وقد دلَّ قولُه ﷺ على هذا الأصل من العموم بصيغة الطَّلب: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»(19)، لذلك لا يجوز العدول عن هذا الأصل بإضافة تخصيصٍ أو تقييدٍ أو شرطٍ أو وصفٍ زائدٍ إلاَّ بدليلٍ شرعيٍّ أو مُسوِّغٍ مقاصديٍّ، وإلاَّ كان الوصف الزَّائد بدعةً إضافيَّةً، إذ لم يكن من فقه الصَّحابة رضي الله عنهم أن اعتبروا القنوت من خصائص الإمام الحاكم ولا أنَّه مُقيَّدٌ بمسجده، وقد ثبت عنهم ـ من غير خلافٍ يُعلَم ـ سواء ممَّن رَوَوْا أحاديثَ قنوتِ النَّازلة أو من غيرهم رضي الله عنهم أنَّهم يقنتون في الصَّلوات المكتوبة وبالأخصِّ صلاة الصُّبح من غير توقُّف على الإمام الحاكم أو إذنه فكان ذلك منهم إجماعًا عمليًّا.

علمًا أنَّ القول بخصوصيَّة قُنوت النَّوازل مُتعلِّق بالإمام الأعظم إنَّما هو من مفردات الحنابلة في إحدى الرِّوايات عن الإمام أحمد رحمه الله(20)، وله وجه صحيحٌ إذ يمكن حمله على من يريد أن يُفرِّق جمعَ المسلمين ويحدث الإضطراب في صفِّهم بالرَّأي الفردي ـ تعنُّتًا ـ لتحدِّي الإمام والجماعة: فيُشترط إذن الإمام أو نائبه لقطع سبيل منتهزي فرص قنوت النَّوازل للحطِّ من شأن الحاكم، والتَّهوين بأعوانه المسؤولين، والمسيس بأعراضهم، وحشر عامَّتهم فيمن يستحقُّون اللَّعن والذَّمَّ والشِّدَّةَ، وتأليب النَّاس عليهم، ونحو ذلك من صيغ الأدعية المنافية للأخلاق ولأصول الاعتقاد الصَّحيح لإدخال البلاد في الفتنة، لذلك كان إذن الإمام مشروطًا في حدود هذه المقاصد من إحلال الاستقرار الأمنيِّ، ودفع الشَّغب والاضطراب عن الأُمَّة خدمةً للعباد والبلاد.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

 



(1) «المدوَّنة الكبرى» لابن القاسم (1/ 103).

(2) «القبس» لابن العربي (1/ 348).

(3) «زاد المعاد» لابن القيِّم (1/ 272).

(4) المصدر السَّابق الجزء والصَّفحة نفسها.

(5) أخرجه البخاري (765، 959)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(6) أخرجه مسلم (1552)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(7) أخرجه البخاري (3862)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(8) أخرجه البخاري (764)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(9) أخرجه البخاري (961)، ومسلم (1540)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(10) أخرجه أبو داود (1434)، وأحمد (2741)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. والحديث صحَّحه النَّووي في «الخلاصة» (1/ 461)، وأحمد شاكر في «تحقيقه لمسند أحمد» (4/ 263)، والألباني في «الإرواء»: (2/ 163).

(11) أخرجه البخاري (956)، ومسلم (1545)، من حديث أنس رضي الله عنه.

(12) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (22/ 271).

(13) المصدر السَّابق (23/ 109).

(14) أخرجه أحمد (11994)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (3229)، من حديث أنس رضي الله عنه، والحديث جوَّد إسناده العراقي في «تخريج الإحياء» (1/ 130)، وانظر «الإرواء»: (2/ 163).

(15) «المجموع» للنَّووي (3/ 511).

(16) «سنن البيهقي» (2/ 212).

(17) «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (22/ 519).

(18) «المجموع» للنووي (3/ 500).

(19) أخرجه البخاري (605)، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.

(20) «الإنصاف» للمرداوي (2/ 175).