أنت هنا:قضايا منهجية»التعليقات على جواب توميات

التعليقات على جواب توميات

  • حسن أيت علجت
تم قراءة المقال 9910 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمَّدا عبده ورسوله. وبعد؛

فقَدْ يسَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ لي الاطِّلاعَ على الجوابِ الذي أجابَ به الشيخُ عبد الحليم توميات ـ إمامُ مسجد عمر بن الخطاب بالجزائر العاصمة ـ، عن السُّؤالِ الذي وُجِّهَ إليه حَوْلَ كلمَةٍ تلفَّظَ بها الدكتور عائض القرني، والمنْشُورِ في موقع «منار الجزائر»؛ فعَلَّقتُ عليه بعض التعليقات من باب التَّعاون مع مُحَرِّرِ هذا الجواب على الخيْرِ، ونُصْرتِه، كما تقتضيه الأخوَّةُ الإسلامية، امتثالا لقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم المرويِّ في «صحيح البخاري»: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَفَرَأَيْتَ إِذَا كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: «تَحْجُزُهُ (أَو: تَمْنَعُهُ) مِنْ الظُّلْمِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ»، ولمِاَ جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه موقوفا ـ وقَدْ صحَّ الشَّطْرُ الأوَّلُ منه مرفوعا ـ: «المُؤْمِنُ مِرْآةُ أَخِيهِ، إذا رأى فيهِ عَيْبًا أصْلَحَهُ». رواه البخاري في «الأدب المفرد»، وحسَّنَ إسنادَه العلاَّمةُ الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (177/238).

وهذا نصُّ السؤال مع جوابِهِ مُرْفَقًا بالتَّعليقات المُومَى إليها:

«السّؤال: السّلام عليكم..أودّ الاستفسار عن فضيلة الدّكتور عائض القرني، فيقال عنه أنّ له خطأً في العقيدة لمناداته الله بقوله:«يا أنت»..؟».

الجواب:

« الحمد لله، والصّلاة والسّلام على رسول الله، أمّا بعد:

ففضيلة الدّكتور عائض القرني من أبرز الدّعاة على السّاحة قديما وحديثا، وكان قديما ينتهج منهج السّياسيّين الثّوريّين الّذين يؤلّبون الشّباب على الحُكّام،...».

- التعليق: 

هذا الكلام ينقُضُ آخِرُه أوَّلَهُ!!!

فكيف يجتمع قول الشيخ عبد الحليم: «ففضيلة الدكتور عائض القرني من أبرز الدعاة على السّاحة قديم».

مع قوله: «وكان قديما ينتهج منهج السّياسيّين الثّوريّين الّذين يؤلّبون الشّباب على الحُكّام» وهو منهج الخوارج المبتدعة كما لا يخفى؟!

اللَّهُمَّ إلاَّ إذا كان المقصودُ أنَّه كان من أبْرَز دُعاة الباطل والضَّلال قديما، وهذا ينبغي أن يُبَيَّن؛ لأنَّ شُروطَ تَوْبَةِ دعاةِ الباطل، ورؤوسِ الضلال، غيْرُ شُروط تَوْبَة سائر النَّاس من العوام والأتْبَاع، كما سيأتي بيانُه.

*   *   *

  «ولا شكّ أنّه كان مخطئا».

- التعليق: 

هذه العبارة هيِّنة ليِّنة، وهي تحْتَمِلُ الخطأَ الاجتهاديَّ المغفورَ...

فكيف يكون من ينتهج منهج الخوارج الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنَّهم «شرُّ الخلْقِ والخَليقَة» و«كِلاَبُ أهْلِ النَّار»، مخطئا فحسب؟!!

ولا غَرْوَ أنَّ مِثْلَ هذه العِبَاراتِ اللَّطيفةِ المُحْتَمَلَة، قد تُهوِّن من قُبْحِ هذا المَنْهَج الأعْوج الأهْوج، وتُقَلِّلُ خُطُورَتَه، وتُمَيِّعُ منهجَ أهل الحقِّ.

*   *   *

  «ولله الحمد فقد تاب، ورجع عن منهجه ذلك».

- التعليق: 

1 ـ يا ليْتَ الشَّيخَ عبْدَ الحليمِ يُبيِّنُ لنا أيْنَ وقف على رجوعه عن منهجه، وتوْبَتِهِ هذه، ويذكُرُ لنا نَصَّها بِفَصِّهَا؛ حتَّى نطْمَئِنَّ جميعا على سلامة منْهَج الرَّجُل.

