أنت هنا:الكلمة الشهرية»تلاوة القرآن بين الهجر والملازمة

تلاوة القرآن بين الهجر والملازمة

  • ذو الحجة 1439 ـ أوت 2018
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 986 مرة

 

إنَّ غَمْرة الحياة وأعباءها، وانشغال النَّاس بأمر الدُّنيا وعمارتها، صرف النُّفوس عن الاهتمَام بعمَارة القُلوب، وإشغال الألسُن بالذِّكر وقراءة القُرآن؛ مع أنَّ العُقَلاء يدركون يقينًا أنَّ التِّجارة غير الكاسدة، والصَّفقة الرَّابحة هي في الإقبال على كتَاب الله تعَالى تلاوةً وحفظًا وفهمًا وتدبُّرًا؛ قال اللهُ جلَّ ذكره: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُور[فاطر:29]، كان مطرِّف بن عبد الله رحمه الله يقول: «هذه آيةُ القُرَّاء»(1).

هؤلاء هم القُرَّاء الَّذين امتثلوا أمر الله تعالى بالتِّلاوة، حيثُ قال: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا[الكهف:27]؛ وقال: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين * وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ[النمل:91-92].

فقراءة القرآن وتلاوتُه هي الوظيفة التي لا ينبغي أن يتخلَّى عنها مسلمٌ، ويلزمه في كل يوم وردٌ يقرؤه على الدوام، ففي ذلكَ قوت قلبه، وغذاء روحه، به تنتعش النَّفس، ويقوى البدنُ، وتغشاه الرَّحمةُ، وتنزلُ عليه السَّكينة، وتحفُّه الملائكة، ويذكرُه الله جلَّ شأنُه فيمن عندَه، وتعمُّه البركةُ من كل جانب، قال تعالى: ﴿وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ[الأنعام:155]؛ «ولا شيءَ أعظمُ بركةً من هذا القُرآن، فإنَّ كلَّ خيرٍ ونعمَةٍ، وزيادةٍ دينيَّةٍ أو دنيويَّةٍ، أو أُخرويَّةٍ، فإنَّها بسَبَبِه، وأثرٌ عن العَمل به»(2)، وإنَّ مَن عَمَر جوفَه بالقُرآن، ولسانَه بترديده وترتيله، كانَ حريًّا ألاَّ تُخطئَه هذه البركاتُ، وأضحى مُباركًا حيثما كان. 

لهذا لو تأمَّلتَ صفحات التَّاريخ لوقفتَ على أقوام لزمُوا قراءةَ القُرآن على صورة تبعثُ على العَجب وتثيرُ الدَّهشةَ في النُّفوس، ففي «تاريخ بغداد» (9 /421) في ترجمة عبد الله بن إدريس الأودي ـ الَّذي قال عنه الإمام أحمد: «كان نسيجَ وحده» ـ: لمَّا نزل به الموتُ، بكَت ابنتُه، فقَال: لا تبكي يا بُنيَّة؛ فقَد ختمتُ القُرآنَ في هذا البيت أربعَة آلاف ختمَة»، ومثلُه أبو بكر بن عيَّاش المقرئ جاء في «حلية الأوليَاء» (8/304) أنَّه لمَّا حضَرتُه الوفاةُ بكَت أختُهُ؛ فقَالَ: «لا تبكي ـ وأشار إلى زاوية في البَيْت ـ؛ فقَد ختَم أخوكِ في تلكَ الزَّاوية ثمانيةَ عشر ألفَ ختْمَة».

