أنت هنا:قضايا تربوية»الإصلاح في الأسرة (من أين يبدأ وإلى أين ينتهي)

الإصلاح في الأسرة (من أين يبدأ وإلى أين ينتهي)

  • نجيب جلواح
تم قراءة المقال 270 مرة
 

قبل الشُّروع في الموضوع، نقدِّم بين يديه بتعريف كلٍّ من «الأسرة» و«الإصلاح»، فالكلمةُ الأولى: مأخوذةٌ من الأَسْر: وهو الشَّدُّ والعصب، وشدَّة الخلق والخلق، والأسرةُ: هُمْ رَهْطُ الرَّجل الأَدْنَوْنَ، وعشيرتُه التي يتقوَّى بها.

والكلمة الثَّانية: مأخوذةٌ من الصَّلاح: وهو الخير والمنفعة، ضدُّ الفَسَادِ، قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين[يونس:81]، وقال أيضا: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُون[الشعراء:152].

وإصْلاحُ الشَّيء: إقامتُه، وجعُله صالحًا، وإزالةُ ما كان فيه من فساد؛ قال تعالى: ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ الله يَتُوبُ عَلَيْهِ[المائدة:39].

فمن فضل الله تعالى علينا وعلى النَّاس، ومِنْ نعمتِه على البشريَّة جمعاء: أنْ جاءنا بمنهاجٍ شاملٍ قَوِيمٍ في تربية النُّفوس، وتنْشِئَةِ الأجيال، وتكوينِ الأمم، وبناء الحضارات، وإرساء قواعد المجْدِ، وإصلاحِ الأفراد والمجتمعات، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ الله نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِين * يَهْدِي بِهِ الله مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم[المائدة:15-16].

ولكن ما السَّبيل إلى تحقيق هذه الأهداف السَّامية المنشودة؟ وما البداية الصَّحيحة في تكوين هذا المجتمع الصَّالح؟ وما هي المهمَّة الملقاة على كاهل المربِّين والمرشدين؟ وكيف يمكن تحقيق هذا كلّه؟

الجواب عن هذه الأسئلة سَهْلٌ ومَيْسُورٌ، يَكْمُنُ في كلمة واحدة، ألا وهي: «الإصلاح»، وعلينا أن نعلم أنَّ مدلولات هذه الكلمة كثيرة، ومجالاتها واسعة، منها: إصلاح الفرد، وإصلاح الأسرة، وإصلاح المجتمع، وتحت كلِّ صنف من الأصناف تتفرَّعُ أنواع وتندرِجُ أقسامٌ.

وفي هذه المحاولة نُسلِّط الضَّوءَ على فرع من تلك الفروع السَّالِفَة الذِّكْرِ، وهو: «إصلاح الأسرة».

ولكن؛ لماذا اختيار الأسرة بالدَّرجة الأولى؟

تَعَيَّنَ هذا الاختيار؛ لأنَّ البدْءَ يكونُ بالأهمِّ ثمُّ المهِمُّ، ومن الأهمِّ: «إصلاح الأسرة»، إذ بصلاحها يصلح المجتمع، وإذا فسدت كانت سببًا في فساده، ولأنَّ الأسرة: هي النَّواة والحجر الأساس، واللَّبِنَة الأولى في تكوين المجتمع، ولله درُّ من قال:

امنْ يُصلِحِ الأسرةَ يُصلِحْ بهـَ     مـَا دَمَّـرَ الإفسـادُ في قُطْـرِهِ

لقد أَوْلى القرآنُ الكريمُ للأسرة عنايةً كبيرةً، ظهر ذلك فيما احتواه من آيات عديدةٍ جدًّا، في صَدَدِ الأسرة، وذوي الأرحام، والآدابِ السُّلوكيِّة، استهدفت قيام الوحدة الاجتماعية الأولى ـ وهي الأسرة ـ على أفضلِ الأسُسِ وأقْوَاها، من حيثُ المودَّةُ والإنصافُ وتقوَى الله ومكارمُ الأخلاق والآداب.

