أنت هنا:الكلمة الشهرية»الوثوق بالعلماء عند الفتن

الوثوق بالعلماء عند الفتن

  • المحرم 1436 - أكتوبر 2014
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 4478 مرة

 

إنَّ الحديث عن الفتن في هذه الأيام صار يفرض نفسه فرضًا، وما ذاكَ إلاَّ لكَثرة الهرج والمرج المنتَشر في بقَاع شتَّى من بلاد المسلمين شرقًا وغربًا، من تقتيل وتنكيل وسفك للدِّماء، وتفجير وتدمير وتخريب، والَّذي يشغل بالَ المسلم هو كيفَ السَّبيل إلى السَّلامة مِن هذه الفتَن والنَّجاة من أوارها وعدم السُّقوط في لهيبها؛ وتجنيب الأمَّة عواقبها وآثارها السَّيئة؛ لأنَّه كما قال مُطَرِّف بن الشِّخِّير رحمه الله: «إِنَّ الفِتْنَةَ لا تَجِيءُ تَهْدي النَّاسَ، ولكِنْ تَجِيءُ تُقَارِعُ المُؤْمِنَ عَنْ دينِهِ» [(حلية الأولياء) (2/204)].

فالَّذي يُصاب في زمن الفتنة دين النَّاس، فتتزلزل العقائد، وتختل المفاهيم وتلتبس الأحكام، ويغلبُ على التَّصرُّفات الطَّيش والتَّسرُّع، فتأتي الأفعالُ مشينةً، والأقوالُ سيِّئةً، فيصابُ المرءُ في أنفَس ما عندَه وهو دينُه، ما يجعله عُرضَةً لسَخط الله وغضَبه وعقابه في الدُّنيا والآخرة؛ والَّذي يؤسفُ له كثيرًا أنَّ المفتونَ يظنُّ نفسَه على شيء وهو ليس على شيء، فعن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَال: «إنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ الهَرْجَ؛ قالُوا: ومَا الهَرْجُ؟ قالَ: القَتْلُ؛ قالُوا: أكْثرُ مِمَّا نَقْتُلُ، إِنَّا لنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا، قالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بقَتْلِكُمُ المُشْرِكينَ، ولَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا، قالُوا: ومَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، ويُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنَ النَّاسِ، يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ، ولَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ».

قال عَفَّانُ في حديثه قال أبُو مُوسَى: والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ما أجِدُ لي ولَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا، إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ إلا أنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا ولا مَالا.[أخرجه أحمد (19492)، وهو في (الصَّحيحة) (1682)].

فتُنْزع عقول أَكثر أهلِ ذَلِك الزَّمَان لشدَّة الحِرْص والجهل؛ فيَسلكُون سبيلَ الغيِّ ويدَعونَ سبيلَ الرُّشد؛ والهباء في الأصل: ما ارتفَع مِن تحتِ سنَابك الخَيْل، والشَّيء المنبث الَّذي تَراه في ضَوء الشَّمس، فشبَّههم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالهباء المنبث الَّذي يُرى ولا حاصلَ لهُ؛ فيظنُّ المفتون أنَّه أولى بالحقِّ والصَّواب، ويتوهَّم أنَّه صاحبُ القوة والغَلبة، وأهلٌ للحُكم والإمارة، بل يرفع دعوى الخلافة!!

وقد يصلُ به هوس الفتنة إلى التَّنصُّل من كلِّ رابطة بالعلماء الرَّبانيِّين بالبُعد عنهم وقطع الصِّلة بهم، ورميهم بكلِّ فاقعة وباقعة والتَّشكيك في صدقهم ونياتهم، وأنَّهم علماء البلاط والسَّلاطين غير قوَّالين للحقِّ ولا يصدعون به، وهم بذلك يقطعون حبل الوصال مع العلم الصَّحيح المورِّث للبصيرة وللرَّحمة والرَّأفة والشَّفقة على الخلق؛ ولهذا تأتي صنائع المفتون خالية من هذه الأوصاف الحسنة والخلال الجميلة، ويبلغ به الأمر إلى التَّلذُّذ بالقَتل والتَّفنُّن فيه وإخراجه في صُورٍ هي من أبشع الصُّور وأفظعها، وهو ما لا تتحمَّله العقول السَّويَّة والفطر السَّليمة والتي تستبعد نسبةَ هذه الأفعال الشَّنيعة والأعمال القبيحة إلى شريعة الإسلام السَّمحة.