2 ـ يُعَكِّر على دعْوَى توبة الدكتور عائض، ما ذكره الشيخ عبد المالك رمضاني في كتابه «تخليص العباد من وحشية أبي القتاد» حيث قال في (ص 320 ـ ط: دار هدي السلف):

«بَعْدَ هذه الفظائع التي يَخْجَلُ المسلم مِنْ أنْ تُنْسَبَ إلى دينه، وبعد وقوعها بسنوات، يجيء الشيخ عائض القرني مؤيِّدا، ونافِخًا في أصحابِها نَفَسًا جديدا؛ فيقول في كتابه «كونوا ربَّانيين» (ص 45): «وأصبحتْ مسألة الجزائر كأنَّها خطيئةٌ فعَلَتْها الأُمَّة! والحركة في الجزائر... والأصوليون في الجزائر... وغير ذلك؛ وسوف تُلْحَقُ بها البوسنة والهرسك والصومال؛ لأنَّ هذه الوسائل لا تترك قبيحا إلاَّ وسَّعَتْه، وضخَّمتْه، وأعْطَتْه من الهالة والحجْمِ حتى يقْتَنِع الأغبياء، والبُسَطاء من الناس بما تقول!!

فينبغي أنْ يُذَبَّ عن أعراض هذه الجماعات، وهذه الدعوات الصالحة النَّاصحة، وهؤلاء الأخيار الذين يهدِّدون عالَمَ الكفر، ويزحفون في زحْف مُقدَّسٍ على دول الوثنية، وهم جديرون بقدر جُهدهم!!!».

قلت (أي: الشيخ عبد المالك): لقد قيل لغَرَضٍ ما: إنَّ عائضا قد تراجع!! قلنا: عن ماذا؟! وكتابُه هذا يُطْبَعُ في طبعته الأُولى سنةَ (1421هـ)، أيْ بعدَ ميلادِه الجديد! فلا هو استفاد من أيامه بالرجوع إلى منهج أهل السنَّة والجماعة في معاملة الفِرَقِ، ولا هو انتْصَح بما كتبْتُهُ عن مسألة الجزائر، وهو يعْلَمُهُ، أو قد سمع به على الأقلِّ، مع هذا فإنَّه لم يرَ إلى الآنَ ـ وهو فقيه الواقع!! ـ خطيئةً فعلَتْها تلك الجماعاتُ!!» اهـ.

*   *   *

«ومحاضراتُه اليوم كلّها في تهذيب النّفس، وتزكيته».

- التعليق: 

تزكية النفوس تكون بالدعوة إلى التوحيد وتقريره، والتحذير من الشرك والوسائل المُفْضِيَةِ إليه، والدعوة إلى السُّنَّة والتحذير من البدعة.

وأنَّى يكونُ ذلك لمن هو متخبِّطٌ في أبواب التوحيد بقِسْمَيْهِ: العِلْمِيِّ الخبري، والعَمَليِّ الإرادي، بل وفي باب الولاء والبراء كما سيأتي بيانُ هذا كُلِّه؟

*   *   *

  «فلا داعِي للتّحْذير منه، فمن تاب تابَ الله عليه..»

- التعليق: 

1 ـ نَعَمْ والله..! مَنْ تابَ: تابَ اللهُ عليه، ولكنَّ الشَّأْنَ كُلَّ الشَّأنِ، في ثُبُوتِ هذه التَّوْبَة وصِحَّتها، كما مرَّ ويأتي.

ثمَُّ يُقال: لقد ذكَرَ العُلَماءُ شروطَ التَّوبة من البدعة، وبيَّنوها في كُتُبِهم، فهذا العلاَّمةُ ابْنُ مُفْلِحٍ : يقول في «الآداب الشرعية» (1/137 ـ ط: مؤسسة الرسالة):

«قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَأَمَّا الْبِدْعَةُ، فَالتَّوْبَةُ مِنْهَا: بِالاعْتِرَافِ بِهَا، وَالرُّجُوعِ عَنْهَا، وَاعْتِقَادِ ضِدَّ مَا كَانَ يَعْتَقِدُ مِنْهَا»...

إلى أن قال:

«وَقَالَ [أَحْمَدُ بْنُ حنْبَلٍ] فِي رِوَايَةِ المَرُّوذِيِّ: «وَإِذَا تَابَ المُبْتَدِعُ يُؤَجَّلُ سَنَةً حَتَّى تَصِحَّ تَوْبَتُهُ»، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّ الْقَوْمَ نَازَلُوهُ فِي صَِبيغِ [بْنِ عَسَلٍ] بَعْدَ سَنَةٍ، فَقَالَ: جَالِسُوهُ وَكُونُوا مِنْهُ عَلَى حَذَرٍ» اهـ.

فهلاَّ عمِلْنَا بهذه النَّصيحة من إمام أهْلِ السُّنَّة، بدَلَ اخْتِرَاعِ مناهجَ جديدةٍ مُخَالِفَةٍ لمنهج السَّلف والأئمة؟!...

