أنت هنا:الكلمة الشهرية»أن يعرف المرء قدرَه!

أن يعرف المرء قدرَه!

  • ذو القعدة 1438 ـ جويلية 2017
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 2728 مرة

 

 

إنَّ من سعادة المرء أن يجعل الصِّدقَ شعارَه، فيُعامل ربَّه عزَّ وجلَّ بصدقٍ، ويتعامل مع النَّاس بصدق، ويصدُقُ مع نفسِه، وصدقُه مع نفسه أن يعرِّفَها قدرَها، فكما أنَّه لا يليقُ بالعَبد أن يهينَ نفسَه ويضعَها دون قدْرِها، كذلك لا يحسُنُ به ألبتَّةَ أن يرفَعها فوق منزلتِها، ولا يجد في ذلكَ غضاضَةً ولا حرجًا؛ فإنَّ من متعلَّقات الإيمان بالقضاء والقَدر أن ترضَى بما قسَمَ الله لك، ولا تدَّعي ما ليس فيك ولا لك؛ لأنَّ «المتشبِّع بمَا لم يُعط كلابس ثَوْبَيْ زُور» ـ كما قال النَّبيُّ  ـ؛ لذا كان منَ الحكم البليغة والكلمات المأثورة ـ وليست حديثًا ـ، قولهم: «ما هلك امْرُؤٌ عرفَ قدرَه»، أو «رحمَ الله امرءًا عرفَ قدرَه فوقفَ عندَه»، فوقوفُ العبد عند قدره وعدم تعدِّيه لطورِه، دليلٌ على وفرة دينِه وسلامة عقلِه، فهلاكُ العَبد إذا أراد أن يحمِلَ النَّاسَ على أنْ يرفَعوه إلى منزلة هُو دونَها، أو أن يجعَلوه في مرتبة هُو لا يبلغُها، وإنَّ مَن سَلك بنفسِه هذَا المسلَكَ فقَد نادى عليها بقلَّة الإخلاص ونُدرة الصِّدق، وعدمِ التَّوفيق للعَمل بالعِلم، وابتَعد عن سبيل النَّجاة.

فجديرٌ بطالب العلم المبتَدي ألَّا يخوض فيما لا يحسنُه إلَّا العالم المنتَهي، وبالحَدَث النَّاشئ ألَّا يتطاول على  كبير السِّنِّ المتمرِّس، وعلى اللاَّحق ألَّا يُنكر فضلَ السَّابق، ولا يركب المرءُ بحر الأماني، ولا يتسربل لباس التَّعجُّل وقلَّة التَّأنِّي، ويمشي بتمهُّل ورويَّة، فإنَّ التَّدرُّج سنَّة كونيَّة وشرعيَّة، لا يمكنُ الانفلات منها.   

إنَّ مَن عرفَ قدرَه وعرفَ لذي الفَضل فضلَه؛ فقد قرعَ بابَ التَّوفيق، ووضَع نفسَه على جادَّة الطَّريق، واتَّسَقَت آراؤه، وتوافَقَت أقوالُه، وتلاءمت أحوالُه؛ ولم تخنْه شَواهدُ الامتحان، وفَرح بصحبَتِه كلُّ إنسان، وصَدق مَن قال: «مَن عرَفَ قَدرَه استبانَ أمرَه»؛ وأمَّا مَن لم يعرف قدرَ نفسِه فلن يعرفَ قَدْر غيرِه، لأنَّه كما قيل: «مَن جَهِل قَدْر نفسِه، فهُو بِقَدْر النَّاس أجْهَل»، وهو بذلك يكون قد وضَع نفسَه في الوَرطات، ولم يجد طمأنينةً ولا راحَةَ بال، وكثُر منه التَّناقُض والاضطراب، ولم يستَقرَّ له رأيٌ ولا حال، وغلبَ عليه الاستعجَال وكثرةُ الانتقال، لا تصفُو له صحبَة، ولا تدومُ معَه عشرة، تنكَّب جادَّةَ الطَّريق، فلمْ يُحالفْه التَّوفيق، فإنْ لم يتَداركه الله برحمتِه انتَهى به الأمرُ إلى وحشة وهوان، وباء بالخسر والحِرمان، والله المستَعان.

 

نشر في العدد (30) من مجلة الإصلاح