أنت هنا:الكلمة الشهرية»فضائل الحج

فضائل الحج

  • ذو القعدة 1428 - نوفمبر 2007
  • أ.د. عبد المجيد جمعة
تم قراءة المقال 7965 مرة

 

الحمد لله الذي جعل التوحيد مفزعا لعباده وحصنا، وجعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنا، وأفاض عليهم فيه من بركاته رحمة ومنّا، وجعل أفئدتهم تهوي إليه أنينا وحنينا، وجعله حرزا على أعدائه وحصنا حصينا.

أما بعد، فإنّ الله جلّ وعلا فرض على المسلمين الحجّ، وأوجب عليهم الإتيان إليه من كل فجّ، وأمرهم أن يُظهروا شعائره بالعجّ والثجّ.

قال تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وقال جلّ وعلا: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.

وقد استفاضت النصوص في فضله وعظم شأنه، هذا بيانها:

1) أيّام الحج أفضل أيام السنة:

من فضائل الحجّ أنّ أيّامه تصادف أفضل الأيّام عند الله تعالى، وهي عشر  ذي الحجة؛ إذ فيه يوم التروية في اليوم الثامن من ذي الحجة، ويوم عرفة في التاسع من ذي الحجة، ويوم النحر في العاشر، ولهذا كان الحج من أفضل ما عمل في هذه الأيام، وهي التي أقسم الله بها في كتابه فقال: ﴿وَالفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، وقد نقل الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره : (15/169) إجماع أهل التأويل على ذلك.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيّام- يعني أيام العشر-» قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل اللهِ إلاَّ رجلاً خرجَ بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء» [رواه البخاري].

2) الحج ّ ثوابه الجنة:

ومن فضائل الحج، أنّ الله تعالى جعل جزاءه الجنّة؛ لأنّه تضمّن تحقيق التوحيد ونبذ الشرك.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما، والحجّ المبرور ليس له جزاء إلاّ الجنة» [متفق عليه].

وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلّم معنى المبرُور في حديث آخر فتعيّن المصير إليه، وهو ما رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «الحجُّ المبرُور ليس له جزاء إلاّ الجنة» قيل: وما برُّه؟ قال: «إطعام الطعام، وطيب الكلام» [رواه أحمد وغيره بإسناد حسن، صحيح الترغيب والترهيب (رقم 1104)].

وإنما قيّد الحج المبرور بهذا؛ لأنَّ الحاجَّ محتاجٌ إلى معاملة الناس بالإحسان بالقول والفعل، وسُئِل سعيد بن جبير: أيّ الحاج أفضل؟ قال: «من أطعم الطعامَ، وكفّ لسانَه» [ لطائف المعارف (ص 258)].

3) الحجُّ يحط الخطايا ويمحو الأوزار:

ومن فضائل الحج أنّه يكفّر به جميع الذنوب، صغيرها وكبيرها، فعن عَمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لمّا جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلّم فقلت: ابسط يمينك فلأبايِعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي، قال: «ما لَك يا عَمرو؟» قلت : أردت أن أشترط، قال: «تشترط بماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أمَا علمتَ أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحج يهدم ما كان قبله» [رواه مسلم].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «من حجّ فلم يرفثْ ولم يفسَقْ رجعَ كيوم ولدته أُمُّهُ » [متفق عليه].

والرفثُ هنا هو الجماع بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾[البقرة 197].

وقوله : «كيوم ولدته أمه» أي بلا ذنب.

وظاهر هذه الأحاديث يدل على أنه لا فرق بين الصغائر والكبائر في الغفران، ويؤيّده حديث ابن عمر الآتي: «وأمَّا رميُك الجمار، فلك بكلِّ حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات».

4) الحجُّ من أفضل الأعمال وأكمل الأفعال:

ومن فضائل الحجّ أنّه من أفضل الأعمال التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه تعالى.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سئل النبيّ صلى الله عليه وسلّم أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله،» قيل: ثمّ ماذا؟  قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل : ثم ماذا؟ قال: «حجٌّ مبرُور» [متفق عليه].

وعن ماعز رضي الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم: أنّه سُئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وحده، ثم الجهاد، ثمّ حجّة مبرورة تفضل سائر الأعمال كما بين مطلع الشمس إلى مغربها » [رواه أحمد والطبراني بإسناد صحيح "صحيح الترغيب" (رقم 1103)].

5) الحجّ جهاد الضعفة:

ومن عجز عن الجهاد من النساء، والعجزة والمرضى فقد جعل الله له بديلا لذلك، هو الحجّ.

فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ فقال: «لَكُنَّ أفضل الجهاد؛ حجٌّ مبرور» -وفي لفظ - «لكُنَّ أحسن الجهاد وأجمله الحجُّ؛ حجٌّ مَبرورٌ»، قالت عائشة: فلا أدع الحجّ بعد إذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم. [رواه البخاري].

وعن الحسين بن عليّ رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: إنّي جبان وإنّي ضعيف، فقال: «هلُمَّ إلى جهاد لا شوكة فيه، الحجّ» [رواه الطبراني وإسناده صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1098)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «وجهاد الكبير والضعيف والمرأة: الحجّ والعمرة » [رواه النسائي وهو صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1101)].

وإنما كان الحجّ والعمرة جهادا؛ لأنّه يجهد المال والنفس والبَدَن.

6) الحجّ يجلب الرزق وينفي الفقر:

ومن فضائل الحجّ أنّه يجلب الرزق، وذلك أنّ الحاجَّ يحتاج إلى بذل المال والإنفاق في سبيل الله، ومَن أنفق شيئا في سبيل الله فإنّ الله تعالى يخلفه ويزيده من فضله.

فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضّة، وليس للحجّة المبرورة ثواب إلا الجنّة» [رواه الترمذي، صحيح الترغيب 1105].

ومعنى قوله «تابعوا» أي: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجّوا.

7) الحجّاج وفد الله عز وجلّ :

إذا لبّى الحجاج نداء الله تعالى فإنّهم يفدون إليه فيعطيهم سؤلهم ويجيب دعوتهم، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : «الحجّاج والعُمَّار وَفْدُ الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم» [رواه البزّار وإسناده حسن بشواهده، انظر: صحيح الترغيب (رقم 1107)].

والوفد: الذين يقصدون الأمراء لزيارة وغير ذلك.

8) الحجّ من حُسن الخاتمة:

من اخترمته المنية في الحجّ فهي علامة على حسن الخاتمة، لأنّه يبعث حاجًّا، والمرء يبعث على ما مات عليه، فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بعرفة إذ وقع عن راحلته فأقعصته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه بثوبيه، ولا تخمّروا رأسه، ولا تُحنِّطوه؛ فإنّه يبعث يوم القيامة ملبيّا» [متفق عليه].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَن خرج حاجّا فمات كتب له أجر الحاجّ إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة» [رواه أبو يعلى وهو صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1114)].

9) صلاة الحجّاج في المسجد الحرام:

إن ممّا يظفر به الحجّاج من الفضائل، صلاتهم في بيت الله الحرام الذي هو خير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله، والذي تتضاعف فيه الصلاة عمّا سواه من المساجد، فيجتمع له شرف العبادة في أشرف مكان، وفي أشرف زمان.

فعن جابر رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاّ المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» [رواه أحمد وابن ماجة وإسناده صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1173)].

10) الخروج إلى الحجّ يكتب الحسنات ويرفع الدرجات ويحطّ السيّئات:

ومن فضائل الحجّ، أنّ الحاجّ لا ينتقل من منسك إلى منسك إلاّ وله فضل في ذلك، منذ خروجه من بيته إلى الحجّ إلى أن يرجع.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت جالسا مع النبيّ صلى الله عليه وسلّم في مسجد منى فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف، فسلّما ثمّ قالا: يا رسول الله جئنا نسألك، فقال: «إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألان عنه فعلتُ، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت؟» فقالا: أخبرنا يا رسول الله، فقال الثقفي للأنصاريّ: سل، فقال: أخبرني يا رسول الله فقال: «جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤمّ البيت الحرام وما لك فيه، وعن ركعتين بعد الطواف وما لك فيهما، وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه، وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه، وعن رميك الجمار وما لك فيه، وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة» فقال : والذي بعثك بالحق لَعَنْ هذا جئت أسألك قال: «فإنّك إذا خرجت من بيتك تؤمُّ البيت الحرام لا تضع ناقتك خفّا ولا ترفعه إلاّ كتب الله لك به حسنة ومحا عنك خطيئة...» [رواه الطبراني في "الكبير" والبزّار وابن حبّان وهو حديث صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1112)].

وفي لفظ من حديث عبادة بن الصامت:  «فإنّ لك من الأجر إذا أممت البيت العتيق أن لا ترفع قدما أو تضعها أنت ودابّتك إلاّ كتب لك حسنة ورفعت درجة ». [رواه الطبراني في الأوسط وهو صحيح، المصدر السابق (رقم 1113)].

