أنت هنا:توحيد»وعدة "سيدي الحسني" بوهران فضائحُ....و مخازي

وعدة "سيدي الحسني" بوهران فضائحُ....و مخازي

  • سمير سمراد
تم قراءة المقال 5698 مرة

 

نشرت جريدة "الشروق اليومي" -التي تَصدر بمدينة الجزائر- في عددها(2388)، المصادف ليوم الإثنين: 24 شعبان1429هـ /25 أوت 2008م، مقالا ضافيا، أو قلْ: ملفٍّا مسهبا، عن إحدى مظاهر الشر، وتجمعات الفساد، التي عرفت رواجاً كبيراً في هذه السنوات المتأخرة، هي ظاهرة إقامة (الوعدات) على وعند (أضرحة) من يسمون عند الجماهير بـ(الأولياء الصالحين)، فقد عمل أناسٌ على إحياء ما اندثر من هذه العوائد البدعية، والمواسم الشركية، التي اتخذت غطاءَ ( إحياء التراث) و(التذكير بعوائد الأجداد)، و(المحافظة على ثقافة وموروث الشعوب)....إلخ، وقد لقيت هذه دعماً رسمياً، ورصدت لها ميزانيات من الأموال، وسهلت لها الطرق تسهيلاً، وحظيت بإعلام واسعٍ، فتوالى الحديث عنها في (التلفزيون) وفي الإذاعات والجرائد، بغرض الترويج لها، وليس َ هو حديث من يستنكرها، ويستهجن ما يحصل فيها من منكرات ومخالفات، أشدها: ما يدخلُ على الناس من الفساد في دينهم وفي عقيدتهم، بسوء ما يعتقدونه فيها وفيمن أقيمت هذه الأعمال لأجلهم وعلى شرفهم –كما يقولون!-، أقول: تحدث المقال أو الملف المشار إليه، حديثاً صريحاً، لم نألفه عند كثير من الكاتبين من الصحفييين وغيرهم، فسمَّى الكثيرَ من الحقائق بمسمَّيَاتها، وزيَّفَ ادعاءات القوم، وفضح مزاعمهم، وبين مخالفة أقوالهم، لما هو واقعٌ حقيقةً، تُبْصِرُهُ النفوس التي لم تُبْتَلَ بوباء (الطرقية)، وخرافة(المرابطيّة)، ولم تُفْتَنْ برجال الغيب –كما يعتقد الكثير-، فَتُنْكِرُ بِفِطَرِهَا، ما قدْ راج على ضعفاء العقول من النساء وأشباه الرجال!...لقد أشار(الصحفي) إلى شنيعتين من الشنائع التي يرتكبها المفتونون بأضرحة (الأولياء)!، لكنه لم يركز عليهما في (بيانه المستفيض)؛ فقد اكتفى في العنوان (بالخط العريض) في واجهة الجريدة، بالكتابة التالية: (فيلات فاخرة، سيّارات فخمة، ومشاريع، بأموال الشعوذة والشرك)، وإذا قرأت المحتوى من الداخل، لم تجد بياناً عن مظاهر الشرك التي يفعلها الجهلة عند هذا الضريح أو ذاك. ولعلّه اكتفى بالشنيعة الأخرى والطامة الكبرى، التي قال عنها: ( فتيات بألبسة فاضحة وزوّار يسجدون لغير الله)، وكانت الصورة التي أخذت مساحة من واجهة الجريدة، أكبر معبِّر، وخير شاهد على مبلغ الفتنة والافتتان، اللذيْنِ حصلا بسبب هذه الأضرحة، التي زُيِّنَتْ وعُظِّمَتْ بالقول وبالفعل أمام أنظار وأسماع قاصديها وزائريها والواقفين على أعتابها!.. إنه السجود للقبر، ووضع الجبهة والأنف على البيت الخشبي الذي يعلو القبر ويحويه، تالله إنها لإحدى الكُبَرْ!!...ليت الكاتب الصحفي، جَلَّى هذا الأمر، و أفاض فيه تقبيحاً وتشنيعاً، وكما أفاض وقبّح –على الأقل- أفعال أولئك المرتزقة، الذين يستغفلون الناس، ويُبَلِّهُونَهُمْ، ويَمُنُّونَهُمْ، ثم يَسْتَلِبُونَ أموالهم، بدعوى أنهم قد أعطوهم البركة، وحَلُّوا مَحَلَّ الرضا من (الولي الصالح)، و(الشيخ البركة)!!...لقد فضح الكاتب القوم (أولاً)، بكشفه عن مصير مداخيل الأضرحة والزوايا من (الزيارات) و(النذور) و(التبرعات)، ثم (ثانياً) بإبطال مزاعمهم بل تُرَّهَاتِهِمْ، وحيلهم في تَبْلِيهِ الناس، واللعب على عقولهم، من أن هذه المواسم (و الأعياد )المشهودة، ممارسة لشعائر دينية، ومجمعٌ إيماني، ومحفلٌ ربانيّ، والواقع -وهو خير شاهد- على إفكهم، أنها اجتماعاتٌ أفسدت الأخلاق بعد أن أفسدت العقائد والأديان، (والشيءُ من معدنه لا يُستغربُ)، ثم كشف الكاتبُ (أخيراً) عن مبلغ الجهل والانحطاط الذي وصل إليه فئام من الناس-غالبهم من النساء- في دينهم وفي عقولهم!، فعميت بصائرهم، قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:46].. فإليكم نقولاتٍ ممَّا سطّره الكاتب، الذي يُشكر له إسهامُه في تنبيه الغافلين، وإيقاظ النُّوَّام المُخَدّرِين، وفتح العقول لمن يتقدمونهم ويَتَوَلَّوْنَهُمْ باسم الدين، و(بركة الصالحين)!:

