راية الإصلاح - القلب الرحيم
أنت هنا:الكلمة الشهرية»القلب الرحيم

القلب الرحيم

  • شوال 1439 ـ جوان 2018
  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 1236 مرة

 

إنَّ كلمةَ الرَّحمة تحمل معانيَ الرَّأفة والشَّفقة والرِّقَّة والحنان والبِرِّ والإحسان، والدَّعوةِ والتَّعليمِ والنُّصحِ وبذلِ المعروف، وكفِّ الأذى والبعدِ عن الشَّرِّ والسَّلامةِ من القسوة والفظاظة والأنانيَّة والغشِّ والخيانة.

وتحقيقًا لهذا أرسل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ الأنبياءَ والمرسلين رحمةً للنَّاس، ينصحون لهم ويقيمون الحجَّةَ عليهم، لذا كانوا يخاطبون أقوامَهم بقولهم ﴿يَا قَوْمِ، فيرحمونهم بدعوتهم إلى توحيدِ الله وعبادتِه وحدَه لا شريكَ له، وبحرصِهم على إنقاذِهم من الشِّرك والضَّلال، والخوفِ عليهم من عذاب الدُّنيا وخزيِ الآخرة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ الله مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم[الأعراف:59]، وقال: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِير[هود:3]، وقال إبراهيم عليهالسلام لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا[مريم:45]، وقال مؤمن آل فرعون المشفق على قومه: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَاب * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا الله يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَاد * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَاد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَاد[غافر:30-33].

وكان لنبينا ﷺ في ذلك القدْحُ المُعلَّى والنَّصيبُ الأوفى، فلقد عمَّتْ رحمتُه جميعَ النَّاس؛ مؤمنِهم وكافرِهم، وغمَرت كبيرَهم وصغيرَهم، وشمِلَت بلادَهم وبهائمَهم، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم[التوبة:128]، قال قتادة رحمه الله: «حَرِيصٌ عَلَى ضالِّهِم أَنْ يَهْدِيَهُ الله» رواه الطبري في «تفسيره» (12 /99)، وقال السِّعدي في «تفسيره» (256): «﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم فيحبُّ لكم الخيرَ، ويسعى جهدَه في إيصاله إليكم، ويحرص على هدايتِكم إلى الإيمان، ويكرَه لكم الشَّرَّ، ويسعى جهدَه في تنفيرِكم عنه، ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمأي: شديد الرَّأفة والرَّحمة بهم، أرحم بهم من والديهم».

فهو ﷺ أَوْلى بالمؤمنين من أَنفُسِهم، لِمَا بذله لهم من التَّعليم والنَّصيحة، ولِمَا حاطهم به من الشَّفقة والرَّأفة، قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ[الأحزاب:6]، وفي حَرْفِ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ: «وَهُوَ أَبٌ لَهُم»(1) أي دينًا، وروى أحمد (7409) وأبو داود (8) وحسَّنه الألباني أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: «إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الوَالِدِ أُعَلِّمُكُم»،بمنزلة الوالد أي: في الشَّفقةِ والحنُوِّ والاعتناءِ بمصالحكم، فهو أَرحم بأمَّتِه وأرأَفُ من الوالِدِ العَطوفِ الشَّفيقِ بِأَوْلَادِهِ، وفي صحيح مسلم (202) من حديث عبدالله ابنِ عمرو بن العاص أنَّ النَّبيَّ ﷺ تلا قولَ الله ـ عزَّ وجلَّ ـ في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي[إبراهيم:36]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم[المائدة:118]، فرفع يَدَيْه وقال: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وبكى ... فقال الله: يا جِبْرِيل اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولَا نَسُوءُكَ».

وروى البخاري (3232) ومسلم (1795) عن عائشة رضي الله عنها فيما لقِيَه رَسُول الله ﷺ أوَّلَ الدَّعوة من إعراض قومِه وصدِّهم، فبَعَثَ الله إِلَيْه مَلَكَ الجِبَالِ فقَال: «...وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِم الأَخْشَبَيْنِ» فقال له رسولُ الله ﷺ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»، فكان يحبُّ اهتداءَ الكفَّار ويفرح بتوبتِهم، ويُحزِنُه كفرُهم ويغمُّه شركُهم، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا[الكهف:6].

