أنت هنا:الكلمة الشهرية»أسـس بـيـت الـمسـلم

أسـس بـيـت الـمسـلم

  • شعبان 1438 ـ ماي 2017
  • عز الدين رمضاني
تم قراءة المقال 3128 مرة

 

إنَّ ممَّا لا يَختَلِفُ فيه اثنان أنَّ نِعَمَ الله تُحيطُ بنا من كلِّ جانبٍ، وتُسبَغُ علينا ظاهِرًا وباطنًا، ونَتقَلَّبُ فيها صباحَ مساءٍ، وليلَ نهارٍ، لا تَنقَطِعُ عنَّا طَرفَةَ عينٍ، ولا نُحرَم منها أدنى شيءٍ.

ومن أعظمِ نِعَمِ الله على بني آدم أنْ جَعلَ لهم بُيوتًا ثابتةً لإقامتهم في الحضَرِ، وبيوتًا متَنَقِّلةً لأسفارِهم في البَرَارِي والصَّحارِي، يَسكُنُون فيها ويَستَرِيحون، ويَستَدفِئُون بها من القَرِّ، ويَستَظِلُّون بها من الحَرِّ، ويستترون بها عن الأنظارِ، ويَحتَمون بها من الأخطارِ، ويَحرِزُون فيها أموالَهم، ويحفظون فيها أَمتِعَتَهم ومُؤَنَهم، ويُرَبُّون فيها أولادَهم، ويُكرِمُون فيها ضِيفَانَهم، وغير ذلك من المصالح والمنافع.

وقد امتنَّ اللهُ على عبادِه بهذه النِّعمةِ في سورةٍ عظيمةٍ من القرآن، وهي سورةُ النَّحل، ويُسمِّيها بعضُ العلماءِ سورة النِّعَم؛ لِمَا فيها من ذكرِ نِعَمِ الله الظَّاهرةِ والباطنةِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَالله جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِين(النحل:80).

فذَكَر أوَّلاً بيوتَ التَّمدُّن؛ لأنَّها الأصلُ، وهي للإقامةِ الطَّويلةِ، وجعلَها سَكنًا بمعنى السُّكون، أي أنَّ الخَلقَ يَستَرِيحون فيها من التَّعَبِ والحركةِ، ويَنعَزِلون فيها عمَّا يُقلِقُهم ويُرهِقُهم، فتكون قرارًا لهم يَنعَمُون فيها بالهدوءِ والرَّاحةِ.

ثمَّ ذَكرَ تعالى البيوتَ القابِلةَ للانتقال والارتحال تنبيهًا على حال أَكثَرِ العربِ، فقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ يعني: وجعل لكم بيوتًا خفيفةَ المَحمَلِ من الخِيامِ والبيوتِ المصنوعةِ من جلودِ الأنعامِ يَسهُل عليكم نَقضُها من مواضِعها وطيُّها وحملُها على الرَّواحلِ، وحين تُنِيخون إناخةَ الإقامةِ في الموضع المُنتَقَلِ إليه.

فنعمةُ السَّكنِ في البيوتِ هي من عظيم نِعَمِ الله على بني الإنسان، لا سيَّما هذه البيوت الحديثة، وبعضها مُزوَّد بكلِّ وسائلِ الرَّاحة من الإنارةِ والتَّكيِيفِ الصَّيفي والشَّتوي، والمياه المُتدفِّقة العذبة، الحارَّةِ والباردةِ، وهو ممَّا يَستَوجِب الشُّكرَ لله، والقيام بطاعته أحسن قيام، ومنْ تأمَّلَ حال من لا يجد مَسكنًا يَستكِنُّ فيه ويُؤوِيه، ويَقِيه من أذى الغوائل اعْتَبَرَ بحال من أدركه حتفه في حوالِك اللَّيالي المُظلِمات في الأرصفة والشَّوارع والبيوت الخاليات، ومن الدَّعوات المباركات الَّتي كان يحافظ عليها الرَّسولُ ﷺ عندما يأوي إلى فراشه لينام قوله ﷺ: «الحَمْدُ لله الَّذِي أَطْعَمَنَا وسَقَانَا وكَفَانَا وآوَانَا، فَكَمْ مَنْ لاَ كَافِيَ لَهُ ولا مُؤْوِي»(1).