وحياة الأسرة جديرةٌ ـ من دون ريب ـ بالعناية، لأنَّها كانت ـ ولا تَزَال ـ أصلاً في الحياة الاجتماعية، فلا غَرْوَ أنْ كانت موضوعَ هذه العناية العظيمة في القرآن الكريم.

والمسائلُ المتعلِّقةُ بإصلاح الأسرة متنوِّعة، منها: ما هو بصدد الحياة الزَّوجيَّة، ومنها: ما هو بصدد الآباء والأبناء، ومنها: ما يتَّصِلُ بالآداب السُّلوكيَّة.

والدَّافع ـ عند المسلم ـ للاهتمام بإصلاح أسرته: عدَّةُ أمور، نذكر منها:

أوَّلا: وقايةُ نفسِه وأهلِه من عقوبة الله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون[التحريم:6].

ثانيًا: عظم المسؤوليَّة الملقاة على راعي الأسرة أمام الله يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَهُ؟ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» رواه النَّسائي وابن حِبَّان عن أنس(1).

ثالثًا: إنَّ الاهتمام بالأسرة: هو الوسيلة الضَّروريَّة لبناء المجتمع المسلم، لأنَّ المجتمع يتكوَّن من أُسَرٍ، وهي لَبِنَاتُه، فلو صلحت اللَّبنة لكان مجتمعًا قويًّا بأحكام الله، صامدًا في وجه أعداء الله، يُشِعُّ الخيرَ، ولا يَنْفُذُ إليه الشَّرُّ؛ فتخرج من الأسرة المسلمة إلى المجتمع أركان الإصلاح فيه؛ من الدَّاعية القدوة، وطالبِ العلم، والأمِّ المربِّية، وبقيَّةِ المصلحين...

ووسائل إصلاح الأسرة تدور على أمرين اثنين: إمَّا تحصيل مَصَالِح ـ وهو قيام بالمعروف ـ؛ أو درء مفاسد ـ وهو إزالة للمنكر ـ، وتتلخَّص هذه الوسائل في النقاط التالية:

1 ـ حسن اختيار الزَّوجة: على المسلم أن يختار لأبنائه الأمَّ المسلمة، التي تعرف حقَّ ربِّها وحقَّ زوجها وحقَّ ولدها، الأمُّ التي تغار على دينها وسنِّة نبيِّه.ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُهُ عَلَى أَمْرِ الآخِرَةِ» رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن ثوبان(2)،.وفي رواية: «وَزَوْجَةً صَالِحَةً تُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاكَ وَدِينِكَ، خَيْر مَا اكْتَنَزَ النَّاسُ» رواه البيهقي في «شعب الإيمان» عن أبي أمامة(3).

والأمُّ هي المدرسة الأولى لتَنْشِئَةِ الأجيال، فإنْ كانت صالحة: أَرْضَعَتْ أولادَها الصَّلاح والتَّقوى، وصَدَقَ الشَّاعر:

الأُمُّ مَـدْرَسَــةٌ إِذَا أَعْـدَدْتَهَـا أعْدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الأَعْرَاقِ
الأُمُّ روْضٌ إِنْ تَعَهَّدَهُ الحَـيَـا بالـرِّيِّ أَوْرَقَ أَيَّـمَـا إِيــرَاقِ
الأُمُّ أُسْتَـاذُ الأَسَــاتِذَةِ الأُلَى شَغَلَتْ مَآثِرهُمْ مَدَى الآفَاقِ

وَإِنْ كَانَتِ الأمُّ طالحة، فلا يُرجى صلاح أبنائها؛ قال الشَّاعر:

وَلَيْسَ النَّبْتُ يَنْبُتُ فِي جِنَـانٍ كمـثل النَّـبْتِ يَنْبُتُ فِي الفَلاَةِ
وَهَلْ يُرْجَـى لأَطْفَـالٍ كَـمَالٌ إذَا ارْتَضَعْوا ثُدَيَّ النَّاقِصَاتِ

 وفي مقابل هذا، لا بدَّ من التَّبَصُّرِ في حال الخاطب الذي يتقدَّم للمرأة المسلمة، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلاَّ تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ» رواه التِّرمذي عن أبي هريرة(4).