وهذا الحديث عظيم جدا، يجب أن يتقبّل بالرضا والاطمئنان، والتسليم والإذعان، ولا يردّ بزبالة الأفكار ونحالة الأذهان، لأنّ فضل الله أكثر، ورضوانه أكبر.

11) الخارج إلى الحجّ في ذمّة الله:

ومن فضائل الحجّ، أنّه مَن قصد بيت الله الحرام فإنّ الله تعالى يرعاه برعايته، ويكلؤه بحفظه حتى يعود إلى أهله.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة في ضمان الله عزّ وجلّ: رجل خرج إلى مسجد من مساجد الله عزّ وجلّ، ورجل خرج غازيا في سبيل الله، ورجل حاجّا» [أخرجه الحميديّ وأبو نعيم وإسناده صحيح على شرط الشيخين، الصحيحة (رقم 598)].

12) الإحرام يحطّ الآثام:

ومن فضائل الحجّ أنّه إذا خلع الحاجّ ثيابه، ولبس الإحرام وظلّ به، فقد خلع ثياب الذنوب والخطايا.

عن ابن مسعود رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من مؤمن يظلّ يومه محرما إلاّ غابت الشمس بذنوبه» [رواه الترمذي وهو صحيح، انظر: صحيح الترغيب (رقم 1133)].

13) فضل التلبية

من مناسك الحج التلبية ورفع الصوت بها، وقد وردت أحاديث في بيان فضلها:

فعن أبي بكر رضي الله عنه: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سئل أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «العجّ والثجّ» [رواه الترمذي وابن ماجة وهو حديث حسن، صحيح الترغيب (رقم 1138)].

والعَجّ: بفتح العين المهملة وتشديد الجيم: رفع الصوت بالتلبية.

والثجّ: هو نحر البدن.

وإنما أمر الحاجّ برفع الصوت بالتلبية؛ لأنّها تتضمن إظهار شعائر التوحيد والذلّ والخضوع والافتقار إلى الله ربّ العبيد.

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من ملبّ يلبّي إلاّ لبّى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا، عن يمينه وشماله» [رواه الترمذيّ وابن ماجة بإسناد صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1134)].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «ما أهلّ مهلّ إلاّ بُشّر ولا كبّر مكبِّر قطّ إلاّ بُشِّر. قيل: يا رسول الله! بالجنّة؟ قال: نعم» [رواه الطبراني في الأوسط وهو صحيح، "صحيح الترغيب" (رقم 1137)].

14) فضل الطواف وركعتيه:

ومن فضائل الحجّ أنّ الطواف حول البيت، والصلاة خلف المقام، يفكّ الرقبات، ويحطّ السيّئات، ويكتب الحسنات، ويرفع الدرجات.

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «من طاف بالبيت وصلّى ركعتين كان كعتق رقبة» [رواه ابن ماجة وإسناد صحيح، صحيح الترغيب (رقم 1142)].

وفي حديث ابن عمر المتقدّم: «وأمّا ركعتان بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل».

وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم  يقول: «مَن طاف بالبيت أسبوعاً لا يضع قدماً، ولا يرفع قدماً إلاّ حطّ الله عنه خطيئته وكتب له بها حسنة، ورفع له بها درجة» [رواه ابن خزيمة وابن حبان وهو صحيح، المصدر السابق، (رقم 1143)].

15) فضل استلام الحجر الأسود والركن اليمانيّ:

ومن فضائل الحجّ أنّ استلام الحجر الأسود والركن اليماني، يغسلان الذنوب ويشهدان يوم القيامة عند علاَّم الغيوب.

عن عُبيد الله بن عُبيد بن عمير أنّه سمع أباه يقول لابن عمر: مالي لا أراك تستلم إلاّ هذين الركنين الحجر الأسود والركن اليمانيّ؟ فقال ابن عمر: إنْ أفعل فقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: «إنّ استلامهما يحطّ الخطايا» [رواه أحمد والترمذي وهو صحيح، صحيح الترغيب (1139)].

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم في الحجر: «والله ليبعثنّه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد على من استلمه بحقّ» [رواه الترمذيّ بإسناد صحيح، المرجع السابق (1144)].

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «يأتي الركن يوم القيامة أعظم من أبي قبيس له لسان وشفتان» [رواه أحمد وهو صحيح، المرجع السابق (1145)].