2 ـ لقد روى الإمام أحمد في «الزهد» والطبراني في «المعجم الكبير» عن عطاء بن يسار أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم  بَعَثَ مُعَاذاً إلى اليمن، فقال: يا رسولَ الله! أوْصِنِي، قال: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ ما اسْتَطَعْتَ، واذْكُرِ اللهَ عز وجل عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وشَجَرٍ، وإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً؛ فَأَحْدِثْ عِنْدَها تَوْبَةً: السِّرُّ بالسِّرِّ، والعَلاَنِيَّةُ بالعَلاَنِيَّةِ»، وحَسَّنَه الشيخ الألباني في «صحيح الترغيب» تحت رقم (3144)، وهو مخرَّجٌ في «الصحيحة» برقم (3320).

وعلى هذا؛ فالذي جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُ أهْلِ العِلْم، أنَّ التَّوْبَة من الخطأ الشَّائع الذَّائع يتعيَّنُ أنْ تكونَ جهْرًا وعَلَنًا؛ سيَّما إذا كان الأمرُ مُتَعَلِّقًا بأحد رؤوس السّياسيّين الثّوريّين الّذين يؤلّبون الشّباب على الحُكّام، كما ذَكَرَ الشيخُ عبد الحليم سدَّده الله.

ولماَّ كان المِثَال يُوَضِّحُ المقَال؛ فسنذكُرُ مِثَالَيْن لتوبة من كان على بدعة ثم رجع عنها:

ـ الأول: توبة الشيخ أبي الحسن الأشعري : من الاعتزال؛ فقد قال الإمام ابن كثير في «البداية والنهاية» (11/212) ما نَصُّه: «وقد كان الأشعريُّ مُعْتَزِليًّا؛ فتاب منه بالبصرة فوق المنبر، ثم أظهر فضائح المعتزلة وقبائحهم» اهـ.

فهو لم يكْتَفِ بإعلان توبته فوق المنبر، بل أظْهَر عَوَارَ المنهج الذي كان عليه، وحَذَّر النَّاس من انْتِحَالِه.

ـ الثاني: توبة العلاَّمةِ المتفنِّن أبي الوفاء بْنِ عقيل ـ شيخِ الحنابلة في زمانه ـ التي كتبها بخطِّ يده، وقد ذكرها الحافظ ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (ص 58)  وهذا نصُّها:

«يقول علي بن عقيل بن محمد: إنِّي أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صُحْبَةِ أربابه، وتعظيمِ أصحابه، والترحُّمِ على أسلافهم، والتَكَثُّرِ بأخلاقهِم.

وما كنْتُ علّقتُه، ووُجِدَ بخَطّي من مذاهبهم وضلالتهم؛ فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته، ولا تَحِلُّ كتابته، ولا قراءتُه، ولا اعتقادُه...».

إلى أن قال :

«وقد كان الشَّريف أبو جعفر، ومن كان مَعه من الشيوخ، والأتباع، ـ سادتي وإخواني حرسهم الله تعالى ـ مصيبين في الإنكار عليَّ، لِمَا شاهدوه بحوْزَتِي من الكتب التي أبرأُ إلى الله تعالى منها، وأتحقَّقُ أني كنتُ مخطئًا غير مصيب» اهـ.

وها هنا أمْرٌ آخرُ زائِدٌ على إعلان التوبة، وهو الاعْتِرافُ بصواب العلماء الذين كانوا يَرُدُّون عليه، ويُحَذِّرُون من بِدْعَتِه التي كان عليها.

*   *   *

«أمّا كلامُ أهل الجهل فيه وفي غيره فلا يلتفت إليه، لأنّ أهل الجهل ما تركوا أحدا إلاّ وثلبوا عرضه، والله المستعان».

- التعليق: 

لا شكَّ أنَّ أهْلَ الجهْلِ لا يُلْتَفَتُ إلى قولهم، وهذا تحْصيلُ حَاصِلٍ...

لكن لم يذْكُرْ لنا الشيخُ عبدُ الحليم كلامَ أهْلِ العلم القائلين بتوبة الدكتور عائض ورُجوعِه، بل ولاَ حتَّى فَحْوَى هذا الكلامِ الذي قاله هؤلاء الذين وصَفَهُم بأهل الجَهْلِ، حتَّى يُوزَنَ بالقِسْطاَسِ المستقيم.

*   *   *

«أمّا ما نُقِل عنه أنّه نادى الله تبارك وتعالى بقوله: «يا أنت»؛ فهذا قاله في محاضرة له بعنوان: «أمّا بعد»، وأتى بأبيات من الشّعر، وفيها قوله:

 

يا أنتَ يا أحسنَ الأسماءِ في خَلَدي

ماذا أُعَرِّفُ من مَتْنٍ ومـن سَندِ

تَقَاصرْت كلُّها الأوصافُ عندكمُ

لمَّا سَمِعْنا ثناءَ الواحـدِ الأحـدِ

واللهِ لو أنَّ أقلامَ الورى بُرِيَــتْ

مِن العروقِ لمدحِ السـيدِ الصّمدِ

لم نبلغِ العُشرَ ممـا يستحـقُّ ولا

عُشرَ العشيرِ وهذا غايـةُ الأمـدِ

  
ولا شكّ أنّ الأدباء والشّعراء يصدر عنهم مثل هذه الأخطاء، فيستسهلها النّاقل لها، ولا يتفطّن للخطأ الذّي به».

