أنت هنا:الكلمة الشهرية»الغلو في الأفاضل

الغلو في الأفاضل

  • صفر 1440 ـ أكتوبر 2018
  • د. رضا بوشامة
تم قراءة المقال 663 مرة

 

الغلوُّ في الأشخاص وتقديسُهم موجٌ ركبه كثيرٌ من الفرق الإسلامية وغير الإسلامية، وقد جنى هذا الغلوُّ على عقول النَّاس أعظم جناية، واستطاعت طرق الصُّوفية غرسَ هذا الفكر في عقول مَتبوعيها بشتَّى الوسائل والطرق، ومِن ذلك تخصيص بعضهم بألقاب من غير مخصِّص، لا عقلا ولا شرعًا، فسَمّوا أنفسهم أو سمَّاهم غيرُهم أولياء الله الصالحين دون سائر المؤمنين المتقين، مع أنَّ الآية في كتاب الله بيِّنة الدَّلالة وواضحة البرهان أنَّ كلَّ تقي وليٌّ من أولياء الرحمن، قال تعالى: ﴿إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ[الأنفال:34].

قال ابن جرير: «الوَلِيُّ ـ أَعْنِي وَلِيَّ الله ـ هو من كان بالصِّفة الَّتي وصفه الله بها، وهو الَّذِي آمَنَ واتَّقَى، كما قال الله ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون[يونس:63]»(1).

يقول الشيخ مبارك الميلي ـ مبيِّنًا هذه الجناية العظيمة في تخصيص الولاية بصنفٍ من الناس ـ: «أما الوليُّ عند الناس اليوم؛ فهو إمَّا مَن انتصب للإِذن بالأوراد الطرقية، ولو كان في جهله بدينه مساوياً لحماره، وإمَّا مَن اشتهر بالكهانة، وسَمَّوه حسب اصطلاحهم (مرابطاً)، ولو تجاهر بترك الصلاة وأعلن شُرْب المسكرات، وإمَّا مَن انتمى إلى مشهور بالولاية، ولو كان إباحيّاً لا يحرم حراماً، وحَقُّ هؤلاء الأولياء على الناس الجزم بولايتهم، وعدم التوقُّف في دخولهم الجنة، ثمَّ الطاعة العمياء، ولو في معصية الله، وبذل المال لهم، ولو أخلَّ بحَقِّ زوجته وصِبيَته، والثقة بهم، ولو خلَوا بالخُرُد العين، وبعد، فهم المطلوبون في كلِّ شِدَّة، ولكلِّ محتم بهم عدة، وهم حماة للأشخاص وللقرى والمدن، كبيرها وصغيرها، حاضرها وباديها؛ فما مِن قرية بلغت ما بلغت في البداوة أو الحضارة، إلا ولها وليٌّ تُنسب إليه، فيُقال: سيدي فلان هو مولى البلد الفلاني، ويجب عند هؤلاء الناس أن يكون علماء الدين خدمة لهؤلاء الأولياء، مقرِّين لأعمالهم وأحوالهم، غير منكرين لشيء منها، وإلا أوذوا بضروب السِّباب ومستقبَح الألقاب، وسُلِبوا الثقة بعلمهم، ووُشيَ بهم إلى الحكام، وذلك حَظ الدُّعاة إلى السنة من مبتدعي هذه الأمة»(2).

وليس ببعيد أيضا عن هذا المنهج الرديء ـ بل هو أشنع ـ ما جنته أيضا عقائد الرافضة الشيعة على عقول معتنقيها، فأظهرت أئمَّتها بمظهر المعصوم الذي لا يردُّ له قولٌ ولا يلحقه نقص، بل هو واجب الطَّاعة والإذعان.

قال محمد باقر المجلسي: «أصحابنا الإمامية أجمعوا على عصمة الأنبياء والأئمة من الذنوب الصغيرة والكبيرة عمداً وخطأً ونسياناً، قبل النبوة والإمامة وبعدهما، بل من وقت ولادتهم إلى أن يلقوا الله تعالى»(3).

