طباعة

بين الفتنة والامتحان

  • رمضان 1440 ـ ماي 2019
  • عمر الحاج مسعود
تم قراءة المقال 1002 مرة

 

كثيرًا ما تختلط الحقائقُ وتلتبس الأمورُ وتضطرب الأحوال، ولا يُعرفُ الحابِل من النَّابل، فيبتلي الله عبادَه بالفتن ويمتحنُهم بالشَّدائد، ليقعَ التَّمييزُ بين الصَّادق والكاذب والمخلص والمرائي، والبائع نفسَه لربِّه والمرتزِق بدينه، والمتعلِّم والمتعالم، والأصيل والدَّخيل، قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ[آل عمران:179].

قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» (2/ 173) «أي: لا بد أن يعقِد سببًا من المحنة، يظهر فيهِ وليُّه، ويفتضحُ فيه عدُوُّه، يُعرف به المؤمنُ الصَّابر والمنافق الفاجر، يعني بذلك يوم أحُدٍ الَّذي امتحن به المؤمنين، فظهر به إِيمانهم وصبرُهم وجلدُهم وثباتُهم وطاعتُهم لله ولرسوله ﷺ، وهتك به ستْرَ المنافقين، فظهر مخالفتُهم ونُكولُهم عن الجهاد وخيانتهم لله ولرسوله ﷺ».

ولولا تقدير تلك الفتنِ والشَّدائد ما ظهرت حقيقةُ الإيمان ولم تتبيَّنْ فضيلةُ الصَّبر، ولم يمحَّص المؤمنون ولم يُفضح المنافقون، ولم يُميَّز بين الرِّجالِ وربَّاتِ الحجال، والشَّيءُ إنَّما يُظهر حُسنَه الضِّدُّ، قال الله عز وجل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُون * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين[العنكبوت:2-3].

وليتأمَّل اللَّبيبُ في حادثة الإفك، وليَعتبرْ بحِكمها الجليلة وأسرارها العجيبة، التي منها: رِفعةُ أقوامٍ وضَعَةُ أخرين، حيث فضح اللهُ المنافقين وكشف سرائرَهم، وثبَّت المؤمنين وقوَّى عزائمَهم، وأعلى منزلةَ نبيِّه ﷺ، ودافع عن زوجِه عائشةَ الصِّدِّيقةِ بنتِ الصَّدِّيق رضي الله عنها، وأظهر كرامتَها عليه، فانقَلَبت مِحنتُها مِنحةً وأذيَّتُها كرامةً.

قال ابن القيِّم رحمه الله في «زاد المعاد» (3/ 304 ـ 305): «هذا مِن تمامِ الحِكَمِ البَاهِرةِ التي جعل اللهُ هذهِ القِصَّةَ سببًا لها، وامتحانًا وابتلاءً لرسوله ولجميع الأُمَّة إلى يومِ القيامة، ليرفعَ بهذه القصَّةِ أقوامًا ويضعَ بها آخرين، ويزيدَ اللهُ الذين اهتَدَوْا هُدى وإيمانًا، ولا يزيدُ الظَّالمين إلَّا خَسارًا، واقتضى تمامُ الامتحانِ والابتلاءِ أن حَبَسَ عن رسوله الوحيَ شهرًا في شأنها، لا يُوحَى إليه في ذلك شيءٌ؛ لتتِمَّ حِكمتُه التي قدَّرها وقضَاهَا، وتظهرَ على أكملِ الوجوه، ويزدادَ المؤمنونَ الصَّادِقُونَ إيمانًا وثباتًا، على العدلِ والصِّدق وحُسْنِ الظَّنِّ باللهِ ورسولِه وأهلِ بيته والصِّدِّيقين مِن عباده، ويزدادَ المنافقون إفْكًا ونِفاقًا...

 فكان مِن حكمةِ حَبْس الوحيِ شهرًا أنَّ القضيَّةَ نضجت وتمخضت... ولو أطْلَع اللهُ رسولَه على حقيقة الحالِ مِن أوَّلِ وَهلةٍ وأنزل الوحيَ على الفور بذلك، لفاتت هذه الحِكمُ وأضعافُها، بل أضعافُ أضعافِها».

فالمِحنُ تَمِيزُ النُّخالةَ من الدَّقيق، وتُفرِّق بين البَهرَج والإبْريز، وعند الامتحان يُكرم المرءُ أو يُهان.