16) فضل شرب ماء زمزم:

ومن فضائل الحجّ أنّ الحاج يحظى بارتواء من ماء زمزم، وقد روى ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام الطعم وشفاء السقم». [رواه الطبراني بإسناد حسن، المرجع السابق (1161)].

17) فضل السعي بين الصفا والمروة:

ومن فضائل الحجّ أنّ السعي بين الصفا والمروة كتحرير الرقاب.

ففي حديث ابن عمر السابق: «وأمّا طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة ».

18) فضل الوقوف بعرفة ومزدلفة:

في هذا اليوم العظيم يتفضّل الله على الحجّاج بمغفرة الذنوب، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف، والشفاعة فيمن شفع فيه.

ففي حديث ابن عمر المتقدم: «وأمّا وقوفك عشيّة عرفة فإنّ الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاءوني شعثا من كل فجّ عميق يرجون رحمتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفع له».

وعن ابن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: وقف النبيّ صلى الله عليه وسلّم بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال: يا بلال! أنصِت لي الناس، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، فأنصت الناس، فقال: «يا معشر الناس! أتاني جبرائيل آنفا فأقرأني من ربّي السلام، وقال: إنّ الله عزّ وجلّ غفر لأهل عرفات وأهل المحشر وضمن عنهم التبعات» فقام عمر بن الخطّاب فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصّة؟ قال: «هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة». فقال عمر بن الخطّاب: كثر خير الله وطاب. [صحيح الترغيب (رقم 1151)].

وعن عائشة رضي الله عنها أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو ثمّ يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء» [رواه مسلم].

19) فضل رمي الجمار:

ومن فضائل الحجّ أنّ رمي الجمرات، يكفّر السيّئات، وله من الفضل، لا يعلمه إلا ربّ الأرض والسموات.

ففي حديث ابن عمر المتقدّم: «وأمّا رميك الجمار فلك بكلّ حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات» -وفي لفظ- «وإذا رمى الجمار لا يدري أحد ما له حتى يوفاه يوم القيامة».

وفي حديث عبادة بن الصامت: «وأمّا رميك الجمار، قال الله عزّ وجلّ ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة 17]».

وعن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «إذا رميت الجمار كان لك نورًا يوم القيامة» [رواه البزّار وإسناده صحيح، انظر: صحيح الترغيب (رقم 1157)].

20) فضل حلق الرأس:

ومن فضائل الحجّ أنّ حلق الرأس يوجب الرحمات، ويثبت الحسنات، ويمحو الخطيئات.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: «اللهم اغفر للمحلقين»، قالوا: يا رسول الله وللمقصّرين؟ قال: «اللهمّ اغفر للمحلّقين»، قالوا: يا رسول الله وللمقصّرين، قال: «وللمقصّرين» [متفق عليه].

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «وأمّا حلقك رأسك فإنّه ليس من شعرك شعرة تقع في الأرض إلاّ كانت لك نورا يوم القيامة» [رواه الطبراني في الأوسط وهو صحيح، المرجع السابق (رقم 1113)].

وفي حديث ابن عمر المتقدّم «وأمّا حلاقك رأسك فلك بكلّ شعرة حلقتها حسنة، وتمحي عنك خطيئة».

21) فضل النحر ويومه وأيّام منى:

ومن فضائل الحجّ أنّ فيه يومًا من أعظم الأيام عند الله تعالى، وهو يوم النحر.

فعن عبد الله بن قرط الثمالي رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القرّ» [رواه أبو داود وأحمد بإسناد صحيح، صحيح الجامع (رقم 1075)].

ويوم القرّ: هو أوّل يوم من أيّام التشريق، سمي بذلك لأنّ أهل منى يستقرّون فيه، ولا ينفرون.

وفي حديث ابن عمر المتقدّم: «وأمّا نحرك فمدخور لك عند ربّك».

22) طواف الوداع يمحو الذنوب:

ففي حديث ابن عمر السابق: «وأمّا طوافك بالبيت بعد ذلك فإنّك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر الله لك ما مضى».

وفي حديث عبادة:  «وأمّا طوافك بالبيت إذا ودّعت تخرج من ذنوبك كيوم ولدتك أمُّك».

وهكذا يختم المسلم حجّه بمغفرة الذنوب فيكون الحجّ كلّه مغفرة: بدايته ووسطه ونهايته.

ففي هذه النصوص تشويق للأنام، وتحريض لساكن الغرام إلى عقد الإحرام لحجّ بيت الله الحرام.

