طباعة

الهمة في طلب العلم

  • جمادى الآخرة 1430 - مايو 2009
  • أ. د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 6920 مرة

 

كلُّ إنسان يبحث عن الكمال، والكمال لا يتم إلا بأمرين: همَّة ترقيه، وعلم يُبصره ويهديه، وهذه الإرادة من الإنسان يقودها العلم، فهو إمامها والمقدَّم عليها، والمرشد لها، وقد بيَّن الله في كتابه، ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته فضل العلم وشرفه، وعموم الحاجة إليه، وتوقفُ كمال العبد ونجاته في معاشه ومعاده إلا عليه، وشهد الله وأشهد ملائكته وأولي العلم على أجلِّ مشهود وهو توحيده، مما يدل على فضل العلم وأهله، لأنه قرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته الخيار، فقال عز من قائل: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾.

والآيات والأحاديث في فضل العلم وأهله والحث على طلبه وتتبعه لا تحصى ولا تستقصى.

وهو أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب، وبه ينال العبد الرفعة في الدنيا والآخرة، قال تعالى:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ والمراد بالعلم في الآيات والأحاديث الواردة في ذلك العلم الشرعي: علم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأكثر الناس غالطون في حقيقة العلم الذي به السعادة والرفعة، وتظن كلُّ طائفة أنَّ ما معها من العلم هو الذي تنال به تلك السعادة، وكل طائفة فرحت بما عندها من العلم، والعلم بمعزل عن كل أولئك، بل هو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من عند الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾  إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المعنى.

ولما بعد العهد بهذا، آل الأمر إلى بكثير من الناس أن اتخذوا آراء الرجال وأفكارهم علما يتعبدون به المولى عز وجل، ووضعوا لذلك الكتب وأنفقوا الأوقات والأعمار وضيَّعوا الزمان، وملأوا الصحف مدادا والقلوب سواداً، حتى ادَّعوا أن لا علم في الكتاب والسنة، بل هي أدلة ظنية لا تفيد علما ولا يقينا، وانتشرت هذه الترهات في أوساط المتعلمين، فركضوا في ميدان الجهالة بجهلهم وظنوا أنَّهم من السابقين، وهم عم  جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من ربه بمعزل ومنأى، كما قال الشاعر: 

نزلوا بمكة في قبائل هاشم      ونزلتَ بالبيداء أبعدَ منزلِ


ثم خلفهم بعد ذلك التابعون لهم بإحسان، فكانوا بجميع علوم الاجتهاد قائمين، وبنشرها في الآفاق معتنين، وهم في ذلك متفاضلون، فمنهم المُحكِم لعلم الكتاب، ومنهم القائم بأمر السنة، ومنهم المتبحِّر في العربية، ومنهم المتقن لجودة استنباط الأحكام، فصنَّفوا في ذلك المصنفات الكثيرة، وكلهم من رحيق الكتاب والسنة ناهلون، وقد أدركوا حق الإدراك أنّ العلم هو ما جاء عن الله، وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تركه الفضلاء من الصحابة الأخيار، لا يرون الدخول في الكلام ولا الجدال، بل يستفرغون وسعهم في الكتاب والسنة والتفقه فيهما، ويتبعون ولا يتنطَّعون، قال الإمام أحمد مترحِّما على أبي بكر محمد بن الحسن الأعين: «إني لأغبطه، مات وما يعرف إلا الحديث، لم يكن صاحب كلام».
وأما صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانوا عن علوم الأواخر بمعزل، بل كانوا لا يتذاكرون إلا ما جاء به الرسول المصطفى، فالفقه في الدين كان شعارَهم فحصل لهم العلم بالله وبأحكامه ونالوا فضله ورفع الله قدرهم، وأعزهم على أعدائهم باتباع سنة نبيهم، وعملهم بما جاء عن ربِّهم.