كان أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله إِذَا سُئِل عن شيْءٍ مِن اللُّغَة يقولُ: إِنَّهَا لَيْسَت مِن شَأْنِي, وَيَتَمَثَّلُ بِهذا الشِّعْرِ:

إنَّ هذا القياسَ في كلِّ فنٍّ عند أهل العقول كالميزانِ
من تحلَّى بغير ما  هو  فيه فضحتْه شواهدُ الامتحانِ
وجرى في السِّباق جري سُكَيْتٍ خلَّفته الجيادُ يوم الرِّهان(1)

والشَّدائد تفضح المغرورين والمتعالمين والمتسوِّرين محرابَ العلم والدَّعوة، والمتطاولين على علماء الأمَّة، وتؤدِّبُ المتشبِّعين بما لم يُعطَوْا، وتَردُّهم إلى قدْرِهم، وتُبصِّرُهم بحقيقتِهم، قال الإمام الشافعي رحمه الله: «من سام بنفسه فوقَ ما يساوي ردَّه الله تعالى إلى قيمتِه»(2)، ومن لم يتبْ منهم ويتذَكَّرْ ويَعتبرْ فلا يجنِ إلَّا الذِّلةَ ولا يحِّصِّلْ إلَّا الكآبةَ ولا يَنَل إلَّا القلَّة.

قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُم[محمد:31]، يعني يُظهرها ويَكشفها امتحانًا واختبارًا، ليُعرف الصَّادقون والمستجيبون ويُعلم المنافقون والنَّاكلون.  

وروى الإمام مسلم (110) أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «من ادَّعى دعوى كاذبةً ليتكثَّر بها لم يزدْه الله إلَّا قلَّةً».

ففي الحديث غايةُ التَّحذير مِن أن يدَّعيَ المرءُ ما ليس فيه، ويتشبَّعَ بما لم يُعطَ مِن دِين أو مال أو نسَب أو مَنصِب أو حال، ويتزيَّا بزيِّ العلماء ويتجمَّل بسمت الصُّلحاء وينطق بكلام النُّصحاء.

قال أبو العبَّاس القُرطبيُّ رحمه الله في «المفهِم» (1/ 315): «يعني ـ والله أعلم ـ أنَّ مَنْ تظاهرَ بشيء من الكمال وتعاطاه وادَّعَاه  لنفسه، وليس موصوفًا به، لم يَحصُلْ له من ذلك إلَّا نقيضُ مقصودِه، وهو النَّقص، فإن كان المُدَّعَى مالًا لم يباركْ له فيه، أو علمًا أظهر الله تعالى جهلَه، فاحتقرَه النَّاس وقلَّ مقدارُه عندهم، وكذلك لو ادَّعى دينًا أو نسبًا أو غيرَ ذلك فضحه الله وأظهرَ باطلَه، فقلَّ مقدارُه وذلَّ في نفسه، فحصل على نقيضِ قصدِه».

وقال عمر في كتابه المشهور لأبي موسى رضي الله عنهما: «ومنْ تزيَّن للنَّاس بما يعلم اللهُ منه غيرَ ذلك، شانه الله»(3).

فمن أظهر العلمَ والسُّنة والصَّلاح وادَّعاه وتكاثر به وأضمر خلافه، وكان ثناءً منشورًا وعيبًا مستورًا، عاقبه اللهُ بنقيض قصدِه وشانه بين خلقِه وفضحه بين أقرانه.

 قال ابن القيِّم في «إعلام الموقعين» (2/ 123): «ولمَّا كان من تزيَّن للنَّاس بما ليس فيه من الخشوع والدِّين والنُّسك والعلم وغير ذلك قد نصَّب نفسَه للوازمِ هذه الأشياء ومقتضياتِها، فلا بدَّ أن تطلب منه، فإذا لم توجدْ عنده افتضح، فيشينه ذلك من حيث ظنَّ أنَّه يزينه، وأيضًا فإنَّه أخفى عن النَّاس ما أظهر لله خلافه، فأظهر الله من عيوبه للنَّاس ما أخفاه عنهم، جزاءً له من جنس عمله».

وصدق الشَّافعي إذ قال : «من تزيَّن بباطل هُتك سِترُه»(4)، ونظر سفيانُ الثَّوري إلى رجل في يده دفتر فقال: «تزيَّنوا بما شئتم فلن يَزيدكم الله إلَّا اتِّضاعًا»(5)، والظَّاهر أنَّهم كانوا من المرائين المتعالمين الذين لم ينتفعوا بعلمهم ولم تخشع له قلوبهم، بل طلبوا به الرِّياسةَ والعُلوَّ في الأرض ومباهاةَ العلماء ومماراةَ السُّفهاء. 

وقال محمَّد بن حبيب النَّيسابوري رحمه الله: «وقد نبغ في زماننا مفسِّرون لو سئلوا عن الفرق بين التَّفسير والتَّأويل ما اهتدوا إليه، لا يُحسِنون القرآن تلاوةً ولا يعرفون معنى السُّورة أو الآية، ما عندهم إلَّا التَّشنيعُ عند العوام والتَّكثُّر عند الطِّغام لنيل ما عندهم من الحطامِ، أعفوا أنفسهم من الكدِّ والطَّلب، وقلوبَهمْ من الفِكر والتَّعب، لاجتمِاع الجهَّال عليهم وازدحامِ ذوي الأغفال لديهم... مفتضحون عند السَّبر والذَّواق، زائغون عن العلماءِ عند التَّلاق... القِحَةُ رأسُ مالِهم والخُرْقُ والطَّيش خير خصالهم، يتحلَّون بما ليس فيهم ويتنافسون فيما يرذلهم، الصِّيانةُ عنهم بمعزل وهم من الخنى والجهل في جوفِ منزِلٍ»(6).

