أنت هنا:الكلمة الشهرية»لغة العلم

لغة العلم

  • شوال 1436 - جويلية 2015
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 4704 مرة

 

يتميَّز السَّلفيُّون عن غيرهم أنَّهم يتعاملون بلُغَة العلم الشَّرعي الصَّحيح، فلا السِّياسَة يُمارسون، ولا طقُوسَ الصُّوفيَّة يُعانون، ولا طرائقَ الفَلسَفة يسلُكُون، ولا أساليبَ الحزبيَّة يستَعملون؛ وإنَّما يَشغلُهم العلمُ ـ تعلُّمًا وتعليمًا ـ لكونه الوسيلة النَّاجعَة لانتشال الأمَّة من بَراثن الجهل، ووضعها على دروب الخير والصَّلاح والفَضيلة.

ولهذا عُلِّقَ نَيْلُ الشَّرف بالعلم، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾[المجادلة:11]، فلا يُنظر إلى صُورة وخِلقة، ولا يُلتَفَت إلى نَسَب ووَطَن، ولا يُعبَأُ بمنصِب ووظيفَة، وإنَّما العُمدَة على ما يحمله الرَّجل من علم صحيح يرفعه الله به، ويفتَحُ به قلوبًا غُلفًا وأعيُنًا عُميًا وآذانًا صُمًّا، ما يكونُ له الأثَر الجميل على النَّاس، فهذَا هو العالم الَّذي أُمِرت الأمَّةُ أن تُنزِلَه المنزلةَ الرَّفيعَة، وتبوِّئَه مقام الإمامة في الدِّين، وتَسمَحَ لعلمِه بالذُّيوع والانتشار.

وأمَّا النَّغماتُ الجاهليَّة اليوم فهي تُريد لهذَا العلم أن ينحصر مجالُه وتقوَّضَ أركانُه ويُحدَّ انتشَارُه، ويُصدَّ النَّاسُ عن حَمَلَته بشُبَه واهية، كقَولهم: إنَّ العالمَ الَّذي بالحجاز أو بالشَّام لا يمكنُ للمَغربي أو الجزائري أن يأخذ عنه العلمَ لاختلافِ الأقاليم والعاداتِ والمذاهِب ونحو ذلكَ، والحقُّ أنَّه لا يُنكَر أثرُ بعض ذلك في الفتوى؛ لكن لا يصحُّ أن يُسحَبَ ليكونَ حجَّةً لحَجْب النَّاس عن العَالِم وحَجْزِهم عن علمِه، وإنَّ المفتي المؤهَّل يفقَه الواقعَ، ويفهَمُ الواجبَ في هذا الواقع بإنزال الحكم الشَّرعي المناسب، فلا يُهمِلُ الفروقَات، ولا يفرِّقُ بينَ المتمَاثلات.

لهذا لم يكن لهذه الحدودِ الوهميَّة يومًا ما أثرٌ في لغَة العِلم وفي علاقة العالم بالمتعلِّم، بل لم تحفظ كتب التَّاريخ والتَّراجم سوى التَّواصُل والتَّداخل بين الشُّيوخ والطُلاَّب، وبين عُلماء الأمصار المختلفة، فالعراقيُّ يتعلَّم منَ الحِجازي، والمغربيُّ يروي عن المصري، واليمني يستَفتي الشَّامي وهكذا.

فالعلم حبلٌ متينٌ تُوصَل به الأمَّة، ولغةٌ حيَّةٌ يتواصل بها أفرادها على اختلاف ألوانهم وأوطانهم وألسنتهم، لتشتدَّ أواصِرُها ويستَقيمَ أمرُها؛ والخائنُ مَن يُحاول قطعَ هذا الحبل أو طمس هذه اللُّغة؛ ذلكَ لأنَّ الفتَنَ الواقعةَ اليوم لا يدفعُها علمٌ شاميٌّ أو علم مغربيٌّ أو علم حجازيٌّ، بل يدفعُها علمٌ شرعيٌّ صحيحٌ مستَمدٌّ من الكتاب والسُّنَّة على فهم السَّلف أيًّا كانَ حاملُه؛ فالبلد أو الجهة وصفٌ طرديٌّ لا أثَر له في الحكم، والعالمُ لا يُصبَغُ علمُه بجنسيِّته، ولا تُقصَر الاستفادة منه على أهل بلده؛ كيفَ وقد شبَّه النَّبيُّ ﷺ العالمَ بالبدر، ومعلومٌ أنَّ نورَ البدر يبلُغ جميعَ الأقطار، وتَراه جميعُ الأبصار؛ إلا عينٌ عليها غِشَاوَةٌ، أو عقلٌ سَبَتْه غباوةٌ، نسأل الله العفو والسَّلامةَ.

 

رابط الصوتية