والرَّجُلُ الصَّالحُ مع المرأة الصَّالحة يَبْنِيَان بيتًا صالحًا، فالبلدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نباتُه بإذن ربِّه، والذي خَبُثَ لا يَخرُج إلاَّ نَكِدَا.

2 ـ إصلاح الزَّوجةِ: لابدَّ أن يعلم المسلمُ، أوَّلا: أنَّ الهداية من الله تعالى، واللهُ هو الذي يُصلح النُّفوس، قال تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِين *اسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ الآية [الأنبياء:89-90]، ومعنى قوله: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ قال أكثرُ المفسِّرين: إنَّها كانت عاقرًا: فجعلها الله وَلُودًا؛ فهذا هو المراد بإصلاح زوجه؛ وقيل: كانت سيِّئةَ الخُلُقِ، فجعلها الله سبحانه حسنةَ الخُلُقِ، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعًا، وذلك بأنْ يُصلح الله سبحانه ذاتَها، فتكون وَلُودًا، بعد أن كانت عاقرًا، ويُصلح أخلاقَها، فتكون أخلاقُها مرضيَّةً، بعد أن كانت غير مرضيَّة(5).

ولاسْتِصْلاَحِ الزَّوجةِ وسائلُ، منها: الاعتناء بتصحيح عبادتها لله تعالى، والسَّعيُ لربطها بخالقها؛ بحضِّها وحثِّها على القيام والصِّيام والصَّدقة وتلاوة القرآن وحفظ الأذكار، واختيار صاحباتٍ لها من أهل الدِّين، وإبعادها عن رفيقات وقرينات السُّوء.

3 ـ تعليم أفراد الأسرة العلم الشَّرعيّ: وهذه فريضةٌ شرعيَّةٌ لابدَّ أن يقوم بها راعي الأسرة، يعلِّم أهلَ بيته ويربِّيهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؛ وحبَّذَا لو سَطَّرَ منهجًا متواضعًا في هذا الإطار، يتضمَّنُ مختلف أبواب علوم الشريعة كالتفسير والحديث والفقه...

4 ـ إصلاح الأولاد: بتحفيظهم القرآن الكريم، وتعليمهم الآداب والأذكار الشَّرعيَّة، وتعليمهم أصول العقيدة الإسلامية، كالّتي وَرَدَتْ في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما: «يَا غُلاَمُ! إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ» رواه أحمد والتِّرمذي(6)  ويُدرَّبون على الصَّلاة ويُؤْمرون بها في السَّابعة، ويُفرَّق بين الذُّكور والإناث في المضَاجِعِ، لقوله ﷺ: «مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ» رواه أبو داود(7).

وتُرَغَّبُ البِنْتُ في السِّتْرِ والحجاب والحشمة منذ الصِّغر، لِتَلْتَزِمَهُ في الكِبَر، فلا يُلْبِسُها وليُّها القصيرَ من الثِّياب ولا لباس الذُّكور، كي لا تتشبَّه بهم، وتتميَّز عن الجنس الآخر.

وليحذرْ راعي الأسرة أشدَّ الحذر من خروج أولاده مع من لا يعرف من أطفال الحيِّ والجيران، فيرجعوا بأَسْوَءِ الأخلاق وألفاظ السِّباب والشَّتائم؛ بل ينتقي لهم من أولاد الجيران من يصاحبهم؛ لأنَّ «الصَّاحب ساحبٌ» ـ كما يقال ـ ولقد أحسن القائل:

عَنِ المرْءِ لاَ تَسَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ    فَـكُـلُّ قَـرِينٍ بِالمقَـارِنِ يَـقْـتَدِي

فالأب الذي يُرخي لأولاده العَنَانَ في أن يخالطوا من قرناءِ السُّوءِ ورفقاءِ الشَّرِّ ما شاؤُوا، دونما حَسِيب ولا رقيب، فلا شكَّ أنَّ الأولاد سينحرفون عن الجادَّة، ويكتسبون ـ بمخالطتهم لأولئك القوم ـ أرذل الصِّفات، وأسوأَ الأخلاق.

