أنت هنا:الكلمة الشهرية»حقيقة الصيام

حقيقة الصيام

  • رمضان 1438 ـ ماي 2017
  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 2964 مرة

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:

فإنَّ اللهَ جَلَّ في عُلاهُ خَلَقَ الخَلقَ لِيُفرِدُوهُ بِالعِبادَةِ والطَّاعَةِ، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون[الذاريات:56]، وأَنوَاعُ العِباداتِ المَأمُور بِها العَبدُ كَثيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، عِباداتٌ قَلبِيَّةٌ وعِباداتٌ بَدَنِيَّةٌ وعِباداتٌ مَاِليَّةٌ، كُلُّ ذلك ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً[المُلك:2]، ﴿لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ[البقرة:143]، ﴿لِيَعْلَمَ الله مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ[المائدة:94]، فَيُثِيبُ الطَائِعَ ويُعَاقِبُ العَاصِي.

ومِن تِلكُمُ العِباداتِ الَّتي تَتَجَدَّدُ مَرَّةً في كُلِّ سَنَةٍ صِيَامُ شَهرِ رَمَضَانَ المُبارَك، فَرَضَ اللهُ صِيامَهُ عَلى عِبادِهِ وجَعَلَهُ رُكنًا مِن أَركانِ دِينِهِ، وَرتَّبَ عَلى مَن صَامَهُ الجَزَاءَ والثَّوابَ، ومَيَّزَهُ عَلى سَائِرِ الشُّهُورِ بِمِيزَاتٍ كَثيرَةٍ، فِيه أُنزِلَ خَيرُ الكَلامِ كَلاَمُ اللهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ[البقرة:185]، فِيهِ لَيلَةٌ خَيرٌ مِن أَلفِ شَهرٍ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر[القدْر:1-3].

وقال ﷺ: «أَتَاكُم رَمَضَانُ، شَهرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللهُ عَلَيكُم صِيَامَهُ، تُفتحُ فِيهِ أَبوَابُ السَّماءِ، وَتُغلقُ فِيهِ أَبوَابُ جَهَنَّمَ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، للهِ فِيهِ لَيلَة خَير مِن أَلفِ شَهرٍ، مَن حُرِمَ خَيرهَا فَقَد حُرِمَ»(1)، إلى غَيرِ ذلك مِن المِيزَاتِ الكَثيَرةِ الَّتي اختَصَّ بِها هذا الشَّهرُ دُونَ سائِرِ الشُّهُورِ.

وأمَّا حِكَمُ هَذِهِ العِبادَةِ فَأَكثَرُ مِن أن تُحصَرَ، وأَعظَمُ تِلكَ الحِكَمِ ما جاء في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون[البقرة:183]، فَأَعظَمُ حِكمَةٍ مِن حِكَمِ تَشرِيعِ الصَّومِ تَحقِيقُ تَقوَى اللهِ تَعالى.

فَلَم يَشرَع اللهُ الصَّومَ لِعِبادِهِ لِمُجَرَّدِ الجُوعِ والعَطَشِ، وإنَّما شُرِعَ لِغَايَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون.

وقَد جاء عَن المُصطَفَى ﷺ ما يُؤَكِّدُ هَذا المَعنَى ويُوَضِّحُهُ ويُجَلِّيهِ، فَعَن أبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه عَن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن لَم يَدَع قَولَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيسَ للهِ حَاجَة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»(2)، وعَنهُ رضي الله عنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِن صِيَامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِن قِيَامِهِ السَّهَرُ»(3).

قال شَيخُ الإسلامِ رحمه الله: «بيَّنَ ﷺ أنَّ اللهَ تَعالى لَم يُحَرِّم عَلى الصَّائِمِ الأَكلَ لِحاجَتِهِ إلى تَركِ الطَّعامِ والشَّرابِ، كَما يُحَرِّمُ السَّيِّدُ عَلى عَبِيدِهِ بَعضَ مالِهِ، بل المَقصُود مَحَبَّة الله تعالى، وهُو حُصولُ التَّقوَى، فَإذا لَم يَأتِ بِهِ فَقَد أَتَى بِمَا ليسَ فِيهِ مَحَبَّةٌ ورِضا، فَلا يُثابُ عَليَهِ، ولكن لا يُعاقَبُ عقوبة التَّارِك»(4).