وممَّا يؤسَف له أيضًا وقوع بعض السلفيِّين في الغلوِّ وتقديس بعض الأشخاص والتسليم لكلامهم بالنظر لعلوِّ مكانتهم في الدِّين، مع أنَّ من أصول الدعوة السلفية أنَّ التقديس لا يكون إلا لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ، وما خالفه يُردُّ ولو كان من أعلم الناس وأفقههم وأتقاهم، ولهذا جاء النهيُ عن الغلوِّ في الأشخاص وتقديسهم وتنزيلهم المنازل التي لم يصلوها، ولو كانوا أهلَ حقِّ ودين؛ لما يؤدِّي الغلوُّ فيهم إلى التوسُّع في الباطل، كطاعتهم الطاعة العمياء، واعتقاد عدم وقوعهم في الخطأ والخلل، واتباع أقوالهم والعمل بها ولو كانت مخالفة للنصوص الشرعية الظاهرة البيِّنة.

روى الإمام أحمد في «المسند» (13596) وغيره عَنْ أَنَسٍ: أنَّ رجلًا قال: يا محمَّدُ، يا خيرَنَا وابن خيرِنَا، ويا سيِّدَنا وابن سيِّدِنَا، فقال: «قولُوا بقولِكُم ولَا يَسْتَجْرِكُمُ ـ وفي رواية يَسْتَجْرِينَّكُمُ ـ الشَّيطَانُ، أنا محمَّدٌ عبدُ الله ورسولُهُ، ما أُحِبُّ أن تَرفَعُونِي فوق مَنزِلَتِي الَّتِي أنزَلَنِي الله».

قال ابن الأثير: «وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ» أي: لا يَسْتَغْلِبَنَّكم فيتَّخِذكم جَرِيًّا: أي رسولًا ووكيلاً، وذلك أنَّهم كانُوا مَدَحُوه فَكَرِهَ لهم المبالغَة في المدحِ، فنَهاهُم عنه، يريد: تَكَلَّمُوا بما يحضُرُكُم من القولِ، ولا تتَكَلَّفُوه، كأنَّكُم وُكلاءُ الشَّيطَانِ ورُسُلُه، تَنْطقُون عن لِسانِه»(4).

وهؤلاء الذين مَدحوه ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يقولوا إلَّا حقًّا، فهو خيرُ الناس وسَيِّد ولد آدم، مع ذلك نهاهم عن المدح حتى لا يُفضي بهم ذلك إلى الغلوِّ المذموم.

وبمثل هذا النصِّ وردت نصوصٌ كثيرة في كتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ تنهى عن الغلوِّ في الأشخاص وتقديسهم وإنزالهم المراتب التي لم يبلغوها، ولو كانوا من خير الناس وأفاضلهم، وهذا يؤدي إلى الظلم والطعن في كلِّ مَن أراد بيان حالهم وعدم استحقاقهم لذلك المقام، فيُتَّهم في دينه وعدالته، وتنسجُ في حقِّه الأباطيل والاتهامات.

قال الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله: «مِن أوسَع أَوديَةِ الباطل الغلوُّ في الأفاضل، ومِن أمضى أسلِحَتِه: أن يَرمِيَ الغالي كلَّ مَن يحاول رَدَّه إلى الحقِّ ببُغضِ أولئِك الأفاضل ومُعاداتهم.

ويَرى بعضُ أهل العلم أنَّ النصارى أَوَّلَ ما غَلَوا في عيسى عليه السلام كان الغلاةُ يَرمون كلَّ مَن أنكرَ عليهم بأنَّه يُبغض عيسى ويحقِره ونحو ذلك، فكان هذا مِن أعظم ما ساعد على انتشار الغلوِّ؛ لأنَّ بقايا أهل الحق كانوا يَرون أنَّهم إذا أنكروا على الغلاة نُسبوا إلى ما هم أشَدُّ الناس كراهية له مِن بغض عيسى وتحقيره، ومَقَتَهم الجمهور وأُوذوا، فثبَّطهم هذا عن الإنكار، وخَلا الجوُّ للشيطان، وقريبٌ مِن هذا حالُ الغلاة الروافض وحالُ القبوريِّين، وحال غلاة المقلِّدين»(5).

وقوله رحمه الله: «من أوسع أودية الباطل الغلو في الأفاضل» قاعدة علميَّةٌ سلفيةٌ مُستنبطة مِن سيرة خير البريَّة، لو فقهها المسلم ـ خاصَّة الشباب ـ لزال عنه الكثير من الأوهام.