 ـ من هو "سيدي الحسني"؟:

يقول الكاتب معرفاً به: (...العارف بالله الشيخ الوالي الصالح سيدي الحسني الشريف الوزاني، الذي توفي بالزاوية في وهران بتاريخ 1321هـ عن عمر يناهز 94 سنة، حيث أنجب ولدين، أحدهما وهو أحمد جد "الشاب شريف الوزاني"، وكان والد هذا الأخير مولاي عبد الله، الذي توفي بنفس الزاوية في سنة 1999، تاركا خلفه ابنه البكر مولاي أحمد بدر الدين"مولاي الحسن الشريف الوزاني" والأصغر مولاي الطيب، وذلك ما يوضحه شيخ الطريقة الطيبية ذات الأصول المغربية، فالشاب شريف الوزاني من خلال شجرة النسب وأصول الطريقة، في كتاب ألفه هو، على حد تعبيره، " أصول الطريقة الطيبية وسيرة الصوفي سيدي الحسني الوهراني"، صادر عن دار الأديب بوهران، سنة 2007، فتحصلت "الشروق" على نسخة منه" وقد طبع على نفقة دار الثقافة "زدور إبراهيم بلقاسم"، على هامش ملتقى دولي موّلته مؤسستا سوناطراك وسونلغاز، إلا أنه فضل عدم كتابة اسمه كمؤلف للكتاب، وأرجع ذلك قائلاً "حتى لا يقول الناس أن شيخ الزاوية ألف كتابا على نفسه.."، ومن البرامج التي أشرفت عليها زاوية سيدي الحسني والتي خصص لها مبالغ ضخمة، حسب مقربين، ملتقى دولي العام الماضي حضره جزائريون ومغاربة، تناول إشكالية الطرق الصوفية ومدى تأثر أتباع ومريدي الطريقة الطيبية بالولي الصالح الشيخ سيدي الحسني، شارك فيه أساتذة من أدرار، بشار، أساتذة بجامعة وهران، وأساتذة من طنجة، وتيطوان بالمغرب، وكان مدير الملتقى"شريف الوزاني مولاي الحسن" نفسه.. وشاركه في التنظيم شقيقاه. ومن بين البرامج الثقافية والدينية كذلك الوعدة المشهورة لسيدي الحسني والتي دامت مدة ثلاثة أيام من 9 إلى 11 جويلية الماضي[2008م]، وقد كانت، حسب شهود عيان، كارثية من حيث التنظيم، إذ اضطر الزائرون إلى المبيت بالشارع وافتراش"الكرطون"، حيث يتنقل مئات من مختلف ولايات الوطن إلى الزاوية في الموعد ذاته سنويا، للتبرّك بالولي الصالح(1)، وتتدفق مختلف أنواع الطعام وكثير من الأموال من المحسنين لتذبح الخرفان(2) وتقام الولائم وتمتلئ خزينة الزاوية.)اهـ.

 

ـ من يكون شيخُ الزاوية الحالي؟...اقرأ وتعجَّبْ:

يقول الكاتب تحت عنوان:(مغني مشهور، شيخ للطريقة الطيبية ومشرف على زاوية سيدي الحسني! ): ( يبدو بادئ الأمر، اتهاما غير قابل للتصديق أو ادعاء لغرض، خصوصا وأن صورة شيوخ الزوايا لدى الجميع لا تخرج عن إطار العابد المتنسك الذي يكون مثالا في الورع والتقوى، وقد كنا أثناء تحضيرنا لزيارة زاوية سيدي الحسني الشهيرة المتواجدة بالقرب من المدينة الجديدة، نتوقع أن يكون شيخها صاحب عباءة وبرنوس، تظهر على ملامحه المشيخة، خصوصا وأن جميع من قابلناهم ذكروا لنا اسمه: الشيخ مولاي الحسن شريف الوزاني، ويعرف بهذا الاسم لدى العام والخاص، وإذا بنا نتفاجأ بشاب في الأربعينيات يرتدي سروال "جينز"، ويتكلم الفرنسية، وكنا قبل مقابلتنا له قد تحصلنا على معلومات لا يعلمها إلا القليل، مفادها أنه مغني ويشرف على الزاوية في نفس الوقت، وتحصلنا على"كارت" أو بطاقة زيارة خاصة به، كان يوزعها سابقا، تحمل صورته ببدلة رسمية، يظهر فيها مبتسما طويل الشعر، ويوجد فوق الصورة الصغيرة رسم لوردة وتحتها عبارة"أحبك" بالإنجليزية، أما ما كتب على البطاقة، فكان بالفرنسية، حيث يوجد اسمه واضحاً" مولاي حسن شريف الوزاني"، وتحتها العبارات التالية التي تشير إلى المهن التي يزاولها شيخ زاوية سيدي الحسني: مغني، صحفي، محل لخدمات الهاتف: نسخ الأوراق، الرقن على الحاسوب، مذكرات، فاتورات، بطاقات زيارة، بطاقة مهنية، مطويات، شعارات، الكتابة على المجسمات، فاكس، نسخ الأقراص المضغوطة، طلب السيرة الذاتية، التغليف البلاستيكي، بيع بطاقات التعبئة، وأرفقت هذه الخدمات بهاتف النقال والفاكس والعنوان التالي:8 شارع سيدي الحسني، وهران، وهو نفس عنوان الزاوية ونفس أرقام الهاتف والفاكس التي وجدناها في مطوية خاصة بالبرنامج السنوي للزاوية التي تحصلنا عليها من "الشيخ/المغني" ذاته، وقد اكتشفنا ذلك حقا، من خلال زيارتنا للمحل الخاص بخدمات الهاتف بالزاوية، حيث يعلق هناك صورة كبيرة الحجم تحمل صورته الفنية وهو يحمل قلادة حول رقبته، طويل الشعر، وكتب على الصورة "استوديو سانت كريبا"، كما كتب على الصورة بالبند العريض وباللغة الفرنسية "الشريف الوزاني، ملك التيندي"، ما معناه أنه يختص بأغاني التيندي.....)اهـ.