ثم خلف من بعد الأئمة خلوف فترت همتهم عن تحصيل العلم الشرعي، فأضاعوا الأوقات في ما لا ينفع الطالب علمه، وقد وصف الإمام العلامة أبو شامة المقدسي ما آل إليه الأمر في زمانه، مع أنه عاش في عصر زهرت فيه العلوم حيث قال:

«ما أعظم حظَّ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظاً على الناس ما بقي بأيديهم منه، فإنَّ هذه الأزمنة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا، فالمشتغل منهم عليها يحوم، ولها يقعد ويقوم، فإذا حصلت فترت همَّته واشتغل بها، وطلب الزيادة منها.

ومنهم من تفتر همَّته لعدم حصولها له، ولا سيما إذا حصلت لغيره ممن يراه دون درجته، هذا مع أنَّ اشتغال المشتغل منهم ضعيف، قد قنع الحريص منهم من علوم القرآن بحفظ سواده، ونقل بعض قراءاته، وأغفل علمَ تفسيره ومعانيه، واستنباط أحكام الشريعة من مبانيه.

واقتصر من علم الحديث على سماع الكتب على شيوخ أكثرهم أجهلُ منهم بعلم الرواية، فضلا عن الدراية، وأغفل إتقان معرفة الأسانيد والمتون من التقييد اللفظي، والبحث الصحيح المعنوي.

واجتزأ من علم الفقه بحفظ مختصر، ولولا الجاري عليه بسببه لما صبر، ومنهم من صعُب عليه أيضا حفظ المختصر، ورفع نفسه فنظر في نكت الخلافيين المتأخرين، العارية عن مآخذ الأئمة وفقه المتقدمين، وعدَّ نفسَه ـ لغرابة ما أتى به ـ من رؤوس العلماء، وهو عند الله وعند علماء الشريعة من أجهل الجهلاء، قد حُرم أنفاس أهل الدين والعلم الفاخر، ورضي مما هم عليه بإطلاق اسم المستدل المناظر.

واكتفى من علم العربية بالنظر في مقدمةٍ يزعم أنه يُصلِحُ بها لسانه، ويقوِّي بها عند الجدال جَنانه، وصدف عن الكتب النفيسة الكافلة بنفائس هذا الشأن، وعن الاشتغال بعلمي اللغة والبيان، اللذين بهما يُفهم الحديث والقرآن.

وأما علم أصول الفقه فقد هُجر هجرا، فلا تكاد تسمع له ذكراً، إلا بأبحاث خارجة عنه، وإن كانت قد سُطرت فيه حتى حُسبت أنها منه.

فليتدبَّر ما قلناه طالب العلم، وليتهم نفسه بالتحصيل، فكلُّ علم من هذه العلوم بحر زاخر، ولا يحصل على دُرَره إلا كلُّ سابح غوَّاص ماهر، قد مرَّت عليه أزمنة في ملازمة الطلب، وطول النصب والتعب، من التكرار والبحث والشرح والمراجعات، ومذاكرة العلماء وكثرة المطالعات، مع الأهلية التامة من صحة الذهن وحدَّته، وطول الفكر منه وحسن نيته، فليراجع ما أشكل عليه ويحقِّقه، وإذا عدَّ تنبيهَ من نبَّهه على خطئه فائدةً منه وشكره عليه فالله يوفقه، وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كلَّ معتمد عليه، ولا يتجاوز تحقيق ما أشكل لديه، فهذه صفة المشتغل المحقق، وهو الذي ينتفعُ وينفع الله به كلَّ موفَّق ». اهـ كلامه رحمه الله. خطبة الكتاب المؤمل (ص93 ـ 95).

وهكذا دأب العلماء بيان قلة الهمة في أزمانهم وانصراف الطلبة عن الاشتغال بما يهمهم من أمور دينهم، رغبة منهم في تغيير الوضع وإصلاحه، وبيان طريقة أخذ العلم ونجاحه، فهذا الإمام المقرئ المؤرخ المحدث ذهبي عصره يشتكي أهل زمانه، فأورد عن هشام الدستوائي قولَه: «والله ما أستطيع أن أقول: إني ذهبت يوما قط أطلب الحديث أريد به وجه الله عزو جل».

