أنت هنا:الكلمة الشهرية»إيثار الحق

إيثار الحق

  • جمادى الأولى 1440 - جانفي 2019
  • توفيق عمروني
تم قراءة المقال 1359 مرة

 

منَ النِّعم العَظيمة أن يُرزَق العبدُ نفسًا مستَعدَّةً لقَبول الحقِّ ومحبَّته وإيثاره على ما يُعارضُه؛ فلا العَوائد المألُوفَة، ولا الرُّسوم الموضوعة، ولا العَوائق المنصوبة تصدُّه عن قَبُول الحقِّ ونُصْرتِه؛ هذا الحال دليلٌ على صحَّة القَلب وسلامتِه، قَال ابنُ القيِّم رحمه الله في «إغاثة اللَّهفان» (1 /14): «فالقَلبُ الصَّحيح السَّليمُ ليسَ بينَه وبينَ قَبُول الحقِّ ومحبَّته وإيثاره سِوى إدراكِه، فهُو صحيحُ الإدراك للحقِّ، تامُّ الانقيَاد والقَبُول لهُ».

فطالبُ النَّجاة يجتَهد في معرفَة الحقِّ في مسائل النِّزاع، ويجعل ذلك أكبَر مقاصدِه وأسمى غاياتِه، ليكونَ على بيِّنة مِن أمره ويُميِّز بينَ الحقِّ والباطل، وبينَ الصِّدق والكذب، حتَّى لا يقع في الظُّلم والجهل، وإنَّ الاعتبَار في موَارد الخلاف بالحُجَّة والبُرهَان، وهو الدَّليل الموافقُ للسُّنَّة والقُرآن، وليسَ الاعتبَار بمقَام القَائل ومنصِبه، ولا بكثرة أتبَاعه وأنصَاره؛ فالحقُّ ما ساندَه الدَّليل، وما سواه ظلمٌ وضَلالٌ؛ ومَن «قلَّد شخصًا دونَ نظيره بمُجَرَّد هوَاه، ونصَرَه بيَده ولسَانِه مِن غيْر علْمٍ أنَّ معَه الحقَّ؛ فهذَا مِن أهلِ الجاهليَّة» ـ كما قال ابنُ تيميَّة رحمه الله.

وهذا للأسف ما يُريدُ تجسيدَه اليومَ بعضُ المُتعصِّبة والمقلِّدة في وسَط الشَّباب، وذلك بإرهابهم بحُجَج باردَة تحولُ بينَهم وبينَ الحقِّ، كقَولهم: «كيفَ تجرؤ على مُخالفَة فُلان!؟»، أو «أترضَى أن يكونَ فلانٌ خصمَك يومَ القيامَة!!»، أو «أتظُنُّ أنَّ فُلانًا المعظَّم يتكلَّم من غير دليل!؟» ونحوها منَ الأراجيف الَّتي لا تَنفُق إلاَّ في سُوق الجهل، ولا يغتَرُّ بها إلاَّ ناقص العِلم والعَقل.     

وأمَّا صاحبُ البَصيرة فإذا بانَ له الحقُّ لم يلتَفت إلى غيرِه، ولم يُبالِ بقلَّة النَّصير والمُعين، ولم يَرْتَبك لكثرَة المُخالف والمناوئ، لعلمِه الجازم أنَّ الحقَّ منصورٌ ولو بعدَ حين، فلا يعظُم في نفسِه على الحقِّ شيءٌ، كما قال السَّحرةُ لفِرعونَ حين عرفوا الحقَّ واتَّبعوه: ﴿لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا[طه:72].

وانظُر إلى أحَد النَّماذج الرَّائعَة في إيثار الحقِّ على جميع الخلق، وهو ابن تيمية حيث يتحدَّث عن نفسِهِ رحمه الله: «إنَّ كلَّ مَن قَال حقًّا؛ فأنَا أحقُّ مَن سَمِع الحقَّ والتزَمَه وقبِلَه، سواءٌ كانَ حُلوًا أو مُرًّا، وأنا أحقُّ أنْ يتُوبَ مِن ذنُوبِه الَّتي صَدَرت منهُ، بل وأحقُّ بالعُقُوبة إذَا كُنتُ أُضلُّ المسلمِين عن دينِهم» [«مجموع الفتاوى» (3/ 271)].

فبمثل هذا التَّفكير يصحُّ انتسابُنا إلى منهَج السَّلَف، وتصفُو سلفيَّتُنا، وتزهُو ـ حقًّا ـ أيَّامُنا، أمَّا مَن أعرضَ عن الحقِّ واستَمرَّ على البَاطل وآثرَه، فإنَّ شُهُب الحقِّ ستَرْجُمُه، وتُطفئُ أنوارَه، وتمحُو آثارَه، فلا أحسَن للمَرء منَ الرُّجوع إلى الحقِّ وقَبُوله والانقيَادِ له، وإيثاره على كلِّ محبُوب ومرغوب، وهُو ما يَزيدُ المرءَ رفعَةً وثباتًا وحسنَ سُمعَة في الدُّنيا والآخرة؛ اللَّهمَّ اهدنا ويسِّر الهُدى لنا.

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 60»