أنت هنا:قضايا تربوية»أهمية الوقت في حياة المسلم

أهمية الوقت في حياة المسلم

  • نجيب جلواح
تم قراءة المقال 9732 مرة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

من (مجلة «الإصلاح» - العدد 3)

 

خلق الله تعالى الكونَ كلَّه في ستَّة أيَّام، لحكمة هو أعلم بها فقال - جلَّ شأنه -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38)﴾ [ق: 38]؛ وفي ذلك إشارة للإنسان وتعليمٌ له: بأنْ يوقِّت لكلِّ أمر، ويستفيدَ منه، ولا يضيِّع الزَّمن الَّذي يمرُّ مرَّ السَّحاب، ولِشَرف الوقت وأهميَّته: أقسم الله - سبحانه - في مطالع سُوَرٍ عديدة ببعض أجزائه، في عددٍ مِن آيات كتابه الكريم، فقال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ [الفجر: 1، 2] وقال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2)﴾ [الليل: 1، 2 ] وقال: ﴿وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)﴾ [الضحى: 1، 2]، وقال أيضًا: ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾ [العصر: 1، 2].

ولمَّا كان العمرُ قصيرًا، والوقتُ ثمينًا أكَّد الله تعالى على قيمته - في القرآن الكريم - فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)﴾ [الفرقان:62]، ولقد ذكر الله تعالى لنا حال المتَحسِّرين على تضييع أوقاتهم سُدًى، فقال - حاكيًا قول المفرِّطين يوم القيامة -: ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾ [الفجر: 24]، ﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: 44]، فيجب على العاقل أن يتذكَّر الموت وساعة الاحتضار - حين يكون الإنسان في انقطاع مِن الدُّنيا، وإقبال على الآخرة - وعندها يتمنَّى لو مُنح مهلة من الزَّمن، ليصلح ما أفسد، ويتدارك ما فات، ولكن هيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل، وحان زمن الحساب والجزاء.

إنَّ المسلم الصَّادق هو الَّذي يُعِدُّ لكلِّ شيء عدَّته، ويحسب لكلِّ أمر حسابه، ويعلم - تمام العلم - أنَّه مُحاسب على هذا الوقت، الَّذي يقضيه في دنياه - منذُ بلوغه وتكليفه - إلى أنْ يلقى ربَّه؛ فلا تمرُّ لحظةٌ من لحظات هذا الوقت إلَّا كانت له أو عليه؛ فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: «لاَ تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ»[1].

إنَّ أهمَّ ما يملكه العبد هو الوقت، فالعاقل هو الذي يحرص على أنْ يشغله فيما ينفعه - في الدُّنيا والآخرة - ولهذا جاء التَّنبيه عليه مِن النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيث قال: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»[2]، يُرشد الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى أنَّ الفراغ مَغْنَم ومَكْسَب، ولكن لا يعرف قدر هذه الغنيمة إلاَّ مَن عرف غايته في الوجود، وأحسن التَّعامل مع الوقت والاستفادة منه، ولعلَّ ممَّا يحفِّز على ضرورة الاستفادة مِن الوقت: حرص المسلم أنْ يكون مِن القلَّة - التي عناها الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - في هذا الحديث - إذْ ظاهره: أنَّ مَن يستفيد مِن الوقت هم القِلَّة مِن النَّاس، وإلاَّ فالكثير مغبون وخاسر في هذه النِّعمة بسبب تفريطه في وقته، وعدم استغلاله الاستغلال الأمثل، وقد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرِّغًا: لانشغاله بمعاشه، وقد يكون مستغنيًا، ولا يكون صحيحًا؛ فإذا اجتمعا - أي: الصِّحَّة والفراغ - وغلب عليه الكسل عن طاعة الله: فهو المغبون، أمَّا إنْ وُفِّق إلى طاعة الله: فهو المغبوط[3].

ولقد برزت أهميَّة الوقت في حثِّ الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - على الاستفادة منه، وعدم تركه يضيع سُدًى، إذ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَك قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»[4]، فحثَّ الإسلام على اغتنام فُرصة الفراغ - في الحياة - قبل ورود ما يُشغل مِن هرم، ومرض، وفقر؛ فالغالب أنَّ هذه الأمور تُلهي الإنسان، وتمنعه مِن الاستفادة مِن أوقاته، وتشغله عن استغلاله.

