أنت هنا:قضايا تربوية»قرب الرب جل وعلا من داعيه

قرب الرب جل وعلا من داعيه

  • حسن أيت علجت
تم قراءة المقال 3228 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من(مجلة «الإصلاح» العدد 18)

 

إنَّ الدُّعَاءَ مِنَ العِبَادَاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ - عزَّ وجلَّ - لعِبَاِدِه، وبَيَّنَ رسُولُه - صلَّى الله عليه وسلَّم - كَيْفِيَّتَها وتَفَاصيلَها بَيَانًا شَافِيًا.

وقد صَنَّف العُلَمَاءُ - قديمًا وحديثًا - في ذلك تَصَانِيفَ كَثِيرةً ذكَرُوا فيها كُلَّ ما يَتَعلَّقُ بالدُّعاءِ مِنْ فضائِلِه وآدابِه وشُروطِ إِجَابَتِهِ ومَوَانِعِهَا وبَيَاِن الدَّعَوات المُسْتَجَابة والدَّعَواتِ المَنْهِيِّ عَنْهَا وغَيْرِها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لَهَا صِلَةٌ بهذه العِبَادَةِ العَظِيمَةِ.

ومِنَ الفَضَائِلِ الجَلِيلَةِ للدُّعَاءِ: قُرْبُ الرَّبِ - عزَّ وجلَّ - مِنْ دَاعِيهِ.

وهذه المسْأَلَةُ من المسَائِلِ الَّتي شَمَّرَ لها العَابِدُون، واجْتَهَدَ في تَحْصِيلِها الصَّالِحُون.

وقَدْ جَاءَ تَأْصِيلُ هذه المسْأَلَةِ في كِتَابِ الله تعالى وسنَّة رَسُولِه - صلَّى الله عليه وسلَّم -.

فقد قال الله - عزَّ وجلَّ - في مُحْكَم التَّنْزيل: +وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ_ [البقرة: 186].

قال الإمامُ الطَّبَرِيُّ في «تفسيره» (3/480): «يَعْنِي - تعالى ذِكْرُهُ - بذَلِكَ: وإِذَا سَألَكَ - يا مُحَمَّدُ - عِبَادِي عَنِّي أيْنَ أَنَا؟ فَإنِّي قَرِيبٌ مِنْهُمْ، أسْمَعُ دُعَاءَهُم، وأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي مِنْهُم» اهـ.

ومِنْ بَابَتِهِ قَوْلُ اللهِ تعالى حكايةً عَنْ نَبِيِّهِ صَالِحٍ؛ وهو يُخَاطب قَوْمَهُ ثَمُودَ: +فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)_ [هود].

قال البَغَويُّ في «تفسيره» (4/185): «+إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ_ مِنَ المؤْمِنِينَ، +مُجِيبٌ_لِدُعَائِهِمْ» اهـ.

ومن ذلك - أيْضًا - قوْلُ اللهِ - عزَّ وجلَّ -: +قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50)_ [سبأ].

قال ابْنُ كثير في «تفسيره» (6/527): «وقوْلُهُ: +إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ_ أيْ: سَمِيعٌ لأَقْوَالِ عِبَادِهِ، قَرِيبٌ مُجِيبٌ دَعْوَةَ الدَّاعِي إذَا دَعَاهُ» اهـ.

أمَّا في السُّنَّة المُطَهَّرَة؛ فَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ هذه المسألَةِ - أيْ قُرْبُ الرَّبِّ - عزَّ وجلَّ - مِنْ دَاعِيهِ - في حَدِيثِ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فِي غَزَاةٍ؛ فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا، وَلاَ نَهْبِطُ في وَاد؛ إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ! اِرْبعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ؛ فَإِنَّكُمْ مَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا؛ إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا؛ إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»[1].

قال الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ - رحمه الله - في مَعْرِضِ كَلامِهِ على هَذَا الحَدِيثِ في كتابِهِ «طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ» (ص 45): «فَهَذَا قُرْبُهُ مِنْ دَاعِيهِ وذَاكِرِهِ؛ يَعْنِي: فَأَيُّ حَاجَةٍ بِكُمْ إلى رَفْعِ الأَصْوَاتِ وهُوَ لِقُرْبِهِ يَسْمَعُهَا وَإِنْ خُفِضَتْ، كَمَا يَسْمَعُهَا إذَا رُفِعَتْ؛ فَإنَّه سَمِيعٌ قَرِيبٌ؟!» اهـ.

