أنت هنا:الكلمة الشهرية»كيف تكون قويًّا؟

كيف تكون قويًّا؟

  • شعبان 1439 ـ أفريل 2018
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 616 مرة

 

لمَّا طغَى على حياتنا اليومَ الماديَّاتُ صار الاعتمادُ على الأسباب الظَّاهرة غالبًا على النَّاس؛ ولا يُفهَمُ معنى القَويِّ إلاَّ مَن قَدر على هذه الأسباب وملكَها؛ مع أنَّ القوَّةَ الحقيقيَّةَ هي في تعلُّق القلب بالله وحدَه خالقِ الأسبَاب والمسَبَّبات، وهو معنَى التَّوكُّل على الله؛ لذا قَال بعضُ السَّلَف: «مَن سرَّه أن يكونَ أقوى النَّاس فلْيَتَوكَّل على الله»؛ وقد كَثُر في القُرآن ذكر التَّوكُّل على الله والأمر به، وجُعِل شرطًا في الإيمان ﴿وَعَلَى الله فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين[المائدة:23]، وهو مِن أوصاف المؤمنين اللازمة ففي سبعَة مواطن في القرآن: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون[آل عمران:122].

فالسَّاعي لجَلْب منفعَة أو دفعِ مضرَّة ليسَ له طريقٌ أفضَل من تعَاطي أسبَابه وإن كانَت ضعيفةً؛ فمريم عليهَا السََّلامُ ـ وهي نُفساء ـ أُمِرت بهَزِّ الجِذْع لتَسْقُط عليها الثِّمار لتَطْعَمَها، وأُمِر أيُّوب عليه السلام ـ وقَد أنهكه المرضُ ـ أن يضربَ الأرضَ برجلِه لينبع منها الماءُ ليستَشفيَ به؛ لكن المطلوبَ أن يتعلَّق القَلبُ ويعتمدَ على الله لا على الأسباب؛ فـ«التَّوكُّلُ عملُ القَلب» ـ كما قال الإمام أحمد ـ، فلا قول اللِّسان، ولا عمل الجوارح يجعل العَبد متوكِّلا، وإنَّما قلبُه.

وقد دار نقاشٌ طويلٌ قديمًا مع الَّذين فرَّطُوا في اتِّخاذ الأسبَاب وزعمُوا أنَّهم مُتَوكِّلُون على الله، فذُمُّوا وسُمُّوا مُتواكلين، وأمَّا اليومَ فغَلب على النَّاس الالتفاتُ إلى الأسبَاب؛ وخفَّ التَّعلُّقُ بالله وتفويضُ الأمر إليه، وهو أمارَةٌ على ضعفِ الإيمانِ وهشاشةِ التَّوحيدِ في القُلوب.

وبالتَّوكُّل على الله تُقْهَر المصاعبُ وتتَلاشى المتاعبُ، وتمتَلئُ النَّفسُ سكينةً في أحلَكِ المواقفِ وأشدِّها؛ لأنَّ القلبَ المعلَّقَ بربِّ السَّماء والأرضِ لا يُزعجه شيءٌ من شدائد الدُّنيا مهما عظُم؛ ففي البخاري (4564) قال ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما: «كانَ آخِرَ قَولِ إبراهيم حينَ أُلقي في النَّار: حسْبِيَ اللهُ ونعْمَ الوَكيل»؛ ونفسُ الكلمة قالها نبيُّنا ﷺ لمَّا أُخبر أنَّ المشركين قَد جمعُوا حشُودَهم لقتَاله، قال تعَالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الْوَكِيل[آل عمران:173]، ففي الوقتِ الَّذي تكادُ تنْخَلعُ القُلوبُ مِن هَوْل الموقفِ، تطمئنُّ قلوبُ المتوكِّلين، بل ويزيدُ إيمانُهم؛ لأنَّ الوكيلَ هُو رَبُّ العزَّةِ القَائل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ[الطلاق:3] أي أنَّه كافٍ مَن توكَّل عليه؛ فأيُّ قوَّة تقفُ في وجه المتوكِّل.

وليُتنبَّه أنَّه لا يستَقيمُ التَّوكُّل إلاَّ ممَّن كانَ حسَنَ المعتَقَد؛ قَال ابنُ تيميَّة: «لا يصحُّ التَّوكُّل ولا يُتصوَّرُ مِن فيلسُوف، ولا مِن القَدريَّة النُّفاة القَائلين بأنَّه يكونُ في مُلكِه ما لا يشَاءُ، ولا يستَقيمُ أيضًا منَ الجهميَّة النُّفَاة لصفَات الرَّبِّ جلَّ جلالُه، ولا يستَقيم التَّوكُّلُ إلاَّ مِن أهل الإثباتِ»؛ وقال ابنُ القيِّم: «فكُلُّ مَن كانَ بالله وصفاته أعلَم وأعرَف كانَ توكُّلُه أصَحَّ وأقوَى».

 

صوتية المقال