فيا أيّها القارئ الكريم ها هي أبواب الجنّة قد فُتحت، وسبل الخير قد وُضحت، وتجارة رابحة قد عُرضت، فبادر إلى إجابة دعوة ربّ البيت قبل أن يحدث بك حدث الموت، فتندم على الفوت.

فعن الفضل بن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «من أراد الحجّ فليتعجّل، فإنّه قد يمرض المريض وتضلّ الضالّة، وتعرض الحاجة» [رواه أحمد وابن ماجة وهو حسن، صحيح جامع (رقم 5880)].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «استمتعوا من هذا البيت فإنّه قد هدم مرتين ويرفع في الثالثة» [رواه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم في صحاحهم بإسناد صحيح، انظر: الصحيحة (رقم 1451)].

وعن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: «إنّ الله يقول: إنّ عبداً أصححتُ له جسمه، ووسَّعتُ عليه في المعيشة، تمضي عليه خمسة أعوام لا يفد إليّ لَمَحرُوم» [رواه الطبراني وأبو يعلى وغيرهما بإسناد صحيح، انظر: المرجع السابق، (رقم 1662)].

ونختم الكلام بهذه الأبيات من المنظومة الميمية لابن قيّم الجوزية، والتي أبرز فيها وظائف الحجّ فقال رحمه الله:

أمَا والذي حجّ المُحبوُن بيته

ولبَّوْ له عند المهلّ وأحرموا

وقد كشَفوا تلك الرؤوسَ تواضُعًا

لعِزَة من تَعْنُوا الوجوهَ وتُسْلَمُ

يُهِّلونَ بالبَيداءِ لبّيك ربَّنا

لك َ المُلكُ والحمدُ الذي أنتَ تعلَمُ

دعاهُمْ فَلَبَّوهُ رِضًا ومحبَّةً

فَلمّا دعَوهُ كانَ أقْرَبَ مِنْهُمُ

تَراهُمْ عَلَى الأنضَاءِ شُعْثًا رُؤوسهم

وَغُبَرًا وهم فيها أَسَرُّ وأَنْعَمُ

وقد فارقوا الأوطان والأهل رَغبةً

ولم يثْنِهمْ لذاتُهم والتنعُّم

يسيرون من أقطارها وفجاجها

رجالاً وركبانًا ولله أسلموا

ولمّا رأتْ أبصارهم بيته الذي

قُلوبُ الوَرَى شوقًا إليه تضرَّمُ

كأنّهم لم ينصبُوا قطُّ قبلهُ

لأن شقاهم قد ترحَّلَ عنهمُ

فلله كم منْ غبرة مُهراقَة

وأخرى على آثارها لا تقدّم

وقد شرقت عين المحبِ بدمعِها

فينظر من بين الدُّموع ويُسجمُ

وراحوا إلى التعريف يرجون رحمةً

ومغفرةً ممّن يجُودُ ويُكْرِمُ

فلله ذاك الموقف الأعظمُ الذي

كموقف يومِ العرضِ بلْ ذاكَ أعظَمُ

ويدْنو به الجبّار جلَّ جلالُهُ

يباهي بهم أملاكه فهو أكرمُ

يقول عبادي قدْ أتَوني محبّةً

وإنّي بهم برٌّ أجودُ وأكرمُ

فأشهِدكم أني غَفَرْتُ ذُنوبهم

وأَعْطَيتُهم ما أمَّلُوهُ وأَنعِمُ

فَبُشراكم يا أهل ذا الموقِفِ الذي

به يغفِر الله الذنوب ويرحَمُ

فكم من عَتيق فيه عِتْقُهُ

وآخر يستسْعى وربُّكَ أكرَمُ

وما رؤِيَ الشيطانُ أَغْيظَ في الورَى

وأحْقَرَ منه عندها وهوَ أَلأَمُ

وذاكَ لأَمرِ قد رآهُ فغاظَهُ

فأقبَلَ يحثو التُربَ غيظًا ويَلْطِمُ

لِمَا عايَنَتْ عيناه من رحمة أتَتْ

ومغفِرةً من عند ذي العرشِ تُقسَمُ

بَنى ما بَنى حتّى إذا ظنّ أنَّه

تمكّن من بنيانه فهو محكمُ

أتى الله بُنيانا له من أساسه

فخرّ عليه ساقِطا يتهدّمُ

وكم قدرُ ما يعلو البناءُ وينتهي

إذا كان يَبنيهِ وذُو العرشِ يَهدِمُ

وسُبحانك اللهم وبحمدك أشهدُ أن لا إله إلاّ أنت أستغفرك وأتوب إليك.