وهو ما يؤكِّد على ضرورة التَّنبيه والتَّنويه بشأن العلماء ورفعة منزلتهم وأنَّ لزوم غرزهم والتَّعلُّق بتوجيهاتهم ونصائحهم هو الدِّرع الواقي من هذه الشُّرور، وغرس ذلك في نفوس شبابنا هو الحصن الحصين لتجنيبهم الجنوح والغلوِّ والتَّطرُّف.

وإليك أنموذجا محفوظا في التَّاريخ للعبرة من طائفة تلوَّثت عقولها بفكر الخوارج الغلاة، وكيف أنَّهم توغَّلوا في الانحراف والضَّلالة لمَّا لم يحفظوا للعلماء منزلتَهم ولم يعرفوا لهم أقدارهم، ففي «الكنى والأسماء» للدُّولابي (3/1035) بسند صحيح عن سُلَيْمَان بن عَليٍّ الرَّبَعيُّ، قال: «لمَّا كَانَتْ فِتْنَةُ ابْنِ الأَشْعَثِ ـ إِذْ قَاتَلَ الحَجَّاجَ بنَ يُوسُفَ ـ انْطَلَقَ عُقْبَةُ بنُ عَبْدِ الغَافِرِ، وأَبُو الجَوْزَاءِ، وعَبْدُ اللهِ بنُ غَالِبٍ في نَفَرٍ مِنْ نُظَرَائِهِمْ، فدَخَلُوا عَلَى الحَسَنِ «أي البصري»، فَقَالُوا: يَا أَبَا سَعِيدٍ؛ مَا تَقُولُ في قِتَالِ هَذَا الطَّاغيَةِ الَّذِي سَفَكَ الدَّمَ الحَرَامَ، وأَخَذَ المَالَ الحَرَامَ، وتَرَكَ الصَّلاةَ، وفعَلَ مَا فَعَلَ؟ وذَكَرُوا مِنْ أَفْعَالِ الحَجَّاجِ؛ فقَالَ الحَسَنُ: أَرَى أَنْ لا تُقَاتِلُوهُ؛ فَإِنَّهَا إِنْ تَكُنْ عُقُوبَةً منَ اللهِ فَمَا أَنْتُمْ بِرَادِّي عُقُوبَة اللهِ بأَسْيَافِكُمْ، وَإِنْ يَكُنْ بَلاء فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ، قَالَ: فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدَهُ يَقُولُونَ: نُطِيعُ هَذَا العِلْجَ، ونَحْنُ قَوْمٌ عَرَبٌ؛ قَالَ: فَخَرَجُوا مَعَ ابْنِ الأَشْعَثِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا.

قَالَ سُلَيْمَانُ: «فَأَخْبَرَنِي مُرَّةُ بنُ ذِيَابٍ أبُو المُعَذَّلِ قال: أتَيْتُ عَلَى عُقْبَةَ بنِ عَبْدِ الغَافِرِ وهُو صَرِيعٌ في الخَنْدَقِ، فقالَ: يَا أَبَا المُعَذَّلِ لا دُنْيَا ولا آخِرَةَ».

فإشفاقًا منَّا على شباب أمَّتنا كي لا تكون نهايتهم كنهاية هؤلاء الذين احتقروا العالم النَّاصح الصَّادق؛ لكونهم لم يرُقْهُم كلامُه وتوجيهه، فلم يُبالوا بجوابه، ومضوا فيما عزموا عليه، فكان مصيرهم القتل والإبادة، فلا دنيا ولا آخرة ـ كما قال صاحبُهم ـ؛ ومَن طالع في أحوال كثير ممَّن ركب الفتَن واستحلَّ دماء المسلمين في عصرنا هذا ولم يأبَه بموقف العلماء منه، سيجد أنَّه قَد خاب وخابت مساعيه، وتجرَّع مرارة الذُّلِّ والهوان إلى مآقيه؛ وكانت نهايته وخيمة جزاء تهوينه لشأن العلماءِ واحتقارهم.        