وكلَّما كان المسكنُ أوسع وأرحب، وَمَرافقُه أكثر وأوفر، من غير إسراف ولا تبذير، كان ذلك دليلاً على سعادة المرء دينًا ودنيا، مُعينًا له على طاعةِ مولاه وشكر نعمه وآلائه، قال رسولُ الله ﷺ: «مِنْ سَعَادَةِ المَرْءِ المُسلِمِ المَسْكَنُ الوَاسِعُ، والجَارُ الصَّالِحُ، والمَرْكَبُ الهَنِيءُ»(2).

وقال أيضًا: «ثَلاَثٌ مِنَ السَّعَادَةِ وثَلاَثٌ مِنَ الشَّقَاوةِ؛ فَمِنَ السَّعَادَةِ المَرْأَةُ تَرَاهَا تُعْجِبُكَ، وتَغِيبُ عنها فَتَأْمَنُها عَلَى نَفْسِهَا ومَالِكَ، والدَّابَةُ تَكُونُ وَطِيَّةً فَتُلحِقَكَ بأَصْحَابِكَ، والدَّارُ تَكُونُ وَاسِعَةً كَثِيرَةَ المَرَافِقِ؛ ومِنَ الشَّقَاءِ المَرْأَةُ تَرَاهَا فَتَسُوؤُكَ، وتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْكَ، وإنْ غِبْتَ عنها لم تَأْمَنْها على نَفسِها ومَالِكَ، والدَّابَّةُ تكون قطوفًا، فإنْ ضَرَبْتَها أَتْعَبَتْكَ، وإنْ تَرَكْتَهَا لَمْ تُلْحِقْكَ بأَصْحَابِكَ، والدَّارُ ضَيِّقَةٌ قَلِيلَةُ المَرَافِقِ»(3).

هذا؛ وإنَّ من الأمور المعابة الَّتي ابتُلِيَ بها كثيرٌ من النَّاسِ في هذا الزَّمانِ كثرَة شَغَفِهم وتَعلُّقِهم بالبُنيَانِ، وتَسخِيرَ أَوقاتِهم وتَبذِيرَ أموالِهم في بناء القصور، وتشييدِ العمائر الَّتي تزيد على حاجتهم وحاجة عيالهم، ووقوعهم في كثير من المناهي والمحظورات؛ كالفخر والمباهاة والتَّبذير والإسراف وتضييع الأعمار فيما لم يُخلَقْ له الإنسان.

وقد بيَّنَ النَّبيُّ ﷺ بأنَّ التَّطاوُلَ في البنيان من أمارات السَّاعةِ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ... وحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ في البُنْيَانِ»(4)؛ وأنَّ أَهلَه المُتَعلِّقِين به الخَائِضِين فيه ليسوا من خِيارِ النَّاسِ وعليائهم، بل هم من الأعراب الجُفاةِ، رِعاءِ الشَّاةِ، أسافل النَّاس ودهمائهم، قال ﷺ مُخبِرًا عن أشراط السَّاعةِ: «وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَانِ»(5)، وجاء وصفهم في حديث آخر بأنَّهم صمٌّ بكمٌ عُمْيٌ، ويعني ذلك أنَّهم جَهَلةٌ رَعَاعٌ، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في علم، ولا في شيء من أمر دينهم(6).

