أنت هنا:الكلمة الشهرية»أفيكة غريبة

أفيكة غريبة

  • جانفي 2017 ـ ربيع الثاني 1438
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 3710 مرة

 

ممَّا دأب عليه المخالفون للحقِّ في كلِّ زمان ومكان، منذُ زمن الأنبياء عليه السلام إلى يومنا هذا، أنَّهم ـ إضافةً إلى ردِّهم الحقَّ وعدم قَبوله ـ؛ يتفنَّنون في تشويهه والطَّعن في حامليه ودعاته، ورميهم بالإفك والبهتان، وقصدهم في ذلك تنفير الأتباع من هذا الحقِّ ومحاولة صدِّهم بهذَا التَّخذيل؛ حتَّى لا يُصغُوا إليه ولا يسمَعوا حجَّتَه، وأعظم من ابتُلي بذلكَ الأنبياءُ عليه السلام مِن أقوامهم، ففي السِّيرة النَّبويَّة أنَّ رسُولَ الله ﷺ لبثَ عشْرَ سنينَ يتبَعُ الحاجَّ في منازِلِهِمْ في المواسِمِ بمجَنَّةَ وعُكَاظٍ ومنازِلِهِمْ بمِنًى: «مَن يُؤْوِينِي وينْصُرُنِي حتَّى أُبَلِّغَ رسَالاتِ ربِّي ولهُ الجنَّةُ؟» فلا يجِدُ أحدًا يُؤوِيهِ ولا ينْصُرُهُ، حتَّى إنَّ الرَّجُلَ يرحَلُ صاحبُهُ مِن مصْرَ واليمَنِ فيَأْتِيهِ قومُهُ أو ذَوُو رحِمِه، فيَقُولُون: «احذَرْ فتَى قُرَيْشٍ لا يَفْتِنْكَ، يَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الله، يُشِيرُونَ إليْهِ بأصابِعِهِمْ» [«دلائل النبوة» للبيهقي (2 /442)].

فلا يتركُون الفُرصَة للقَادم إلى مكَّة حتَّى يسمَعَ الحجَّةَ أو يقتربَ منَ النَّبيِّ ﷺ، والطَّريقةُ نفسُها كانَ انتَهجها فرعون في ردِّ دعوةِ موسَى عليه السلام، فكانَ لا يتَوانى عن تشويهه والكَذب عليه وإشاعة ذلكَ في قومِه حتَّى ينفرُوا منهُ ولا يتبعُوا دعوتَه؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَاد[غافر:26] فيَخرج فرعون على قومه في صورةِ ناصح مُشفِق خائِفٍ على دينِ أمَّتِه مِن أن يدخُلَه التَّبديلُ والتَّغييرُ، وصَدقَ العَلاَّمَة السِّعدي رحمه الله في قوله: «وهذَا مِن أعجَب ما يكُون، أن يكُونَ شرُّ الخَلْق ينصَحُ النَّاسَ عن اتِّباع خَيْرِ الخَلْق؛ هذَا منَ التَّمويه والتَّرويج الَّذي لا يدخُل إلاَّ عقْلَ مَن قَال اللهُ فيهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين[الزُّخرُف:54]».

فغُرورُ رادِّ الحقِّ وقلَّة تدبُّرِه في الأمور يظنُّ أنَّ كلَّ ما خالفَ دينَه وما هُو عليه منَ الرُّسوم والعَوائد إنَّما هُو فسادٌ ينبغي قطعُه واستئصالُه، ولهذا لا يتوقَّف عن ردِّ الحقِّ فحَسْب؛ بل يقفُ في وجه مَن يدعُو إليه ويصُدُّ النَّاسَ عنه مُحذِّرًا ومُنفِّرًا ومُشوِّهًا لصُورة هذَا الدَّاعي ولو بتَلْفيق التُّهَم والكَذب الصَّريح؛ قَال اللهُ تعَالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيم * يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُون[الأعراف:109-110]؛ فانظرْ إلى هذا التَّمويهِ على ضِعاف العُقُول يُخوِّفُهم بأنَّ قصدَ موسَى عليه السلام بدعوته هو التَّوصُّل إلى إخراجهم من وطنهم، ليجتَهدوا في مُعادَاته ومُحاربَته؛ فإنَّ مِن أخوَفِ ما يتَوقَّعُه المرءُ أن يُجلى عن وطنِه ويُبعَد عن أرضِه.