فكم نسمع ونقرأ مِن مبالغات في وصف طلاَّب العلم بأوصاف قد يَنفر عنها أهلُها المستحقُّون لها، كفضيلة العالم، والعلامة المتقن، والفقيه الأصولي، والمحدِّث الحافظ، وشيخ الشيوخ، وإمام المسلمين، وسماحة الشيخ، وسماحة الوالد، وكبير السلفيِّين، ومفتي الثقلين، وجلالة الشيخ، وغير ذلك من الأوصاف التي لم تُستعمل في هذا الزمن إلا في قلَّة مِن أهل العلم ممَّن استحقَّها بحقٍّ.

وما أجمل ما قاله الإمام الذهبيُّ ـ لما ذكر عدداً كبيراً من حُفَّاظ القرن الثاني والثالث ـ قال: «وخَلقٌ كثير لا يحضرُني ذكرهم، ربَّما كان يجتمع في الرحلة منهم المائتان والثلاثمائة بالبلد الواحد، فأقلُّهم معرفةً كأحفظ مَن في عصرنا»(6).

فكيف لو رأى هذا الزمان الذي أصبح إطلاق الألقاب الكبيرة على مَن لا يصلح إلا أن يكون طالبا للعلم ـ إن كان ـ فأنزلنا كثيرا منَّا غير المنزلة التي أنزله الله.

وهذه الألقاب لم يكن السلف يُطلقونها إلا على مَن استحقها بحقٍّ، ولا يُطلقها إلا مَن عرف مدلولاتها، قال الخطيب البغدادي: «...«فلانٌ الحافظُ» فهي أعلى صفات المحدِّثين وأسمى درجات الناقلين، مَن وُجدت فيه قُبلت أقاويله، وسُلِّم له تَصحيح الحديث وتعليلُه، غير أن المستحقِّين لها يَقلُّ معدودُهم، ويَعزُّ بل يتعذَّر وجودُهم، فهم في قلَّتهم بين المنتسبين إلى مقالتهم أعزُّ من مذهب السنة بين سائر الآراء والنِّحل، وأقلُّ من عدد المسلمين في مقابلة جميع أهل الملل»(7).

وقال سعيدٌ المؤدِّب: قلت للخطيب عند لقائي له: أنت الحافظ أبو بكر؟ فقال: «أنا أحمد بن علي الخطيب، انتهى الحفظُ إلى الدارقطني»(8).

فحريٌّ أن توضَع الألقاب في مواضعها، ولا تُصرف إلا لمستحقِّيها، فهذا من أنواع الغلوِّ في الأفاضل المفضي إلى الغلوِّ في أقوالهم وتنزيلها منزلة من لا يخطئ ولا يحيد.

ومن مزالق الغلو في الأشخاص تقديسُهم وتقديس أقوالهم، حتَّى يصل الأمر إلى اعتقاد أنَّهم على الحقِّ والصواب في كلِّ ما يذهبون إليه ويختارونه ويقولونه، سواء في المسائل الفقهية الاجتهادية أو المسائل العقدية التوقيفية، فيَعظُم عند الأتباع ويعسر ـ بل قد يستحيل ـ أن يُقال في الشيخ الفلاني: أخطأ، أو جانَب الصواب في هذه المسألة، أو أنَّ قوله ليس عليه دليل ولا حُجَّة ولا برهان، فيُردُّ كما تُردُّ سائر الأقوال التي لا دليل عليه ولا بيِّنة، خاصَّة فيما كان مِن خصومات أو اتِّهامات للأشخاص في دينهم وعدالتهم، فهذا يحتاج إلى ورع تامٍّ في الكلام، وأن لا يُقبل إلا ما عليه حُجج وبيِّنات، أما تقليد الأشخاص في الطَّعن فيمن ثبتت عدالته واشتهرت وانتشرت بين الناس، بحُجَّة أنَّهم هم أعرف وأعلم وأتقى، ولم يقيموا على كلامهم أيَّ دليل، فهذا عين التقديس والتقليد المذموم.