وهذا خُلُقُ إخوانِه الأنبياء عليه السلام، قَالَ عَبْدُ الله بنُ مسعود رضي الله عنه:«كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُون»، رواه البخاري (3477) ومسلم (1792)، قال النَّووي رحمه الله في شرح مسلم (12 /150): «فيه ما كانوا عليه ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ من الحلمِ والتَّصبُّرِ والعفوِ والشَّفقةِ على قومِهم، ودُعائهم لهم بالهدايةِ والغفرانِ، وعذرِهم في جِنايتِهم على أنفسِهم بأنَّهم لا يعلمون، وهذا النَّبيُّ المُشارُ إليه من المتقدِّمين، وقد جرى لنبيِّنا ﷺ مثلُ هَذَا يومَ أُحُدٍ»، يشير إلى ما رواه ابنُ حِبَّان (973)، والطَّبراني في «الكبير (5694) وإسنادُه حسن [«الصَّحيحة» (7 /531)] عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ السَّاعِدي قال: قال رسولُ الله ﷺ يَومَ أُحُدٍ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»(2).

فانظر إلى هذا القلب الرَّحيم كيف قابل إساءَتَهم بأربع مقامات من الإحسان: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنَّهم لا يعلمون، واستعطافه لهم بإضافتهم إليه على جهة الشَّفقة، فقال: «لقومي» كما يقول الرَّجلُ لمن يشفع عنده فيمن يتَّصل به: هذا وَلَدِي فهَبْهُ لي(3).

ففي هذا بالغُ الرَّحمة وغايةُ الشَّفقةِ وكمالُ الرَّأفةِ.

وكان ﷺ يُكرِم الزُّوَّارَ والمُتَعلِّمِين، ويعطِف على الضُّعفاءِ والمساكين، ويبكي لحالِ المرضى والمُتضرِّرين، روى البخاري (628) ومسلم (674) عن مالكِ ابن الحُوَيْرِث رضي الله عنه قال: «أتيْنا رسولَ الله ﷺ ونحنُ شَبَبَةٌ متقارِبُون، فأقمْنَا عنده عِشرينَ لَيْلَةً، وكان رسولُ الله ﷺ رَحِيمًا رَقِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا... فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُم، فَأَقِيمُوا فِيهِم وَعَلِّمُوهُمْ...» الحديث، وعن سَهْلِ ابْنِ حُنَيْفٍ قَال: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَأْتِي ضُعَفَاءَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَزُورُهُم، وَيَعُودُ مَرْضَاهم، وَيَشْهَدُ جَنَائِزَهُم»، أخرجه الحاكم (2 /466) وصحَّحه ووافقه الذَّهبي والألباني «الصحيحة» (2112).

«واشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ مع بعض أصحابه ... فَبَكَى النَّبِيُّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بَكَوْا»، رواه البخاري (1304) ومسلم (924).

وكان يتفقَّد أصحابَه ويسأل عن غائِبِهم ويبكي على مَيِّتِهم، كما بكى لموتِ ابنِه إبراهيم وعثمان بنِ مَظْعون وشهداءِ مُؤْتَة ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.

وافْتَقَدَ ﷺ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ، فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَال: مَا شَأْنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ، كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ...، فَقَالَ النَّبيُّ للرَّجل: «اذْهَبْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَكِنْ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ»، رواه البخاري (3613) ومسلم (119).

وكان رحيمًا بالصِّبيان والعيال واليتامى والأرامل والثَّكالى، بل كان رحيمًا حتَّى بالدَّوابِّ والحيوان.

وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ   ثِمَـالَ اليَتَـامَى عِصْمَةً للأَرَامِــلِ

كان يرحمُ العُصاةَ ويستر المُذنِبين مع معاقبة من يَستحِقُّ العقابَ، وذلك رحمة لهم، روى البخاري (6781) عن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: «أُتِي النَّبِيُّ ﷺ بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ، فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ الله، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ: «لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُم».

فهذه النُّصوص ـ وغيرُها كثير ـ تُبيِّن كمالَ رأفتِه بأصحابه وشدَّةَ تألُّمِه لسوءِ أحوالِهم، وحرصِه على إيصالِ الخير إليهم، ودفع الضَّرر عنهم، مثلَ الوالدين مع أولادهم بل أشدَّ وأعظمَ.