وممَّا يدلُّ على أهميَّة الوقت في حياة المسلم، واغتنامه فرصة للاستزادة مِن العلم النَّافع والعمل الصَّالح، والاستفادة منه حتَّى في أصعب المواقف وأحلك الأحوال: حديثُ أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ»[5].

قال ابن القيِّم - رحمه الله -: «وقت الإنسان: هو عمره - في الحقيقة -، وهو مادَّة حياته الأبديَّة في النَّعيم المقيم، ومادَّة معيشته الضَّنك في العذاب الأليم وهو يمرُّ مرَّ السَّحاب ... فما كان مِن وقت لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبًا مِن حياته، وإنْ عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة واللَّهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النَّوم والبطالة فموت هذا خيرٌ مِن حياته»[6].

وقال الوزير الفقيه (يحي بن محمَّد بن هبيرة) - شيخ ابن الجوزي -:

والوَقْتُ أَنْفَسُ ما عُنِيتَ بِحِفْظِه *** وأُراه أَسْهَل ما عليك يَضِيعُ[7]

* واجب المسلم نحو وقته:

لما كان للوقت كلّ هذه الأهميَّة، حتَّى إنَّه لَيُعدُّ هو الحياة، كان على المسلم واجبات نحوه، ينبغي عليه أنْ يدركها، ومِن هذه الواجبات:

- الحرص على الاستفادة منه:

يتعيَّن على المسلم أنْ يكون حرصه على وقته أكثر من حرص النَّاس على أموالهم، وأن يبخل بوقته أكثر من بخل الأغنياء بثرواتهم، ولا يبدِّده فيما لا ينفع، بل يستغلُّه فيما ينفعه - في دينه ودنياه - وما يعود عليه بالخير والسَّعادة.

- تنظيم الوقت:

على المسلم أن ينظِّم وقته تنظيمًا مُحكمًا، بحيث يرتِّب بين الواجبات والأعمال المختلفة، سواء كانت دينيَّة أو دنيويَّة، على أنْ لا يطغى بعضها على بعض، ويقدِّم الأهمَّ على المهمِّ.

- اغتنام أوقات الفراغ:

الفراغ نعمةٌ، يغفل عنها كثير مِن النَّاس، فمن لم يستغلَّه فيما ينفع فما أدَّى شكر نعمة الله تعالى، ولا قدَّرها حقَّ قَدْرِهَا.

اعلم - أخي المسلم - أنَّ ما مضى مِن وقتك لا يعود ولن يرجع، ولا يمكن استبداله ولا تعويضه، فكلُّ يوم مضى، وكلُّ زمن انقضى ليس في الإمكان استعادته؛ وهذا معنى ما قاله الحسن: «يا ابن آدم، إنَّما أنت أيَّام، إذا ذهب يوم ذهب بعضك».

وقال ابن القيِّم: «إضاعة الوقت: أشدُّ مِن الموت؛ لأنَّ إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدَّار الآخرة، والموت يقطعك عن الدُّنيا وأهلها»[8].

ها نحن على أبواب الإجازة - بما فيها مِن فراغ - لا يحسن الاستفادة منه إلاَّ مَن وهبهم الله عقلاً راجحًا، يعرفون به كيف يستغلُّون أوقاتهم فيما ينفعهم ولا يضرُّهم، ويفيد أمَّتهم ومجتمعهم، وذلك أنَّ المسلم إذا لم يستغلَّ وقته في الطَّاعة شغله الفراغ بالمعصية؛ فلابدَّ للعاقل أنْ يُشغل وقت فراغه بالخير، وإلَّا انقلبت نعمة الفراغ نقمة على صاحبها.

فمن تتبَّع أخبار النَّاس، وتأمَّل أحوالهم، وعرف كيف يقضون أوقات إجازاتهم، وكيف يمضون أعمارهم أدرك أنَّ أكثر الخلق مضيِّعون للأوقات الثَّمينة، محرومون من نعمة استغلال الفراغ فيما ينفعهم، في العاجلة والآجلة.

وإنَّ المرء ليعجب مِن فرح هؤلاء بمرور الأيَّام، وسرورهم بانقضائها، ناسين أنَّ كلَّ لحظة تمرُّ مِن عمرهم تقرِّبهم من القبر والدَّار الآخرة، وتباعدهم عن الدُّنيا ولذَّاتها.