وليكن إصلاح المسلم لنفسه ـ المسؤول عن أسرته ـ قبل إصلاحه ذرِّيَّتَه وولدَه، فالحسَنُ عند الأولاد مَا فَعَلْتَ، والقبيحُ ما تَرَكْتَ، وإنَّ حسن سلوك الأبوين ـ أمام الأولاد ـ أفضل تربية لهم، وهو ما يسمَّى ﺑ «القدوة الحسنة».

قال تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِين[الأحقاف:15] أي: وأصلح لي أموري في ذرِّيَّتِي، الذين وهبتهم لي، بأن تجعلهم هداةً للإيمان بك، واتِّباعِ مرضاتك، والعملِ بطاعتك، واجعلِ الصَّلاح ساريًا في ذرِّيَّتي، راسخًا فيهم.

5 ـ إزالة المنكرات من الأسْرَةِ: وذلك بأنْ يعمل راعي الأسرة على إزالة المنكرات ومحاربة الرذائل التي من شأنها أن تهدم كيان الأسرة وتعبث بِقِيَمِها وتلقي بها إلى الإفلاس والفناء.

كما يجب أن يراقب ما يجلبه أولادُه من خارج البيت، وما يحملون في حقائبهم، وما يضعون تحت فُرُشِهِم وأسِرَّتِهم، وإلى أين تذهب بناتُهم، ومع مَنْ، وما يرتدين خارجَ البيت؟...

فالأب الذي يسمح لأولاده أن يشاهدوا الأفلام التي تدعو إلى الميُوعَةِ والانحلال، وتَحُضُّ على الانحراف والإجرام، والّتي تفسد الكبار فضلاً عن الصِّغار، لا شكَّ أنَّ هذا الأبَ يقذف بأولاده ـ من حيث يشعر أو لا يشعر ـ إلى الهاوية.

والأب الّذي لا يراقبُ أولادَه وبناتِه وَقْتَ ذهابهم إلى المدرسة أو رجوعِهم منها أو مكوثِهم فيها، فإنَّ الأولادَ يجدون من إهمال والِدِهم ما يدفعهم إلى ارتياد الأماكن الموْبُوءَةِ والمشبوهة.

وإذا سار الأولاد في مثل هذه الطَّريق، سَيَفْسدُون تدريجيًّا، وتسوء أخلاقُهم، وربَّما وصلوا إلى وضعٍ يصعب حينئذ ردُّهم وإصلاحُهم، ومعالجةُ حالهم.

ولكن يُراعَى أن تكون هذه المراقبة خفيَّةً لا يشعر الأولاد بفقدان الثِّقة بينهم وبين أوليائهم، وينبغي أن يُراعَى في النُّصح والتَّوجيه أعمارُ الأولاد ومدارِكُهم، ودرجةُ أخطائهم، حتَّى لا يشعروا بظلم وحيف.

هذا؛ والكلام عن الإصلاح يبقى موضوعًا مهمًّا، لاسيَّما عند المربِّين، وذلك كفيل بأنْ يحقِّق للأمَّة ما تصبو إليه من صلاح أبنائها وبناتها.

والحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد الخلق أجمعين، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله العليِّ العظيم.

(1) «صحيح الجامع» (1775).

(2) «صحيح الجامع» (5231).

(3) «صحيح الجامع» (4231).

(4) «السِّلسلة الصَّحيحة» (1022).

(5) «فتح القدير» (3/425) للشَّوكاني.

(6) «صحيح الجامع» (7957).

(7) «مشكاة المصابيح» (572).

 

معنى الإصلاح والإفساد

* قال الطبري في «تفسيره» (1/75 ـ مؤسسة الرسالة):

«معنى الإفسادِ: هو ما ينبغي تركهُ ممَّا هو مَضَرَّةٌ، وأنَّ الإصلاحَ: هو ما ينبغي فِعله ممَّا فِعلهُ مَنْفَعَةٌ».

إصلاح الأسرة

* قال ابن باديس في «تفسيره» (ص: 492):

«...هكذا على المرْءِ أنْ يبدأ في الإرشاد والهدايةِ بأقرب النَّاس إليه، ثمَّ مَنْ بعدَهُم على التَّدريجِ.