ـ يقول الكاتب تحت عنوان: (أين تذهب مداخيل"الزيارة" والشعوذة وإعانات الدولة؟):

( حسب تصريحات المشرف على زاوية سيدي الحسني، فإن الأعباء المالية للنشاطات الثقافية والدينية ومصاريف ونفقات الزاوية وطلبتها أكثر من المداخيل السنوية، لكن ما لاحظناه غير ذلك تماما، حيث كان يكفينا المكوث لساعات قلائل بالقرب من الزاوية، والاستفسار من بعض الداخلين إليها، لنكتشف أن أموالا طائلة تتدفق على الزاوية وصاحبها، إذ لاحظنا أنه ما لا يقل عن 100 زائر في الساعة، يقصدون الزاوية، خصوصا في فترة الزوال، ولا تتوقف مختلف أنواع السيارات، الفخمة والعادية منها من التوقف أمامها مُقلَّةً عائلات بأكملها، لا تقل "زيارة" [أي المال المدفوع لشيخ الزاوية] الواحد منها عن 100دج، فيما تتجاوز "زيارة" أصحاب المال والأثرياء ذلك بكثير، حسب شهادات مقربين، وحين استفسارنا لدى إحدى النساء القاصدات للزاوية، صرحت لنا أنها لاجئة إلى شيخ أو طالب بالزاوية، ليكتب لها حرزا لشفاء ابنتها"، مضيفة أن عمله ينفع لحالات المرض، وزواج العانسات، وإنجاب العاقرات، وغيرها، وعلى هذا الأساس يقصد الزاويةَ نساءٌ ورجال من شتى ولايات الوطن، وقد تعرفنا بعد ذلك أن الشيخ إنما هو مشعوذ، وهو شاب في مقتبل العمر يتواجد في غرفة على اليمين، حيث يسطر الحروز، مقابل مبالغ مالية معتبرة، وكشف مقربون رفضوا الكشف عن هويتهم أن الزاوية يتواجد بها عدد من"الطلبة" يمارسون الشعوذة منذ زمن ويتاجرون بمصائب الناس "و غبينتهم"، ضف إلى ذلك المبالغ التي يدفعها ما لا يقل عن 300 طالب، صغارا وكبارا نظير تعلم القرآن، حسب شهادة شيخ الزاوية نفسه، هذا الأخير صرح أن إعانات الدولة شحيحة ولا يتم الحصول عليها إلا بعد مجموعة من الإجراءات الطويلة ويطلب تبعا لذلك زيادة الاهتمام بهذا الموروث وتخصيص ميزانية للنشاطات الثقافية والدينية، وهو ما أفاد به مطلعون، حيث ذكروا أن زاوية سيدي الحسني حرمت هذا العام من مساعدات مالية، مادية وبشرية فيما يتعلق بالوعدة كانت تستفيد منها لسنوات مضت لأسباب مجهولة، حيث إنها لم تحصل إلا على بضعة صهاريج مياه صالحة للشرب من مؤسسة "الجزائرية للمياه"، لم تكف لكافة الزوار الذين طرقوا أبواب الجيران طمعا في الحصول على كوب ماء.

كما تجدر الإشارة إلى أن زاوية سيدي الحسني تتواجد على مستوى 48 ولاية "كفروع للبنك المركزي" وذلك تحت إشراف الزاوية الأم، بمعنى أن جزءا كبيرا من مداخيلها يصبّ في حساب زاوية الوليّ الصالح بوهران.