وقَدْ جاءَ في السُّنَّة أنَّ هذا القُرْبَ الخاصَّ بالدَّاعين يَكُونُ في أحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ ومَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْها:

حَالُ السُّجُودِ:

وذلك لِمَا رَوَى الإمامُ مُسْلِمٌ في «صحيحه» (482) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ».

وفي هذا المَعْنَى جَاءَ قوْلُهُ تعالى: +كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)_ [العلق].

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أرْشَدَ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - المُصَلِّيَ إلى الاجْتِهَادِ في الدُّعَاَءِ حَالَ السُجُودِ؛ لأنَّهُ أحْرَى وأوْلَى بِالإجَابِة والقَبُولِ، فقد روى الإمامُ مسلمٌ في «صحيحه» (479) عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - عن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «... أَلاَ وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا؛ فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ - عزَّ وجلَّ -، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ؛ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».

ومِنْ دُرَرِ كلام شَيْخِ الإسلام ابْنِ تَيْمِيَّةَ ما ذَكَرَهُ تَعْلِيلاً لِكَوْنِ السُّجُودِ وَسِيلَةً للقُرْبِ مِنَ الرَّبِّ - جَلََّ وعلا -؛ حيْثُ قال في «المجموع» (5/237 - 238): «فَلَمَّا كَانَ السُّجُودُ غَايَةَ سُفُولِ العَبْدِ وَخُضُوعِهِ؛ سَبَّحَ اسْمَ رَبِّه الأَعْلَى؛ فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - الأَعْلَى، وَالعَبْدُ الأَسْفَلُ؛ كَمَا أنَّهُ الرَّبُّ، وَالعَبْدُ العَبْدُ، وَهُوَ الغَنِيُّ، وَالعَبْدُ الفَقِيرُ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرَّبِّ وَالعَبْد إلاَّ مَحْضُ العُبُودِيَّةِ؛ فَكُلَّمَا كَمَّلَهَا قَرُبَ العَبْدُ إلَيْهِ؛ لأنَّهُ - سُبْحَانَهُ - بَرٌّ جَوَادٌ مُحْسِنٌ يُعْطِي العَبْدَ مَا يُنَاسِبُهُ؛ فَكُلَّمَا عَظُمَ فَقْرُهُ إلَيْهِ كَانَ أَغْنَى، وَكُلَّمَا عَظُمَ ذُلُّهُ لَهُ كَانَ أَعَزَّ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ - لِمَا فِيهَا مِنْ أَهْوَائِهَا المُتَنَوِّعَةِ، وَتَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ لَهَا - تَبْعُدُ عَنِ اللَّهِ؛ حَتَّى تَصِيرَ مَلْعُونَةً بَعِيدَةً مِنَ الرَّحْمَةِ، وَاللَّعْنَةُ هِيَ البُعْدُ، وَمِنْ أَعْظَمِ ذُنُوبِهَا إرَادَةُ العُلُوِّ في الأَرْضِ، وَالسُّجُودُ فِيهِ غَايَةُ سُفُولِهَا» اهـ.

ومِنْ حَالاَتِ قُرْبِ الرَّبِّ - عزَّ وجلَّ - مِنْ دَاعِيهِ:

الدُّعَاءُ في جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ:

فَعَنْ عَمْرِو ابنِ عَبَسَةَ - رضي الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنْ العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ في تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ»[2].

وهذا الموْطِنُ هو مِنْ مَوَاطِنِ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ كما جَاءَ ذلك في حديثِ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: «جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ، وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَكْتُوبَاتِ»[3].

وفي ذلك - أيْضًا - جاءَ الحَدِيثُ الَّذي يَرْوِيهِ الإمامُ مُسْلِمٌ في «صحيحه» (757) عَنْ جَابِرِ بنِ عبْدِ الله - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَقُولُ:«إِنَّ في اللَّيْلِ لَسَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؛ إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».

وقد مدَحَ اللهُ - تعالى - المسْتَيْقِظِين بالليْل لِدُعَاءِ اللهِ - عزَّ وجلَّ - وسُؤَالِهِ؛ فقال:+تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا_ [السجدة: 16].

وقُرْبُ الربِّ - عزَّ وجلَّ - مِنْ دَاعِيهِ في هذا الوَقْتِ المُبَارَكِ يُنَاسِبُ أمْرًا عَظِيمًا أخْبَرَ بِهِ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في مَا اسْتَفَاضَ عَنْهُ في «الصَّحِيحَيْن» و«السُّنَنِ» و«المسَانِيدِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ».