وربما شدَّد على بعضهم رحمةً بهم وتأديبًا لهم واستصلاحًا لخطئهم، كما فعل مع معاذ رضي الله عنه لمَّا أطال الصَّلاةَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ـ ثَلاَثًا ـ»، الحديث، رواه البخاري (6106) ومسلم (465)، كما كان يغْلُظ على الكفَّارِ والمُنافِقين حين يقتضي الأمرُ ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير[التوبة:73]، فهذا موضوعٌ آخر، والكلُّ من سنَّتِه وهديِه، والولاءُ والبراءُ أصلٌ من أصول دينِه.

وورثتُه من بعده يَتَأَسَّوْن به، فيعملون بالحقِّ ويرحمون الخلق ـ وبخاصَّةٍ أهل التَّوحيدِ والسُّنَّة ـ؛ لأنَّ العلمَ النَّافعَ يدعو إلى الرَّحمةِ والشَّفقةِ والرِّقَّةِ، بخلافِ الجهلِ؛ فإنَّه يُوَرِّثُ القسوةَ والغلظةَ والجفاءَ، قال الإمام مَالِك رحمه الله:«إِذَا قَلَّتِ العُلَمَاءُ ظَهَرَ في النَّاسِ الجَفَاءُ» رواه الخطيب في الفقيه (1 /383).

وهؤلاء خلفاؤه الرَّاشدون رضي الله عنهم كانوا  ـ مع شدَّتهم في الدين وصلابتِهم في الحق ـ رحماءَ برعاياهم، يتَّقون الله فيهم ويقيمون حكمَه عليهم، يعلِّمونهم ويجلسون إليهم ويتفقَّدونهم ويُوصلون إليهم حقوقَهم، ويسعون على اليتامى ويخدُمون الأرامل، ويُحزِنهم أن يأكلوا وأحدُهم جائع، بل كانوا يفضِّلونهم على أنفسهم وذويهم.

 كان صاحبُه وخليفتُه أبو بكر الصديق رضي الله عنه رحيمًا رقيقَ القلب سريعَ الدَّمْعة عطوفًا سخِيًّا بنفسِه وماله، كما في الحديث: «أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ» أخرجه أحمد (12904)، والترمذي (3791) وغيرُهما، ولقد كان معروفًا بذلك مشهودًا له به حتَّى عند الكُفَّار، فحين ضايقه المشركون وأراد أن يَخرُجَ إلى الحبشة، قَال له ابْنُ الدَّغِنَةِ: «إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ؛ فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَحْمِلُ الكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ»، رواه البخاري (2297).

وعمر رضي الله عنهـ وهوأشدُّ الأمَّة في دينِ الله ـ كان عَطوفًا على رعيَّتِه لا يَغْمُضُ له جَفْنٌ ولا يَهنَأ له عيشٌ اهتمامًا بهم، قَال أسلم العَدَوِي: «كُنَّا نَقُولُ: لَوْ لَمْ يَرْفَعِ الله المَحْلَ(4) عَامَ الرَّمَادَةِ لَظَنَنَّا أَنَّ عُمَرَ يَمُوتُ هَمًّا بِأَمْرِ المُسْلِمِين»، رواه ابنُ سعد في «الطَّبقات» (3 /315).

وشدَّتُه لا تعني القسوةَ والغلظةَ، وإنَّما تعني شدَّةَ الشَّكيمةِ وصلابةَ العزيمةِ وقوَّةَ الأخذِ بالشَّريعة، روى ابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» (44 /269) عن ابنِ عبَّاس أنَّ رجلًا قال لعمر: «يزعمون أنَّكَ فظٌّ، فقال عمر: الحمدُ لله الذي ملأ قلبي لهم رُحْمًا ومَلَأَ قلوبَهم لي رُعْبًا».

وقال أَبو غَالِبٍ: لَمَّا أُتِيَ بِرُؤوسِ الأزَارِقَةِ فَنُصِبَتْ عَلَى دَرَجِ دِمَشْقَ، جَاءَ أَبُو أُمَامَةَ فَلَمَّا رَآهُمْ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ: «كِلَابُ النَّارِ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ هَؤُلَاءِ شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ الَّذِينَ قَتَلَهُمْ هَؤُلَاءِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا شَأْنُكَ دَمَعَتْ عَيْنَاك؟ قَالَ: رَحْمَةً لَهُم، إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ»، رواه أحمد (22183) بإسنادٍ حسنٍ.