ولم يخلُ زمانٌ كانَ لدُعاة الحقِّ فيه صولةٌ إلاَّ ووُجِد معَهُم حُماةُ الباطل يرمونَهم بالبُهتان ويختلقون في حقِّهم الأكاذيب؛ فهذا شيخُ الإسلام ابن تيمية صار من أشهر خصال أعدائه تزويرُ الكُتُبِ عليه، ففي «مجموع الفتاوى» (3 /161) يقُول رحمه الله عن نفسِه: «وكانَ قَد بلغَني أنَّه زُوِّر عليَّ كتابٌ إلى الأمير رُكن الدِّين الجاشنكير أستاذِ دار السُّلطان يتضَمَّنُ ذكرَ عقيدَةٍ محرَّفَةٍ ولم أعلَمْ بحَقيقَتِه؛ لكن علمتُ أنَّه مكذُوبٌ»، وقال أيضًا في معرض الحديث عن  مناظرته حول «العقيدة الواسطيَّة» كما في «مجموع الفتاوى» (3 /162): «أنا أعلَمُ أنَّ أقوامًا يكذبُونَ عليَّ؛ كَما قَد كذَبُوا عليَّ غيْرَ مرَّةٍ»

وقَال تلميذُه ابنُ عبدِ الهادي في ترجمته ـ في سياق حديثه عن مسألَة شدِّ الرِّحال ـ في «العُقود الدُّرِّيَّة» (ص344): «وعَظُم التَّشنيعُ على الشَّيْخ وحُرِّف عليْهِ، ونُقِل عنهُ مَا لم يقُلْهُ وحصل فتْنَةٌ طَار شرَرُها في الآفَاق...».

وتقف السَّلفيَّةُ اليومَ أيضًا نفسَ الموقف الَّذي وقفتُه الدَّعوة الحقُّ عبرَ تاريخها، فيرميها خصومُها بأنَّها تُضادُّ المرجعيَّةَ الدِّينيَّةَ، وأنَّها فكرٌ وافدٌ، وأنَّها خطرٌ على البلد وتهدِّد أمنَه، وأنَّها تدعو للطَّائفيَّةِ والتَّفريقِ، وغيرها من التُّهم الباطلة، وأَحدَثُ هذه الأكاذيبِ الَّتي أنتجتها مخابرُ الحركيِّين خصومِ الدَّعوة السَّلفيَّة أَفِيكَةٌ غريبةٌ وكذبةٌ عجيبَةٌ، وهو أنَّ منهجَ السَّلفيِّين منهجٌ عُدوانيٌّ يدعُو إلى قَتلِ واغتيَالِ مُعارضيه وإراقةِ دماءِ مُخالفِيه، ولا أظنُّ مُنصِفًا يعرفُ أدبيَّاتِ الدَّعوةِ السَّلفيَّةِ ومنظُومتَهَا الفكريَّةَ والعقَديَّةَ ويقرأ ما يكتبُه ويقرِّرُه علماؤُها وأعلامُها في مؤلَّفاتِهم ومُحاضراتِهم، ثمَّ يَخلُص إلى مثل هذا الهُراء؛ بل يصحُّ أن يُصاحَ في وجه قائل ذلك، ويُقال: يا لِلأَفِيكَة!! ويا لِلْعَضِيهَة!! ويا لِلْبَهِيتَة!!

ولعلَّك لو فتَّشتَ في كتب العلم والتَّاريخ فلن تعثُرَ فيه على أنَّ عَلَمًا من أهل السُّنَّةِ دعا إلى اغتيال أحدٍ مِن أهل الأهواء والبدع على كثرَتِهم وتنوُّعِهم؛ ولكنَّك ستجد في مقابل ذلك أنَّ أهلَ السُّنَّة كثيرًا ما عانوا من وشَايةِ أهل الانحراف إلى السَّلاطين والحُكَّامِ؛ بدءًا من زمن الإمام أحمد وما فعله معه القاضي المعتزلي أحمد ابن أبي دؤاد، إلى زمن شيخ الإسلام ابن تيميَّة وما قاسَاه من خصومِه من الإهانةِ والسِّجنِ حتَّى إنَّه لقِيَ ربَّه وهو سجينٌ؛ ثمَّ إلى زمن الإمام ابنِ باديس الَّذي يَعرِفُ القاصي والدَّاني أنَّ ما واجهَهُ به أهلُ البدع والطُّرُقِ كانَ أشَدَّ ممَّا جابَهَه به المُسْتَعمِرُ الفَرنسيُّ الغَاشمُ، حتَّى إنَّهم أرسلوا إليه من حاول اغتيالَه إلاَّ أنَّ اللهَ سلَّمه من مكيدتهم الخائبة؛ وأسوَتُهم في ذلك المنافقون الَّذين حاولوا اغتيالَ رسولِ الله ﷺ بالعَقبة عند عودته من غزوَة تَبُوك.

وهذا حالُ أهل البدع والأهواء يُحاولون اغتيالَ السُّنَّة بالطَّعن في أهلِها وحُماتِها سبًّا وشتمًا وإهانةً؛ وبالإذاية الجسديَّةِ، أو بالسِّعايةِ والوشايةِ عند الحكَّامِ والمسؤولين؛ وهذا صنيعُ خسيسِ الهمَّة، ضعيفِ الحُجَّة.

أمَّا أهلُ السُّنَّةِ السَّلفيُّون، فليس من طريقتهم ولا من منهجهم الدَّعوةُ إلى الاغتيالات والمؤامرات والدَّسائسِ الدَّنيئة، بل دَيْدَنُهم العلمُ والتَّعلُّمُ وتعليمُ الخلق، ومُواجهةُ الأفكار الرَّديَّة والمذاهبِ الغويَّةِ بدلائل الكتاب والسُّنَّةِ على فهوم السَّلف السَّويَّة؛ ليس شأنهم كشأنِ هؤلاء أبدًا.