ولهذا قال شيْخُ الإسلام ابْنُ تيمية في «مجموع فتاواه» (5/241) مُبَيِِّنًا سِرَّ إجَابَةِ الدُّعَاءِ في جَوْفِ اللَّيْلِ: «وَالنَّاسُ في آخِرِ اللَّيْلِ يَكُونُ في قُلُوبِهِمْ مِنْ التَّوَجُّهِ وَالتَّقَرُّبِ وَالرِّقَّةِ مَا لا يُوجَدُ في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِنُزُولِهِ إلى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَقَوْلِهِ: «هَلْ مِنْ دَاعٍ، هَلْ مِنْ سَائِلٍ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ» اهـ.

ومِنْ حَالاَتِ قُرْبِ الربِّ - عزَّ وجلَّ - من دَاعِيهِ:

الدُّعَاءُ في يَوْمِ عَرَفَةَ: فَفِي هذا اليَوْم الأغَرِّ - وهو من أعْظَمِ أيَّامِ الحَجِّ - يَدْنُو اللهُ - جَلَّ وعَلاَ - مِنْ عِبَادِهِ مِنْ أهْلِ المَوْقِفِ، ويُبَاهِي الملائِكَةَ الكِرَامَ بالحَجِيجِ.

فَقَدْ رَوَى مسلمٌ في «صحيحه» (1348) عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمْ المَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ».

وهذا القُرْبُ الإلَهِيُّ مِنْ أهْلِ المَوْقِفِ يُناسِبُ الحَالَ الَّتِي هُمْ عَلَيْها مِنَ الدُّعَاءِ والتَّضَرُّعِ والانْكِسارِ والاِنْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ - عزَّ وجلَّ -.

ذلك بِأنَّ الدُّعاءَ في هذا اليَوْمِ هو خَيْرُ الدُّعَاءِ؛ وذَلِك لِمَا رَوى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَالَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»[4].

فَتَبيَّنَ - حِينَئِذٍ - مِنْ خِلاَلِ هذه المَوَاطِنِ الثَّلاَثَةِ مُنَاسَبَةُ قُرْبِ الرَّبِّ - عزَّ وجلَّ - مِنْ عَبْدِهِ المُؤْمِنِ لِكَوْنِهِ في حَالِ الدُّعَاءِ والتَّضَرُّعِ لِلَّهِ تعالى.

ومِمَّا يَجْدُرُ التَّنبيهُ عَلَيْه: ِ أنَّ هذا القُرْبَ المَذْكُورَ هو قُرْبٌ عَارِضٌ خَاصٌّ بدَاعِيهِ وعَابِدِيهِ - جلَّ وعَلاَ -، وهو قُرْبٌ يقْتَضِي إجابَةَ دَاعِيهِ، وإثَابَةَ عَابِدِيهِ - سبحانه وتعالى -.

وهناك قُرْبٌ آخَرُ وهو القُرْبُ اللاَّزِمُ العَامُّ الَّذي يَشْمَلُ البَرَّ والفاجِرَ والمُؤْمِنَ والكَافِرَ، ويَقْتَضِي العِلْمَ والقُدْرَةَ.

قال الشَّيخ عبد الرَّحمن السَّعدي - رحمه الله - في تفسير قوله تعالى: +فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)_ [هود] من «تفسيره» (ص 340 - ط/مؤسسة الرِّسالة):

«واعْلَمْ أنَّ قُرْبَهُ - تعالى - نَوْعَانِ: عَامٌّ، وخَاصٌّ:

فالقُرْبُ العَامُّ: قُرْبُهُ بِعِلْمِهِ مِنْ جَمِيعِ الخَلْقِ، وهو المذْكُورُ في قَوْلِهِ تعالى: +وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)_ [ق].

والقُرْبُ الخَّاصُّ: قُرْبُهُ مِنْ عَابِدِيهِ وسَائِلِيهِ ومُحِبِّيهِ، وهُوَ المَذْكُورُ في قوله تعالى:+وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)_ [العلق]، وفي هذه الآية، وفي قَوْلِه تعالى: +وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ_ [البقرة: 186].

وهذا النَّوْعُ قُرْبٌ يَقْتَضِي إِلطَافَهُ - تعالى - [بِعِبَادِهِ]، وإجَابَتَهُ لدَعَوَاتِهِم، وتَحْقِيقَهُ لمُرَادَاتِهِم؛ ولِهَذَا يُقْرَنُ بِاسْمِهِ «القَرِيبُ» اِسْمُهُ «المُجِيبُ»» اهـ.