ما أكثرَ هذا الصِّنفَ في زماننا هذا، لم يتأدَّبْ أحدُهم بآدابِ العلم وأخلاقِ العلماء، لا يَعرف قدرَه ولا يُبجِّل كبيرَه ربَّما قرأ حروفًا من العلم فيظنُّ أنَّه صار فارسَ الميدان ومُفتي الإنسِ والجان، صار الجَوادَ الذي لا يُشقُّ غُبارُه والفحلَ الذي لا يُجدَعُ أنفُه.

قال الشيخ ربيع ـ حفظه الله ـ في كتاب «الذَّريعة» (3/ 65): «وإذا خلا الإنسان من الأدب وركب رأسه واغتر بنفسه، فهذا ماشٍ في طريق الهلاك».

هناك أقوام ـ في فتنة التَّفريق بين السَّلفيين ـ كانوا في ستر وعافية، لكنَّهم أخرجوا قرونهم وتشوَّفوا للبروز وعُلوِّ المكانة وذيوع الصِّيت، فصاروا يَتفيْهقون ويُفتون ويُجرِّحون ويعدِّلون ويتطاولون على الأكابر ويطعنون في الأفاضل، قد غرَّتهم الكثرةُ والنَّفخُ في الألقاب والتَّزكياتُ المزوَّرة، فحسبوا أنَّهم على شيء، ألَا إنَّهم هم المخدوعون.

إنَّ هذه الفتنةَ أظهرت حقيقةَ «العالِم» و«المربِّي» و«الوالد» و«السَّماحة»...، وثَلَّت عروشَ المجدِ والتَّقديس الزَّائفةَ، ودكَّت حصونَ المدْح والثَّناء المصطنعَةَ، كما أخرجت أفاعيَ من جحورها تنفُث سمومَها نحوَ أكابر العلماء وطلَّابِهم، ـ كالشَّيخ ربيع وعبيد ـ ففضَحوا أستارَهم وأسقطوا أنفسَهم وكشفوا جهلَهم وبيَّنوا دسيستَهم.

وستُظهر ـ إن شاء الله ـ مواقفَ أناسٍ يقولون ما لا يعتقدون، طمعًا في الشَّرف والزَّعامة وخوفًا من الانتقاد وانفضاضِ النَّاس مِن حولهم، وتعصبًا لشيوخهم وتقديسًا لمعظَّميهم.  

وما أعظمَ الكلمةَ التي قالها ربيعُ السُّنَّة: «هذه الفتنة أخرجت الخَبْءَ»(7)، نعم أخرجت المكنونات وكشفت الخبايا وفضحت الدَّسائس.

وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
سـوف تـرى إذا انـجـلـى الـغـبـــــار أفــــرسٌ تـــحــتــــــك أم حــــمـــــــار؟
إذا اشـتـبـكـت دمـوعٌ فـي خــــــدودٍ تـبـيّـن مَـن بـكـى مـمَّـن تـبـــــاكــــــى

إنَّ الباطل مهما ازدان وارتفع فلا بُدَّ أن يتلاشي ويُمحق، وإنَّ المفرِّقين مهما صالوا وجالوا فلا بُدَّ أن يتساقطوا ويُفضحوا، سُنَّةَ اللهِ التي لن تجد لها تبديلا ولا تحويلا، قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُون[الأنفال:8]، وقال أبو زُرعة الرَّازيُّ كتب إليّ إسحاقُ بنُ راهَوَيْهِ: «لا يَهُولَنَّك الباطلُ، فإنّ للباطل جولةً ثمّ يتلاشى»(8).

فلْيحذر العاقل من الفضيحة والشماتة، ولْيحرِص على العافية والسلامة، ولْيراقبْ ربَّه في علانيته ونجواه، ولا يتعدَّ ما يفوق علمَه وتقواه

اللهم استر عوراتنا وآمِن روعاتنا، والحمد لله رب العالمين.

 


(1) رواه الخطيب في «الفقيه» (2/ 402)، والسُّكَيْت ـ بضم السين وتخفيف الكاف المفتوحة وقد تشدد ـ آخر خيل الحَلْبة

(2) «تهذيب الأسماء» للنووي (1/ 30).

(3)  أخرجه الدارقطني في «السنن» (4472) والبيهقي في «السنن» (10/ 150)، والكتاب تلقته الأمة بالقبول،) وهو صحيح وِجادةً، انظر «إعلام الموقعين» (1/ 68) و«إرواء الغليل» (8/ 241).

(4)  «تهذيب الأسماء» للنووي (1/ 30).

(5) «الحلية» (8/ 239).

(6) «البرهان» للزركشي (2/ 152).

(7) الخبءُ الشيءُ الغائبُ الخفِيُّ المُخبَّأ

(8) «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (1/ 342).

 

* منقول من مجلة الإصلاح «العدد 61»

من مقالات الكاتب