وذلك أنَّ مُقتَرِفَ الكَبائِر مِن الكَذِبِ والزُّورِ والظُّلمِ والفُجُورِ وشُربِ الخُمُورِ في لَيالي رَمَضَانَ وعُقوقِ الوالِدَينِ وعِصيَانِ الزَّوجِ والغِيبَةِ والنَّمِيمَةِ وغَيرِ ذلك مِن الأَوزارِ والآفَّاتِ لَم يَفقَه حَقِيقَةَ الصِّيَامِ.

قالَ ابنُ القَيِّمِ: «والصَّائِمُ هو الَّذي صامَت جَوارِحَهُ عَنِ الآثامِ، ولِسانُهُ عَنِ الكَذِبِ والفُحشِ وقَولِ الزُّورِ، وبَطنُهُ عَن الطَّعَامِ والشَّرابِ، وفَرجُهُ عَنِ الرَّفَثِ؛ فإن تَكَلَّمَ لَم يَتَكَلَّم بِمَا يَجرَحُ صَومَهُ، وإن فَعَلَ لَم يَفعَل مَا يُفسِدُ صَومَهُ، فَيَخرُجُ كلامُهُ كُلُّهُ نافِعًا صالِحًا، وكذلِك أعمالُهُ، فَهي بِمَنزِلَةِ الرَّائِحَةِ الَّتي يَشُمُّها مَن جالَسَ حامِل المِسكِ، كَذَلك مَن جالَسَ الصَّائِمَ انتَفَعَ بِمُجَالَسَتِهِ، وأَمِنَ فيها مِن الزُّورِ والكَذِبِ والفُجُورِ والظُّلمِ، هذا هُو الصَّومُ المَشرُوعُ لا مُجَرَّدَ الإمسَاكِ عَن الطَّعامِ والشَّرابِ...فَالصَّومُ هوصَومُ الجَوَارِحِ عَنِ الآثامِ، وصَومُ البَطنِ عَنِ الشَّرابِ والطَّعامِ؛ فَكَمَا أنَّ الطَّعامَ والشَّرابَ يَقطَعُهُ ويُفسِدُهُ، فَهَكَذَا الآثامُ تَقطَعُ ثَوابَهُ، وتُفسِدُ ثَمرَتَهُ، فَتُصَيِّرُهُ بِمَنزِلَةِ مَن لَم يَصُم»(5).

وهذه الحَقِيقَةُ فَقِهَها سَلَفُ هذه الأَمَّةِ مِن الصَّحابَةِ والتَّابِعينَ والأَئِمَّةِ المَرضِيِّينَ فَصانُوا صِيامَهُم ونَهَارَهُم ولَيلَهُم مِن اللَّهوِ والرَّفَثِ والفُسوقِ.

فَعَن جَابِر بن عَبدِ اللهِ الأَنصَارِيِّ قالَ: «إذَا صُمتَ فَليَصُم سَمعُكَ وبَصَرُكَ ولِسانُكَ عَن الكَذِبِ والمَأثَمِ، ودَع أَذَى الخادِمِ، وليَكُن عَلَيكَ وَقارٌ وسَكِينَةٌ يَومَ صَومِكَ، ولا تَجعَل يَومَ فِطرِكَ وَيَومَ صَومِكَ سَوَاءً»(6).

وعَن أبي المُتَوَكِّلِ: «أنَّ أبا هُرَيرَةَ وأَصحَابَهُ كانوا إذا صامُوا جَلَسُوا في المَسَاجِدِ، وقالوا: نُطَهِّرُ صِيَامَنا»(7).

وعَن حَفصَةَ بِنتِ سِيرِين ـ رَحِمَها اللهُ ـ قالت: «الصِّيَامُ جُنَّة ما لَم يَخرِقها صاحِبُها، وخَرقُها الغِيبَة»(8).

وعَن أبي العالِيَة رحمه الله قال: «الصَّائِمُ في عِبادَةٍ ما لَم يَغتَب أحَدًا، وإن كانَ نائمًا عَلى فِراشِه»(9).