والمقصود من هذا الحديث كما قال القرطبي: «الإخبار عن تَبدُّل الحال، وتَغيُّرِه، بأن يستولِيَ أهلُ البادية الَّذين هذه صفاتُهم على أهل الحاضرةِ ويتَملَّكوا بالقهر والغلبةِ، فتكثر أموالُهم وتَتَّسع في حُطام الدُّنيا آمالهم، فتنصرف هممهم إلى تشييد المباني وهَدمِ الدِّينِ وشريفِ المعاني، وأنَّ ذلك إذا وُجِدَ كان من أشراطِ السَّاعةِ»(7).

وقد جاءت أحاديثُ عن النَّبيِّ ﷺ فيها التَّرهيبُ من البناء إذا كان فوقَ الحاجة، واتُّخِذَ من أجل المفاخرة والمباهاة؛ كقوله ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْجَرُ في كُلِّ شَيْءٍ إِلاَّ البِنَاءَ»(8)، وقوله ﷺ: «أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلاَّ مَا لاَ، إِلاَّ مَا لاَ»، يعني ما لا بد منه(9).

وأصل الوبال الثِّقَلُ والمكروه، وأُريدَ به في الحديث العذابُ في الآخرة وسوءُ العاقبة، والمراد بالبناء الَّذي هو وَبالٌ على صاحبِه: بناءُ القصور المُشَيَّدةِ والحصونِ المانِعَةِ الَّتي تُتَّخذُ للتَّرفُّه ويرجو أصحابها بها التَّمكُّن في الدُّنيا والتَّشبُّهَ بمن يَتمنَّى الخلودَ في الدُّنيا ويلتهي بذلك عن ذكر الآخرة، وقد ذم الله فاعل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُون(الشعراء:129) قيل: المصانع هي القصور المُشَيَّدةُ، وقوله: «إِلاَّ مَا لاَ...» أي ما لا بدَّ منه للإنسان ممَّا يَستُره من الحرِّ والبرد وتَسلُّطِ السِّباع واللُّصوصِ عليه(10).

والمراد من هذه النُّصوصِ «صرف المسلم عن الاهتمام بالبناء وتشييده فوق حاجته، وإنَّ ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الحاجةَ تختَلِفُ باختلافِ عائلةِ الباني قلَّةً وكثرةً، ومَنْ يكون مِضيافًا ومن ليس كذلك، فهو من هذه الحيثيَّةِ يلتقي تمامًا مع الحديث الصَّحيح: «فِرَاشٌ للرَّجُلِ، وفِرَاشٌ لامْرَأَتِهِ، والثَّالِثُ للضَّيْفِ، والرَّابِعُ للشَّيْطَانِ» رواه مسلم(11).

³ ³³

وليس في هذه النُّصوص ما قد يُتوَهَّمُ من أنَّ البناءَ كلَّه إثمٌ، فقد قال الحافظ ابنُ حجر في «الفتح» (19 /196 ـ 198) بعد أن ساق جملة من أحاديث ذمِّ البناء: «وهذا كلُّه محمولٌ على ما لا تَمسُّ الحاجةُ إليه ممَّا لا بدَّ منه للتَّوطُّن، وما يقي من البرد والحرِّ»، وقال في ردِّ هذا التَّوهُّم: «وليس كذلك؛ بل فيه التَّفصيل: وليس كلُّ ما زاد منه على الحاجة يستلزم الإثم،... وإن كان في بعض البناء ما يحصل به الأجر مثل الَّذي يحصل به النَّفع لغير الباني، فإنَّه يحصل للباني به الثَّواب»، ومن أمثلة ما يحصل به النَّفعُ لغير الباني المُؤَجِّر، فالباني يحصل له الثَّوابُ لا سيَّما إذا راعى دَخلَهُ وخَفَّفَ عنه ثمن الإيجار.