- التعليق:

1 ـ سبَقَ للشيخِ عبد الحليم في أوَّلِ جوابِهِ أنْ جَعَلَ الدكتور عائضا من الدُّعاةِ إلى الله والمشايخ المربِّين، ثم يجعلُه الآن من الأدباء والشعراء الذين هم في كل واد يهيمون!!

وعلى كُلٍّ حالٍ، لا يَخْفَى على مِثْلِ الشيخِ عبد الحليم الفرقُ بين الآثارِ المترتِّبَةِ عمَّا يتَلفَّظُ به الدَّاعيةُ والشيخُ المُربِّي الذي يَتَأسَّى به المسلمون، والمتَرَتِّبَةِ عمَّا يتَلفَّظُ به الشَّاعرُ الذي يتَّبِعُه الغَاوون.

2 ـ إنَّ مِنْ دأْبِ العُلَمَاءِ تصحيحَ المفاهيم، وتَقْويمَ الألفاظ، ولو كانت صادرةً من الشعراء:

فهذا الإمام ابن القيم ينتقد أبياتا للأمير الشاعر أبي فراس الحمداني يمدح فيها سيف الدولة، تضمَّنت غُلُوًّا ومبالغَةً، فقال : في «مدارج السالكين» (2/301):

«ولقد أحسن أبو فراس في هذا المعنى، إلاَّ أنه أساء كل الإساءة في قوْلِه؛ إذْ يقوله لمخلوق لا يملك له، ولا لنفْسه نفعا ولا ضرًّا:

 

فلَيْتَكَ تحلُو والحياةُ مَرِيرَةٌ

وليتَكَ ترضَى والأنامُ غِضَابُ

وليتَ الَّذي بيني وبينكَ عامِرٌ

وبيني وبينَ العالمينَ خرابُ

إذا صَحَّ مِنْكَ الودُّ فالكُلُّ هَيِّنٌ

وكُلُّ الذي فوْقَ التُّرابِ تُرابُ

 

»اهـ.

 

وقال الإمام ابن كثير في «البداية والنهاية» (11/292) في ترجمة أبي الطيب المتنبي:

«ومنها قوله:

 

يا مَـنْ أَلُـوذ ُ بِهِ فـــيما أُؤَمِّــلُــه

ومَـنْ أعـوذ ُ بـه مِـمَّا أُحَاذِرُهُ

لا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أنْتَ كَاسِرُه

ولا يَهِيضُونَ عَظْمًا أنْتَ جَابِرُهُ

وقد بلَغَني عن شيخِنا العلاَّمةِ شيخِ الإسلامِ أحْمَدَ بْنِ تيميَّةَ : أنه كان يُنْكر على المتنبِّي هذه المبالغةَ في مخلوقٍ، ويقولُ: «إنَّما يَصْلُحُ هذا لجَنَابِ الله سبحانه وتعالى».

وأخبرني العلاَّمةُ شمسُ الدين بنُ القيِّم : أنه سمع الشَّيْخَ تقيَّ الدِّين المذْكُورَ يقول: ربَّما قُلْتُ هذيْن البيتيْن في السُّجود؛ أدْعو الله بما تضمَّناه من الذُّلِّ والخضوع» اهـ.

بل هذا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُصَحِّحُ لفْظَ بعْضِ الجواري، ويُبَيِّنُ خطأه؛ ففي «صحيح البخاري» عنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَقُولِي هَكَذَا، وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ».

وفي رواية صحيحة لابن ماجة: «أَمَّا هَذَا فَلاَ تَقُولُوهُ؛ مَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلاَّ اللهُ».

*   *   *

«فهو من خطأ اللّسان، لا ريب في ذلك».

- التعليق:

الجواب على هذا من وجهين:

ـ الأول: أنه على فرْضِ التَّسْليم بذلك؛ فينبغي على القائل أن يُصَحِّحَ هذا الخطأَ، ويتراجعَ عنه.

ـ الثاني: أن هذه الزلَّة في باب التوحيد ليست الأُولى من جنسها في كلام الدكتور عائض؛ فقد قال الشيخ عبد المالك رمضاني في  كتابه «مدارك النظر» (ص145 ـ ط6):

«فانظر مثلاً كتاب «المسك والعنبر في خطب المنبر» لعائض القرني، فقد أتى فيه بخرافات المتصوفة؛ كدعوته إلى الاحتفال بيوم الهجرة النبوية ـ وهو احتفالٌ مبتدَع شبيهٌ باحتفال المبتدعة بالمولد النبوي ـ مُضَاهَاةً للكافرين، كما نصَّ عليه في (1/189 ـ 191)» اهـ.