قال الإمام البخاري: «لَم ينجُ كثيرٌ من النَّاس من كلام بعضهم فيهم، نحو ما يُذكر عن إبراهيم في كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم وتأويل بعضهم في العرض والنفس، ولَم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلاَّ ببيان وحجَّة، ولَم يسقط عدالتهم إلاَّ ببرهان ثابت وحُجَّة»(9).

وقال ابن جرير الطبري: «ومَن ثبتت عدالته لم يُقبل فيه الجرح، وما تسقط العدالةُ بالظَّنِّ»(10).

وقال محمد بن نصر المروزي: «وكلُّ رجل ثَبَتت عدالته برواية أهل العلم عنه وحملهم حديثه، فلن يُقبل فيه تجريح أحدٍ جَرَحَه، حتى يثبت ذلك عليه بأمر لا يجهل أن يكون جرحة»(11).

وعقد البيهقي في سننه لذلك باباً فقال: «لا يُقبَلُ الجرحُ فيمَن ثبتت عدالتُه إلاَّ بأن يَقِفَه على ما يجرَحُه به».

ثم أورد حديثَ عِتبان بن مالك أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صلَّى في بيته واتَّخذ ذلك المكان مصلَّى له، الحديث، وفيه: «فثاب في البيت رجال من أهل الدَّار ذَوو عددٍ واجتمعوا، فقال قائلٌ منهم: أين مالكُ بن الدُّخشُن؟ فقال بعضُهم: ذلك منافق لا يحبُّ اللهَ ورسولَه. قال: فقال رسول الله ﷺ: لا تقُل له ذلك، ألا تراه وقد قال لا إله إلاَّ الله، يريد بذلك وجه الله. قال: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: فإنَّا نرى وجهَه ونصيحَتَه إلى المنافقين. قال: فقال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله قد حرَّم على النار مَن قال: لا إله إلاَّ الله يبتغي بذلك وجه الله»(12).

ثم قال البيهقي: «فالنبيُّ ﷺ لَم يقبل قولَ الواقع في مالك بن الدُّخشُن بأنَّه منافقٌ حتى تَبَيَّن له مِن أين يقولُ ذلك، ثمَّ لَمَّا بيَّنه لم يَرَه نفاقاً، فرَدَّ عليه قَولَه»(13).

وقال ابن عبد البر: «والصحيحُ في هذا الباب أنَّ مَن صحَّت عدالتُه وثبتت في العلم إمامتُه، وبانت ثقتُه وبالعلم عنايتُه، لَم يُلتفت فيه إلى قول أحدٍ، إلاَّ أن يأتي في جرحته ببيِّنة عادلة يصحُّ بها جرحته على طريق الشهادات»(14).

وقال أيضاً: «لا يُقبل فيمن صحَّت عدالته وعُلمت بالعلم عنايته، وسلم من الكبائر، ولزم المروءة والتصاون، وكان خيرُه غالباً، وشرُّه أقلَّ عمله، فهذا لا يُقبل فيه قول قائل لا برهان له به، فهذا هو الحقُّ الذي لا يصحُّ غيرُه إن شاء الله»(15).

وهذا الذي قاله هؤلاء الأعلام بناءً على أنَّ جارحَ من ثبتت عدالته وإمامته أتى بخبر غريب مناقض للأصل الذي عُرف عن ذلك المتكلَّم فيه، فاشترطوا لقبول جرحه أن يأتي ببيِّنة عادلة وتفسير لِما جرحه به على وجه لا يحتمل غير الجرح؛ إذ إنَّ أسباب الجرح كثيرة، وبعضها قد لا يكون جرحاً وإن كان يراه الجارح كذلك، أو أنَّ الجارح قد يتكلَّم بكلام فيه مغالاة وتحامل له أسبابه إمَّا حسد، أو منافرة، أو غضب أو غير ذلك مما يعتري الإنسان من النَّقص.

فعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلة     كما أنَّ عين السخط تبدي المساويا

وقد تكلَّم بعض الأئمة فيمَن ثبتت عدالته وإمامته فلَم يعبأ بذلك أئمة الجرح والتعديل، ولا قبلوا كلام القائل والجارح ولو عَلَت مرتبته في الدِّين، وعُرف بالإمامة فيه، فقد تكلَّم قومٌ في الإمام مالك فما ضرَّه شيءٌ، ولا ذرَّة، وارتفع فصار كالنَّجم، ومِمَّن تكلَّم فيه محمد ابن عبد الرحمن ابن أبي ذئب $ لَمَّا بلغه أنَّ مالكاً لم يأخذ بحديث «البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا».