وإذا كان اتِّخاذُ البيوت للسُّكنى ممَّا أباحه الشَّرع لنا وَدَعَتْ حاجة البشر إليه في كلِّ زمان ومكان، فإنَّ بيتَ المسلم الَّذي يَبنِيه أو يَسكُنُه بالإيجارِ يجب أن يكون مُتميِّزًا عن غَيرِه من البيوت؛ بفعل ما شَرعَه اللهُ للمسلمين في بيوتهم من ذكر الله والإكثار من صلواتِ النَّوافِلِ فيها وقراءةِ القرآن، وخُلوِّها من وسائل اللَّهوِ والفساد والتَّصديَةِ كما قال تعالى: ﴿وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾[يونس:87]، قال ابن جرير (15 /171): «واجعلوا بيوتكم مساجد تُصلُّون فيها».

وأوَّل ما ينبغي أن يُبنَى عليه بيتُ المسلمِ هو تقوى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وتوحيده وشكره على ما وَفَّقَ إليه من هذه النِّعمة الَّتي أُعطِيَها وحُرِمَ منها آخرون، فإذا وضع الأساسَ للبناء وشرع في تشييده فلا يفعل ما يقوم به الجهلة من المسلمين، يذبحون ذبحًا، ويُرِيقُون دمَه على الأساس أو على عَتبَةِ الدَّار إرضاءً للجنِّ، أو خوفًا من أذاه؛ فإنَّه من الشِّركِ العظيمِ المُحبِطِ للأعمال المُفسِدِ للأحوال الَّذي نهى عنه الشَّرعُ وقبَّحَ فاعلَه.

وعلى من وُفِّقَ لبناء بيته أن ينتخب له نفقةً حلالاً خاليةً من السُّحتِ والرِّبا والمال الحرام وسؤال النَّاس، فيبني بيتَه على قدر نَفقَتِه ودَخلِه، ولا يدفع بنفسه إلى القرض من البنوك الَّتي تتعامل بالرِّبا كما هو شائع اليوم، فإنَّ ذلك حرامٌ في شَرعِنا، جالِبٌ لسخط الرَّبِّ تعالى، مانِعٌ من حصول البركة على ساكني البيت.

والبيت هو المأوى الَّذي يأوي إليه المسلم ويسعه دون سائر الدُّور والملاجئ كما قال النَّبيُّ ﷺ لعقبة بنِ عامر رضي الله عنه: «وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ»، ثمَّ هو المِحضَن الَّذي يُربِّي فيه أولادَه ويعاشر أهلَه ويكرم أضيافَه، ويخلِّفُه لورثته، فهل يرضى مسلم يخاف الله ويتَّقيه أن يعيش بالحرام ويموت عليه، ويترك نارًا لأولاده من بعده، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ(التحريم:6).

وإنَّ ممَّا يقع فيه بعضُ النَّاس في بناء بيوتهم أكلَ عَرَقِ العاملين فيه، من بَنَّائِين وحِرَفِيِّين وأهلِ المِهَنِ المختلفة، حتَّى إنَّ بَعضَهم قد يَتغافَلُ قصدًا عن وَضعِ الشُّروطِ عند الشُّروع في العمل وترك التَّفاهم مع مَنْ يعمل له ليكون ذريعةً لبَخسِ حقِّه، والنَّبيُّ ﷺ يقول: «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ»(12)، ويقول أيضا فيما يرويه عن ربِّه ـ عزَّ وجلَّ ـ: «ثَلاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، ورَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَه، وَرُجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ ولَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ»(13)، وعلى من رزقه الله مالا أن يتسامح ويتجاوز ويكافئ بالحسنى ولا يبخس النَّاس أشياءهم.

وإنَّ ممَّا يجب أن يتميَّز به بيت المسلم عن غيره من بيوت المخالفين له في دينه أن يكون مستورًا مصونًا عن الأنظار المسمومة، يأمن ساكنه من الاطِّلاع على عوراته، ومن نعم الله على المسلمين أن مَتَّعهم بوجود علماء ومهندسين، تألَّقُوا فيما يُسمَّى اليوم بالفنِّ المعماري المُطابِقِ لتعاليم الإسلامِ، المحافظِ على قِيَمِ وعاداتِ المسلمين من خُلُقٍ وحياءٍ وحِشمَةٍ وغيرةٍ.