قال الإمام الذهبي: «والله ولا أنا. فقد كان السلف يطلبون العلم لله فنبُلوا، وصاروا أئمة يقتدى بهم، وطلبه قوم منهم أولا لا لله، وحصَّلوه، ثم استفاقوا، وحاسبوا أنفسهم، فجرَّهم العلم إلى الإخلاص في أثناء الطريق، كما قال مجاهد وغيره: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية، ثم رزق الله النيَّة بعد، وبعضهم يقول: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله. فهذا أيضا حسن، ثم نشروه بنية صالحة.

وقوم طلبوه بنية فاسدة لأجل الدنيا، وليُثنى عليهم، فلهم ما نووا، قال عليه السلام: من غزا ينوي عقالا فله ما نوى.

وترى هذا الضرب لم يستضيئوا بنور العلم، ولا لهم وقع في النفوس، ولا لعلمهم كبير نتيجة من العمل، وإنما العالم من يخشى الله تعالى.

وقوم نالوا العلم، وولوا به المناصب، فظلموا، وتركوا التقيد بالعلم، وركبوا الكبائر والفواحش، فتبا لهم، فما هؤلاء بعلماء! وبعضهم لم يتق الله في علمه، بل ركب الحيل، وأفتى بالرخص، وروى الشاذ من الأخبار.

وبعضهم اجترأ على الله، ووضع الأحاديث، فهتكه الله، وذهب علمه، وصار زاده إلى النار.

وهؤلاء الأقسام كلهم رووا من العلم شيئا كبيرا، وتضلعوا منه في الجملة، فخلف من بعدهم خلف بان نقصهم في العلم والعمل، وتلاهم قوم انتموا إلى العلم في الظاهر، ولم يتقنوا منه سوى نزر يسير، أوهموا به أنهم علماء فضلاء، ولم يَدُر في أذهانهم قطُّ أنهم يتقربون به إلى الله، لأنهم ما رأوا شيخا يُقتدى به في العلم، فصاروا همجا رَعاعا، غاية المدرس منهم أن يحصل كتبا مثمَّنة يخزُنها وينظر فيها يوما ما، فيصحف ما يورده ولا يقرره.

فنسأل الله النجاة والعفو، كما قال بعضهم: ما أنا عالم ولا رأيت عالما». السير (7/114).

فكيف لو أدرك أمثال هؤلاء زماننا، نسأل الله تعالى العافية في الدنيا والآخرة.

فعلى الطالب أن يشمر عن ساعد الجد في معرفة علوم الشريعة، وليبدأ بالأهم فالمهم، وليعلم أن العلم لا ينال براحة الجسم كما قال السلف، بل عليه أن يتعب ويرحل، ويسمع وينسخ، وقد ذكر أهل العلم العلوم النافعة التي ينبغي أن يعتني بها الطالب، فالعلوم الباطلة كثيرة جدا فلتحذر، وأن لا يفتر من طلب العلم إلى الممات، بنية خالصة وتواضع، والعلم النافع هو ما نزل به القرآن وفسره سيد الأنام قولا وفعلا، وقد ذكر الذهبي رحمه الله أقسام العلوم بكلام متين يدل على سعة علمه وتبحره، فلا بأس من إيراده ثم التوسع في شرحه وتفكره، قال رحمه الله:

«المستحبُّ طلب علم الفقه والإمعان فيه، ومعرفة أقوال الصحابة والتابعين، وحُججهم من الكتاب والسنة الصحيحة، ونحو ذلك، وبعضه آكدُ من بعض.

ومعرفة التفسير وما لابد منه من معرفة العربية ولغة القرآن ولغة الحديث والفقه، ومهمات الطب، وما صحَّ من الحديث النبوي وما حسُن، وما ثبت من القراءات وغير ذلك.

ومعرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومغازيه، وسيرة الخلفاء الراشدين، ومعرفة رجال الحديث وجرحهم وتعديلهم، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذه العلوم، إلى أن ينتقل العالم إلى المباح من معرفة تاريخ العالَم واللغات والشعر المباح.