فهذا الإقبال على تلاوة القُرآن، وختمُه مرَّات ومرَّات، دون ملل ولا كلل، سببُه طهارةُ تلكَ القُلوب، وعدم تعلُّقِها بالدُّنيا، وإدراكها الجازم أنَّ الارتباط الوثيق بهذا القُرآن هو الجالب للهداية ولكلِّ خير ونفع ومسَرَّةٍ؛ فيا ليتَنا نفقَهُ مثلَ هذا الفِقه، وتكونُ لنا مثل هذه الهمَم، ونغتَنمُ أوقاتَنا وقوَّتَنا وشبابَنا في الاستمتاع بكلام ربِّنا؛ ونكونُ بهذا قَد استمتَعنا بهذه الحيَاة حقَّ الاستمتَاع؛ وذُقنا أحلى ما فيها، فنُقْبل على القُرآن كمَا أقبَلَ عليْه الأوَّلُون بتلهُّف ونَهَم، لا يشبَعُ أحدُهُم من كثرة ترداده وقراءته؛ فانظر إلى الصَّحابي الشابِّ عَبْدِ اللهِ ابنِ عَمْرٍو ﭭ، وكيفَ كانَ إقبالُه على القُرآن؛ قالَ: «جَمَعْتُ القُرْآنَ فَقَرَأْتُهُ كُلَّهُ في لَيْلَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَطُولَ عَلَيْكَ الزَّمَانُ وأنْ تَمَلَّ، فَاقْرَأْهُ في شَهْر؛ فَقُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتي وشَبَابي، قالَ: فَاقْرَأْهُ في عَشْرٍ؛ قُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتي وشَبَابي، قالَ: فَاقْرَأْهُ في سَبْعٍ؛ قُلْتُ: دَعْنِي أَسْتَمْتِعْ مِنْ قُوَّتي وشَبَابِي، فأَبَى»(3).

وعلى هذا ينبغي لكلِّ من أكرمَه اللهُ بأن كان يُحسِنُ القراءةَ والكتابةَ أن يجعَل وردَه في يومِه وليلتِه على اختيَار مدَّة منها يوزِّعُ عليها ختمتَه، لا يتركُ ذلك في حِلِّه وترحاله.

وقَد اختلفَت عاداتُ السَّلف فيمَا يقرؤون كلَّ يوم، فكانَ بعضُهم يختمُ القُرآنَ في كلِّ شهر، وبعضُهم في عشرين يومًا، وبعضُهم في عشْرة أيَّام، وبعضُهم أو أكثرُهُم في سبعَة، وكثيرٌ منهُم في ثلاثة، وهكذا...

قال النَّووي في «شرحه على مسلم» (8 /43): «والمختار أنَّه يستَكثر منه ما يمكنُه الدَّوام عليه، ولا يعتادُ إلاَّ ما يغلبُ على ظنِّه الدَّوام عليْه في حال نشاطِه وغيرِه، هذَا إذا لم تكن له وظائف عامَّة أو خاصَّة يتعطَّل بإكثار القُرآن عنها؛ فإن كانت له وظيفة عامَّة كولاية وتعليم ونحو ذلك، فليوظف لنفسه قراءة يمكنه المحافظة عليها مع نشاطه وغيره، من غير إخلال بشيءٍ مِن كمَال تلكَ الوظيفَة، وعلى هذَا يُحمَلُ ما جاءَ عن السَّلَف؛ والله أعلم».

أمَّا ما ورَدَ عن بعض الأعلام النُّبَلاءِ، وأهل السُّنَّة الصُّلحاءِ مِن خَتْم القُرآن مرَّةً في كلِّ يومٍ وليلَة؛ فجوابه كمَا قال الذَّهبي في «السير» (8 /503) ـ عقب ذكره أنَّهم رووا أنَّ أبا بكر بن عيَّاش مكَث نحوًا من أربعين سنةً يختمُ القُرآن في كلِّ يوم وليلَة مرَّةً ـ: «عبادةٌ يُخضَعُ لها، ولكن متَابعَة السُّنَّة أوْلى، فقَد صحَّ أنَّ النَّبيََّ ﷺ نهَى عبدَ الله بن عَمْرو أن يقرأ القُرآن في أقلَّ مِن ثلاث، وقَال ﷺ: لم يفقَه مَن قَرأ القُرآنَ في أقلَّ مِن ثلاثٍ».

وفي الحديث الطويل في «صحيح مسلم» (746) تقول عائشة رضي الله عنها: «ولا أعلمُ نبيَّ الله ﷺ قرأَ القُرآنَ كلَّهُ في ليلَة»

وقال ابنُ مسعُود رضي الله عنه: «مَن قَرأ القُرآن في أقلَّ مِن ثلاثٍ فهُو راجزٌ»(4).