قال عبد الله بن أحمد: سمعتُ أبي يقول: قال ابن أبي ذئب: «يُستتاب مالك فإن تاب وإلاَّ ضُربت عنُقه»(16).

وفي رواية الفضل بن زياد البغدادي: قال أحمد: «ومالك لَم يردَّ الحديث، ولكن تأوَّله على غير ذلك، فقال شاميٌّ: مَن أعلم مالك أو ابن أبي ذئب؟ فقال: ابن أبي ذئب في هذا أكبر من مالك، وابن أبي ذئب أصلح في بدنه وأورع ورعاً وأقوم بالحقِّ من مالك عند السلطان»(17).

وهذا الذي تكلَّم به ابن أبي ذئب عن مالك ليس من باب الورع في شيء، بل الورع ترك ذلك، فمالك كما قال أحمد تأوَّل الحديث ولَم يردَّه ردًّا(18).

قال الذهبي: «لو كان ورِعاً كما ينبغي لَما قال هذا الكلام القبيحَ في حقِّ إمامٍ عظيم، فمالك إنَّما لَم يعمل بظاهر الحديث؛ لأنَّه رآه منسوخاً، وقيل: عمل به وحمل قوله: (حتى يتفرَّقا) على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالكٌ في هذا الحديث وفي كلِّ حديث له أجرٌ ولا بدَّ، فإن أصاب ازداد أجراً آخر، وإنَّما يرى السيفَ على مَن أخطأ في اجتهاده الحروريَّةُ، فبكلِّ حال فكلام الأقران بعضُهم في بعض لا يُعوَّل على كثير منه، فلا نقصت جلالةُ مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعَّف العلماءُ ابنَ أبي ذئب بمقالتِه هذه، بل هما عالِما المدينة في زمانهما رضي الله عنهما، ولَم يُسندها الإمام أحمد، فلعلَّها لَم تصح»(19).

وكذا تكلَّم الإمام مالك ـ وهو إمام دار الهجرة ـ في محمد بن إسحاق صاحب المغازي، فلم يعبأ العلماء بكلامه الشديد فيه، ولهذا لما أورد ابن عبد البر قوله فيه: «إنَّه كذَّاب» قال: «وقد روي عن مالك أنَّه قيل له: من أين قلتَ في ابن إسحاق إنَّه كذَّاب؟ فقال: سمعتُ هشام بن عروة يقوله. وهذا تقليد لا برهان عليه»(20).

فمن الغلوِّ قبول أقوال الناس وطعنهم فيمَن ثبتت عدالته وعُرف بصِحَّة واستقامة طريقته، من غير بيِّنة ولا برهان، وهذا هو عين العدل.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «كان عمر رضي الله عنه يُشاوِرُ الصحابة  ويناظرُهم ويرجِع إليهم في بعض الأمور، ويُنازعونه في أشياء، فيَحتَجُّ عليهم، ويحتَجُّون عليه بالكتاب والسنة، ويُقرُّهم على منازعته، ولا يقول لهم: أنا مُحدَّثٌ مُلهَمٌ مخاطَبٌ، فينبغي لكم أن تقبَلوا مِنِّي ولا تُعارِضوني، فأيُّ أحدٍ ادَّعَى، أو ادَّعى له أصحابُه أنَّه وَليٌّ لله، وأنَّه مخاطبٌ يجب على أتباعِه أن يَقبلوا منه كلَّ ما يقوله، ولا يُعارِضوه، ويُسلِّموا له حالَه مِن غير اعتبارٍ بالكتاب والسُّنَّة، فهو وهُم مخطئون، ومِثل هذا أضَلَّ النَّاسَ، فعمرُ بن الخطاب رضي الله عنه أفضلُ منه، وهو أمير المؤمنين، وكان المسلمون يُنازعونَه ويَعرضون ما يَقوله ـ وهو وهُم ـ على الكتاب والسُّنَّة، وقد اتَّفق سَلفُ الأمَّة وأئمتُها على أنَّ كلَّ أحَدٍ يُؤخذ مِن قوله ويُترك، إلا رسول الله ﷺ»(21).