 فعلى الشَّباب ألا ينساقوا وراء النِّداءات الغرَّارة والدَّعوات الخدَّاعة ولا يُسلموا رقابَهم لمن يريد أن يجعلهم وقودًا لحروب ونزاعات لا ناقةَ لهم فيها ولا جمل، ولا تحقِّق لدينهم ودعوتهم شيئًا يُذكر، بل يكون المغرَمُ عليهم والمغنَم لغَيرهم، فيتحوَّلون إلى همٍّ وبلاء على أوطانهم وأهاليهم ومجتمعاتهم.

فالنَّصيحة لهم أن يتوجَّهوا إلى العُلماء الموثوقين المعروفين بحُسن المعتَقد وسَلامة المنهج، ويسلِّموا لأقوالهم وفتاويهم في المسائل الكبَار والقَضايا المصيريَّة، فهم أحقُّ وأولى بالكلام والإفتاء فيها دونَ غيرهم منَ الدُّعاة والوعَّاظ والخطباء والمدرِّسين الذين هُم دونَ العلماء وإن حملوا شهادات وتولَّوا مناصب وانتسبوا إلى العلم وأحسنوا البيانَ، فالعالمية مرتبةٌ فوق كلِّ ذلك؛ ولا يغترنَّ مغترٌّ بحلاوة منطق فصيح، وحسن هيئة خطيب، وكثرة ظهور واعظ على الشَّاشات والفضائيات.

فعدم التَّمييز بين العالم وغيره عثرةٌ يقع فيها كثير من النَّاس، أضف إليها جرأة بعض هؤلاء الذين ليسوا بالعلماء على الخوض في القضايا الكبرى كالجهاد والقتال ونحوها، ومن هذه الجرأة وتلك العثرة تتولَّد القبائح والشَّناعات وتثور الفتنُ العاصفات.  

فالعلماء هم المؤهَّلون وحدَهم للفَصل في قضايا الأمَّة المصيرية؛ لاضطلاعهم بالفتوى وتمكُّنهم من أدوات العلم الَّتي تسمَحُ لهم بالتَّمييز بين المصالح والمفاسد والمفاضلة بينها، وتقدير الضَّرورات والموازنة بينَها، فمَا أسهل إذًا على العاقل أن يسلم الأمر لأهله ويريح نفسَه، ويجعل العلماء حجَّةً بينه وبينَ الله عز َّ وجلَّ؛ فإنَّهم أهل الاستنباط، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا[النساء:83].

ثمَّ ما أزين الشَّابَّ إذا تحلَّى بالحلم والأناة زمَن الفتن؛ فلا يندفع ولا يتعجَّل حتَّى لما يظنُّه من أمور الخير؛ ويحاول أن يرقب دائما كلام العلماء فإذا أقدم على شيء فإنَّما على بصيرة من أمره؛ فعن حَفْص بنِ غيَاثٍ، قالَ: قُلتُ لسُفْيَانَ الثوري: يا أبَا عَبْدِ الله؛ إنَّ النَّاسَ قد أكْثرُوا في المَهْديِّ؛ فمَا تقُولُ فيهِ؟ قالَ: «إنْ مَرَّ علَى بَابكَ فلا تكُنْ منْهُ في شيءٍ حتَّى يجتَمِعَ النَّاسُ عليهِ» [«حلية الأولياء» (7/ 31) بسند صحيح].

فإذا كان هذا هو الأسلوب الرَّشيد مع المهدي المنتظر الَّذي أَخبر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بكثير مِن أوصافه وخلاله وأُمِرنا بتأييده ونُصرته؛ لكن لمَّا كان ظهوره موافقًا لزمنٍ يعجُّ بالخلافات والفتن حسُن التَّروِّي في أمره والتثبُّت في شأنه؛ فكيفَ يكون الحال مع كثير من الأدعياء الَّذين لا يُعرف حالهم؛ فالواجب هو رفع مؤشِّر التَّأكُّد والتَّريث إلى أعلى مستوياته، والتَّحلِّي بالتَّأني الشَّديد وعدم الانجراف وراء الشِّعارات الجميلة، وعدم الانخداع بالكلمَات والخطابات الرَّنَّانة، ووزن الأمور بميزان الشَّرع والعلم والعَقل والحكمة، حتَّى لا تزلَّ قدمٌ بعد ثبوتها، ولا يزيغَ قلبٌ بعد استقامته؛ فنعوذ بالله منَ الحور بعد الكور، ومن الضَّلالة بعد الهدى، ومن خاتمة السُّوء.