قال ابن الأثير: «إِنَّمَا سمَّاه رَاجِزًا؛ لأنَّ الرَّجَزَ أخفُّ عَلى لسانِ المُنْشِدِ، واللِّسَانُ بهِ أسرعُ منَ القَصِيد»(5).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا: «اقرأوا القُرآنَ في سَبْع، ولا تقَرأوه في أقَلَّ مِن ثلاثٍ، وليُحَافِظِ الرَّجُلُ في يومِهِ وليْلَتِهِ عَلَى جُزئِه»(6).

قال ابنُ رجب في «لطائف المعارف» (ص319): «وإنَّما ورَد النَّهيُ عن قراءَة القُرآن في أقلَّ مِن ثلاث على المُداوَمَة على ذلكَ؛ فأمَّا في الأوقات المفضَّلَة كشهر رمضان خصُوصًا اللَّيالي الَّتي يُطلَبُ فيها ليلةُ القَدْر أو في الأماكن المفضَّلَة كمَكَّة لمن دخَلَها مِن غيْر أهلِها فيُستَحَبُّ الإكثار فيهَا من تلاوةِ القُرآن اغتنامًا للزَّمان والمكان؛ وهذا قولُ أحمَد وإسحَاق وغيرِهِما منَ الأئمَّة؛ وعلَيْه يدُلُّ عمَلُ غيْرِهِم».

فعَليْنَا أن نُولي وِرْدَ القُرآن اهتمَامًا بالغًا، ونجعَل له وقتًا مُقَدَّسًا، لا يصدُّنا عنه شغلٌ منَ الشَّواغل، ولا صارفٌ منَ الصَّوارف، إن لم نأتِ به كاملاً موفًّى لسَبَب منَ الأسبَاب، فلا أقلَّ من قراءةِ بعضِه والإتيانِ بجزءٍ منه، حتَّى لا ينقَضي يومٌ إلاَّ وقَد أخذنا نصيبنَا من كلام ربِّنا سبحانه وتعالى.

وإنَّه لعيْبٌ كبيرٌ أن يترُكَ أحدُنا مُصحَفَه حتَّى يَعلُوَه الغُبار في رفِّه، وتمضي عليه الأيَّام واللَّيالي دون أن يفتحَه ويقرَأَ منهُ حرفًا، وفي المقابل لا يستَطيعُ التَّخلي عن هاتفِه أو مُفارقَةَ لوحتِه الإلكترونيَّة لوقتٍ يسير، أو يستَغنيَ عن مُشاهَدَة التِّلفاز؛ فعلى المرءِ أن ينتَبهَ لنفسِه، ولا يُجاري واقعَه ويغترَّ بزخارف الشَّيطان ويعكف على هذه الآلاتِ والأجهزةِ، وينغمس في سُكرها، وتَمضي به إلى حيثُ لا تُحمَد العُقبَى، وقد لا يفيقُ إلاَّ وهُو في عَسْكَر الموتَى.

إنَّ لزومَ تلاوة القُرآن لفظًا تدعو صاحبَها إلى تلاوة القُرآن معنًى، وهي التِّلاوة الحقيقيَّة قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ[البقرة:121] وهي اتِّباعُه تصديقًا بخبَرِهِ، وائتمارًا بأَمْره، وانتهاءً بنَهيه، والانقياد له مطلقًا؛ وأهلُ هذه التِّلاوة هُم أهلُ القُرْآن، وأهل الله وخاصَّتُه الَّذين لَهُم الثَّنَاء في الدُّنْيَا والآخرة؛ فـ«أهل القرآن هم العالمون به والعاملون بما فيه، وإن لم يحفظوه عن ظهر قلب، وأما من حفظه ولم يعمل بما فيه فليس من أهله وإن أقام حروفه إقامة السَّهم»(7).

جعلنَا الله من التَّالين لكتابه العاملين بأحكامه.

 


(1) «تفسير الطبري» (19/ 366).

(2) «تفسير السعدي» (ص 525).

(3) أخرجه أحمد (6516)، وابن ماجه (1346)، والنسائي في «الكبرى» (8010)، وهو صحيح.

(4) أخرجه عبد الرزاق (5946) بإسناد صحيح.

(5) «النهاية» (2/ 200).

(6) أخرجه سعيد بن منصور في «التفسير من سننه» (146) بإسناد صحيح. 

(7) قاله ابن القيم  في «زاد المعاد» (1/ 327).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 56»