ـ( فيلا فاخرة، "طاكسي فون"، سيّارة جديدة، وممتلكات أخرى)، يقول الكاتب: (لا أحد بإمكانه مساءلة المشرفين على الأضرحة والزوايا، حول وجهة مداخيلها غير الجهات المختصة، فيما تعد هذه الأموال وقفا لها، ممنوعة من الضرائب والمراقبة والمتابعة، باستثناء تقديم حصيلة سنوية عن النشاطات الثقافية والدينية لدى الجهات المعنية، حسب ما صرح به رئيس مصلحة الشعائر الدينية والإرشاد والأوقاف بمديرية الشؤون الدينية... والذي أكد أن ملفات اعتماد الزوايا تؤشر من قبل مديرية تنظيم الشؤون العامة بالولاية بعد تحقيقات أمنية وإدارية وتقصّي حول سمعة صاحبها ودراسة للملف من كل الجوانب، فيما لا يتجاوز دور مديرية الشؤون الدينية، منح الموافقة المبدئية بعد الاطلاع على جوانب تتعلق بأرض الزاوية والمشرف عليها، وحين سؤالنا عن شيخ زاوية سيدي الحسني الذي يعتبر نفسه ملك أغنية "التيندي" وله فيديو كليبات وأغاني مسموعة، صرح رئيس المصلحة أن شقيقه هو المغني وليس هو شيخ الطريقة الطيبية، على الرغم من أن المغني ذاته أكد ذلك ويفتخر أنه فنّان وزعيم للطريقة في نفس الوقت....) اهـ.

ـ (الأضرحة...استثمارٌ آخر يُدِرُّ الملايين بعيداً عن أنظار الرقابة): يقول: (..لا يعدّ كشف جزء من هذه الحقائق، تحاملا على زاوية بعينها، لأن باقي الزوايا والأضرحة على المستوى الوطني لا تقل شأنا عنها وتطاردها الاتهامات من كل جانب، وَسَطَ جَهْلِ الْمُتَشَبِّثِينَ بها لأغراض التَّبَرُّك والشفاء، الزواج والإنجاب وقضاء مختلف الحاجات، حيث توجد بوهران لوحدها 43 زاوية، منها اثنتان لا تعملان وأكثر من 8 أضرحة، حسب رئيس مصلحة الشعائر الدينية والأوقاف، تمثل مختلف الطرق كالشادلية والدرقاوية ويقدّر عدد طلبتها الأقل من 15سنة بنحو 78 طالبا، أما الذين يتجاوز سنهم الـ15 سنة، فهم أكثر من 300 طالب، بمعدل ما بين 20 و30 طالبا بالزاوية الواحدة، مردفاً أن الإعانات المالية التي تمنحها الولاية والوزارة تكون وفق تقييم النشاطات التي تقوم بها سنويا، وأنه لم تكتشف أي تجاوزات فيما يتعلق بوجهة مداخيل الزوايا والأضرحة....) اهـ.

(نساء يرقصن، عشيقات وممارسات غير أخلاقية بـ"الوَعْدَة")، يقول الكاتب: ( ثلاثة أيام من الاحتفال بوعدة سيدي الحسني، لم تصطبغ بجو إيماني وممارسة شعائر دينية مثلما يسطر لذلك، حيث يروي شهود عيان أن وعدة سيدي الحسني الأخيرة، تحولت إلى مشاهد للرقص والغناء وإطلاق الزغاريد والعبث بشتى أنواع الأطعمة، تحت أصوات بارود فرقة "أولاد توت"، وأضافت مصادرنا أن نساءً كن يرقصن بالشارع وسط جموع غفيرة من الوافدين إلى الولي الصالح، حسب أفلام فيديو مصورة عن طريق أجهزة الهاتف النقال "اطلعت عليها الشروق" وكانت الوعدة لا تخلو من الأزواج وأصحاب العلاقات غير الشرعية، حيث اصطحب مجموعة من الزوار عشيقاتهم إلى منطقة عين الترك لتناول الكحول، وقدموا في ساعات متأخرة من الليل ليبيتوا بالرصيف على طول الشارع، حيث تتواجد الزاوية وحيث بات العشرات وكانت السيارات مخادع لممارسات غير أخلاقية، استاء لها كثيرون.

فيما ذكر شيخ الطريقة الطيبية أن عدد الزائرين هائل ولا يمكن إيواؤهم جميعا على مدى الأيام الثلاثة، ومن أجل ذلك تقدم بطلب لاستفادته من مراكز للإيواء أثناء الوعدة السنوية، مصرّحاً أنه يتم فيها تلاوة القرآن الكريم ابتداءً من صلاة العصر إلى غاية صباح اليوم الموالي، وهو ما يعرف "بالسَّلْكَة"، ويرافق ذلك حفل فلكلوري احتفالا بختم القرآن ويُعْقَبُ بتلبيس ضريح الولي بحضور الأشراف ومقاديم مختلف الطرق، والإنشاد من طرف فرق الطريقة العلوية، التجانية، الماشيشية، البوعبدلية، الهبرية والقادرية) اهـ.

