أنت هنا:توحيد»إخلاص الدين لله وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم

إخلاص الدين لله وتجريد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلّم

  • عبد المالك رمضاني
تم قراءة المقال 5873 مرة

  

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه من والاه.

إنّ المستعرض لآيات الكتاب العزيز يجد الله عزّ وجلّ يؤكّد في كلّ عبادة على أصلين عظيمين هما الإخلاص له سبحانه، وتجريد المتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وقد نصّ العلماء على أنّهما شرط قبول العمل عند الله تعالى، فمنها أنّ الله عزّ وجلّ لم ينصّ على أنّه يتقبّل العمل الأكثر من حيث الكميّة، ولكنّه ينصّ دائما على أنّه يتقبّل العمل الأحسن، كما في قوله سبحانه: ﴿إِنّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾، وقوله: ﴿إِنَا لاَ نُضَيِّعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾، وقوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «أخلصه وأصوبه، فقيل: يا أبا علي! ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنّ العمل إذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يُقْبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنّة».

وقال سعيد بن جبير والحسن البصري رحمهما الله: «لا يُقبل قول إلاّ بعمل، ولا يُقبل عمل إلاّ بقول، ولا يُقبل قول وعمل إلاّ بنيّة، ولا يُقبل قول وعمل ونيّة إلاّ بنيّة موافقة السنّة». انظر شرح أصول الإعتقاد للالكائي (18)، (20).

وعن سفيان بن عبد الله الثقفيّ قال: «قلت : يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدا، قال: قل آمنت بالله ثمّ استقم» رواه مسلم.

وقد فسّر هذا بعض السّلف بالإخلاص والمتابعة، روى ابن بطّة في «الإبانة /الإيمان» (156) بسند صحيح عن سلام بن مسكين قال: كان قتادة إذا تلا: ﴿إِنَّ الّذين قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، قال: «إنّكم قد قلتم ربّنا الله، فاستقيموا على أمر الله، وطاعته، وسنّة نبيّكم، وأمضوا حيث تؤمرون، فالاستقامة أن تلبث على الإسلام، أن تلبث على الإسلام، والطريقة الصالحة، ثمّ لا تمرق منها، ولا تخالفها، ولا تشذّ عن السنّة، ولا تخرج عنها ...».

وفي هذا المعنى قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ من قَبْلَ أَنْ يأْتِيَكُمْ العَذابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ وَاتّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِن رَبِّكُمْ ﴾، فأمرَ باتّباع أحسن ما أنزل، وهذا لا يتأتّى إلاّ لمن اقتفى أثر رسول الله في ذلك، وهذا بعد أن أمر الله عزّ وجلّ بالإسلام له في قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، والإسلام إذا جاء متعدّيًا لزم حمله على الإخلاص، كما قال تعالى: ﴿وَرَجُلاً سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي خالصًا له، تحقيقًا لقاعدة الإخلاص والمتابعة، جاء لفظ (الإسلام) المتعدّي  - الذي هو على معنى الإخلاص- مقرونّا بالإحسان- الذي هو على معنى المتابعة- في غير ما آية، منها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى﴾، ومنها قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِهْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾.

فإسلام الوجه لله متضمّن للقصد والنيّة لله، كما قال بعضهم:

أستغفِرُ الله ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ          رَبّ العبادِ إِليْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ

يقال: أيّ وجه تريد؟ أي: أيّ وجهة تقصد، وهما متلازمان، فحيث توجّه الإنسان توجّه وجهه، ولذلك جاء في الصحيحين عن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنّه علّمه أن يقول في دعاء النوم: «اللّهُمَّ أسلمْتُ نفسي إليك، ووجّهتُ وجهي إليكَ ...»، والإحسان هو العمل الصالح الذي يطلق على الاتّباع، ذكره ابن تيمية «مجموع الفتاوى» (18/251)، وابن القيّم في مدارج السالكين (2/90).

ولذلك كان أحسنَ الدين كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾، قال ابن كثير رحمه الله: «فيصلح ظاهره بالمتابعة وباطنه بالإخلاص، فمتى فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فإذا فقد الإخلاص كان منافقا، وهم الذين يراؤون الناس، وإذا فقد المتابعة كان ضالا جاهلا، وإذا جمعهما كان من المؤمنين الذين يتقبّل عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيّئاتهم ...».

وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى- وهو يشرح مقولة أحمد رحمه الله -في أنّ مدار  الإسلام على ثلاثة أحاديث وهي حديث: «إنما الأعمال بالنيّات»، وحديث: «الحلال بيّن والحرام بيّن»، قال: «ووجه هذا الحديث (أي الأخير) أنّ الدين فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه، فحديث «الحلال بيّن»، فيه ما نهى عنه، والذي أمر الله به نوعان:

أحدهم: العمل الظاهر، وهو ما كان واجبا أو مستحبًا.

والثاني: العمل الباطن، وهو إخلاص الدين لله.

فقوله صلى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ...» إلخ، ينفي التقرّب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب، وقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيّات...» إلخ، يبيّن العمل الباطن، وأنّ التقرّب إلى الله إنّما يكون بالإخلاص في الدين لله...»، ثم ذكر من بين الآيات الجامعة لهذين الأصلين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، وقال: «فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب، وأن لا يشرك العبد بعبادة ربّه أحدا، وهو إخلاص الدين الله ». «مجموع الفتاوى» (18/249-250).