فَكَثيرٌ مِن الصَّائِمينَ يَظُنُّونَ أنَّ الصِّيَامَ هو الجُوعُ والعَطَشُ، فَتَرَاُه يَسرَح في الموبقات والمُحَرَّماتِ، خاصَّةً آفَاتِ اللِّسانِ مِن الغيبَةِ والنَّمِيمَةِ والكَذِبِ وقَولِ الزُّورِ، ثمَّ يَدَّعِي أنَّهُ صَائِمٌ صَومًا كامِلًا لا نقصَ فِيهِ، بل قَد يُرجِعُ تِلك المُحَرَّماتِ كالظُّلمِ والغَضَبِ إلى الصَّومِ فَيَقُول: «غَلَبَنِي الصِّيامُ» وبِئسَ ما قالَ! بل غَلَبَهُ الهَوَى والشَّيطَانُ، والنَّفسُ الأمَّارَةُ بِالسُّوءِ، وأمَّا الصِّيامُ فُهُو خَيرٌ كُلُّهُ.

فَعَن أبي أُمَامَةَ: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ دُلَّنِي عَلى عَمَلٍ أَدخُلُ بِهِ الجَنَّةَ؟ قالَ: «عَليكَ بِالصَّومِ؛ فإنَّهُ لَا مِثلَ لَهُ»(10).

إذا لَم يَكُن في السَّمعٍ مِنِّي تَصاوُنٌ
فَحَظِّي إذَن مِن صَومِي الجُوعُ والظمَا

وفي بَصَرِي غَضٌّ وفي مَنطِقِي صَمتُ
فَإن قُلتُ إنِّي صُمتُ يَومِي فَما صُمتُ(11)

فَمَن لَم يَصُن جَوارِحَهُ مِنَ السَّمعِ والبَصَرِ واللِّسانِ عَن الآثامِ نَقُصَ مِن صَومِهِ بِقَدرِ ما اقتَرَفَ، وكان حَظُّهُ مِن صِيَامِهِ الجُوعُ وَالعَطَشُ.

فإذا عَرَفَ العَبدُ أنَّ صِيامَ شَهرِ رمَضانَ عِبادَةٌ مِن العباداتِ لا عادَةٌ مِن العاداتِ، وحِكمَتُهُ العُظمَى وحَقِيقَتُهُ العُليا حُصولُ التَّقوَى والقُربُ مِن اللهِ العَلِيِّ الأَعلى، فَأَوَّلُ طَرِيقٍ يَسلُكُهُ الصّائِمُ لتَحقِيقِ هذهِ الغايَةَ هو إخلاصُ العَمَلِ لله تَعالى، وأن يَجعَلَ صَومَهُ ابتِغاءَ الأَجرِ مِن اللهِ، قالَ تَعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّين * أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ[الزُّمَر:2-3].

وقالَ تَعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء[البيِّنة:5].

وقالَ ﷺ: «مَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَنصَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»(12).

«إيمانًا» أي: بِاللهِ مُخلِصًا لهُ العِبادَةَ، لا يَجعَل شَيئًا مِنها لِغَيرِ اللهِ، فَلا يَصومُ خَوفًا مِن الوالِدَينِ مَثلًا، أو لِيُظهِرَ لِلنَّاسِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الصَّومِ وهُو في باطِنِ أمرِهِ مُبغِضٌ لِمَجِيءِ الشَّهرِ، فعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:أَنَا أَغنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أَشرَكَ فِيهِ مَعِي غَيرِي، تَرَكتُهُ وَشِركَهُ»(13).

وعِبادَةُ الإخلاصِ في الصَّيامِ أَظهَرُ مِنها في العباداتِ الأُخرَى، وذلك أنَّ الصِّيامَ سِرٌّ بَينَ العَبدِ ورَبِّهِ لا يَطَّلِعُ عَلى ذلك غَيرُهُ، وحَقِيقَتُهُ تَركُ حُظوظِ النَّفسِ وشَهَواتِها المَجبُولَة عليها للهِ عَزَّ وجَلَّ اتِّباعًا لأَمرِهِ وابتِغاءَ أَجرِهِ، فإذا صَامَ العَبدُ اشتَدَّ تَوَقَانُ النَّفسِ إلى ما تَشتَهِيهِ مِن المَآكِلِ والمَشارِبِ وغَيرِ ذلك ِممَّا أَحَلَّهُ اللهُ في غَيرِ أيَّامِ رَمَضانَ وهُو قادِرٌ عَلى ذلك، في مَوضِعٍ لا يَطَّلِعُ عَليهِ إلَّا اللهُ سُبحانَه، ثمَّ يَترُكهُ للهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكونُ هذا دَليلًا عَلى صِحَّة الإيمانِ وإخلاصِهِ وصِدقِهِ مَع الله، فإنَّ الصَّائِمَ يَعلَمُ أنَّ لهُ رَبًّا يَطَّلِعُ عليهِ في خَلَواتِهِ، فَأَطاعَهُ وامتَثَلَ أَمرَهُ واجتَنَبَ نَهيَهُ، خَوفًا مِن عِقابِهِ ورَغبَةً في ثَوابِهِ، فَشَكَرَ اللهُ لهُ ذلكَ، واختَصَّ لِنَفِسِهِ عَمَلَهُ هَذا مِن بَينِ سائِرِ أعمالِهِ.

فعَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَن رَسُولِ الله ﷺ، قَالَ: «مَا مِن حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابنُ آدَمَ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبعِ مِائَةِ ضِعفٍ، قَالَ الله عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجزِي بِهِ؛ يَدَعُ شَهوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجلِي»(14).

فَلمَّا صارَ الصِّيامُ دَليلَ إخلاصِ العَبدِ، وعُنوانًا عَلى البُعدِ عَنِ الرِّياءِ، وهُو مَعقدُ السِّرِّ بَينَ العَبدِ ورَبِّهِ في الدُّنيا، أَظهَرَهُ اللهُ في الآخِرَةِ عَلانيَّةً لِلخَلقِ، لِيِشتهِرَ بِذلكَ أَهلُ الصِّيامِ، ويُعرَفُونَ بِطِيبِ رِيحِهِم بَينَ النَّاسِ، جَزاءً لإخفاءِ صِيامِهِم في الدُّنيا.

قالَ ﷺ: «وَالَّذِي نَفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطيَبُ عِندَ اللهِ يَومَ القِيَامَةِ مِن رِيحِ المِسكِ»(15)، بل أَثابَ اللهُ الصَّائِمِينَ أن مَيَّزَهُم بِدُخُولِ الجَنَّةِ مِن بابٍ خَصَّهُم بِهِ دُونَ غَيرِهِم، وأَشهَرَ ذَلك بَينَ المَلأِ فَناداهُم مِن بَينِ سائِرِ النَّاسِ، فعَن سَهل بنِ سَعدٍ رضي الله عنه ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ، لا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، يُقَالُ: أَينَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، فَإِذَا دَخَلُوا أُغلِقَ فَلَم يَدخُل مِنهُ أَحَدٌ»(16).

وتَحقِيقُ غَايَةِ التَّقوَى في الصَّومِ بَعدَ الإخلاصِ يَكُونُ: بالإِتيَانِ بِالواجِباتِ الشَّرعِيَّةِ، وأهَمُّ ذلك وأَعظَمُهُ الصَّلاةُ المَفرُوضَةُ، الرُّكنُ الثَّاني مِن أرِكانِ الإسلامِ، وأَوَّلُ ما يُحَاسَبُ بِهِ العَبدُ يَومَ القِيامَةِ، وهِي الصِّلَةُ بَينَ العَبدِ ورَبِّهِ. ويَتَعَجَّبُ المَرءُ إذا رَأَى الكَثيرَ مِن النَّاسِ يُحافِظونَ عَلى الصِّيامِ في اليَومِ الطَّوِيلِ الحَارِّ، وَهُم لِفَرضِ الصَّلاةِ أَضيَع، بل قَد يَكونُ هَذا الصَّائِمُ لَم يَسجُد سَجدَةً واحِدَةً للهِ تَعالى والعِياذُ بالله، فَتَركُ الصَّلاةِ مِن أكبَرِ الكَبائِرِ، وصاحِبُ ذلك عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ.

فمَن عَظَّمَ رَمَضانَ فَهو لِقَدرِ الصَّلاةِ أَعرَفُ ولَها أَحفَظُ، فالَّذي أَمَرَ بِالصَّومِ هُو الآمِرُ بالصَّلاةِ والزَّكاةِ وسائِرِ العباداتِ.

فَفي «مُوَطَّأ» الإمامِ مَالِك وغيره عَن عُبَادَة بنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «خَمسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى العِبَادِ، فَمَن جَاءَ بِهِنَّ، لَم يُضَيِّع مِنهُنَّ شَيئًا، استِخفَافًا بِحَقِّهِنَّ؛ كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ أَن يُدخِلَهُ الجنَّةَ، وَمَن لَم يَأتِ بِهِنَّ، فَلَيسَ لَهُ عِندَ اللهِ عَهدٌ، إِن شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِن شَاءَ أَدخَلَهُ الَجَنَّةَ»(17).