وهناك فَرْقٌ آخَرُ بَيْنَ القُرْبِ العَامِّ والقُرْبِ الخَاصِّ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ؛ فالقُرْبُ الخَاصُّ يَأْتِي بِصِيغَة المُفْرَدِ، بِخِلاَفِ القُرْبِ العامِّ فإنَّه يأْتي بصيغة الجَمْع، وهَذِهِ الصِّيغَةُ في كَلاَمِ العَرَبِ لِلْوَاحِدِ العَظِيمِ الَّذِي لهُ جُنودٌٌ يُطِيعُونَهُ؛ فَإِذَا فَعَلَ مَنْ تحْتَ يَدِهِ وَطَوْعَ أمْرِهِ مِنَ الجُنَودِ فِعْلاً بِأَمْرِهِ، قَالَ: نَحْنُ فَعَلْنَا.

ومِثَالُ ذلك قَوْلُ الله - تبارك وتعالى - في المُحْتَضَرِ: +وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ (85)_ [الواقعة]؛ والمقصود به ما يفعله - سبحانه - بجنوده من الملائكة - عليهم السلام -، فالَّذي يقرب من المحتضر - سواء كان برًّا أو فاجرًا - هم الملائكة الموكَّلون بقبض روحه.

وكذلك قولُه سبحانه: +وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)_ [ق]؛ المقْصُودُ بهِ هو قُرْبُ الملائكة - وهُمُ الكِرَامُ الكَاتِبُونَ - مِنَ العَبْدِ، وهَذَا بِدَلِيلِ قوْلِ الله تعالى عَقِبَ ذلك: +إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)_.

وفي هذا الصَّدَدِ قَالَ ابْنُ تيمية في «المجموع» (5/128 - 129): «وأَمَّا القُرْبُ فَذَكَرَهُ تَارَةً بِصِيغَةِ المُفْرَدِ كَقَوْلِهِ: +وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ_ [البقرة: 186]، وَفي الحَدِيثِ: «ارْبعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ»؛ إلى قال: «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ».

وَتَارَةً بِصِيغَةِ الجَمْعِ كَقَوْلِهِ: +وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)_ [ق]، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: +نَتْلُو عَلَيْكَ_ [القصص: 3]، و+نَقُصُّ عَلَيْكَ_ [يوسف: 3]، و+عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17)_ [القيامة]، و+عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)_ [القيامة]؛ فَالقِرَاءَةُ هُنَا حِينَ يَسْمَعُهُ مِنْ جِبْرِيلَ، وَالبَيَانُ هُنَا بَيَانُهُ لِمَنْ يَبْلُغُهُ القُرْآنُ.

وَمَذْهَبُ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَخَلَفِهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - سَمِعَ القُرْآنَ مِنْ جِبْرِيلَ، وَجِبْرِيلُ سَمِعَهُ مِنْ اللَّهِ - عزَّ وجلَّ -.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: +نَتْلُو_، +نَقُصُّ_، وَنَحْوُهُ؛ فَهَذِهِ الصِّيغَةُ في كَلاَم العَرَبِ لِلْوَاحِدِ العَظِيمِ الَّذِي لَهُ أَعْوَانٌ يُطِيعُونَهُ؛ فَإِذَا فَعَلَ أَعْوَانُهُ فِعْلاً بِأَمْرِهِ قَالَ: نَحْنُ فَعَلْنَا؛ كَمَا يَقُولُ المَلِكُ: نَحْنُ فَتَحْنَا هَذَا البَلَدَ، وَهُوَ مِنَّا هَذَا الجَيْشُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَمِنْ هَذَا البَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: +اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ_ [الزمر: 42]؛ فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يَتَوَفَّاهَا برُسُلِهِ الَّذِينَ مُقَدَّمُهُمْ مَلَكُ المَوْتِ؛ كَمَا قَالَ: +تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا_ [الأنعام: 61]،+قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ_ [السجدة: 11]؛ وَكَذَلِكَ ذَوَاتُ المَلاَئِكَةِ تَقْرُبُ مِنَ المُحْتَضَرِ.

وَقَوْلُهُ: +وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)_ [ق]؛ فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - هُوَ وَمَلاَئِكَتُهُ يَعْلَمُونَ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُ العَبْدِ مِنْ حَسَنَةٍ وَسَيِّئَةٍ، وَالهَمَّ في النَّفْسِ قَبْلَ العَمَلِ.