هذه هي الرَّحمةُ التي تربط بين أفراد الأمَّة وتُحكِمُ نسيجَها وتقَوِّي لُحمتَها وتُنمِّي تماسكَها، فيعيشون في أمن وأمان ويحيَون في تراحم وسلام.

لقد ربَّى النَّبيُّ ﷺ قومًا رحيمةً قلوبُهم حانيةً أياديهم، ظاهرةً آثارُ الرَّحمةِ عليهم، من الحرص على هدايةِ النَّاسِ ومحبَّةِ الخير لهم ودفعِ الشَّرِّ عنهم، وخفضِ الجناحِ للمؤمنين، ولينِ العريكة لهم وعفَّةِ اللسانِ وطِيب المعاملة، والسَّعي في تعليم جاهلهم وإرشاد ضالِّهم وإطعام جائعهم وإغاثة ملهوفهم ونُصرة مظلومهم والأخذ بيد ظالمهم، قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ[الفتح:29]، وقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَة * فَكُّ رَقَبَة * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَة * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَة * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة[البلد:12-18]، والمرحمة الرَّحمة بالخلق، وعن ابْنِ مَسْعُود رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: «حُرِّمَ عَلَى النَّارِ كُلُّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ سَهْلٍ قَرِيبٍ مِنَ النَّاس» أحمد (3938) والترمذي (2488) وصحَّحه الألباني.

إنَّ صاحبَ القلب الرَّحيم يألِف ويؤلَف، ويدعو لإخوانِه ويقوِّي عزائمهم ويراعي مشاعرَهم ويصحِّح أخطاءَهم، ولا يجرحهم بكلمة ولا يكسر قلوبَهم بإشارة، روى البخاري (783) عن أبي بكرة رضي الله عنهأنَّهُ انتهَى إلى النَّبِيِّ ﷺ وهوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «زَادَكَ اللهُ حِرْصًا، وَلاَ تَعُدْ».

ويَشكُر لمُحسِنهم ويشجِّعه دون إطراءٍ وإفراطٍ، روى البخاري (2486) ومسلم (2500) عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِم بِالمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُم».

ويفرح لمن أصاب الحقَّ وهُدِي إلى السَّدادِ، ففي «الصَّحيحين» لمَّا حكم سعد ابنُ معاذ رضي الله عنه في بني قُرَيْظَة قال له النَّبيُّ ﷺ: «لَقَدْ حَكَمْتَ بِمَا حَكَمَ بِهِ المَلِكُ»، وقالَ ﷺ: «الإِمَامُ ضَامِنٌ وَالمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ واغْفِرْ للمُؤَذِّنِينَ»، رواه أحمد (7818) والترمذي (207)، وصححه الألباني، وقال الإمام الشَّافعي رحمه الله: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ وَيُسَدَّدَ وَيُعَانَ، وَيَكُونَ عَلَيْهِ رِعَايَةٌ مِن الله وَحِفْظٌ» [«الحلية» (9 /118)]، وقَالَ حاتِمٌ الأصمُّ: «معي ثَلَاثُ خصالٍ بِهِنَّ أَظْهَرُ عَلَى خَصْمِي... أَفْرَحُ إِذَا أَصَابَ خَصْمِي، وَأَحْزَنُ إِذَا أَخْطَأَ، وَأَحْفَظُ نَفْسِي أَنْ لَا أَتَجَهَّلَ عَلَيْهِ»، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَحْمَدَ ابنَ حَنْبَلٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ الله مَا أَعْقَلَه» [«الحلية» (8 /80)].

وإذا نصح نوى إعلاءَ كلمة الله وإظهارَ الحقِّ ورحمةَ المنصوح وإزالةَ عيبِه وردَّه عن خطئِه، قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «المُؤْمِنُ مِرْآةُ المُؤْمِنِ، وَالمُؤْمِنُ أَخُو المُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَه، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه»، رواه أبو داود (4918) وحسَّنه الألباني، فالمؤمن حقًّا يُرِي أخاه عيبَه ليتوبَ منه وخطأَه ليُصلِحَه، كما تُرِي المرآةُ صورةَ صاحبِها ليُصلِحَ شعرَه وثيابَه، وروى البخاري في «الأدب المفرد» (238) وحسَّنه الألباني عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قَال: «المُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، إِذَا رَأَى فِيهَا عَيْبًا أَصْلَحَهُ».

