طباعة

متَى تقَع الفتنَة!

  • ذو الحجة 1434 - أكتوبر 2013
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 6762 مرة

 

إنَّ اجتنابَ الفتَن والابتعاد عنها غايةُ كلِّ موفَّقٍ ناصح لنفسِه، فـ«إنَّ السَّعيد لمن جُنِّب الفتَن» ـ كما قال صلى الله عليه وسلم مردِّدًا ثلاث مرَّاتٍ ـ [رواه أبوداود (4263)]، وهذا ما يدعو العاقل إلى البحثَ عن سبَب وقوع الفتنَة لينأَى عنه، ويحتمي من التَّلبُّس به؛ ولشيخ الإسلام رحمه الله كلمةٌ مضيئةٌ يحسُنُ إيرادها كإجابة شافيةٍ جامعةٍ عن هذَا السُّؤال حيثُ يقول في كتَاب «الاستقامة» (1/39): «ولا تقَعُ فتْنَةٌ إلاَّ مِن تَرْك ما أمَر اللهُ به؛ فإنَّه ـ سُبحانَهُ ـ أمَر بالحقِّ وأمَر بالصَّبرِ؛ فالفتنَةُ: إِمَّا من تركِ الحقِّ، وإمَّا مِن تركِ الصَّبر».

وإنَّ النَّاظر فيمَا يجري اليوم في بعض البلاد مِن اختلال واضطراب، يدركُ بأدنَى تأمُّل أنَّ كثيرًا منَ هؤلاء المتنازعين أو المنازعين مقصِّرٌ في معرفَة الحقِّ الَّذي أمَرَ اللهُ تعالى به، أو تاركٌ للصَّبر في موطِن لا يحسُنُ فيه إلاَّ الصَّبر.

ومنَ المقطوع به أنَّ ما يحرِّك هذه الفتَن هُو الظُّلم الواقعُ، والقاعدةُ الشَّرعيَّة أنَّ الظُّلم مأذونٌ بدفعِه ورفعه؛ ولكن بشَرط القُدرة على ذَلِك؛ وأَلاَّ يُفضي إلى عُدوان وشرٍّ زائد.

فالمظلومُ ـ وإن كانَ محقًّا ـ ليسَ له أن يدفَع الظُّلم عن نفسِه بكلِّ ممكن، بخاصَّة إذا كان في دفعِه إثارةٌ للفتْنَة بَينَ الأمَّة ولشَرٍّ أعظمَ من ظلمِه الَّذي حلَّ به؛ بل يؤمَر بلزوم الصَّبْر، ويكونُ ذلكَ في حَقِّه محنةً واختبارًا.

وإنَّ إهمال هذَيْن الشَّرطين دليلٌ واضحٌ على قلَّة العلمِ وضعف الرَّأي، وشدَّة الجزَع وضَعْف الصَّبر؛ وبسبَب هذا الإهمال يُجرُّ النَّاس إلى فتن عظيمة وعواقبَ وخيمَة، فتُزهق الأنفُس وتُهدر الدِّماء، وتُنتَهك الأعراض، وتُسلبُ الأموال والممتَلكَات، ويعتدَى فيها على الأبرياء، وتحلُّ الفوضَى بدل النِّظام، والخَوف بدَل الأمن، والتَّنابذ بدَل التَّآخي، ويجري من الأمور ما لا يخطر على بال ولا في خيال، وإنَّه لو كانت الحكمةُ غالبةً على العُقول لوُضعت الأشياء في مواضعِها، ونُزِّل كلُّ أحدٍ منزلتَه اللاَّئقة به لا ينزلُ عنها ولا يتَعدَّاها، وعرفَ كلُّ واحدٍ وظيفتَه وحدودَه المناسبَة له، وهذا هو الأمر الرَّشَد الَّذي فقَدته هذه الجمُوع المتظاهرة، وهذه الحشود المعتَصمة، وهذه الأحزاب المضطَربة؛ فلو أُسلمَت القيادةُ للعُلماء الرَّبَّانيِّين الرَّاسخين في العلم على طريقَة السَّلف، ـ لا أنصافَ العُلماء وأشباهَ الفُقَهاء ـ لكان للنَّاس شأنٌ آخَر ومسلكٌ مُغاير، ولاستنارت الطَّريقُ ووضَح السَّبيل والمخرَج؛ ذلك لأنَّ هؤلاء العُلماء لا تستفزُّ أعصابَهم الظُّروف والأحدَاث، ولا يحرِّكهم الشَّبابُ الصِّغار الأحدَاث، ولا تخدعُهم كثرة الجُموع والاحتشاد، ولا يستَثيرهُم الإعلام العلمَاني الحاقد بما ينشره من كذب وأضاليل وإفساد، ولا يبنون مواقفَهم على ردَّة فعل أو استجابة لانفعال، بل لا يصدُرون في أحكامِهم إلاَّ عن علم ورويَّةٍ، وهم ثابتون متثبِّتون، لا يصرفُهم عن وظيفتهم النَّبيلة صارفٌ ولا طارئ، وهي تعليم النَّاس وتوجيههم وإرشادهم، وحملهم على العَمل بدينهم الصَّحيح، بعيدًا عن الحزبيَّات الضَّيِّقة والعصبيَّات المَقيتَة؛ قال الشَّيخ الإبراهيمي رحمه الله: فإذَا وجدَت الأمَّة هذه القيادَة الَّتي لا يسفهُ في يدها زمامٌ، ولا تضطَرب مَقادَةٌ، وجَدَت نفسَها، ومَن وجَدَ نفسَه وجَدَ الحقيقَةَ» [«الآثار» (3/56)].