وقال أيضا الشيخ عبد المالك في نفس المصدر (ص 148) عن كتاب «المسك والعنبر»:

«وفي (1/74 ـ 75) منه: تهييجُه على شدِّ الرِّحال إلى قبْرِ النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ عازياً هذا الفعل إلى بلال رضي الله عنه في قصة مشهورة هي عُمْدَةُ الخُرافِيِّين، وقد اسْتنْكَرها الذهبيّ في «السير» (1/358)، وابن عبد الهادي في «الصارم المنكي»، (ص 314 ـ 320)، وقال فيها ابن حجر في «لسان الميزان» (1/108): «وهي قِصَّةٌ بَيِّنَةُ الوَضْع».

ولسماحة مفتي الديار السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم : ردٌّ وافِرٌ عليها في «شفاء الصدور في الردّ على الجواب المشكور» (ص13 ـ 21)، وكذا الشيخ الألباني في «دِفَاعٌ عن الحديث النبوي والسيرة» (ص 94 ـ 102) وقال: «فهذه الرواية باطلة موضوعة؛ ولوائح الوضع عليها ظاهرة من وجوه عديدة...».

إلى أن قال في (ص 96): « قوله: (ويُمَرِّغُ وجْهَه عليه)؛ قلتُ (أي: الألباني): وهذا دليل آخر على وضع هذه القصة وجهل واضعها؛ فإنه يصوِّر لنا أن بلالاً رضي الله عنه من أولئك الجهلة الذين لا يقفون عند حدود الشرع إذا رأوا القبور، فيفعلون عندها ما لا يجوز من الشِّرْكِيَّات والوَثَنيَّات، كتلمُّس القبر، والتمسُّح به وتقبيله» اهـ. 

قلت [أيْ: الشيخ عبد المالك]: وتقبيل القبر الذي جعله الشيخ الألباني من دين القبوريين ـ كما ترى ـ هو عَيْنُ ما أمَرَ به القرني المسلمين؛ حيث قال في ص (57) من كتابه «لحن الخلود» بصراحة:

فَـحَيِّ القُـُبـورَ المـَاثِـلاَتِ تـَحِيَّةً

وَضَعْ قُبْلةً يا صاحِ مِنْكَ على اللَّحْد

على خَيْرِ مَنْ مسَّ الثَّرَى بعَبِيرِهِ

أكْـرَمِ مَيْـتٍ في الـورى لُـفَّ في بـُرْدِ

وجعل رجاءَه الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة سائلاً ذلك منه ـ لا من الله ـ؛ فقال فيها أيضا:

 

وأرجو بحبِّي من رسولي شفاعة

إذا طاشَتِ الأحْلامُ في مَوْقِفٍ مُرْدِي

عساه بقُرَبِ الحُبِّ يذْكُرُني به  

وراحتُه السَّـْمحَـاءُ تـأْبَـى عـن الـردِّ

  

قلت: قال الله تعالى:﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾، وقال: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾.

وجعل النجاة من فزع الصراط بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فيها أيضا:

أريدُ بِمَدْحي أنْ يُبَلِّغني النَّجَا

مُرُورَ صِرَاطٍ مُفْزِعٍ مُصْلَتِ الحَدِّ

قلت: يا هذا! أقْصِرْ عن هذا الغُلوّ المهلِك؛ فقد قال الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ .

والذي تشيبُ له رؤوس أهل التوحيد وَصْفُهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم بأنه: «إنسانُ عَيْنِ الكَوْن» في كتابه «المسك والعنبر» (1/190)!!!

وهذا عين قول غلاة الصوفية أصحاب وحدة الوجود؛ فقد قال الجزولي في «دلائل الخيرات» (ص 71): «وهو.. ـ يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم ـ إنسان عين الوجود والسبب في كل موجود...». (نقلاً عن كتاب «فضل الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم» لفضيلة الشيخ عبد المحسن العبّاد ـ حفظه الله ـ ص 22)». اهـ كلام الشيخ عبد المالك.

*   *   *

«ثمّ إنّ هذا لا يُعدّ خطأً في العقيدة بالمعنى الّذي يراد منه أنّه يمسّ أصلا من أصول الإيمان الّذي يخرج به المخالف من دائرة أهل السنّة،...»

- التعليق:

لاشك في أنَّ هذا الخطأَ الذي وقع فيه الدكتور عائض هو خَطَأٌ عَقَديٌّ؛ إذْ هو متعلِّقٌ  بباب الأسماء والصفات.

وهو يمَسُّ أصلا من أصول الإيمانِ، وهو الإيمانُ بالله عز وجل، الذي يتضمَّنُ الإيمانَ بربوبيَّتِه، وألوهيَّتِه، وأسمائه وصفاته.

وكوْنُ هذا الخطأ لا يخرُجُ به صاحبُه من دائرة أهل السنَّة؛ لا يستلْزِمُ التَّهْوينَ منه، وعدَمَ بيانِه، وتحْذيرِ المسلمين من الاقتداء بمُقْتَرِفِهِ فيه.