قال ابنُ القيِّم في «الرُّوح» (2 /717): «النَّصِيحَةُ إِحْسَان إِلَى من تنصحه بِصُورَة الرَّحْمَة لَهُ والشَّفقة عَلَيْهِ والغيرة لَهُ، وَعَلِيهِ فَهُوَ إِحْسَانٌ مَحْضٌ يصدر عَن رَحْمَةٍ ورِقَّةٍ، وَمُرَاد النَّاصح بهَا وَجهُ الله وَرضَاهُ وَالإِحْسَان إِلَى خلقه فيتلَطَّف فِي بذلها غَايَةَ التَّلطُّف وَيحْتَمل أَذَى المنصوح ولائمته ويعامله مُعَاملَة الطَّبِيب العَالم المُشفِق المَرِيض المُشبَع مَرضًا، وَهُوَ يحْتَمل سوءَ خُلُقِه وشراستَه ونُفرَتَه، ويتلطَّف فِي وُصُولِ الدَّوَاء إِلَيْهِ بِكُل مُمكنٍ، فَهَذَا شَأْنُ النَّاصح».

قال ابن باديس رحمه الله في «مجالس التذكير من حديث البشير النذير» (ص136): «على من يريد أن يرشد المسلمين، ويعمل لإصلاح حالهم أن ينظر إليهم بعين الشفقة والحنانة، لا بعين الزراية والاحتقار.

فإن الشفوق تدفعه شفقته إلى المبالغة في العناية بتتبع الأدواء، واستقصاء أنواع العلاج، بخلاف الزاري المحتقر؛ فإنه يترفع بنفسه عن الناس، ويتركهم فيما هم عليه، وإن باشر شيئا من معالجتهم فإنه يباشره عن استثقال واشمئزاز لا يصل معهما إلى داء الأمة شيء من علاجه، ولن يستطيع هو معهما صبرا على الاستمرار في عمله، أو على إتقان القليل منه».

ويؤتي ذوي القربى ويحبُّ المساكين ويدنو منهم ويجالسهم، قال ﷺ: «وَأَهْلُ الجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ: ...وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ القَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ...» رواه مسلم (2865)، وعن أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «أَوْصَانِي حِبِّي بِخَمْسٍ: أَرْحَمُ المَسَاكِينَ وَأُجَالِسُهُم...»، رواه أحمد (21517).

وفي «السِّيَر» (7 /211) عن يَحْيَى القَطَّان قال: كَانَ شُعْبَةُ مِنْ أَرَقِّ النَّاسِ، يُعطِي السَّائِلَ مَا أَمْكَنَه، وقال النَّضْرُ بنُ شُمَيْلٍ: مَا رَأَيتُ أَرحمَ بِمِسْكِيْنٍ مِنْ شُعْبَةَ.

هذه هي الشَّفقة النَّابعة من إنسان أصابته نفحةٌ من رحمةِ ربِّه، وعبَده بمقتضى اسمِه الرَّحمن الرَّحيم البَرِّ المُحسِن الكريم، وامتلأ قلبُه بنورِ العلم والإيمان واليقين، وسكنه الإخباتُ والتَّواضعُ والرِّقَّة، عن عبدِ الله ابنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» ، رواه أحمد (6494) وأبو داود (4941) والترمذي (1924) وصحَّحه الألباني، وقال ابنُ القيِّم في «الروح» (1 /699): «فَإِذا أشرق فِيهِ نورُ الإِيمَان وَاليَقِين بالوعد وامتلأ من محبَّةِ الله وإجلالِه رقَّ وَصَارَت فِيهِ الرَّأفةُ وَالرَّحْمَةُ، فتراه رحِيمًا رَقيقَ القلبِ بِكُلِّ ذِي قُربى وَمُسلم، يرحم النَّملةَ فِي جُحرِها والطَّيرَ فِي وَكره فضلًا عَن بني جنسه، فَهَذَا أقربُ القُلُوب من الله تعالى».

هذا؛ بخلاف غليظِ القلب جافي الطَّبع؛ فإنَّه كَزٌّ ضيِّقُ العطَن ثقيلُ الظِّلِّ يقسو على إخوانِه ويحتقرُهم، ويَستَصغِرُهم ويُهِينُهم، ويغتمُّ لصوابِهم ويَضيقُ ذرعًا بلقائهم، ولا يفرح بصالح أعمالهم ولا يتألَّم لسوءِ أحوالهم، يخدُم نفسَه ومصالحَه وجاهَه، ويرى له عليهم حقوقًا ولا يرى لأحدٍ عليه حقًّا، بل لا يرى مثلَ نفسِه.