فإنَّه منَ الكذب المكشوفِ أن يُحاول المبطلون إلصاقَ هذه الدَّعوى السَّاقطةِ بالدَّعوة السَّلفيَّةِ، ويهوِّلون بها في كلِّ ناحيةٍ في وسائل الإعلام، ويبذلون الجهدَ لإقناع النَّاس بهَا، فيختَصرون الدَّعوةَ السَّلفيَّةَ الرَّحيبةَ في تصرُّفٍ طائشٍ لشَبابٍ متهَوِّر، أو في عبارةٍ مُوهمَةٍ لعالم فاضِل، أو في زلَّة لشَيخ منَ المشايخ؛ هذه أسلحةُ القوم الَّتي يُجابهُون بها السَّلفيِّين، بعدَما عجَزُوا عن مُقارعتِهم بالعلم والحُجَّة والبيَان، فلَم يجدوا من سبيلٍ لصَدِّ الامتداد السَّلفي إلاَّ بمثل هذه الأسلحَة الكَليلة والأدوات المفلُولَة، ومِن أدواتهم أيضًا صبغُهم للسَّلفيِّين بألقاب غريبَة، فبعدما كانوا يلقِّبونهم «باديسيِّين»، و«عُقبيِّين» نسبةً إلى الشَّيخيْن ابنِ باديس والعُقبي، وبعدما لقَّبوهم في فترة أخرى «ألبانيِّين» نسبةً إلى الشَّيخ الألبَاني، وبعدها «جامِّيِّين» نسبةً إلى الشَّيخ محمَّد أمان الجامِّي، وصلوا الآن إلى لقب حديثٍ وهو «مَدْخليِّين» نسبةً إلى الشَّيخ ربيع المدخَلي، ورحم اللهُ الشَّيخَ الإبراهيمي حين قال: «ولكنَّ القَوم يصبغُونَنا في كلِّ يوم بصبْغَة، ويسَمُّوننا في كلِّ لحظَة بسِمَة، وهُم يتَّخذون من هذه الأسمَاء المختَلفة أدواتٍ لتَنْفير العامَّة منَّا وإبعَادِها عنَّا، وأسلحَةً يُقاتلُوننا بهَا وكلَّما كلَّت أداةٌ جاءوا بأدَاة، ومن طَبيعَة هذه الأسلحَة الكَلال وعدمُ الغَناء» [«الآثار» (1 /123)].

فالعبرةُ ـ يا إخواننا ـ بالحقَائق والمعَاني لا بالأسمَاء والمبَاني؛ وممَّا تعلَّمنَاه جميعًا أنِ «اعْرفِ الحَقَّ تَعرفْ أهلَه، إنَّ الحقَّ لا يُعرَفُ بالرِّجالِ، وإنَّما الرِّجالُ يُعرفُون بالحقِّ»؛ فالدَّعوةُ السَّلفيَّةُ لم يَعُدْ خافيًا على أحدٍ أنَّها دعوةُ علم وسِلم وأمن ومُهادنة؛ ومن أشدِّها بُعدًا عن أسلوب العُنف والإرهاب، وقَد شهد المُنصِفُون من أهل الشَّرق والغَرب أنَّ من أهمِّ أسباب عزُوف شباب الجزائر عن الالتحاق بتنظيم «داعش» هو انتشارُ الدَّعوة السَّلفيَّة في أوساطِه، وامتثالُه لنصائح وتوجيهات عُلمائها ومشايخها؛ لذا كان من مُستَبْشَع الحُكم أن تُجحَدَ هذه الحقيقَةُ، ويُرادَ ترويجُ ضدِّها من الأضاليل، ويُنسبَ السَّلفيِّون إلى منهج الثَّورة والتَّهييج، وأنَّهم خطر جديدٌ يهدِّدُ أمنَ الأوطان، وسلامةَ البلدان؛ ونحنُ نقول: أَبينُوا لنَا أينَ عثرتُم على هذا الَّذي تزعُمُون في كلام علمَاء السَّلفيَّة وأعيانها وكتاباتِهم صريحًا أو تلميحًا إن كنتُم صادقين؟ فإنَّ الغالبَ على السَّلفيِّين الاشتغالُ بمسائل العلم ودلائله، وهو ما يؤهِّلُهم أن يكونُوا دعاةَ إصلاح في الأرض لا دُعاةَ إفسادٍ فيها؛ فهُم بعيدون كلَّ البُعد عمَّا تدَّعون من الإفك والبُهتان؛ وأمَّا أن يُسيء سلفيٌّ في مشرق الأرض أو مغربها؛ فيُحمَّل السَّلفيُّون كلُّهم وزرَه، فهذا عينُ الظُّلم والبَغي الَّذي لا يحبُّه الله ولا يرتَضيه؛ والله المستعان.