أنت هنا:الكلمة الشهرية»سبب الاجتماع

سبب الاجتماع

  • محرم 1439 - سبتمبر 2017
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1835 مرة

 

إنَّ من أعظم مقاصد الشَّريعة الإسلامية جمعَ القلوب وتوحيدَ الكلمة، ولمَّ الصَّفِّ؛ وهذا ما يحرص عليه كلُّ مسلم عاقل غيور يريد الخير لنفسِه ولأمَّته؛ وبخاصَّة مَن حمل همَّ الدَّعوة إلى الله تعالى، فأُمنية الجميع أن يروا المسلمين يومًا ما على قلبِ رجلٍ واحدٍ؛ لـما في ذلك من صلاح دينِهم ودُنياهم، وحصولِ مصالحَ لا يمكنُ عدُّها ولا حصرُها.

لكن هيهات أن يتحقَّق ذلك دون سببه، وهو كما قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: »إنَّ سببَ الاجتمَاع والأُلْفَةِ جَمْعُ الدِّينِ والعملُ به كُلِّهِ، وهُو عبادَةُ الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، كما أمَر به باطِنًا وظاهِرًا؛ وسببُ الفُرْقَةِ: تَرْكُ حَظٍّ مِمَّا أُمِر العبدُ به، والبَغْيُ بينهُمْ؛ ونتيجَةُ الجماعةِ: رحمَةُ الله، ورِضوانُه، وصلواتُه، وسعادَةُ الدُّنيا والآخرَةِ، وبَياضُ الوجُوهِ؛ ونتيجَةُ الفُرْقَةِ: عذابُ الله، ولعْنَتُهُ، وسَوادُ الوجُوهِ، وبراءَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ« [»مجموع الفتاوى« (1 /17)].

فسببُ الوحدةِ والاجتماع هُو أن يعملَ الأفرادُ بالدِّين كلِّه، أصولِه وفروعِه، وأمَّا التزامُ الأحكام الظَّاهرة مع التَّفريط في الأعمال القلبيَّة الباطنة، أو لزومُ الأوامر الشَّرعيَّة الواردة في العبادات مع الغفلة عمَّا ورد في المعاملات، أو الحرص على الآداب الشَّرعيَّة مع التَّخلِّي عن منهج الأنبياء في الدَّعوة والإصلاح، ونحو ذلك من أنواع التُّروك لبعض ما أمر الله به، فإنَّ ذلك جالبٌ للفُرقة والعَداوة، وصاحبه له نصيبٌ من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ[المائدة:14]، فمتى تركَ النَّاسُ بعضَ ما أمَرهُم اللهُ به وقَعت بينَهُم العَداوة والبَغضاء، وفي هذا دليلٌ على أنَّ تركَ الواجبات يكونُ سببًا لفِعل المحرَّمات.

فمن أراد تجنيبَ الأمَّةِ الافتراقَ ـ الَّذي يخلُّ بنظامهم، ويُوهنُ روابطَهم، ويسلِّطُ عليهم أعداءَهُم، ويصيِّر كلَّ واحدٍ يعملُ ويسعَى في شَهوةِ نفسِه ومُرادِ هواه، ولو أدَّى إلى الضَّرر العامِّ ـ، وكان ساعيًا بصدقٍ في تحقيق اجتماع المسلمين على دينهم فليكن هو أوَّل مَن يمتثلُ جميعَ ما جاء به الرَّسول صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، وعلمًا وعملا وحالا ودعوةً، فهو الوسيلة إلى الرَّشاد، وطريق السَّداد، وحصول الـمُراد.

 

* منقول من مجلة الإصلاح  «العدد 25»