ـ ( الزوار...فتيات بألبسة فاضحة ومهاجرون شبه عراة )، يقول الكاتب: (يبدو أن عدم احترام مثل هذه الأمكنة لا يلام عليه المتسوّلون فقط، باعتبار أن الدخول إلى الزوايا والأضرحة، أصبح لا يختلف عن الدخول إلى "كباريه" أو "علبة ليل"، حيث لاحظنا خلال مراقبتنا لزاوية سيدي الحسني وضريح سيدي الهواري، فتيات يدخلن بألبسة فاضحة تظهر عوراتهنّ، يتقدّمن بمفردهنّ أو برفقة أصدقائهنّ أو عائلاتهن دون مبالاة بباقي الزوار من العجائز اللواتي يبدين استنكارهن لهذه الألبسة وكثيرا ما يوجهن ملاحظات قاسية، تصل إلى حدّ الشجار داخل المقام. إضافة إلى ذلك لا يبالي المهاجرون بألبسة قصيرة يرتدونها، حيث دخل أحد الشبان بتبّان فوق الركبة عاري الكتفين، ومكث بضريح سيدي الهواري طويلا ونظرا لضيق " القبّة" التي تعدّ بمثابة غرفة واحدة، فإن الجميع رجالا ونساءً يختلطون ويتكدّسون بالداخل دون أيّ حواجز. ولا يحدد المشرف على الزاوية أو المقدم بالضريح أيّ ضوابط لاحترام المكان ما دام الوافدون مصدر رزق، بينما أصبحت هذه الأمكنة مفضلة لمعاكسة الفتيات وممارسة أفعال مخلة بالحياء بالقرب منها، على غرار ما يحدث بضريح سيدي عبد القادر الذي يتواجد بمكان منعزل بجبل "المرجاجو" قرب كنيسة "سانتا كروز"، حيث يغص المكان بالأزواج، دون أيّ تدخّل لمنع هذه الممارسات غير الأخلاقية.

 وقد لفت انتباهنا أيضاً: أن نفس الزوار تقريبا يتوجهون إلى مختلف الزوايا والأضرحة، حيث شاهدنا فتاة في العشرينيات تتردد على زاوية سيدي الحسني يوميا وكانت المفاجأة أن وجدناها بضريح سيدي الهواري كذلك، وخلال تقربنا من إحدى الزائرات وهي عجوز متقدمة في السن، ذكرت لنا أن ابنها مريض ولم يكشف الأطباء عن مرضه، بينما أكدت لها مشعوذة بـ"عين الترك" أنه مصاب بـ"المومنين"، وعليها أن تأخذه إلى ضريح سيدي الهواري ثلاث مرات ثم تعود به إليه(3)، وكان جميع الوافدين يشربون من برميل ماء وضع أمام مدخل الضريح تبرّكاً به[4]، بينما قام شيخ في منظر أضحك الجميع، بصبّ هذا الماء على ولديه المريضين إلى غاية أن ابتلّت كامل ملابسهما، لكنّ الغريب في الأمر أن صاحب سيّارة كان يملأ البرميل من ماء الحنفية كلّما فرغ، ما معناه أنه ماء عادي!) اﻫ، بهذه الأمثلة، ختم (الكاتب الصحفي) مشكوراً، مقالته هذه، والتي صوّرت لنا بعضاً ممّا يحدثُ بهذه الأمكنة والمشاهد، فأين من يُعَلِّمُ الجاهلين، ويُرْشِدُ الضالين، ويَدُلُّ الناس على الوجهة الصحيحة التي يجب عليهم أن يتوجهوا إليها؟ أين مَنْ يأخذ على أيدي السفهاء؟ ويزجر البُلَهَاء، ويمنع مصادر الشرّ، وينابيع الفتنة، ويستأصل مظاهر الشرك، ويقطع جذور الخرافة، ويملأ القلوب علماً وإيماناً، فيعرفها بربها وفاطرها، ويعلقها بمعبودها؟ أين من ينكر المنكرات، ويحذر من أكبر الكبائر؟ ..أين الأساتذة الجامعيون؟.. وأين العلماء الباحثون؟... وأين الأئمة والخطباء؟...و أين الوعاظ والفقهاء؟...أين، وأين، وأين؟؟؟...أين مَنْ يغارُ على الدين ومعالمه؟، ويغضبُ لحقِّ الله أن يُنْتَهَكَ ومحارِمِه؟

إنكار على المُنكِر وسكوت على المُبطِل:

كأني ببعض المتفلسفين ينطقُ، وهو الذي لم ينبس ببنت شفة، ولم تأخذه هزة ولا ارتعاشة، وهو يرى مظاهر الشرك أمام عينيه، ويسمع أقاويل الخرافة بأذنيه، هاهو ينطق، ويغضب، ويستنكر..لكن يستنكرُ ماذا؟ ويغضبُ على مَنْ؟..ما الذي أنطقه ؟ ..لقد أغاظه أن ينطق من يغارون على حق الله، ويغضبوا حميّةً للدين، مستنكرين الشركَ، والتوجهَ إلى قبورٍ، صَيَّرَهَا عابدُوها وقاصدُوها : أوثاناً تُعْبَدُ من دون الله، ..لقد أغاظه هؤلاء!!، فراح يرميهم بأنهم يطعنون في الأولياء.. ويكرهون بلادهم، ويعملون مضادّين لمصالح وطنهم... وأنهم مُسيَّرون من جهات دخيلة على مجتمعنا... وينهلون من موارد لا تمتُّ بصلة إلى مرجعيتنا... وأنهم أهل تعصب وتطرف، وأنهم أصحاب قسوة وغلظة، وفاقدون للحكمة والرويّة....الخ... ماذا عملتم أنتم يا أصحاب الحكمة والتروي؟!! ومتى دعوتم إلى حق الله؟، ومتى أقمتم اجتماعات، وعقدتم ندوات، وسطّرتم برامج ورسمتم منطلقات، لِتَذَبُّوا عن حياض التوحيد، وتَحْمُوا جنابه؟ ..هل أخرجتم بياناتٍ استنكارية، وهل نشرتم للناس براءتكم مما يجب أن يتبرّأ منه كل مسلمٍ؛ يكفُر بكلِّ عبادةٍ لغير الله؟..هل كثَّفْتُم الدروس والندوات في ما تحت أيديكم من وسائل الإعلام، لتُبَيِّنُوا للناس البَيَانَ الذي فرضه الله على أهل العلم، وتُؤَدُّوا واجب النصح لله ولعامة المسلمين. ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران:187].