وأوَّل مَن يُدرك الحقَّ والحقيقةَ على وجهها، هو العالمُ المستَضيء بنُور الوحي؛ لأنَّه لا يميِّز بينَ الخَير والشَّرِّ فحَسب؛ بل يميِّز بين الخَيريْن فيقدِّم أخيَرَهُما، وبينَ الشَّرَّين فيُؤثِر أخفَّهما؛ ولا يبني أمرَه إلاَّ على العلم الصَّحيح والنَّظر السَّديد، يقرأُ للأمور عواقبَها، وللأفعال مآلاتها، فيدرَأ الفتنةَ قبلَ وقوعِها، ولا يتَحرَّك انتقامًا لطائفةٍ أو حزب، ولا طلبًا لمنصب أو رئاسةٍ، ولا حرصًا على محمَدةٍ، وإنَّما همُّه صنيعةُ المعرُوف والنُّصح لأمَّتِه، ودفع المفسدة ورفع الحرَج عنها ما استَطاع إلى ذلك سَبيلا.

وقد حفظ التَّاريخُ جميلَ صنيعِ الحسَن بن عليٍّ رضي الله عنهما حين خلعَ نفسَه عن الخلافة ـ وهُو لها أهلٌ وبها أولى ـ، وصالَحَ معاويةَ رضي الله عنه عامَ الجماعَة، واجتَمع النَّاسُ على إمام واحد بعد فُرقة، فكانَ سيِّدًا بحقٍّ كما وصفَه جدُّه صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ» [رواه البخاري (2704)].

أمَّا من قلَّ علمُه وفقهُه مِن العامَّة من أصحابه رضي الله عنه فكانوا يقُولون: يا عارَ المُؤمنين؛ فيقُولُ لهم: «العَارُ خيرٌ منَ النَّار» يعني بذلك عار الدُّنيا خيرٌ مِن نار جهنَّم؛ وقال له آخرونَ: يا مُذلَّ المؤمنين؛ فقال: إنِّي لم أُذلَّهُم، ولكنِّي كرهتُ أن أقتُلَهم في طَلب المُلك».

هذا هُو عقلُ العالم المتمسِّك بالوحيَيْن الَّذي يُحكِمُ فقهَ المصالح إذا تعارضَت، والمفاسد إذا تدافَعت، فيدفعُ المفسدةَ الكبرى بالصُّغرى، وقَد يحكُمُ عليه الأغمَار الَّذين لم يشمُّوا رائحةَ الفقه والنَّظر بأنَّه تَخاذُلٌ أو تقاعُسٌ، فلا يلتفتُ إلى مَن أسلمَ عقلَه لعاطفته وهواه؛ ولم يجعل الشَّريعة لجامًا لكلِّ تصرُّفاتِه.

ولا ريبَ أنَّ العالمَ الملمَّ بسِيرة سيِّد المُرسلين صلى الله عليه وسلم إذا قلَّبَ فيها النَّظر، وجَد نماذجَ مِن هذا الفقه العَظيم وهُو فقهُ التَّعامل مع المُناوئين وتقدير الأمُور حقَّ قَدرها بعيدًا عن العَواطف الجيَّاشة والحمَاسَات الفَارغة، وسيَقفُ على مواقِف كثيرة لكنَّ أجلبَها للنَّظر وأعظمَها أثرًا حادثةُ صُلح الحُديبيَّة، فهو نموذجٌ راقٍ في تحقيق مصَالح عُظمى وإن صاحَبَ ذلكَ شيءٌ ممَّا لم يظهر للرَّائي من أوَّل وهلةٍ، وخفيَ عليه ما فيه مِن العاقبة الحسَنة، والنِّهاية الحميدَة، والثِّمار اليانعَة.

فلا أسلمَ منَ التَّعلُّق بالعلم وأهله لمعرفَة الحقِّ والوصُول إليه، ثمَّ حملُ النَّفس على الصَّبر على العَمل بهذا الحقِّ، ليُجانب العبدُ مخالفَةَ أمر الوحي، فيكون ناجيًا من الفتنة؛ قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾[النور:63].

جنَّبنا اللهُ الفتنَ ودُعاتها، وأصنافَ الشُّرور كلِّها.

 

 

من مقالات الكاتب