وعندما يقوم كلُّ واحدٍ منَّا بإرشاد أهلِه، وأقربِ النَّاس إليه، لا نَلْبَث أن نرى الخيرَ قد انتشر في الجميع؛ فَمِنَ الأسرِ تتركَّبُ الأُمَّةُ؛ فعندما يُعنَى كلُّ واحدٍ بأسرته تَرْتَقِي الأمَّةُ كلُّها بارتقاء أُسَرِهَا، كارتقاء أيِّ كلٍّ بارتقاءِ أجزائِه، فيكون المعتني بأسرته في الوقت نفسِه معتنيًا بأمَّتِه؛ وعندما يقصد بخدمة أسرتِه خدمةَ أمَّتِه، يثابُ ثوابَ خادمِ الجميع؛ أسرتِه بالفعل، وأمَّتِه بالقصدِ؛ أو أسرتِه مباشرةً وأمَّتِه بواسطةٍ؛ وكلُّ هذا ممَّا يثابُ المرءُ شرعًا عليه».

قال الله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ

* قال السَّعدي في «تفسيره»:

«والسَّاعي في الإصلاحِ بين النَّاس أفضل من القَانِتِ بالصَّلاةِ والصِّيامِ والصَّدقةِ، والمصلحُ لا بُدَّ أنْ يُصلِح الله سعيَه وعملَه.

كما أنَّ السَّاعي في الإفساد لا يُصلح اللهُ عملَه ولا يُتِمُّ له مقصودَه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِين[يونس:81]، فهذه الأشياءٌ حيثما فَعَلْتَ فهي خيرٌ، كما دلَّ على ذلك الاستثناءُ.

ولكن كمالُ الأجرِ وتمامُه بحسب النِّيَّةِ والإخلاصِ، ولهذا قال: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ الله فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[النساء:114] فَلِهَذَا ينبغي للعبدِ أن يَقْصِدَ وجهَ الله تعالى ويُخْلِصَ العملَ لله في كلِّ وقتٍ وفي كلِّ جزءٍ منْ أجزاءِ الخيرِ، ليحصل له بذلك الأجرُ العظيمُ، وليَتَعَوَّدَ الإخلاصَ فيكون من المخلصين، وليُتَمَّ له الأجرُ، سواء تَمَّ مقصودُه أم لا؛ لأنَّ النِّيَّةَ حَصَلَتْ واقترن بها ما يُمكن من العمل».

صلاح القلوب

* قال الحَسَنُ لِرَجُلٍ: «دَاوِ قلبك، فإنَّ حاجةَ اللهِ إلى العبادِ صَلاَحُ قُلُوبِهم».

قال ابنُ رَجَبٍ في «جامع العلوم والحكم» (1/211 ـ طبعة الرسالة):

«يَعْنِي أنَّ مُرادَه مِنْهُم ومطلوبَهُ صلاحُ قلوبِهم، فلاَ صلاحَ للقلوب حتَّى تَسْتَقِرَّ فيها معرفةُ اللهِ وعظمتُه ومحبَّتُه وخَشْيَتُه ومَهَابَتُه ورَجَاؤُه والتَّوكُّلُ عليه، وتَمْتَلِئَ مِنْ ذَلِكَ، وهذا هو حقيقةُ التَّوحيدِ وهو معنى لا إله إلا الله...».

الصلح في الحقوق

* قال ابن القيِّم في «إعلام الموقِّعين» (2/202 ـ تحقيق حسن مشهور):

«والحقوق نوعان: حقٌّ لله وحقٌّ لآدمي، فحقُّ الله لا مدخل للصُّلح فيه؛ كالحدود والزَّكوات والكفَّارات ونحوها، وإنَّما الصُّلح بين العبد وبين ربِّه في إقامتها، لا في إهمالها، ولهذا لا تُقْبَلُ الشَّفاعة في الحدود، وإذا بلغت السُّلطانُ فَلَعَنَ اللهُ الشَّافع والمشفّع.

وأمَّا حقوق الآدميِّين، فهي التي تقبل الصُّلحَ والإسقاطَ والمعاوَضَة عليها، والصُّلحُ العادلُ هو الذي أمر الله به ورسولُه ﷺ، كما قال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ[الحُجُرات:9].