وكأني بآخرين، ممَّن تحسبهم من المُنصِفين، وتظنّهم ممَّن إذا رأوا المنكر: ينُكْرِون..ينطقُون، فيعترفون بوجود تلكم المخازي، ويقرُّون بوجوب إزالتها، وقد يدعون أصحاب "الوعدات" و"الزردات" إلى تركها، ومنعها، وتطهير اجتماعاتهم منها...ثمَّ ماذا؟، وإلى هؤلاء كلماتٌ من إمامٍ محققٍ، وهو الشيخ مبارك الميلي، فبعد أن أقام الأدلّة على أنَّ (ذبائح الزردة هي مما أهلّ به لغير الله وإن ذكر عليها اسم الله)، قال في مقالة "الشرك ومظاهره"(الجزء13): (إن نظر الناس اليوم إلى الزردة على ثلاث درجات:

- الأولى: الحكم بأنها شرك يجب على العلماء تحذير الأمة منه والنصح لهم باجتنابها. ويجب على الأمة أن تصغي وتتبع، وهذا هو الحق الذي علمت شواهده مما أسلفنا لك قريبا.

- الثانية: الحكم بأنها معصية نظرا إلى ما يقع فيها من الإسراف والتكلف والاستدانة ثم الملاهي المنهي عنها من تطبيل وتزمير ثم مظاهر الهمجية والبدعة من رقص وصياح وتخبط كالذي يتخبطه الشيطان من المس ثم صريح الفسوق من شرب الخمر والاختلاط بالنساء والاختلاء بهن، وليس كل زردة تجمع بين هذه الخبائث، ولكن منها ما تشتمل عليها كلها ومنها ما يقع فيها بعضها. وأصحاب هذا النظر مصيبون فيما حكموا صادقون فيما وصفوا، يوافقهم على ذلك أهل النظر الأول، غير أنهم قصروا في نظرهم فقصروه على الظواهر كأن القصد صحيح والنية مشروعة، فكان نظر الأولين نظر رجال الاعتقادات، ونظر الفريق الثاني نظر رجال العبادات، والجمع بين النظرين هو الجامع للصورة الواقعية.)اهـ.

والمعنى أن هذه "الوعدة" أو تلك"الزردة"، لو خلت من تلكم المنكرات، ولم يحدث فيها شيءٌ ممّا تقدّم وصفه في "وعدة سيدي الحسني"، من كونها أصبحت وَكْراً للفُسَّاق والفُجَّار، وغير ذلك، .. ولوْ أنَّ "وعدةَ" أخرى، كانت بعيدةً عن تلكم المظاهر المستنكرة، لما صحَّ أن يحتجَّ بذلك محتجٌّ، فسواءٌ هذه أو تلك، فالكلُّ أقيم على أصلٍ فاسدٍ، وعملٍ باطلٍ، وهو أنه لم يُقصد بها وجهُ الله، وإنما أريدَ بها من سمَّيت باسمه، وكانت بجواره وعند مقامه[انظر: ما سيأتي في دلائل تحريم الزردة، وأنَ ذبائحها شركٌ].

و لتمام الفائدة:...هذه نقولٌ عن أئمة الجزائر، ودعاة التوحيد الخالص والسنّة المطهّرة في وطننا هذا:

ـ قال الشيخ مبارك الميلي رحمه الله في مقالة "الشرك ومظاهره"[(الجزء 12)، المنشور في جريدة "البصائر" في سلسلتها الأولى، العدد(25)]: (و التقرب بالذبائح لغير الله من العادات التي عرفت عن المشركين في جاهليتهم فكانوا يأتون إلى أصنامهم وأنصابهم فيذبحون وينحرون عندها تقربا منها وطلبا لمرضاتها معتقدين أن في حصول مرضاتها حصول مرضاة الله. فهم لا يتقربون منها لذاتها بل باعتبار كونها سببا لرضوان الله في معتقدهم. جاء الإسلام فنكر عليهم ذلك الاعتقاد ورد عليهم ذلك التقرب وأوجب أن يتوجه المرء بطاعته إلى الله وحده؛ وحرم من الذبائح ما أهل به لغير الله. قطع الإسلام هذا النوع من الذبائح فيما قطع من مظاهر الشرك. فلم يكن المسلمون يقعون فيما فروا منه أيام كانت العامة ترجع في دينها إلى علمائها، وعلماؤها يرجعون في علمهم إلى الكتاب والسنة، وأقوال هداة الأمة، ويأخذون أنفسهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالنصح للخلق والصدع بالحق والغضب لله تعالى اقتداء بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. ثم تغيرت العامة لعلمائها، وخضعت لرؤساء جهال لا يتميزون عنها إلا بأوضاع ورسوم ما أنزل الله بها من سلطان. فتنكر علماؤها للدين _ إلا من رحم ربك_ واتخذوا علمهم أداة تقرب من أولئك الرؤساء الجهال، وبضاعة ارتزاق من أولئك العوام وكان هوى الناس تبعا للدين، فصار الدين تبعا لهوى الناس. وهذا أصل كل ما نزل بالمسلمين من الرزايا، وما حل بهم من البلايا. ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾[المؤمنون:71]. في هذا الدور المظلم بالأهواء، المدنَّس بالأطماع، أخذت أسباب الشرك تنمو ومظاهره تتمثل للأعين وتزاحم التوحيد. فكان فيما عاد للوجود منها الذبائح تحت اسمين هما "النشرة" و"الزردة").

