أنت هنا:الكلمة الشهرية»طلب الحق واتباعه

طلب الحق واتباعه

  • رمضان 1438 ـ ماي 2018
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 2402 مرة

 

إنَّ العبدَ الموفَّق مَن كانَ حريصًا على معرفة الحقِّ والعَمل به، فيبحَثُ عنه وإذا وصَل إليه تغلَّب على أهواء نفسِه الَّتي تدعُوه إلى خلافِ الحقِّ، فيثبُت على هذَا الحقِّ علمًا وعملاً، ومثلُه يُدعى بالحكمَة، وهناك قسمٌ منَ النَّاس يعرفُ الحقَّ لكنَّ نفسَه تُخالفُه وتأبى أن تُطاوعَه على العمَل به، فيكون عارفًا بالحقِّ غير عاملٍ به، ومثلُه يحتاجُ إلى المَوعظة الحَسَنة، وهناكَ قسمٌ ثالثٌ لا يعرفُ الحقَّ بل يجحَدُه ويُعارضُه، وهؤلاء يحتَاجون إلى المُجادلة بالَّتي هيَ أحسَن(1)؛ الإنسَانُ يجبُ عليه أن يعرفَ الحقَّ وأن يتَّبعَه، وهذَا هُو الصِّراطُ المُستَقيم، صراط الَّذين أنعَم اللهُ عليهم منَ النَّبيِّين والصِّدِّيقِين والشُّهداء والصَّالحين، غير المَغضُوب عليهم ولا الضَّالِّين، وهذَا هُو الصِّراطُ الَّذي أمَرنا اللهُ أن نسْأَلَه هدَايتَنا إيَّاه في كلِّ صَلاة، بل في كُلِّ ركعَة»(2) .

وممَّا يحولُ دونَ الإنسَان ومعرفة الحقِّ واتِّباعه هي الفتنَة، ففي أيَّامها تنطلي الحقَائق وتلتَبسُ الأمور، فيُصَدَّقُ مَن عُهد عنهُ الكذبُ، ويُكذَّبُ مَن عرفَ النَّاسُ صدقَه، وتفشو فيها الآفات وتظهَرُ فيها الأدواء كالكذب ونشر الإشاعات وإذاعة المعايب، ومنهَا الصَّدُّ عن الحقِّ وردُّه ودفعُه إلاَّ إذا جاء عن طَريق المُؤالِف والمُوافِق، مع أنَّ «دينَ الإسلام يُوجِبُ اتِّباعَ الحقِّ مُطلقًا: روايةً ورأيًا مِن غيرِ تعيِينِ شخْصٍ أو طائفَةٍ غير الرَّسُولِ ﷺ»(3).

وإنَّ من أعظم أسبَاب الإعراض عن الحقِّ هُو التَّعصُّب المَقيتُ للأشخَاص والتَّقليد المَذمُوم منَ غير طَلَب للدَّليل؛ وقَد لمس كلُّ من نظر بعَين الإنصاف في هذه الفتنَة الَّتي عصَفت بالسَّلفيِّين هذه الأيَّام أنَّ هذَا الدَّاء تمكَّنَ في نفوس الكثيرين إذ راحوا بحجة الاندفاع في نصرة مشايخهم ونصرة الحق الذي معهم ـ في زعمهم ـ، يصدِّقون بكلِّ ما يُقال في المشايخ الَّذين طالتْهُم الحمْلَة الظَّالمة، ويُروِّجون لكلِّ ما يصلهُم من معَايب ومثالب فيهم دون تروٍّ أو تأنٍّ، لثقتهم الكبيرة فيمن حمل لواء هذه الحملة النَّكراء إلى حدِّ الغلوِّ والتَّعصُّب، وهو ما حملهم على التَّقليد المذموم، فبانَ بذلكَ أنَّ هؤلاء المقلِّدة لم يتربَّوا تربية سلفيَّةً صحيحةً، وأنَّهم يُعانون من قُصُور كبير في التَّمسُّك بأصول هذه الدَّعوة المباركة، وبخاصَّة هذا الأصل العظيم الَّذي أهمَلوه وفرَّطوا فيه وهُو الاعتمَاد على الدَّليل والحجَّة في معرفة الحقِّ الَّذي يجبُ اتِّباعُُه والعملُ به، إذ إنَّ عمومهم اقتنع بحُكم دون الوقوف على أدلَّته، فجزَمُوا بغَير بُرهان، وصمَّمُوا بغَير حجَّة، وركبوا التَّقليد، ومنهُم مَن إذا طالبتَه بالدَّليل يُجيبُك بجواب غريب وعجيب ليسَ فيه نَفَس العِلم، ولا روح السَّلفيَّة البرَّة، إذ يُبادركَ بقَوله: إنَّ فلانًا المُقلَّد ما تكلَّم وأصدَر حكمَه إلاَّ وعنده الحُجج والبراهين، وأنا معَه فيما ذهبَ إليه، هكذَا بكلِّ اطمئنَان وأريحيَّة، وكأنَّ فلانًا هذَا لا يمكنُ أن يعتريَه النَّقص الَّذي يعتَري البَشر منَ الخَطأ والجَهل والوَهْم والزَّلل ونحو ذلك.