وأكبرُ دليل على ذلك ما تركه المسلمون من المباني الفريدة من نوعها في بلاد الأندلس، وما خلَّفه الأتراكُ في بلاد المسلمين، وذلك النَّمطُ من البناءِ كان معروفًا عندنا إلى أمدٍ ليس ببعيدٍ، فكان ما يُعرَفُ عند أهل العاصمة والمدن العامرة بـ«وسط الدَّار» حيث تمارس المرأة أشغالها في مأمن وستر، ولكن لمَّا غزا الكفَّارُ ديارَ أهل الإسلام صَرَفُوهم عن الاهتمام بمثل هذه الهندسة وحملوهم على تقليدهم والتَّشبُّه بهم في بناء الدُّور في نَمطِها وشَكلِها كما قال ابنُ خلدون في «مُقدِّمته» (1 /184): «كما هو في الأندلس لهذا العهد مع أُممِ الجلالقة؛ فإنَّك تجدهم يَتشَبَّهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثيرِ من عَوائِدِهم وأَحوالِهم، حتَّى في رَسمِ التَّماثيلِ في الجدران والمصانع والبيوت حتَّى لقد يَستَشعِرُ من ذلك النَّاظرُ بعين الحكمة أنَّه من علامات الاستيلاء، والأمرُ لله».

ولذلك ترى مُعظَمَ من يُهيِّءُ مَسكَنًا اليومَ من المسلمين لا يحترم فيه قواعدَ البناء وتصميماتِه عند أمَّةِ الإسلام، ولا ينجز فيه المرافق الَّتي تُميِّزُه عن غَيرِه من بيوت الكفَّار والَّتي تُعِينُه على طاعةِ الله؛ كتَهيِئَةِ طابِقٍ أو جهةٍ من المسكن للضُّيوفِ، فيه جميعُ المَرَافِقِ المُحتاجِ إليها، وهذا ليس موجودًا إلاَّ عند المسلمين؛ لأنَّ إكرامَ الضَّيفِ من خلال الإسلام وآدابه.

وإنَّ ما تَتميَّزُ به بيوتُ المسلمين تَخصيصُ مكان لإقامة الصَّلاة فيه، والعجب أنَّك تدخل دارًا واسعةَ الأرجاء كثيرةَ المرافِقِ، فإذا حان وقتُ الصَّلاةِ لا تكاد تجدُ مكانًا تقيم فيه الصَّلاةَ، وإذا دخلت جهةً من جهاته أو ولجت غرفةً وجدتَّ فيها شاشاتٍِ تَعرِضُ صورًا وأصواتًا، وقد جاء في السُّنَّة أن يَتَّخِذَ المرءُ في بيته مسجدًا، وترجم أبو داود في «سننه»: باب اتِّخاذ المساجد في الدُّور، وساق بسنده إلى عائشة أنَّها قالت: «أمر رسولُ الله ﷺ ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ»(14) وقد كان الصَّحابةُ يَطلُبون من النَّبيِّ ﷺ أن يُصلِّيَ لهم في بيوتهم حتَّى يَتَّخِذُوا ذلك المكان مسجدًا؛ لما في إقامة الصَّلاةِ في البيوت من حلول السَّكينةِ والطُّمَأنِينَةِ في أرجائِه، وحصولِ الخَيرَاتِ والبَركَاتِ لساكِنِيه.

وممَّا يجب أيضًا أن يُصَانَ عنه بيتُ المسلم: الصُّورُ والتَّماثيل والكلاب؛ لما ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لاَ تَدخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ»(15)، وفي رواية لمسلم: «وَلاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا تَمَاثِيلُ».