وقال في "رسالة الشرك ومظاهره"(ص:230): (والذبح الديني يسمى نسكاً. وكانت العرب تنسك في جاهليتها النسائك حول أصنامها وأنصابها تقربا إليها، وتحتفل لذلك على نحو ما تراه اليوم في "الزردات".)، وقال في (ص:239): (و هذه "الزردة" يذكرون اسم الله على ذبيحتها [ونيّتهم الذبح للصالح عندهم ]) اهـ.

وقال عن ( ذبائح "الزردة" ): (.. فإن كل من خالط العامة يجزم بأن قصدهم التقرب بالزردة من صاحب الضريح أو المزار. ومن شواهد هذا القصد:

أولاً: أنهم يقولون " زردة سيدي فلان" والذين يسمون الزردة طعاما كما في بعض الجهات يقولون "طعام سيدي فلان يكون يوم كذا" فيضيفونها إلى وليهم.

وثانيا: أنهم يفعلونها عند قبره وفي حرمه لا يبغون بغيره مكانا لزردتهم.

وثالثا: أنهم إذا نزل المطر إثرها نسبوه لسر الشيخ صاحب الضريح، وقويَ اعتقادُهم فيه وتعويلهم عليه.

ورابعا: أنهم إذا نُهوا عنها غضبوا ورَموا الناهي لهم بضعف الدين أو بالإلحاد، وقد يؤذونه بأيديهم.

 وخامسا: أنهم لو تركوها فأُصيبوا بمصيبة نكسوا على رؤوسهم، وقالوا: إن وليهم غضب عليهم لتقصيرهم في جانبه!

فهذه دلائل قاطعة بأن المقصود من الزردة هو التقرب من الولي. وهي أصدق من الأقوال التي يتستر وراءها المكابرون) اهـ.

ـ يقول الإبراهيمي رحمه الله: (...يجري كل هذا والأشياخُ أشياخٌ يُقدس ميتُهم وتشاد عليه القباب، وتساق إليه النذور، ويتمرغ بأعتابه، ويكتحل بترابه، وتلتمس منه الحاجات وتفيض عند قبره التوسلات والتضرعات، ويكون قبره فتنة بعد الممات كما كان شخصه فتنة في الحياة. ثم تتوالد الفتن فيكون اسمه فتنة، وأولاده فتنة، وداره فتنة... وما ضر هؤلاء الأشياخ-و قد دانت لهم الأمة وألقت إليهم يد الطاعة، ومكَّنتهم من أعراضها وأموالها- أن يأخذوا أموالها سارقين، ثم يورثونها أولاداً لهم فاسقين، يبددونها في الخمور والفجور، والسيارات والملابس والقصور. ما ضرهم أن تهزل الأمة إذا سمنوا؟ ما ضرهم إذا فسدت أخلاقها ما دام خلق البذل والطاعة لهم صحيحاً؟ ما ضرهم أن تتفرق كلمة الأمة ما دامت مجمعة على تعظيمهم واحترامهم، ومُغضية على شرهم وإجرامهم؟ ولكن الذي يَضيرهم ويُقِضُّ مضاجعَهم هو أن ترتفع كلمة حق بكشف مخازيهم وحيلهم الشيطانية، وتنفير الناس منهم وتحذيرهم من إفكهم وباطلهم، فهنالك تقوم قيامتهم وينادون بالويل والثبور، ويقاومون بما لا يخرج عن طريقتهم في التضليل ودس الدسائس .....) ["آثار الإبراهيمي" (1/172)].

وقال : ( وبالجملة، فهذا الطراز الطرقيُّ الذي أدركناه من آباء وأبناء يجمعهم قولك طلاب دنيا وعُبّاد شهوات. ولو أكلوا أموال الناس بالباطل من غير أن يتخذوا الدين شباكاً لهان أمرهم على الناس ولاتّقوهم بما يتقون به اللصوص، ولو كِلناهم نحن إلى القوانين والوزعة. فأما أن يعبثوا بالدين كلَّ هذا العبث، وبما حرّم الله من أعراض المسلمين وأحوالهم ثم يريدون أن نسكت عنهم كما سكت العلماء من قبلنا، فلا والله ولا كرامة. ولعل أسخف طور مر على الطرقية في تاريخها هو هذا الطور الأخير. فقد أصبح من أحكامها أن شيخ الطريقة لا يلد إلاّ شيخ طريقة....و أصبح أمر هذه المشيخة لا يتوقف على تربية ولا تسليك ولا إجازة، وإنما يتوقف على قاعدة "خبز الأب للابن"... إننا لا نحمل لهؤلاء المشايخ ولا لأولادهم ولا لأحفادهم حقداً ولا نضطغن عليهم شيئاً، ولا ننفس عليهم مالاً من الأمة ابتزوه، ولا جاهاً على حسابها أحرزوه، وليس بيننا وبينهم ترات قديمة، ولا ذُحولٌ [أي أحقاد] متوارثة، ولا طوائل مغرومة. وإنما هو الغضب لله ولدينه وحرماته أَنْطَقَنَا فَقُلْنَا، وشَنَنَّاهَا غارةً على الآباء والأبناء، ما دام هذا الغصن من تلك الشجرة، ...) ["الآثار" (1/176-177)].