وإذا نَصح هتَكَ واستعلى وعيَّرَ واستشفى، وآذى إخوانَه وأدخلَ الضَّررَ عليهم، قد نُزِعَت الرَّحمةُ من قلبِه، وحُرِم الشَّفقةَ على إخوانه، والنَّبيُّ ﷺ يقول:«لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ»، رواه أحمد (8001) وأبو داود (4942) والتِّرمذي (1923) وحسَّنه الألباني.

غليظُ القلب لا يألَف ولا يؤلَف، ولا يلين، ينتقم لنفسِه ولا يُسامِح في حقِّه، يحاسب على الهفوةِ ويؤاخذُ بالزَّلَّةِ ويحكُم بالشُّبهةِ، يشُقُّ على النَّاس ويُعنِتُهم، إخوانُه مِنه في بَلاء، وهو مِن نَفسِه في عَناء، فاشلٌ في دعوتِه شقِيٌّ في حياته، قال الله لنبيِّه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين[آل عمران:159]، وقال رسُول اللهِ ﷺ: «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ الله بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ الله عَلَيْه»، رواه أحمد (15755)، والتِّرمذي (1940) وحسَّنه الألباني.

وإن نَعجَبْ، فعَجَبٌ وجودُ القسوة والغلظة والفظاظة بين بعضِ الدُّعاة إلى الله وطلبةِ العلم السَّلفيِّين، ممَّا زَرَع العداوةَ والبغضاءَ والقطيعةَ والنَّميمةَ وسوءَ الظَّنِّ وعدمَ قَبول العذر، وأورثَ التَّنازعَ والتَّعصُّبَ والتَّفرُّقَ والتَّحزُّبَ، وولَّد الفشلَ والفتورَ وتنفيرَ النَّاس عن دعوة الحقِّ وتشويهَ جمالِها، وصار يُضرَبُ بهم مثلُ السَّوْء في ذلك.

كم إنسانٍ صُرِفَ عن دينِ الله وسنَّة نبيِّه، ونُفِّرَ عن المنهج الحقِّ بسببِ الجفاءِ والغلظة وسوء الأخلاق، قال الشَّيخ ربيع المدخلي ـ حفظه الله تعالى ـ ـ كما في «اللُّباب من مجموع نصائح الشَّيخ ربيع للشَّباب» (289) ـ: «بعضُ النَّاس قد يكون صارفًا للنَّاس صادًّا لهم بأخلاقِه السَّيِّئة وتعاملاتِه الرَّديئة، فإيَّاكم ثمَّ إيَّاكم الشِّدَّةَ في تعامل بعضكم بعضًا، وفي التَّعامل مع النَّاس وفي تبليغ دعوة الله ـ تبارك وتعالى ـ».

فهل يليق بمن يتقفَّرُ العلمَ ويدَّعي الاستقامةَ ويزعم اتِّباعَ السُّنَّة أن يكونَ فظًّا غليظَ القلب قاسيًا على من كان على الجادَّةِ من إخوانه، مُنَفِّرًا النَّاسَ عن دعوة ربِّه؟ قال السِّعدي في «تفسيره» (598): «فهل يليق بمؤمن بالله ورسوله ويدَّعي اتِّباعَه والاقتداء به، أن يكون كلًّا على المسلمين، شَرِسَ الأخلاق شديدَ الشَّكيمة عليهم، غليظَ القلب فظَّ القول فظيعَه؟ وإن رأى منهم معصيةً أو سوءَ أدبٍ هجرهم ومقتهم وأبغضهم، لا لين عنده ولا أدب لدَيْه ولا توفيق...».

إنَّه لمَّا قسا بعضُنا على بعضٍ وعدِمنا الرَّأفةَ والشَّفقةَ مُنِعْنا رحمةَ الله، ولم يَنفَعْنا طلبُنا العلمَ، وعُوقِبنا بالفظاظةِ والغَطْرَسةِ والجفاءِ، وصِرْنا نعيش في نكدٍ وشِقاقٍ وشَقاءٍ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ لاَ يَرْحَمِ النَّاسَ لاَ يَرْحَمْهُ الله ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ» متَّفقٌ عليه.