وفي هذا المعنى روى البيهقي في الشُّعَب (6872) عن سهل بن عبد الله أنّه قال: «اطلبوا من النيّة بالإخلاص، ومن العلانية الفعل بالاقتداء، وغير ذلك مغاليط».

قلت: ولَمّا كانت آية الكهف هذه جامعة بين إصلاح الظاهر والباطن ناسب أن يعبّر عن رؤية الله عزّ وجلّ باللقاء ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ...﴾ فكأنّه قيل: لينظر أحدكم على أيّ صورة يلاقي ربّه، فإنّ من علم أنّ له لقاءً مع كبير من الكبراء بالَغَ في تحسين ظاهره، وحفظ باطنه من أن يبلغه عنه ما يسوؤه ويعكّر عليه اللّقاء، ولذلك قال أحد تلاميذ ابن المبارك: سألت عبد الله بن المبارك عن قوله عزّ وجلّ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا...﴾؟ قال عبد الله: «من أراد أن ينظر إلى وجه خالقه فليعمل عملا صالحًا ولا يخبر به أحد». رواه اللالكائي في «شرح أصول الاعتقاد» (895).

وقد جاء عن عمر رضي الله عنه  أنّه كان يقول: «اللَّهمّ اجعل عملي كلّه صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحدٍ فيه شيئ».

وقال ابن تيمية: «وذلك أنّ الله أمر بطهارة القلب وأمر بطهارة البدن، وكلا الطهارتين من الدِّين الذي أمر الله به وأوجبه، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ الله لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ في الدّينِ من حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾، وقال: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَالله يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا﴾، وقال: ﴿أُولَئكَ الّذينَ لَمْ يُرِدْ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾، قال: ﴿إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، فنجد كثيرا من المتفقّهة والمتعبّدة، إنّما همّته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا، ويترك من طهارة القلب ما أمر به إيجابًا واستحبابًا، ولا يفهم من الطهارة إلاّ ذلك، ونجد كثيرا من المتصوّفة والمتفقّرة إنّما همّته طهارة القلب فقط، حتّى يزيد فيها على المشروع اهتمامًا وعملاً، ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابًا أو استحبابًا. فالأوّلون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صبّ الماء وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يُشرع اجتنابه، مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغلّ لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بيّنة لليهود.

والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلوا الجهل بما تجب معرفته من الشرّ الذي يجب اتّقاؤه من سلامة الباطن، ولا يفرّقون بين سلامة الباطن من إرادة الشرّ المنهيِّ عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشرِّ المعرفة المأمور بها، ثمّ مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون النجاسات، ولا يقيمون الطهارة الواجبة مضاهاةً للنصارى» مجموع الفتاوى (15/1 - 16).

قلت: تأمّل قوله: «فيبالغون في سلامة الباطن حتّى يجعلوا الجهل بما تجب معرفته من الشرّ الذي يجب اتّقاؤه من سلامة الباطن»، فإنه يصدق على كثير من الصالحين الغافلين والمتصولحين المتغافلين، الذين يصونون سمعهم من الإطّلاع على بدع الجماعات المعاصرة من (الإخوان المسلمين) وما تفرّع عنهم من (القطبيّة) و(السرورية) ومن (جماعة التبليغ) وغيرها، طلبًا للسلامة من الغيبة تارةً، وخوفا من انقطاعهم من طلب العلم تارةً أخرى، فينتج عن ذلك وقوعهم في شراكهم، واستغلال هؤلاء لهم، ولربّما كرهوا الحقّ الذي عند الطائفة المنصورة، بسبب ما ينمى إليهم من النميمة وهم لا يشعرون.

ولذلك قال ابن كثير رحمه الله عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ ليُظهرَه عَلَى الدّينِ كُلِّهِ﴾ مستنبطا قاعدة الإخلاص والمتابعة: «فالهدى ما جاء به من الإخبارات الصادقة والإيمان الصحيح والعلم النافع، ودين الحقّ هو الأعمال الصحيحة النافعة في الدنيا والآخرة».

واستنبط بعض أهل العلم هذه القاعدة من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾.

ويقابل الإخلاص إرادة الدنيا، ويقابل المتابعة تشريع البدع، ولذلك جمعهما الله عز وجلّ في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نؤتِهِ مِنْهَا وَمَالَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ من الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله﴾.

ركنان يفسدان الأديان حتّى يخرج الأوّل صاحبه من الإيمان، والثاني من الدين الحقّ، وقد ندّد الله بهما أعمال الكفّار المستحقّين للمجاهدة، فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِاليَوْمِ الآخِرِ ولاَ يُحرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ ورسُولُه وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾، فانظر عاقبة الريّاء والبدعة، ولذلك قال ابن تيمية رحمه الله: «وهذان الأصلان جماع الدين: ألاّ نعبد إلاّ الله وأن نعبده بما شرع، ولا نعبده بالبدع». اقتضاء الصراط المستقيم (ص 451).