ـ وقال في درس تفسير خاتمة سورة إبراهيم، وبعد أن عرض لنضال إبراهيم عليه السلام في محاربة الأوثان، وتقرير "الصلة الوثيقة بين إبراهيم ومحمد –عليهما السلام-، إذ كل منهما قد ابتلي لمحاربة الأوثان وبث التوحيد الخالص في البشر، قال: (..وقال إبراهيم في أوثان قومه: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ...﴾ [إبراهيم:36]، هذا المرض الفتاك الذي استعصى على أولي العزم من رسل الله علاجُه، هو الذي غفل عنه المسلمون، وهوّن شأنَه علماؤهم الجامدون حتى استشرى وأعضل. فهذه القباب المشيدة، وهي أوثان هذه الأمة، أضلت كثيراً من الناس، وأكثر من الكثير، وافتتنوا بها، وبأسماء أصحابها حتى أَلْهَتْهُم عن دنياهم وأفسدت عليهم أخراهم، وغَلَوْا في تعظيمها حتى أصبحت معبودةً تُشَدُّ إليها الرحال، وتُقَرَّبُ لها القرابين والنذور، وتُسْأَلُ عندها الحاجات التي لا تُسْأَلُ إلاَّ من الله، ويحلف بها من دون الله، ويتآلى بها على الله، وما جرَّ هذا البلاء على الأمة الإسلامية حتى أضاعت الدين والدنيا، إلاَّ سكوتُ العلماء عن هذه الأباطيل أوّلَ نشأتها، وعدمُ سدِّهِمْ لذرائعها حتى طغت هذا الطغيان على عقول الأمة، ولو أنهم فَقَّهُوا الأمة في كتاب ربها، وساسوها بسنة نبيها لكان لها من سيرة إبراهيم ومحمد عاصمٌ أيّ عاصمٍ من هذا الشر المستطير.) ["الآثار" (1/397)].

---------------------------------

 1- التبرك بالأولياء، وزيارة الأموات التماساً للبركة، من الشرك بالله تعالى، أو من وسائله ومن الطرق الموصلة إليه، وفيه مضاهاة لأعمال المشركين، الذين كانوا يعكفون على قبور الصالحين كاللات؛ يتبرّكون بها. وزيادةً في البيان أقول: إن كانوا يتبركون بالولي وبالمكان الذي دفن فيه، على أن دعاءهم عنده مستجابٌ، وأحرى لقبوله، أو أن الصدقة عنده يضاعف ثوابها، فهذا بدعةٌ محدثةٌ، وسببٌ ووسيلةٌ إلى الشرك. وإن كان الزائر يتبرك بالولي المزور، على أنه ينتفع به (في قضاء الحاجات من غير أسبابها المعتادة وطرقها الظاهرة فهو من نسبة التصرف في الكون للمخلوق، وذلك شرك)["رسالة الشرك ومظاهره"للشيخ مبارك الميلي(ص:226).]، وإن كان الزائر يريد من التبرك: (الاستمداد من أرواح الصالحين ويعتقدون أنهم أحياء في قبورهم يتصرفون في العالم ويقضون حاجات قاصديهم... ويرون أن روح الصالح فلان هنالك... ومن مظاهر هذا التبرك الاستمدادي تقبيل الجدران والتمسح بالحيطان وكل ما يضاف إليه ذلك المكان، وكل هذا جهل وضلال...)["رسالة الشرك" (ص:227).]

 2- هذه الذبائح ممّا أهلَّ لغير الله به، والقصد منها التقرّبُ من الوليّ؛ وهو هنا "سيدي الحسني"، إذْ هو المقصود بالذبح؛ فقد ذبحت(الخرفان) باسمه وإن كانوا إنما سمّوا الله عليها، فالعبرة بالقصد والنيّة، ومن الشواهد على ذلك، أن هذه "الوعدة" تسمّى باسمه، وتنسبُ إليهِ. انظر:مزيداً من البيان، ما سيأتي في (الملحق) من كلام الشيخ مبارك الميلي رحمه الله.

 3- المراد بـ"المومنين": الجنّ، وأَمْرُ هذه المرأة التي تعملُ الكهانة لهذا المريض أو وليه بالذهاب إلى الضريح للزيارة، من قبيل الأمر بالشرك، أو بأسبابه وما يوصلُ إليهِ، والذي أوحى به إليها قرناؤها من الشياطين، فلا يرضيهم إلاّ أن يشرك هذا المريضُ بالله. فيتركُ هذا المسكين إيمانه، ويخسرُ دينه، مقابل أن يُشْفَى، وقدْ لا يحصل له الشفاء، والأمر لله من قبلُ ومن بعدُ.

 4- هذا من (التبرك المبتدَع المأفون)، راجع ما نقلناه عن مظاهر (التبرك الاستمدادي).