فنقُول لأمثال هؤلاء: أليسَ هذَا هُو التَّقليد المذمُوم الَّذي ذمَّه الله ورسولُه، وهو قَبول قولِ الغَير بغير حجَّة، وما ضلَّ مَن خالف الأنبياءَ إلاَّ لمَّا سلكوا هذا الطَّريق المردي، قال الله تعالى عنهم:  ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُون﴾[البقرة:170]، قال ابن تيميَّة: «فمَن اتَّبع دينَ آبائه وأسلافِه لأجل العَادة الَّتي تعوَّدَها، وتركَ اتِّباعَ الحقِّ الَّذي يجبُ اتِّباعُه، فهذَا هُو المُقلِّد المَذمُوم وهذه حالُ اليَهود والنَّصارى؛ بل أهلُ البِدع والأهواءِ في هذِه الأمَّة، الَّذين اتَّبعُوا شيُوخَهم ورُؤَساءَهُم في غير الحَقِّ»(4).

فلا يُعقَل أن يتسمَّى أحدٌ بالسَّلفيَّة ولا يمشي خلفَ الدَّليل، ولا يُطالبُ بالحجَّة، وتركَنُ نفسُه إلى قول بلا برُهان؛ لأنَّه بذلكَ يُناقضُ منهجَه الَّذي ينتسبُ إليه ويدعو إليه، وقد أصيب بهذا بعض من كان إمامًا في قومه ومعلمًا لغيره، وما علمَ المسكينُ أنه صار مضادًّا للعلم؛ لأنَّ «العلمَ إمَّا نقْلٌ مُصدَّقٌ عن معصُوم، وإمَّا قوْلٌ عليْه دليلٌ معلُوم»(5)؛ فمن تعوَّد أخذَ القَول من غير دليل، سار سيْرًا معوجًّا؛ لأنَّه يسيرُ على غير طريق أهل العلم، وسيجدُ نفسَه عُرضةً لأسبَاب الانحرافِ والاختِلال، والوقُوع في الغيِّ والضَّلال، قال الشَّاطبي $: «لقَدْ زلَّ بسبَبِ الإعرَاضِ عن أصلِ الدَّليلِ، والاعتِمَادِ علَى الرِّجالِ أقوَامٌ خرَجُوا بسبَبِ ذلكَ عَن جادَّة الصَّحابة والتَّابعين ـ رضيَ اللهُ عنهُم أجمعين ـ، واتَّبَعُوا أهواءَهُمْ بغَيْرِ علْمٍ فضَلُّوا عَن سواءِ السَّبِيل»(6).

وصدَق شيخُ الإسلام حينَ كانَ يقُول: «مَن فارقَ الدَّليلَ ضَلَّ السَّبِيل، ولا دليلَ إلاَّ بمَا جاءَ بهِ الرَّسُول»(7).

إنَّ السَّلفيَّة تعني العلمَ، والعلمُ لا يقومُ إلاَّ على الدَّليل والحجَّة، فمن لم يعتنِ بطلب الدَّليل ولم يهتمَّ بمعرفة الحجَّة عُدَّ ذلك نقصًا في سلفيَّته، وعيبًا في منهجه.

فعَلى الشَّباب المندَفع أن يكونَ حليمًا متأنِّيًا، وبخاصَّة زمَن الفتن، وعليه أن يرجع إلى العُلماء ليفهَم قواعدَ العلم، حتَّى يطبِّقها تطبيقًا صحيحًا، ويُحكِّمَها ويحتكمَ إليها ليَصل إلى الحقِّ، ويعمَلَ به، لا أن يتعَامل مع هذه القَواعد بالتَّحكُّم فيُعمِلَ القاعدةَ في موطن ويتركُها في موطنٍ آخَر مثلِه على وجه التَّشهِّي والهَوى، والنَّصيحة لهؤلاء أن يلزَموا غرزَ العُلماء الأكابر وألاَّ يُصْغوا إلى مَن يصدُّهم عن سمَاع نُصحِهِم، والعَمل بوصَاياهُم، ويريدُ أن يصرفَهم إلى غيرِهِم، ويجعَلَ منهم مقلِّدةً ومتَعصِّبةً لمن هُو دونَ هؤلاء الكبَار رتبةً وعلمًا. 