فما أشدَّ حاجتَنا إلى أن تتجسد الرحمةُ في دعوتنا وكتابتنا وتتحقَّق في معاملاتنا ومناظراتنا وتتفجر ينابيعُها من قلوبنا وألسنتنا وسائر جوارحنا، حتى نجدَ بَرْدَ آثارِها في حياتنا وتدمغَ غلظتنا وتمحوَ ـ بإذن الله ـ شقاءنا وتفرقنا.

ما أحوجَ طلَّابَ العلم والدعاة السلفيين إلى هذا ـ وخاصة فيما بينهم ـ، فيتعلمون العلم النافع، ويتراحمون به ويبثُّونه في الناس رحمة وإحسانا ومعذرةً إلى الله، يتألمون لسوء حال إخوانهم وأمَّتهم، ويرشدون ضالَّهم ويرفُقون بالمخطئ منهم، ويبذلون له النصيحة لإرجاعه إلى جادّة الصواب، ولا يقسون عليه حتى لا يزداد انحرافا ونفورا، إلا من أصرَّ على الباطل واتبع هواه، فلا كرامة له ويعاقب بما يستحِقُّه شرعا.

فقسا لِتزدَجِروا ومن يكُ حازما   فليقْــسُ أحيـــانـــــا وحِينًـا يـرحمُ

ومن المعلوم أنَّ أَهْل السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَّبِعُونَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ فَيَتَّبِعُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الخَلْقَ(5)، وطريقتُهم قائمة على العلم والرحمة والعدل والحكمة لا على الجهل والقسوة والظلم والعدوان، قال ابن تيمية رحمه الله في «الرَّدِّ على البكري» (2 /490): «وأئمَّةُ السُّنَّةِ والجماعة وأهلُ العلمِ والإيمان فيهم العلمُ والعدل والرحمةُ، فيعلمون الحقَّ الذي يكونون به موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون على من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: ﴿كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون[المائدة:8]، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، لا يقصدون الشر لهم ابتداء، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدُهم بذلك بيانَ الحق و رحمة الخلق و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يكون الدينُ كلُّه لله وأن تكونَ كلمةُ الله هي العليا».

ولا يزال علماؤنا الفضلاء ومؤدِّبونا النُّبلاء يصيحون بهذا ويكررونه كلامًا وكتابةً ليُعقلَ ويَرسخَ في القلب ويُعمل به، وهذه بعض إرشاداتهم:

قال الشيخ ابن باز رحمه الله [«المجموع» (6 /416)]: «أما أسلوب الدعوة فبيَّنه الربُّ جل وعلا وهو الدعوة بالحكمة أي بالعلم والبصيرة، بالرفق واللين لا بالشدة والغلظة هذا هو الأسلوب الشرعي في الدعوة إلا من ظلم، فمن ظلم يعامل بما يستحق، لكن من يتقبَّل الدعوة ويُصغي إليها، أو ترجو أن يتقبلها لأنه لم يعارضك ولم يظلمك فارفُق به، يقول جل وعلا في كتابه العظيم: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[النحل:125].

وقال الشيخ الأَلْبَانِيّ رحمه الله في وصيته قبلَ وفَاتِه: «عَلَيْنَا أَنْ نَتَرَفَّقَ فِي دَعْوَتِنَا الْمُخَالِفِينَ إليها، وَأَنْ نَكونَ مَعَ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى دَائِمًا وَأَبَدًا: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَأَحَقُّ مَن يكونُ بِاسْتِعْمالِنا لَهُ أَوْ مَعَهُ هَذِهِ الْحِكْمَةَ هُوَ مَنْ كَانَ أَشَدَّ خُصُومَةً لَنَا فِي مَبْدَئِنَا وَفِي عَقِيدَتِنَا، حَتَّى لاَ نَجْمَعَ بَيْنَ ثِقَلِ دَعْوَةِ الْحَقِّ الَّتِي امْتَنَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَيْنَا، وَبَيْنَ ثِقَلِ سُوءِ أُسْلُوبِ الدَّعْوَةِ إِلَى الله عَزَّ وَجَلَّ».