ففي الحديث دليل على تحريم تعليق الصُّوَر الَّتي فيها روح على جدران الغرف والمجالس والمكاتب، وفيه دليلٌ على عقوبة من يَفعَلُ ذلك بحرمانه من دخول الملائكة بيتَه، وحينئذٍ يَخسرُ خسرانًا مبينًا، وقد ابتلي بعضُ النَّاسِ اليوم بهاتين الظَّاهرتَيْن السَّيِّئَتَيْن، فتراهم يَنصِبُون تماثيلَ كبيرةً أو صغيرةً للآدميِّين أو للحيوانات أو للطُّيور، ويجعلونها على طاولات المجالس ونحوها للتَّزيين، ومنهم من يضع تمثال أسديْن عند مدخل المنزل أو تمثال نسر، وكلُّ هذا من مظاهر الوثنِيَّةِ وفعل الجاهليَّة، الصَّادرِ عن ضعفاء الحصانة العقديَّةِ والسُّلوكيَّةِ في تَلقُّفِ كلِّ وافد.

وظاهرة أخرى وهي اقتناء بعضهم الكلاب في بيوتهم وتباهيهم بها وصحبتهم لها في الشَّوارع والسَّيَّارات، وقد قال ﷺ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ أو مَاشِيَةٍ فَإِنَّهُ يَنقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ»(16).

فاتِّخاذ الكلاب في البيوت لغير الحاجة المرخَّصِ فيها شرعًا فيه محاذير عدَّةً:

أوَّلاً: أنَّه يمنع دخول الملائكة البيت، وفي هذا أعظم الحرمان.

ثانيًا: ينقص من أجره كلَّ يوم قيراطان، وهذا نقص عظيم ومستمرٌّ، والمسلم لا يُفرِّط في الأجر ولو كان قليلاً.

ثالثًا: في ذلك تشبُّه بالكفَّار الَّذين يعتنون بالكلاب ويَهتَمُّون بتَربِيَتِها، والتَّشبُّه بهم حرامٌ كما هو معلوم من النُّصوص والقواعد الشَّرعيَّة.

رابعًا: ما يحصل فيها من الضَّرَر والإيذاء؛ كأذيَّةِ الجيران والمارَّةِ، ولِمَا تُصدِرُه من النُّبَاح، ولما فيها من النَّجاسة والأضرار الصِّحِّيَّةِ في لُعابِها وملامستها.

والَّذي يتوجب على المسلمين أن يَعتنوا ببيوتهم وبمن فيها وأن يراعوا لها حرمتها، حتَّى تصير بيوتا إسلاميَّةً نظيفةً، حيَّةً بذكر الله وعبادته، مليئةً باليمن والبركات، بعيدةً عن كلِّ ما يتنافى مع آداب الإسلام وأحكامه، ويجر إلى الآثام والانسلاخ من ربقة الدِّين.

حفظ الله بيوت المسلمين وملأها عليهم بالخير والبركات وصانها عن كل سوء ومكروهات، وصلى الله وبارك على محمد وآله وصحبه وسلم.

 



(1)  مسلم (2715).

(2) أحمد (15372)، والبخاري في «الأدب المفرد» (116) وانظر «الصحيحة» (282).

(3) الحاكم (2/ 162)، وانظر «الصحيحة» (1803).

(4) البخاري (7121).

(5) مسلم (8).

(6) «المفهم» (1/ 149).

(7) «المفهم» (1/ 149).

(8) البخاري في «الأدب المفرد» (447) موقوفا على خباب رضي الله عنه, وصححه الألباني مرفوعا في «الصَّحيحة» (2831).

(9) أبو داود (5237) وهو في «الصَّحيحة» (2830).

(10) «شرح سنن أبي داود» لابن رسلان (19/ 603 وما بعدها) بتصرف.

(11)  «السلسلة الصحيحة» (6/ 802).

(12)  ابن ماجه (2443) وهو صحيح، انظر «الإرواء» (1498).

(13)  البخاري (2270).

(14)  أبو داود (455)، وإن كان الأشهر في معنى الحديث أنَّ المراد به القبائل والأحياء.

(15)  البخاري (3225)، ومسلم (2106).

(16)  أحمد (4549) وأصله في «الصحيحين».