والواجبُ أنْ يكونَ هَمُّ طالبِ العِلْمِ، والدَّاعية تصْحيحَ الخطأ أوَّلاً، والنُّصْحَ للمسلمين بتحْذيرهم من الوقُوعِ فيه، سيَّما إذا كان متعلَّقا بتوحيد الله عز وجل ـ كما هو الحالُ هنا ـ، ثُمَّ بعْدَ ذلك إظهارَ فَضْلِ المخْطِئِ، والاعتذارَ له، إنْ كان أهلا لذلك.

أمَّا تكْثِيرُ الكلام في الدفاع عن المخْطِئ، والتماسُ الأعذار الباردةِ له، ولو بالتَّهْوينِ من الخطأ، والتَّقليلِ من خطورته؛ فإنَّ هذا ليس من النُّصْح في شيء، بل قد يَؤُول إلى التَّغْريرِ بالمسلمين، والتِبَاسِ الحقِّ بالباطل.

فالحذرَ، الحذَرَ، من التحزُّب والتعصُّب للأشخاص على حساب الحق...

*   *   *

«إنّما هذا من الخطأ الّذي ينبغي أن يُبيّن علميّا، وأنّ الله تعالى له الأسماء الحسنى وأمرنا أن ندعُوَه بها، و«أنت» ليس من أسمائه، ولم يُنادِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ربّه به أبدا، إنّما هذا من شطحات الصّوفيّة، وليس كلّ من وقع في خطأ صوفيّ فهو صوفيّ، فأقول: هذا من خطأ اللّسان الّذي لا ينتبه إليه المتكلّم،...»

- التعليق:

1 ـ لقد سبقَ الكلامُ على كوْن هذا الخطأ (زلَّة لسان)، ومرَّ بنا أنَّ لهذه الزلَّةِ أخواتٍ، وأنَّ هذه الهفْوةَ أرْدَفَتْ هفَواتٍ.

2 ـ ولمَّا كان الشَّيْءُ بالشيْءِ يُذْكَرُ؛ سأسوقُ كلامًا للدكتورِ عائضٍ ـ هو من أَوَابِدِهِ ـ ذكَرَهُ في مقالٍ له من أواخِرِ ما سوَّدَهُ، وذلك أثناء زيارَةٍ له لفرنسا لعلاج رُكْبَتَيْه، فأُعْجِبَ بأهْلِهَا حتى فُتِنَ قَلْبُه!!!

وقد نشر هذا المقال في جريدة «الشرق الأوسط» (!!!) [الخميـس 07 صفـر 1429 هـ 14 فبراير 2008 العدد 10670] تحت عنوان: «نحن العرب قُسَاةٌ جُفَاةٌ»، وجاء في ثناياه ما يلي:

«وقدْ أقمْتُ في باريس: أُراجِعُ الأطبَّاءَ، وأدخلُ المكتبات، وأشاهِدُ النَّاس، وأنظر إلى تعاملهم، فأجدُ: رِقَّةَ الحضارة، وتهذيبَ الطِّبَاعِ، ولُطْفَ المشاعر، وحفاوةَ اللقاء، حُسْنَ التأدُّبِ مع الآخر...أصواتٌ هادئة، حياةٌ مُنظَّمة، التزامٌ بالمواعيد، ترتيبٌ في شؤون الحياة.

أما نحن العرب فقد سبقني ابن خلدون لِوَصْفِنَا بالتوحُّش والغلظة...

وأنا أفخر بأني عربي؛ لأن القرآن عربي، والنبي عربي، ولولا أنَّ الوحي هذَّبَ أتباعَه، لبَقِينَا في مرَاتِعِ هُبَل، واللاَّت والعُزَّى، ومناة الثالثة الأخرى؛ ولكننا لم نزَلْ نحن العرب من الجفاء والقسوة بقدر ابتعادنا عن الشرع المطهر.

نحن مجتمع غلظة وفظاظة إلاَّ من رحم الله؛ فبعض المشايخ وطلبةِ العلم ـ وأنا منهم ـ: جَفَاءٌ في الخُلُقِ، وتَصَحُّرٌ في النُّفوس؛ حتَّى إنَّ بعض العلماء إذا سألتَهُ اِكفهرَّ، وعبَسَ وبَسَرَ...» اهـ.

هكذا فَلْيَكُنْ تَهْذيبُ النُّفُّوسِ وتزكيتُها: بالثَّناء على الكفار، والطَّعْن في العلماء والمشايخ وطلبة العلم الأبرار!!!

وليت شِعْرِي هل يُلْحِقُ الشيخ عبد الحليم هذا الكلام ب«أخطاء اللسان»، أم يُرْجِعُهُ إلى فَسَادِ القلب والجَنَان؟

والله المستعان...