فالحقُّ يُعرَفُ بدليله لا بحاملِه، والشَّخصُ مهمَا علا قدرُه يُستدلُّ لأقواله، ولا يُستدلُّ بها، فلا نزنُ الأقوالَ بالرِّجال، نعم قد يكونُ الرَّجُل مُعَظَّمًا مُبجَّلا ً إلاَّ أنَّ هذا لا يَعني قَبول جميع أقواله وأحكامه وإن كانت باطلةً مخالفةً للكتَاب والسُّنَّة، ونشكِّكُ في كلِّ مَن يتعقَّبه أو ينتقدُه ولو فيمَا خالفَ فيه الحقَّ، وجانبَ فيه الصَّواب، وكأنَّ هذا المعظَّم معصومٌ، فالحقُّ لا يُعرَفُ بالرِّجال، وإنَّما الرِّجالُ يُعرَفُون بالحقِّ؛ قال ابن تيميَّة: «وكلُّ مَن اتَّخذ شيْخًا أو عالمًا متبُوعًا في كلِّ ما يقُولُه ويفعَلُه، يُوالي على مُوافقَتِه ويُعادِي على مُخالفَتِه غير رسول الله ؛ فهُو مبتَدعٌ ضالٌّ خارجٌ عن الكتَاب والسُّنَّة، سواءٌ كانَ من أهلِ العِلم والدِّين، كالمشايخ والعُلماء أو كانَ مِن أهل الحَرْب والدِّيوان، كالملوك والوزراء»(8).

فطالبُ الحقِّ لا يصرفُه الإعجابُ والإكبارُ لشخص ما عن مُطالبَته بالحجَّة والدَّليل؛ لأنَّ مبدأَ المسلِم المنصِف، وشعارَه الَّذي لا يُفارقُه: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾[البقرة:111].

إنَّ منَ الظُّلم العَظيم والجنَاية الكَبيرَة أن يُعْرضَ العبدُ عن الحقِّ، وعن سمَاع أدلَّته، ويبقَى مُصمِّمًا على رأيه ولو لم يعضده حجَّة أو بُرهَان، وأشدُّ منه ظلمًا وجنايةً مَن تبيَّن له الحقُّ ثمَّ عانَد وترَكه واتَّبع ما تبيَّن له أنَّه البَاطل. 

فالإنسانُ قَد يعرفُ أنَّ الحقَّ مع غيرهِ لكنَّه يرفضُ قَبولَه لمانع منَ الموانع النَّفسيَّة كالحسَد أو طلب الرياسة أو حبِّ الظهور، أو مجاراة للواقع وحفاظًا على الصُّحبة والرُّفقة ونحو ذلك أو الموانع المادِّية كالحرص على المنصب أو المال ونحوها، فيردُّ الحقَّ الَّذي يأتيه من غَيره ويسعى لدفعِه بكلِّ وسيلة، وقَد يعتَدي عليه بإلصَاق التُّهم والكذب والافتراءات لتَشويه صورتِه وتهوين شأنِه، وهو يعلمُ في قلبه أنَّ الحقَّ معه.

كمَا أنَّه لا يجوزُ للعَبد أن يجعل ميزان قَبول الحقِّ وردِّه على مَن يأتي به، فلا يقبَلُ الحقَّ إلاَّ إذا جاءَ من طائفته المعيَّنة أو مجموعته المعيَّنة، فهَذا خُلُق الأمَّة المغضُوب عليهَا.

فعلى العبد أن يوطِّنَ نفسَه على قَبُول الحقِّ، والرُّجوع إليه إذا فاتَه، ولا يأنَف منَ الاعتراف بالجَهل والتَّقصير، فسعادةُ العَبد وفلاحُه باستعمَال أدواتِ الإدراكِ الَّتي حبَاه اللهُ بها في طلَب الحقِّ ومعرفتِه والتَّمييز بينَه وبينَ الباطِل، ثمَّ إذا أدركَ الحقَّ ولاحَت له أدلَّتُه وجَب عليه اتِّباعُه وإيثارُه على الباطل؛ وبه يكون مع المُنعَم عليهم الَّذين عرفُوا الحقَّ واتَّبعُوه، وهم أصحاب الصراط المستقيم والمنهج السوي القويمَ.

 



(1) انظر «الرَّد على المنطقيين» (ص468).

(2) «منهاج السنة» (2 /11)

(3)«اقتضاء الصراط المستقيم» (1 /87)

(4) «مجموع الفتاوى» (4 /197 ـ 198).

(5)«مجموع الفتاوى» (13 /329).

(6) «الاعتصام» (3 /318)

(7) «مفتاح دار السعادة» (1 /83)

(8) «جامع المسائل» (مج 7/ص464)

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 58»