فَقَوْلُهُ: +وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)_؛ هُوَ قُرْبُ ذَوَاتِ المَلاَئِكَةِ، وَقُرْبُ عِلْمِ اللَّهِ؛ فَذَواتُهُمْ أَقْرَبُ إلى قَلْبِ العَبْدِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَقْرَبَ إلى بَعْضِهِ مِنْ بَعْضٍ؛ وَلِهَذَا قَالَ في تَمَامِ الآيَةِ: +إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ_، فَقَوْلُهُ: +إِذْ_ظرفٌ؛ فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ حِينَ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ مَا يَقُولُ، فَهَذَا كُلُّهُ خَبَرٌ عَنِ المَلائِكَةِ. .

وَقَوْلُهُ: +فَإِنِّي قَرِيبٌ_، وَ«هُوَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ»؛ هَذَا إنَّمَا جَاءَ في الدُّعَاءِ، لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِن العِبَادِ في كُلِّ حَالٍ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأَحْوَالِ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ» اهـ.

وقال في نَفْسِ المَصْدَرِ (5/494): «وَقَوْلُهُ: +فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ (85)_ [المطففين]؛ فَالمُرَادُ بِهِ قُرْبُهُ إلَيْهِ بِالمَلاَئِكَةِ، وَهَذَا هُوَ المَعْرُوفُ عَنِ المُفَسِّرِينَ المُتَقَدِّمِينَ مِن السَّلَفِ، قَالُوا: مَلَكُ المَوْتِ أَدْنَى إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَلَكِنْ لاَ تُبْصِرُونَ المَلاَئِكَةَ.

وَقَدْ قَالَ طَائِفَةٌ: +وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ_ بِالعِلْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ، وَلَفْظُ بَعْضِهِمْ: بِالقُدْرَةِ وَالرُّؤْيَةِ، وهذه الأقوال ضعيفة» اهـ.

إذا تَقَرَّرَ هذا فَإِنَّه يَتَعَيَّنُ عَلَى المُؤْمِنِ أنْ يَصُونَ هَذِهِ النُّصَوصَ المُتَضَافِرَةِ الوَارِدَةِ في هذه المَسْأَلَةِ الجَلِيلَةِ الشَّأْن مِنَ الظُّنُونِ الكَاذِبَةِ والأَوْهَامِ الفَاسِدَةِ، كَمَا نَبَّهَ على هذا الحافِظُ ابْنُ رَجَبٍ - رحمه الله - حَيْثُ قالَ في «جامِعِ العُلُوم والحِكَمِ» (ص37) بَعْدَ أنْ سَاقَ طَائِفَةً مِنَ النُّصَوصِ المذْكورَةِ آنِفًا: «وَمَنْ َفِهَم شَيْئًا مِنْ هَذِهِ النُّصُوصِ تَشْبِيهًا أَوْ حُلُولاً أَوْ اِتِّحَادًا، فَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ جَهْلِهِ وسُوءِ فَهْمِهِ عَنِ اللهِ - عز وجل - وعَنْ رسُولِهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم -، واللهُ ورَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.

فسُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» اهـ.

ونَبَّهَ على هذا - أيضًا - الإمامُ ابْنُ القيِّمِ - رحمه الله - في «مَدَارِجِ السَّالِكِينَ» (2/266) فقال: «فَهَذَا قُرْبٌ خَاصُّ بالدَّاعِي دُعَاءَ العِبَادَةِ والثَّنَاءِ والحَمْدِ.

وهَذَا القُرْبُ لا يُنَافِي كَمَالَ مُبَايَنَةِ الرَّبِّ لِخَلْقِهِ واسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ؛ بَلْ يُجَامِعُهُ ويُلاَزِمُهُ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ كَقُرْبِ الأجْسَامِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ - تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا -؛ ولَكِنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ.

والعَبْدُ في الشَّاهِدِ يَجِدُ رُوحَهُ قَرِيبَةً جِدًّا مِنْ مَحْبُوبٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَفَاوِزُ تَتَقَطَّعُ فِيهَا أعْنَاُق المَطِيِّ، ويَجِدُهُ أقْرَب إليْهِ مِنْ جَلِيسِهِ كما قيل:

أَلاَ رُبَّ مَنْ يَدْنُو ويَزْعُمُ أنَّهُ *** يُحِبُّكَ والنَّائِي أَحَبُّ وأَقْرَبُ

وأهْلُ السُّنَّةِ - أَوْلِيَاءُ رَسُولِ اللهِ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وَوَرَثَتُهُ وأحِبَّاؤُهُ الَّذينَ هُوَ عِنْدَهُمْ أوْلَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ، وأَحَبُّ إلَيْهِم مِنْهَا - يَجِدُونَ نُفُوسَهُم أَقْرَبَ إليْهِ - وهُمْ في الأقَطاَرِ النَّائِيَةِ عَنْهُ - مِنْ جِيرَانِ حُجْرَتِهِ في المدِينَةِ.