*   *   *

«وهاهو النبيّ  صلى الله عليه وسلم يعذِر أصحابه في أكثر من ذلك، روى ابن ماجه وأحمد عَنْ حُذَيْفَةَ ابْنِ الْيَمَانِ  رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ: «نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ! لَوْلاَ أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ: تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ» وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَعْرِفُهَا لَكُمْ، قُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ».

- التعليق:

1 ـ الاستدلال بهذا الحديثِ في غير محلِّه؛ فالصحابة ي معذورون أصلا في كُلِّ ما يفعلونه قبل ورود حكم الشَّارع، كما هو حالُهم في هذا الحديث؛ فقد قال العلاَّمة الألباني : في «السلسلة الصحيحة» (7/1/400 ـ 401 ): «...أو أنَّ قوْلَها كان قبل النَّهي عن مثلها، كمثل: «ما شاء الله وشئت»؛ فقد كانوا يقولون ذلك، ويسمعُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولا ينهاهم، حتى أمَرَهُ الله تعالى بالنهي؛ فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في حديث الطفيل المتقدم برقم (138): «...وَإِنَّكُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنَعُنِي الْحَيَاءُ مِنْكُمْ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا، فَلاَ تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ»» اهـ.

2 ـ إنَّ هذا الحديث فيه تعظيمُ قَدْرِ التوحيد، والاهتمامُ بشأْنه، وعدمُ التَّهْوينِ والتَّمْييع لمسائله؛ فقد قال شيخ الإسلام في «المجموع» (1/136): «وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَقِّقُ هَذَا التَّوْحِيدَ لأُمَّتِهِ، وَيَحْسِمُ عَنْهُمْ مَوَادَّ الشِّرْكِ ؛ إذْ هَذَا تَحْقِيقُ قَوْلِنَا: لا إلَهَ إلاَّ اللهُ؛ فَإِنَّ الإِلَهَ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ؛ لِكَمَالِ المَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالإِجْلالِ وَالإِكْرَامِ، وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ؛ حَتَّى قَالَ لَهُمْ: «لا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ؛ وَلَكِنْ قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ»، وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْت، فَقَالَ: «أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَه...»  إلى آخر كلامه المفيد جدا.

*   *   *

«لذلك لا ينبغي أن نكون كأمثال الذّباب لا يقع إلاّ على النّجاسات فيطير بها هنا وهناك..»

- التعليق:

1 ـ هذه العبارة التي ذكرها الشيخ عبد الحليم، لعلَّها مُسْتَفَادَةٌ من عبارةٍ لشيخ الإسلام ابن تيميَّة، وهي قوْلُه: «الجاهِلُ بمَنْزِلَة الذُّباب الَّذي لا يَقَعَ إلاَّ على العَقِير، ولاَ يَقَعُ على الصَّحيح».

وقد وَضَعَها بَعْضُ النَّاس في غيْرِ موِْضِعِهَا ـ لسُوءِ فهْمٍ أو سوء قَصْدٍ ـ، وبَنَوْا عليها وعلى أمْثَالِهَا مِنْ كلام أهل العِلْمِ، مَنْهَجا مُنْحَرِفًا، سَمَّوْهُ «منهج الموازنات»؛ حقيقتُه وفَحْوَاهُ: السُّكُوتُ عنْ أخطاء المُخْطِئين، وتَلْمِيعُ أهْلِ البِدَعِ المُضِلِّين، وتَمْيِيعُ الحقِّ المُبِين.

وليتبيَّنَ معْنَى هذه العِبَارَةِ ومَغْزَاها، نَذْكْرُ السِّيَاقَ الَّذي أوْرَدَها فيه شيخُ الإسلام، وذلك في كتابِه «منهاج السُّنَّة النبوية في الردِّ على الشيعة والقدرية» (6/150 ـ  ط: جامعة الإمام):

«ولا ريْبَ أنَّ الستةَ الذين توفِّيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ ـ الذين عيَّنهم عمر ـ، لا يوجدُ أفْضَلُ منهم؛ وإنْ كان في كُلٍّ منهم ما كَرِهَهُ، فإنَّ غيرَهُم يكون فيه من المكروه أعظَمُ؛ ولهذا لم يتولَّ بعد عثمانَ خيرٌ منه، ولا أحسنُ سيرةً، ولا تولَّى بعد علي خيرٌ منه، ولا تولَّى مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ المسلمين أحْسَنَ سيرةً من معاويةَ رضي الله عنه، كما ذكَرَ الناسُ سيرتَه وفضائلَه.

وإذا كان الواحدُ من هؤلاء له ذنوبٌ؛ فغيرُهُم أعظمُ ذُنوبا، وأقلُّ حسناتٍ؛ فهذا من الأمور التي ينبغي أنْ تُعْرَفَ؛ فإنَّ الجاهلَ بمنْزِلَة الذُّباب الذي لا يقَعُ إلا على العَقِير، ولا يقَعُ على الصَّحيح، والعاقلَ يَزِنُ الأمورَ جميعا هذا وهذا» اهـ.