وهذه بعض النَّصائح والتَّوجيهات حول كيفية الاستفادة من الإجازة:

1 - أنْ تستشعر قيمة الوقت، وتَعْلَم أنَّه رأس مالك؛ فإنْ ضيَّعته خسرتَ كلَّ شيء، وإنْ حافظت عليه فالنَّجاح حليفك.

2 - أنْ تعلم أنَّ اغتنام الوقت لا يتطلَّب مالًا ولا ثروةً، إذ أنَّ مفاتيح استغلاله بيدك، فليس عليك سوى أن تشمِّر عن ساعد الجدِّ، وتبذل قُصارى جهدك في الاستفادة منه.

3 - أنْ تعلم أنَّ بهذا الوقت حُفظت العلوم، وجُمعت السُّنَّة، وحُرِّرت المسائل، وكتبت المؤلَّفات؛ وأنَّه ما مِن عالم رُفع شأنه، وعلا صيته، وسمت مرتبته؛ إلَّا وكان استغلال الوقت مركبه، واغتنام الفراغ همُّه.

4 - احذر مِن صحبة مُضيِّعي الأوقات، فإنَّ مصاحبة الكُسالى، ومخالطة الخاملين مهدرة لطاقات الإنسان، ومضيعة لأوقاته.

بدأت الإجازة، وازدادت ساعات الفراغ - عند كثير مِن النَّاس - وأخذ بعضهم يطرح هذا السُّؤال: «كيف نستفيد من إجازتنا؟».

وإجابة لهؤلاء السَّائلين، وإرشادًا لكثرة الحائرين، نقول: إنَّ مجالات استثمار الإجازة كثيرة، وللمسلم أنْ يختار منها ما هو أنسب لحاله، وأصلح لدينه ودنياه؛ ومِن هذه المجالات:

1 - حفظ كتاب الله تعالى وتعلُّمه: وقد حثَّ النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ذلك فقال:«خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»[9].

2 - اغتنام الوقت في طلب العلم وتحصيله، وله صور كثيرة، منها: المشاركة في الدَّورات العلميَّة، وحضور الدُّروس الَّتي تُلقى في المساجد، ومتابعتها وتقييدها والاستفادة منها؛ والاستماع إلى الأشرطة العلميَّة النَّافعة وقراءة الكتب المفيدة.

3 - ذِكر الله تعالى؛ فليس في الأعمال شيء يسع الأوقات كلّها مثل الذِّكر، وهو مجال واسع خصب.

4 - الإكثار مِن النَّوافل؛ وهو مجال مهمٌّ لاغتنام أوقات العمر - في طاعة الله - وعاملٌ مهمٌّ في تربية النَّفس وتزكيتها، وسبب لحصول محبَّة الله للعبد.

5 - الدَّعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، والنَّصيحة للمسلمين.

6 - زيارة الأقارب، وصِلة الأرحام.

* آفات تقتل الوقت:

هناك آفات وعوائق كثيرة تضيِّع على المسلم وقته، وتكاد تذهب بعمره كلِّه إذا لم يفطن لها، ويسعى للتَّخلُّص منها؛ فمن ذلك:

1 - الغفلة: وهي مَرض خطير، ابتلي به معظم النَّاس، وقد حذَّر القرآن مِنها أشدَّ تحذير.

2 - التَّسويف: وهو آفة تدمِّر الوقت، و تقتل العمر؛ فإيَّاك مِن التَّسويف، فإنَّك لا تضمن أن تعيش إلى غد، واعلم أنَّ لكل يوم عمله، ولكلِّ وقت واجباته.

نسأل الله تعالى أنْ يجعلنا ممَّن طالت أعمارهم، وحسنت أعمالهم، وأنْ يرزقنا حُسن الاستفادة مِن أوقاتنا، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.

 


 

[1] رواه التِّرمذي وأبو يعلى والطَّبراني في «الكبير» و «الصَّغير» وابن عديٍّ في «الكامل»، انظر: «السِّلسلة الصَّحيحة» (946).

[2] رواه البخاري عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - (6412).

[3] «فتح الباري شرح صحيح البخاري» لابن حجر العسقلاني (11/ 234).

[4] رواه الحاكم عن ابن عبَّاس وقال: «صحيح على شرطهما».

[5] رواه أحمد والبخاري في «الأدب المفرد».

[6] «الجواب الكافي» (ص212).

[7] «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (1/ 281).

[8] «الفوائد» (2/ 47).

[9] رواه البخاري عن عثمان - رضي الله عنه - (5027).