فمِن أسباب عدم الرجوع إلى أصول الكتاب والسنة في المسائل المختلف فيها بين الناس، تقليد الأشخاص وتقديس أقوالهم، وتعظيم وقوعهم في الخطأ ومجانبة الصواب، فكم ردَّ الناس حججًا دامغة فيما يكون في الطَّعن في الأشخاص كقوله ﷺ: «البيِّنة على المدعي واليمين على من أنكر»، فلم يأبهوا لهذا الأصل في التعامل مع ما يُتَّهم به غيرهم، بحجَّة أنَّ الشيخ الفلاني طعن فيه وهو أدرى وأعلم والحجج لديه ولو أنَّه لم يبيِّنها ولم يظهرها لغيره!! بل منهم من يجعل قول الشيخ هو الدليل؛ وهو البينة والحجة ولا يحتاج أن يقيم دليلا على قوله. 

وقِس على ذلك النُّصوص الكثيرة التي يخالفها المقلِّدة والمتعصِّبة لأشياخهم، فأنزلوهم منزلة الأنبياء في أخذ أقوالهم ولو خالفت كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وخالفت الحقائق والواقع، وهذا عين الغُلوِّ في الأفاضل، وفرق بين أقواله ﷺ وبين أقوال غيره ولو كان من أولياء الله وأهل الخير والصلاح والعلم.

قال ابن تيمية: «وهذا مِن الفروق بين الأنبياء وغيرِهم، فإنَّ الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، يجب لهم الإيمانُ بجميع ما يخبرون به عن الله عز وجل، وتجبُ طاعتُهم فيما يأمرون به، بخلاف الأولياء، فإنَّهم لا تجب طاعُتهم في كلِّ ما يأمرون به، ولا الإيمان بجميع ما يخبرون به، بل يُعرَضُ أمرُهم وخَبرُهم على الكتاب والسُّنَّة، فما وافق الكتابَ والسُّنَّة وجب قبوله، وما خالف الكتابَ والسُّنَّة كان مردودًا، وإن كان صاحبُه مِن أولياء الله، وكان مجتهدًا مَعذورًا فيما قاله، له أجرٌ على اجتهاده، ولكنَّه إذا خالف الكتابَ والسُّنَّة كان مخطئًا، وكان مِن الخطأ المغفورِ إذا كان صاحبُه قد اتَّقى اللهَ ما استطاع، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُمْ[التغابن:16]»(22)، نسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم، والحمد لله وحده.

 


(1) «جامع البيان» (12/ 213).

(2) «الشرك ومظاهره» (ص179).

(3) «بحار الأنوار» (25/ 350) .

(4) «النهاية في غريب الحديث» (1/ 264).

(5) «آثار المعلمي ـ التنكيل» (9/ 110).

(6) «ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل» (ص 197).

(7) «الجامع لأخلاق الراوي» ( 2/ 172).

(8) «التذكرة» (3/ 182)، «السير» (18/ 335).

(9) «جزء القراءة» (ص:61).

(10)  «هدي الساري» (ص:451).

(11) «التمهيد» (2 /33 ـ 34)، «تهذيب التهذيب» (7/ 241)، «هدي الساري» (ص:450).

وتوارد بعض الباحثين في نسبة هذا القول للإمام أحمد، وعزو ذلك لابن حجر، ولم أجده، وإنَّما هو قول أبي عبد الله محمد بن نصر، كما نصَّ عليه الحافظ.

(12)  انظر: «صحيح البخاري» (1186).

(13)  «السنن الكبير» (20/ 367).

(14)  «جامع بيان العلم» (2/ 313).

(15)  «جامع بيان العلم» (2/ 342).

(16) «العلل ومعرفة الرجال» (1/ 539).

(17)  «طبقات الحنابلة» (1/ 251).

(18) انظر: ما ذكره القاضي عياض عن المالكية في تفسيرهم لكلام مالك وتأويله الحديث. «ترتيب المدارك» (1/ 54).

(19) «السير» (7 / 142 ـ 143).

(20) «جامع بيان العلم» (2/ 330).

(21) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص 71).

(22) «الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان» (ص 71).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 59»