والمُحِبُّونَ المُشْتَاقُونَ لِلْكَعْبَةِ والبَيْتِ الحَرَامِ يَجِدُونَ قُلُوبَهُم وأرْوَاحَهُم أقْرَبَ إليْهَا مِنْ جِيرَانِهَا ومَنْ حَوْلَهََا، هذا مَعَ عَدَمِ تَأَتِّي القُرْبِ مِنْهَا.

فَكَيْفَ بِمَنْ يَقْرُبُ مِنْ خَلَقِهِ كَيْفَ يَشَاءُ وهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ؟!» اهـ.

وقال - رحمه الله - ناصِحًا ومُوَجِّهًا في أثْنَاءِ كلامِهِ عنْ قُرْبِ الربِّ - عزَّ وجلَّ - مِنْ عبْدهِ في كتابه «بَدَائِعُ الفوائد» (3/519): «وإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أنْ تُعَبِّرَ عَنْهُ بِغَيْرِ العِبَارَةِ النَّبَوِيَّةِ، أَوْ يَقَعَ في قَلْبِكَ غَيْرُ مَعْنَاهَا ومُرَادِهَا؛ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بعْدَ ثُبُوتِهَا».

ثمَّ قال - بعد ذلك - مُبَيِّنًا طَرَفَيْ المُتَنَكِّبِينَ سبِيلَ الحَقِّ في هذِهِ المسْألَةِ: «وقَدْ ضَعُفَ تَمْيِيزُ خَلائِقَ في هَذَا المَقَامِ، وسَاءَ تَعْبِيرُهُم؛ فَوَقَعُوا في أنْوَاعٍ مٍنَ الطَّامَّاتِ والشَّطْحِ.

وقَابَلَهُم مَنْ غَلُظَ حِجَابُهُ فَأَنْكَرَ مَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ جُمْلَةً وقُرْبِهِ مِنِْهُ، وأعَادَ ذَلِكَ إلى مُجَرَّدِ الثَّوَابِ المَخْلُوقِ؛ فَهُو عِنْدَهُ المَحْبُوبُ القَرِيبُ لَيْسَ إلاَّ.

وقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ طُرُقِ الرَّدِّ عَلَى هَؤَلاءِ وهَؤُلاءِ في كِتَابِ «التُّحْفَةِ» أكْثَرَ مِنْ مِائَةِ طَرِيقٍ» اهـ.

وهَدَى اللهُ - عزَّ وجلَّ - أهل السُّنَّة وَلَهُ الحَمْدُ والمِنَّة، وهُمْ أهْلُ الوَسَط الَّذِي لا وَكْسَ فِيهِ ولاَ شَطَط؛ فأَثْبَتوا ما نَطَقَتْ بِهِ الآياتُ والأحاديثُ الصَّحِيحَةُ مِنْ قُرْبِ الله - عزَّ وجلَّ - مِنْ دَاعِيهِ وعَابِدِيهِ، مع إثْبَاتِهِم لعُلُوِّه - سبحانه - على خَلْقِه واستوائه على عرْشِهِ؛ فهو - سبحانه - عَلِيٌّ في دُنُوِّه، قَرِيبٌ في عُلُوِّه.

كما أنَّهم فَرَّقُوا بَيْنَ القُرْبِ العَامِّ والقُرْبِ الخَاصِّ، وما يَقْتَضِيهِ كُلٌّ مِنْهُما مِنَ المَعَانِي الخاصَّةِ به، وبهذا تَحَقَّقَ في شَأْنِهِم قَوْلُ الله تعالى: +فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213)_ [البقرة].

والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.


 

[1]  صحيح: رواه أحمد (19599) واللَّفْظُ له، والبخاري (6610)، ومسلم (2704).

[2]   صحيح: رواه الترمذي والنسائي، انظر: «صحيح الترغيب» (1647).

[3]   صحيح: رواه الترمذي والنَّسَائِي، انظر: «صحيح الترغيب» (1648).

[4]  حسن: رواه الترمذي. انظر: «صحيح الترغيب» (1536).