وإنَّ مِن أَعظَمِ ما يُحَقِّقُ التَّقوَى في رَمَضانَ نَفعُ العِبادِ بِالبَذلِ والإحسانِ، وهُو شَهرُ الصَّدَقَةِ والعَطاءِ والمُسارَعَةِ إلى الخَيرَاتِ.

فَفي «الصحيحين» عَن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجوَد مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلقَاهُ جِبرِيلُ، وَكَانَ يَلقَاهُ فِي كُلِّ لَيلَةٍ مِن رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرآنَ، فَلَرَسُولُ الله ﷺ أَجوَدُ بِالخَيرِ مِنَ الرِّيحِ المُرسَلَةِ»(18).

فَالله الله في الفُقَراءِ والمَساكِينِ والأَرامِلِ واليَتامَى والمُعوَزّينَ، فَحاجَتُهُم لإخوانِهِم في هَذا الشَّهرِ عَظيمَةٌ، فَأَغنُوهُم عَن السُّؤالِ، وخُذُوا بِأَيدِيهِم لِيَتَفَرَّغُوا لِعِبادَةِ الرَّحمَنِ.

وكَما أنَّ الإتيانَ بالوَاجِباتِ سَبِيلٌ لِتَحقِيقِ التَّقوَى في الصِّيَامِ، فَكَذا الابتِعادُ عَن المُحَرَّماتِ والمُوبِقاتِ، وقَد حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّائِمِينَ سُلوكَ سَبِيل المُجرِمِينَ، لِيَصفُوَ لَهُم صِيامُهُم ويَقبَلَهُ رَبُّهُم.

فَفي «المُوَطَّأ» و«الصَّحِيحَين» عَن أَبِي هُرَيرَةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَصبَحَ أَحَدُكُم يَومًا صَائِمًا فَلَا يَرفُث وَلَا يَجهَل، فَإِنِ امرُؤٌ شَاتَمَهُ أَو قَاتَلَهُ فَليَقُل: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ»(19).

فهذه بَعضُ السُّبُل لِتَحقِيقِ غَايَةِ التَّقوَى، فَمَن لَم يُحَقِّقها في هَذا الشَّهرِ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفسَهُ، وليَبكِ عَلى وَقتِهِ الَّذي أَضَاعَهُ في اللَّهوِ والخَنَا.

فَعَن أبِي هُرَيرَةَ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «إِنَّ جِبرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: مَن أَدرَكَ شَهرَ رَمَضَانَ وَلَم يُغفَر لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبعَدَهُ اللهُ، قُل: آمِينَ، فَقُلتُ: آمِينَ ...»(20).

نَسأَلُ اللهَ أن نَكُونَ ممَّن أَدرَكَهُ رَمَضان فَعَرَفَ حَقِيقَتَهُ، وحَقَّقَ غَايَتَهُ، فَغَفَرَ اللهُ لهُ ما تَقَدَمَ مِن ذَنبِه، والحمد لله وحده.

 



(1) النَّسائي (2106) من حديث أبي هريرة، وصحَّحه الألباني في «صحيح الجامع» (55).

(2) البخاري (1804).

(3) ابن ماجه (1690)، وقال الألباني في «صحيح التَّرغيب» (1083): «حسن صحيح».

(4) «منهاج السُّنَّة النَّبويَّة» (5 /198).

(5) «الوابل الصيِّب» (ص 57 ـ 58).

(6) ابن أبي شَيبَة (8880)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (3374).

(7) ابن أبي شيبة (8881)، وابن حزم في «المحلَّى» (6 /179)، والجملة الأخيرة له.

(8) عبد الرَّزَّاق في «المصنَّف» (7895).

(9) عبد الرَّزَّاق في «المصنَّف» (7895).

(10) ابن حبَّان في «صحيحه»، وصحَّحه الألباني في «صحيح التَّرغيب» (9 /986).

(11) «نفح الطيب» (2 /525).

(12) البخاري (1802) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(13) مسلم (2985).

(14) النَّسائي (2195).

(15) البخاري (1894 و1904) واللَّفظ له،مسلم (1151) من حديث أبي هريرة.

(16) البخاري (1896)، مسلم (2710).

(17) مالك (1 /320)، وأبو داود (1420)، والنَّسائي (462).

(18) البخاري (6)، مسلم (2308).

(19) «الموطأ» (860)، البخاري (1894)، مسلم (1151).

(20) «صحيح ابن حبَّان» (907)، وصحَّحه الألباني في «صحيح التَّرغيب» (1679).