هذا مع المخالفين، فكيف مع الموافقين والمؤازرين؟

وقال ابن عثيمين رحمه الله  [«المجموع» (25 /554)]: «على الشباب أن يكونوا متخلِّقين بخلق النبي ﷺ، وهو اللين والحكمة كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ[آل عمران:159]، فإذا كان عند الشباب لين وحكمة ورحمة بالخلق، وتوجيههم ودعوتهم لا انتصاراً لأنفسهم، ولكن انتصاراً للحق ورحمة بالخلق، حصل على أيديهم خير كثير، وذلك بسبب حُسن القول ولطافته وسهولته».

وقال الشيخ ربيع المدخلي حفظه الله في «الحث على المودة» (19 ـ 25): «وإذا خلا الداعي في أمور دعوته من الأخلاق الكريمة التي منها: الصبر، ومنها: الحكمة، ومنها الرفق، ومنها اللِّين... فذلك نقص باد في دعوته... ومنها: أمور ضرورية تتطلبها دعوة الرسل ـ عليهم الصَّلاة والسلام ـ، فلا بُدَّ أن نستكملها، وقد يغفل عنها كثير من الناس وهذا يضر الدعوة السلفية، ويضر بأهلها إذ الغفلة عن هذه الأخلاق وتقديم تلك الدعوة إلى الناس بطريقة يكرهونها، وبما يستبشعونه ويستفظعونه من الشدة والغلظة والطَيش، وما شاكل ذلك، يعوق الدعوة وقبولها، فإنَّ هذه أمور مبغوضة في أمور الدنيا فضلاً عن أمور الدِّين...والله ما انتشرت الدَّعوة السلفية في هذا العصر القريب وفي غيره إلا على أيدي أناس علماء حكماء حُلماء، يتمسَّكُون بمنهج الرسول  عليه الصلاة والسلام، ويطبقونه قدر الاستطاعة فنفع الله بهم، وانتشرت الدعوة السَّلفية في أقطار الدنيا بأخلاقهم وعلمهم وحكمتهم، وفي هذه الأيام نرى أنَّ الدعوة السلفية تتراجع وتتقلَّص، لأنها فقدت حِكمة هؤلاء وحكمة الرسول ﷺ قبل كل شيء وحلمه و رحمته وأخلاقه ورفقه ولينه صلَّى الله عليه وسلَّم...نحن والله نجاهد ونناظر ونكتب وننصح، وندعو برفق  إلى الله، فيعتبروننا من المُمَيِّعين، لا يريدون أن نقول: حكمة ولين ورفق.

وقد رأينا أن الشِّدَّة أهلكت الدَّعوة السَّلفية ومزَّقت أهلها... لمَّا رأيت هذا  الدَّمَار، لمَّا رأيت هذا البلاء أقول: عليكم بالرفق، عليكم باللِّين، عليكم بالتَّآخي، عليكم بالتَّراحم».

وقال (ص40): «الذي يُقَصِّر ما ينبغي أن نسقطه أو نُهلكه، والذي يُخطئ منَّا لا نُهلكه، بارك الله فيكم، ولكن نعالجه باللطف والحكمة، ونوجِّه له المحبة والمودة وسائرَ الأخلاق الصالحة، مع الدعوة الصحيحة حتَّى يؤوب، وإن بقي فيه ضَعفٌ فلا نستعجل عليه، وإلَّا والله ما يبقى أحد، ما يبقى أحد،
فبعضُ الناس الآن يطاردون السلفيين حَتَّى وصلوا إلى العلماء، وسمَّوهم مُميِّعين، والآن ما بقي في الساحة عالم تقريبًا إلا طُعن به وفيه».

فهل من معتبِر؟ وهل من مدَّكِر؟ اللهم اغفر لنا وارحمنا إنك أنت الغفور الرحيم

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخِر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



(1) «تفسير عبد الرَّزاق» (3 /31).

(2) دعاء بأنْ يوَفِّقَهُمْ لِلرُّجُوعِ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، ومن المَعْصِيَةِ إلى الطَّاعَةِ، أو بأن لا يعجل عليهم العذابَ، انظر «التَّوسُّل» (4)، و«مدارج السَّالكين» (1/ 37).

(3) انظر «المفهم» للقرطبي (3/ 650)، «جامع المسائل» (1/ 168)، «بدائع الفوائد» (2/ 773).

(4) المَحْل: يُبس الأرض بسبب انقطاع المطر.

(5) انظر «المجموع» (3/ 279).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 58»