فهذا الكلامُ ـ كما نرى ـ ورَدَ في مَنْ ثبتَتْ ثقتُه وعدالتُه وديانتُه من السابقين الأولين، وغيْرِهِم من الصَّحابَة الميَامِين، رضي الله عنهم أجمعين، ويُلْحَقُ بهم مْنْ سار على نهجِهِمْ من أئمَّة المسلمين وعُلمَائهِم، سيَّما مَنْ له جُهودٌ في الدفاع عن السنَّة والذَّوْدِ عن حياضها؛ فإذا وقع مثل هؤلاء في بعض الأخطاء، فلا ينبغي أنْ نطْعَنَ فيهم بسبب تلك الأخطاء المغْمُورَةِ في بحْرِ حسَنَاتِهِم، ونُشَهِّرَ بهم لأجْلِها؛ وهذا داخِلٌ في قوْلِه صلى الله عليه وسلم: «أَقِيلُو ذَوِي الهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الحُدُودَ» رواه أحمد، وأبو داود، وهو في «السلسلة الصحيحة»  للألباني برقم (638).

فقياسُ هذا الدُّكتورِ المسْئُولِ عنه بمثل هؤلاء المذْكُورين، قياسٌ مع الفَارِق:

 

لا تَعْرِِضَنَّ بِذِكْرِ (ذا) مَعْ ذِكْرِهِمْ

لَيْسَ الصَّحِيحُ إِذا مَشَى كالمُقْعَدِ

2 ـ هذه الجملة إنْ كان يُقْصَدُ بها ذمُّ بيانِ خطأ المخْطِئ جُمْلةً، أو ذمُّ السؤال عن أمُورٍ أَشْكَلَتْ على السَّائل، ممَّا يسْمَعُه من المشايخ والدُّعاة في محاضراتهم ودروسهم؛ فهذا خطأ منهجيٌّ واضح!

وإنْ كان يُقْصَدُ بها إنْكارُ التَّحْذير مِنْ مِثْلِ هذا المسْئُول عنه، فيُقَالُ لصاحب الجواب: إذا كنتَ تُنْكِرُ «التَّحْذيرَ» ممَّنْ انْحَرَفَ أو زلَّ، فأمْسِكْ عن «التَّعديل» له أيضا، ودَعْ ذلك كُلَّهُ لأَهْل العِلْمِ المتأهِّلين له، وأمَّا الكلام الإنشائيُّ المُرْسَلُ فليس من العِلْم في شيءٍ.

3 ـ ويُقالُ ـ أيْضًا ـ توْجيهًا لهذه العبارة التي ذكرها الشَّيْخُ عبدُ الحليم:

نعم! لا ينْبَغِي أنْ نكونَ مِثْلَ الذُّباب لا يُبَالي حيْثُما وقَعَ، ولا يُمَيِّزُ بين الخبيثِ والطيِّب؛ فنَأخُذَ دِينَناَ عَنْ كُلِّ مَنْ دَبَّ ودَرَج؛ بَلْ ينْبَغِي أنْ نكونَ كالنَّحْل الَّذي ضربَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَثلاً للمؤمن؛ وذلك في الحديث الذي رواه ابن حِبَّان، وابن عساكر عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ: مَثَلُ النِّحْلَةِ؛ لا تَأْكُلُ إِلا طَيِّبًا، وَلا تَضَعُ إِلا طَيِّبًا». وقد صحَّح هذا الحديث العلاَّمة الألباني في «السلسلة الصحيحة» برقم (355).

فالواجبُ علينا ـ إذاً ـ أنْ نكونَ مثْلَ النَّحلة التي تتحرَّى مصْدَر غذائِها؛ فنتحرَّى مَصْدَرَ غِذاءِ أرْواحِنَا ـ ألا وهو العِلْمُ الشَّرْعِيُّ ـ؛ فلا نأخُذَهُ إلاَّ عَنِ العُلَمَاءِ، وطَلَبَةِ العِلْمِ الطيِّبِين المعروفين بسلامة العقيدة، والاستقامة على السُّنَّة والسَّبيل، وأنْ نجتنِبَ أصحابَ المناهج المنحرفة، والعقائد الفاسدة؛ حتَّى نسْلَمَ في عقيدتِنا وسُلوكِنا، فلا تصْدُر منَّا حينئذٍ إلاَّ الأقوالُ والأعمالُ الطيِّبة، لسلامة منهجنا العِلْميِّ والعمَلِيِّ.

وفي هذا جاء قَوْلُ التَّابعيِّ الجليلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ  :: «إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ؛ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ». رواه مسلم في مقدِّمَة «صحيحه» (1/11).

واللهَ نسْألُ أنْ يهْدِيَنا جميعا إلى ما اخْتُلِفَ فيه من الحق بإذْنِه، ويأخُذَ بأيْدِينا إلى جادَّةِ الهدى والصواب.

وآخر دعوانا أنِ الحمْدُ لله ربِّ العالمَين.