بل كلُّ علم من العلوم الإسلامية ينقسم إلى الأقسام الخمسة، وليس في العلوم الإسلامية ما كلُّه حقٌّ وتعلُّمه متعين غير الكتاب العزيز، فإنك تنتقل بعده إلى علم حفظ متون حديث الصحيحين والسنن الأربعة والموطأ.

فمنها ما هو فرض لا يسع المرءَ جهلُه، ومنها ما يُندبُ إلى معرفته، ولا ينبغي للمرء جهله، كعدَّة أحاديث في الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة والحج والبيع والنكاح والحدود والأطعمة، وبعضُها آكد من بعض، كما أنَّ بعضها يتعيَّن على الطالب الذكيِّ.

ومنها ما هو مباح كحديث أم زرع وحديث الإسرائيليات من جامع الأصول، ونحو ذلك مما يجري مجرى القصص، وبعضٌ أولى من بعض.

وقسمٌ يُكره حفظه لضعفه واطِّراحه، كفضل قزوين، وحديث: أنا دار العلم وعلي بابها، وحديث ابن عباس في حفظ القرآن، وأنَّ السِّجل اسم كاتب الوحي، وما أشبه ذلك من الموضوعات، فإن المقتصر على حفظ متون هذه يتضرر بها، وتتعلق بذهنه، ويعتقدها ثابتة، فلا ينبغي التشاغل بحفظها إلا لمن يعرفها ليُحذر منها.

وقسم يحرم حفظ متونه: كحديث عرق الخيل، والجمل الأورق، وهذه الأكذوبات التي وُضعت في الصفات، فلا ينبغي للمرء أن ينطق بها، وإن نطق فللتحذير منها، فإذا كان هذا في الحديث النبوي، فما الظنُّ بسائر العلوم.

وكذلك في تفسير القرآن، منه ما هو حتم ومنه ما مستحب، ومباح ومكروه، فكثرة الأقوال في الآية ـ مع وهنها وبُعدها من الصواب الذي هو وجه واحد دلَّ السياق والخطاب العربي عليه: مكروه حفظها والاعتماد عليها، فإن القول الصحيح يضيع بينها.

والمحرم: حفظ تفسير القرامطة والإسماعيلية وفلاسفة المتصوفة الذين حرَّفوا كتاب الله فوق تحريف اليهود، مما إذا سمعه المسلم بل عامة الأمة ببداءة عقولهم علموا أنَّ هذا التحريف افتراء على الله وتبديل للتنزيل، ولا أستجيز ذكر أمثلة ذلك فإنه من أسمج الباطل.

وهذا بابٌ واسع جدا، يحتاج إليه الطالب ليتعب فيما هو الحق، وليهرب مما هو محض الإفك الذي هو زغل الحديث والتفسير والقراءات وأخبار الأمم والسير والمغازي والمناقب وفقه جهلة الروافض.

وكذلك الشِّعر هو كلام كالكلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، والتوسع منه مباح، إلا التوسع في حفظ مثلا شعر أبي نواس وابن الحجاج وابن الفارض فإنه حرام، قال في مثله نبيُّك صلى الله عليه وسلم: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يَريه خير له من أن يمتلئ شعراً» وقال في المباح والمستحب منه: إنّ من الشعر حكمة، وقال في حقِّ حسان إذ هجا المشركين: اهجهم وجبريل معك ». انتهى كلامه رحمه الله. مسائل في طلب العلم (ص 204).

فإذا كان الأمر كذلك، على ما بيَّن هذا الإمام الناصح، فإن العلم يدور على فهم وفقه كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في كل ما يتعلق من أمور الدين، عقدية وعبادة ومعاملة وأخلاقا وآدابا، فينبغي للطالب أن يعرف ويتعرف على المصادر الأصيلة التي هي مظنة للعلم الصحيح، فيأخذ العلم متبعا أسس التحصيل معتنيا بالأخذ عن الشيوخ الثقات وحفظ المتون النافعة، يرفع الله قدره ويعلي شأنه ويذلل له المسالك، وأن يتحلى بآداب الطلب، وعدها لا يحصر، وهي للعلم كالسور للبنيان.

من مقالات الكاتب